المرحلة الثالثة
الجمع الكلي من كتاب «البرهان» للزركشي (ت794هـ) إلى كتاب «الإتقان» للسيوطي (ت911هـ)
في هذه الفترة التي بين ظهور أول كتاب يجتهد في جمع أنواع علوم القرآن، وظهور كتاب السيوطي الذي صار عمدةً في كتب علوم القرآن تجد الآتي:
أولاً: لا زال التصنيف في التفسير مستمراً، ومن ذلك:
1 - «التقييد الكبير في تفسير كتاب الله المجيد»، لأحمد بن محمد البسيلي التونسي (ت830هـ)، وقد طُبِع منه إلى تفسير سورة آل عمران.
2 - «الجواهر الحسان في تفسير القرآن»، للثعالبي الجزائري (ت875هـ)، وهو مطبوع.
3 - «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» لبرهان الدين البقاعي (ت885هـ)، وهو مطبوع.
ثانياً: لا زال التصنيف في علوم القرآن المفردة مستمراً، ومن ذلك:
1 - «العجاب في بيان الأسباب»، لابن حجر العسقلاني (ت852هـ)، وهو مطبوع.
2 - «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» لبرهان الدين البقاعي (ت885هـ)، وهو مطبوع.
3 - «كشف السرائر في معاني الوجوه والأشباه والنظائر» لابن العماد (ت887هـ)، وهو مطبوع.
ثالثاً: ظهر بعض التصنيفات التي تتسم بالجمع الجزئي، ومن ذلك:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
«التيسير في قواعد علم التفسير»، لمحمد بن سليمان الكافِيَجِي (ت879هـ)، وهو مطبوع.
رابعاً: ظهرت محاولات أخرى ـ غير ما ذهب إليه الزركشي ـ للجمع الشمولي لعلوم القرآن، ومن هذه:
1 - «مواقع العلوم من مواقع النجوم» للبلقيني (ت824هـ).
ويعدُّ تصنيفه لأنواع علوم القرآن من أجود أنواع التصانيف لها، وهي ـ كما نقلها السيوطي (ت911هـ) ـ كالآتي:
«الأمر الأول: مواطن النُّزول وأوقاته ووقائعه، وفي ذلك اثنا عشر نوعاً: المكي، المدني، السفري، الحضري، الليلي، النهاري، الصيفي، الشتائي، الفراشي، النومي، أسباب النُّزول، أول ما نزل، آخر ما نزل.
الأمر الثاني: السند، وهو ستة أنواع: المتواتر، الآحاد، الشاذ، قراءات النبي صلى الله عليه وسلم، الرواة الحفاظ.
الأمر الثالث: الأداء، وهو ستة أنواع: الوقف، الابتداء، الإمالة، المد، تخفيف الهمزة، الإدغام.
الأمر الرابع: الألفاظ، وهو سبعة أنواع: الغريب، المعرب، المجاز، المشترك، المترادف، الاستعارة، التشبيه.
الأمر الخامس: المعاني المتعلقة بالأحكام، وهو أربعة عشر نوعاً: العام الباقي على عمومه، العام المخصوص، العام الذي أريد به الخصوص، ما خص فيه الكتاب السُّنة، ما خصصت فيه السُّنة الكتاب، المجمل، المبين، المؤول، المفهوم، المطلق، المقيد، الناسخ، والمنسوخ، نوع من الناسخ والمنسوخ وهو ما عمل به من الأحكام مدة معينة والعامل به واحد من المكلفين.
الأمر السادس: المعاني المتعلقة بالألفاظ، وهو خمسة أنواع: الفصل، الوصل، الإيجاز، الإطناب، القصر.
وبذلك تكملت الأنواع خمسين، ومن الأنواع ما لا يدخل تحت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
الحصر: الأسماء، الكنى، الألقاب، المبهمات، فهذا نهاية ما حصر من الأنواع» (1).
2 - «الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة»، لأبي علي الحسين بن علي الرجراجي (ت899هـ)، وهو مطبوع.
3 - «التحبير في علوم التفسير»، للسيوطي (ت911هـ)، وقد بنى كتابه على كتاب البلقيني (ت824هـ)، حيث قال: «… فصنفت في ذلك كتاباً سميته التحبير في علوم التفسير ضمنته ما ذكر البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها وأضفت إليه فوائد سمحت القريحة بنقلها».
وبالنظر إلى أنواع علوم القرآن التي كتبها الزركشي (ت794هـ) في «البرهان في علوم القرآن»، والبلقيني (ت824هـ) في «مواقع العلوم من مواقع النجوم»، والسيوطي (ت911هـ) في «التحبير في علم التفسير»، وفي «الإتقان في علوم القرآن» = يظهر أثر بعض العلوم في منهج كتابة أنواعٍ من علوم القرآن، فتجد جملة من مسائل علم الأصول، وعلوم البلاغة العربية، وعلوم الحديث قد دخلت في تصنيف أنواع علوم القرآن، حتى صارت كأنها منه عند قوم، ومُنْتَقَدَةٌ بكونها من هذه العلوم عند آخرين، وقد سبقت الإشارة إلى شيءٍ من سبب دخولها في كتب علوم القرآن (2).--------------------------------------------
(1) الإتقان، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (1:5).
(2) ينظر: (ص23 - 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
المرحلة الرابعة
ما بعد «الإتقان» للسيوطي
بعد كتاب «الإتقان» يكاد يكون التأليف في علوم القرآن قد توقف سوى بعض كتبٍ ظهرت إما تشقيقاً لما ذكره السيوطي (ت911هـ)، كما فعل محمد بن أحمد بن عقيلة المكي (ت1150هـ) في كتابه «الزيادة والإحسان في علوم القرآن»، وإما كتابةً لبعض أنواع علوم القرآن، كما فعل طاهر الجزائري (ت1338هـ) في كتابه «التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريق الإتقان».
ولما دخلت مادة (علوم القرآن) في مناهج الجامعات ظهرت مجموعة من كتب علوم القرآن لأعضاء هيئة التدريس الذين درَّسوا هذا المنهج، فكان منها ما هو عالي الجودة في التأليف، وكان منها ما هو نقل بلا زيادة ولا تحقيق، ومن أهم الكتب المعاصرة التي أفرزها تدريس هذه المادة في الجامعات:
1 - «مناهل العرفان في علوم القرآن»، لمحمد عبد العظيم الزرقاني (ت1367هـ)، وقد ألَّفه لطلاب الدعوة والإرشاد في كليات الأزهر.
وقد جاء أسفل عنوان الكتاب العبارة الآتية: (طبق ما قرره مجلس الأزهر الأعلى في دراسة تخصص الكليات الأزهرية).
2 - «مباحث في علوم القرآن»، للدكتور صبحي الصالح (ت1407هـ)، وقد كان الكتاب إثر محاضرات كان يلقيها خلال عامين على طلابه في شهادة علوم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق، وطُبع عام (1387/ 1967م).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وقد تميَّز هذان الكتابان بحسن العرض، وترتيب المعلومات، والأسلوب الأدبي الرشيق في عرض المادة العلمية، والاعتناء بالرد على شبه المستشرقين.
3 - «مباحث في علوم القرآن»، لمناع خليل القطان (ت1420هـ)، وقد كتبه لطلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في تخصص القرآن وعلومه، وقد استُفيد منه في تدريس هذه المادة في جامعة الإمام وغيرها، كما أضاف إليه المؤلف إضافات قبل وفاته.
ويمتاز هذا الكتاب بجودة التنظيم، وحسن ترتيب المعلومات مع سهولة في العبارة، مما جعله ملائماً للمنهج الدراسي في الجامعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
قراءات مقترحة في موضوع: نشأة علوم القرآن
1 - «دراسات في علوم القرآن»، للأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي.
2 - «علوم القرآن بين البرهان والإتقان»، للدكتور حازم سعيد حيدر.
3 - كتاب «مناهل العرفان» للزرقاني: دراسة وتقويم، للدكتور خالد بن عثمان السبت.
4 - «علوم القرآن من خلال مقدمات المفسرين»، للدكتور محمد صفا شيخ إبراهيم حقي.
وفي هذا الموضوع رسائل علمية نوقشت، لكنها غير مطبوعة، وهي تحت العناوين الآتية:
1 - «تاريخ علوم القرآن الكريم حتى نهاية القرن الخامس»، للباحث أحسن بن سخاء بن محمد شرف الدين (كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية).
2 - «تاريخ علوم القرآن من بداية القرن السادس إلى نهاية القرن العاشر»، للدكتور محمد بن حميد بن محمد القرشي (كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية).
بحوث مقترحة في موضوع: نشأة علوم القرآن
1 - مصطلح علوم القرآن ومرادفاته في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا في آثار الصحابة والتابعين وأتباعهم، ويكون ذلك باستقراء تفسيراتهم، وكتبهم المتعلقة بنوع من أنواع علوم القرآن، وكلام بعضهم في تقويم الرجال، حيث تجد وصفهم لبعض الأعلام بأنهم من العلماء العارفين بعلوم القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
وهذا النظر في الأحاديث والآثار سيبين مراداتهم في إطلاق هذا المركب أو أحد مرادفاته.
2 - مصطلح علوم القرآن في كتب تراجم الأئمة الأعلام، وهو بحث كثير المواضع؛ لأنه سيكون فيه تتبع لكتب التراجم عبر القرون، واستخلاص هذا المصطلح ومفرداته، والنظر في مراد من أطلقه.
ينظر مثلاً: التراجم الآتية من كتاب تاريخ بغداد (6: 248)، (7: 341)، (10: 123)، (12: 34).
3 - تتبع مقدمات المفسرين لمعرفة أنواع علوم القرآن التي ذكروها في مقدماتهم، ومعرفة علاقتها بالتفسير عموماً، وأثرها في تفسير المفسر الذي ذكرها على وجه الخصوص.
4 - معرفة المفسرين الذين قصدوا ترتيب كتبهم في التفسير على بعض أنواع علوم القرآن.
5 - النظر في كتب علوم القرآن وتدرجها في ذكر أنواع علوم القرآن، والموازنة فيها بين ذكر هذه الموضوعات، فعلى سبيل المثال:
الموازنة بين الموضوعات التي ذكرها ابن الجوزي (ت597هـ) في كتابه «فنون الأفنان في علوم القرآن»، والموضوعات التي طرحها السخاوي (ت643هـ) في كتابه «جمال القراء وكمال الإقراء».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
الفصل الثالث
الفرق بين علوم القرآن وأصول التفسير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
إذا رجعت إلى بعض الكتب التي صُدِّرت عناوينها بأصول التفسير، ونظرت إلى مادتها فإنك ستجد أغلب مباحثها في علوم القرآن، ككتاب «الفوز الكبير في أصول التفسير» (1) لأحمد بن عبد الرحيم الدهلوي (ت1176هـ)، وكتاب «أصول في التفسير» للشيخ محمد بن عثيمين (ت1422هـ)، فهل (أصول التفسير) هي (علوم القرآن)؟
لا شكَّ أنَّ اختلاف الإضافات تدلُّ على اختلاف المصطلحات، إلا إذا كان المضاف إليه له أكثر من نظير في معناه؛ كالذي سبق في مصطلح «علوم التَّنْزيل»، ومصطلح «علوم الكتاب»، وأمثالها (2).
لكن الأمر هنا يختلف فالتفسير غير القرآن، لذا فأصول التفسير ليست هي علوم القرآن.
وإذا تأمَّلت الأمر وجدت أنَّ التفسير جزءٌ من علوم القرآن، بل هو أكبر علومه.
فالتفسير ـ الذي هو بيانُ القرآنِ وشرحُه وإيضاحُه ـ من علوم القرآن، وفي علوم القرآن غير التفسير من العلوم، وقد تكون بعض علومه مشتركة بين التفسير وعلوم القرآن، وهذا أمر معتاد، فكل ما هو من علوم التفسير، فهو من علوم القرآن قطعاً، وقد يكون إفراد هذه العلوم بعناوين مستقلة في كتب علوم القرآن مظنَّة الخلط الذي يقع بين المصطلحين؛ كعلم «غريب القرآن» الذي كتب فيه كتاباً مستقلاً جمهور من علماء اللغة المتقدمين،--------------------------------------------
(1) أغلب مسائل الكتاب في أنواع من علوم القرآن، منها: العلوم الخمسة التي بينها القرآن العظيم بطريق التنصيص «علم الجدل، علم الأحكام، وعلم التذكير بآلاء الله، وعلم التذكير بآيام الله، وعلم التذكير بالموت وما بعد الموت» الفوز الكبير (ص19).
(2) ينظر: (ص25).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وشاركهم فيه كثير من المتأخرين، هو من علوم التفسير لأن التفسير لا يقوم بدونه، وهو من باب أولى من علوم القرآن أيضاً.
لكن علم (عدِّ الآي) من علوم القرآن وليس من علوم التفسير؛ لأن علم التفسير يقوم بدونه.
أما أصول التفسير فإنه أخصُّ من علوم التفسير، والمسائل التي تُدرسُ في الأصول غالباً ما تمثِّل شكل القاعدة التي يندرج تحتها أمثلة متعددة، وتكون من مبادئ هذا العلم، ويغلب عليها الجانب التطبيقي، ومن عرفها فإنه يسهل عليه ممارسة علم التفسير.
وأصول التفسير تشتمل على المبادئ والأسس التي يحتاج إليها من يريد قراءة التفسير أو من يريد التفسير؛ ليعرف بها القول الصواب من الخطأ.
ويمكن اختصار القول هنا بما يأتي:
1 - إن كانت المعلومة ـ من علوم القرآن ـ لا أثر لها في فهم المعنى، فهي من علوم القرآن وليست من علوم التفسير؛ كمعرفة فضائل سورة الإخلاص، فإنها من علوم القرآن لكن معرفتها أو جهلها لا يؤثر في فهم المعنى.
2 - وإن كانت من المعلومات التي تؤثر في فهم المعنى؛ كمعرفة غريب الألفاظ، فهذا من علوم التفسير، ومن علوم القرآن من باب أولى.
وإن كانت المعلومة تمثِّل أصلاً أو أساساً يُرجع إليه لمعرفة التفسير من حيث الصحة والبطلان، ومن حيث توجيه أقوال المفسرين، فإنها تكون من أصول التفسير، ومن باب أولى أن تكون من علوم التفسير، فعلوم القرآن.
ومثال ذلك: أن يعرف طالب علم التفسير مصطلح السلف في النسخ؛ لأن عدم معرفة مصطلحهم تؤثر في فهم تفسيراتهم وتوجيهها إذا وردت عن أحدهم في موطن لا يصلح للنسخ كالأخبار، فإذا وردت عبارة النسخ في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
تفسير واحد من السلف في خبر من الأخبار أجزم بأنه لا يريد النسخ الاصطلاحي، بل يريد التنبيه على وقوع رفعٍ لجزء من معنى الآية؛ كأن يكون بيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو بيان وقوع استثناءٍ .. الخ.
ومن الأمثلة الواردة في إطلاق السلف لفظ النسخ على الخبر، ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما (ت68هـ) في قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224]، قال أبو جعفر النحاس (ت338هـ) «قد أدخل هذه الآيات بعض الناس في الناسخ والمنسوخ، حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن هشام، قال: حدثنا عاصم بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} قال: «نسختها الآية التي بعدها»؛ يعني: {إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء: 227]» (1).
فقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224] خبرٌ، والخبرُ لا يُنسخ، بمعنى رفعه بالكلية، وليس هذا مراد ابن عباس رضي الله عنهما (ت68هـ) بالنسخ هنا النسخ الكلي، وإنما مراده النسخ الجزئي، وهو تخصيص العموم الذي في قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224] بالاستثناء الوارد بعده في قوله تعالى: {إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء: 227]، والله أعلم.
وفي الختام، فإنَّ علم أصول التفسير جزء من علوم التفسير، وعلوم التفسير جزء من علوم القرآن، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) الناسخ والمنسوخ للنحاس، تحقيق الدكتور سليمان اللاحم (2:572).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
الباب الثاني
نزول القرآن وجمعه
الفصل الأول: الوحي.
الفصل الثاني: نزول القرآن.
الفصل الثالث: المكي والمدني.
الفصل الرابع: أسباب النزول.
الفصل الخامس: جمع القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
الوحي
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: كيفية الوحي.
المبحث الثاني: أنواع الوحي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
• علاقة هذا النوع بأنواع علوم القرآن الأخرى:
الكلام في الوحي ـ كما هو ظاهر ـ مرتبط بعلم (نزول القرآن)، وهو كالمقدمة له، ولا يصلح تأخير بحثه فيكون بعد بحث (نزول القرآن)؛ لأن موضوع (كيفية نزوله) في علم (نزول القرآن) مرتبط بكيفية الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
الوحي
نزل جبريل عليه السلام بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء، وكان ذلك أول بدءٍ للوحي بنُزول القرآن الكريم، لذا كان الحديث عن الوحي ونزول القرآن متلازمين لا ينفكان، وسيكون الحديث هنا عن الوحي من حيث كونه أساس نزول القرآن، ثمَّ عن نزول القرآن الكريم.
قال ابن فارس (ت395هـ): «الواو والحاء والحرف المعتل أصل يدل على إلقاء علم في خفاءٍ، أو غيره إلى غيرك. فالوحي: الإشارة، والوحي: الكتابة والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى عَلِمَهُ فهو وحي؛ كيف كان …» (1).
وكل ما ذُكر من أنواع الوحي ـ كالإلهام، والرمز، والإشارة، والأمر، والكتابة ـ فإنها لا تخرج عن معنى (إلقاء علمٍ في خفاء).
أما الوحي الوارد في الكتاب والسنة فقد ورد في مواضع كثيرة تربو على المائة موضع (2)، وهو على أنواع متعددة، وقد ذكرت آية سورة الشورى أعلى هذه الأنواع التي يقع فيها سماع كلام الله، قال تعالى:
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ--------------------------------------------
(1) مقاييس اللغة، مادة (وحى)، وقريب من ذلك ما ذكره الراغب الأصفهاني: «أصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمُّن السرعة قيل: أمرٌ وحيٌ، وذلك يكون بالإعلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرَّدٍ عن التركيب، وبإشارةٍ ببعض الجوارح، وبالكتابة …». مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان داودي (ص858).
(2) يلاحظ في ورود الوحي أنه قد يكون بلفظ الوحي ومشتقاته، أو بعبارة تدل على الوحي؛ كالنُّزول، وغيرها، في مثل قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء: 193].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51].
ذكرت هذه الآية ثلاثة أنواع من أنواع الوحي، وهي كالآتي:
1 - أن يلقي كلامه على النبي بكيفية غير معتادة فيعيه.
2 - أن يكلمه مباشرة من وراء حجاب، فلا يرى النبي ربه، لكن يسمع كلامه، وقد وقع هذا لموسى عليه السلام في بدء وحيه، وفي ميعاده مع ربه لأخذ الشريعة التي كانت في الألواح. وحصل لنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم في معراجه، حيث أخذ الأمر بالصلاة عن ربه مباشرة.
3 - أن يرسل رسولاً من الملائكة، وغالباً ما يكون المرسَل جبريل عليه السلام إن كان الأمر يتعلق بالنبوة والشريعة (1)، وقد يرسل غيره لأمور أخرى، كما هو وارد في الآثار.
والوحي الذي يُنْزله الله بواسطة الملك جبريل على نبي من أنبيائه هو الغالب على الوحي إلى الأنبياء، فنُزول الملك جبريل عليه السلام على أحد من البشر إيذانٌ ببدء الوحي.
وهو من أمور الغيب التي يختص بها النبي المرسل، لذا فإن الاجتهاد في تقريب صورة الوحي إلى الأذهان بأمر من الأمور المحسوسة غير دقيق، ولا يمكن تقريب صورة الوحي هذه، كما اجتهد في تقريبها بعض المعاصرين.
كما أن ما يحكيه بعضهم من كيفية إتيان الملك للرسول صلى الله عليه وسلم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية، فذلك مما لا دليل عليه.
ومن ثَمَّ، فالوحي بلغة القرآن والسنة: إعلام الله لنبي من أنبيائه--------------------------------------------
(1) من الملاحظ أنه لم ترد تفاصيل في كيفية وحي الله لأنبيائه، لكن هناك آثار تدل على أن المكلف بالوحي جبريل عليه السلام، ولم يخرج عن هذا الأسلوب من الإعلام بالنبوة سوى موسى عليه السلام حيث كان الوحي إليه مباشراً من الله، لذا لُقِّب بكليم الله، وكذا نزول الشريعة عليه، حيث أخذ الألواح في ميعاده مع ربه بعد تمام أربعين ليلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
• بكيفية معينة ـ بنبوته، وما يتبعها من أوامر ونواهٍ وأخبار.
والآيات الدالة على الوحي بهذا المعنى كثيرة، منها قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163]، وكقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى: 7]، وغيرها من الآيات التي ينصُّ فيها على وحيه لأنبيائه أو وحيه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ إما بلفظ الوحي ومشتقاته، وإما بغيره مما يدل عليه كلفظ النُّزول ومشتقاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
المبحث الأول
كيفية الوحي
قد ورد في السنة ما يدل على كيفية الوحي والحال التي يكون عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء تلقيه له، ومن ذلك ما ورد عن الحارث بن هشام رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيه الوحي؟
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله. كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً، فيكلمني، فأعي ما يقول».
قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينْزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً (1).
والسؤال ـ كما هو ظاهر من جوابه ـ متوجه إلى كيفية نزول الوحي بواسطة جبريل عليه السلام، وأنه كان ينْزل بهاتين الطريقتين، وفي الحديث إجمال، حيث لم يذكر هل ينْزل القرآن بهاتين الطريقتين أم بأحدهما؟
والحالة الأولى هي الحالة الأظهر في ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعالج شدة أثناء نزول الوحي عليه، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16 - 17]. قال ابن عباس رضي الله عنهما (ت68هـ): «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنْزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه ـ فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) رواه مالك في موطئه برقم (474)؛ والبخاري برقم (2)؛ ومسلم برقم (2333).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه ـ فأنزل الله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16 - 17]» (1).
وهذه الحالة الغريبة كانت مثار الاستفسار، ومدعاة لطلب رؤيتها كما حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم، فعن صفوان بن يعلى عن أبيه رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل عليه جبة بها أثر من خلوق، فقال: يا رسول الله. إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل؟ فسكت عنه فلم يرجع إليه، وكان عمر رضي الله عنه يستره إذا أنزل عليه الوحي يظله، فقلت لعمر رضي الله عنه: إني أحب إذا أنزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، فلما نزل عليه خَمَّرَهُ عمر رضي الله عنه بالثوب، فجئته، فأدخلت رأسي معه في الثوب، فنظرت إليه، فلما سُرِّيَ عنه قال: أين السائل آنفا عن العمرة؟ فقام إليه الرجل، فقال: انزع عنك جبتك، واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجِّك» (2).
وهذا يدل على أن حالة الوحي هذه قد تكون في غير القرآن، كما هو ظاهر هذا الخبر، والله أعلم.
أما مجيئه إليه بالصورة البشرية فلم يرد فيه الوحي بالقرآن بها سوى خبر الحارث بن هشام رضي الله عنه المجمل، وإنما الوارد في أمور أخرى، كما وقع في تعليم الناس أمور الدين في حديث جبريل عليه السلام الطويل في سؤاله الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة (3)، وكان كثيراً ما يتمثَّل بصورة الصحابي دحية الكلبي رضي الله عنه (4).
وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم للحارث بن هشام تشير إلى أن مصطلح الوحي--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (5).
(2) أخرجه مسلم برقم (1180).
(3) أخرجه البخاري برقم (50) عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ ومسلم برقم (9) عن عمر رضي الله عنه.
(4) انظر على سبيل المثال: البخاري برقم (3634)؛ ومسلم (2451) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
عندهم قد غلب على مجيء جبريل عليه السلام بالوحي دون سواه من أنواع الوحي، لذا لا حاجة إلى الاستفسار عن سبب تركه صلى الله عليه وسلم لأنواع الوحي الأخرى، والله أعلم.
مسألة: هل وقع الوحي بالقرآن بغير الطريق المشهور؟
عن أنس رضي الله عنه قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟
قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر: 1 - 3]» (1).
هل يدل حديث أنس رضي الله عنه على أن سورة الكوثر نزلت مناماً، وليس في الحال المشهورة للوحي؟
إنه لو كان هذا وقع، فإنه لا شيء يخلُّ بقرآنية سورة الكوثر؛ لأنَّ رؤيا الأنبياء وحي، والنبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه، وقد رأى في منامه من الوحي الشيء الكثير.
لكن حمل عبارة أنس رضي الله عنه: «أغفى إغفاءة» على الحالة التي كانت تعتري الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء الوحي أولى؛ لأن كون الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، وبين أظهرهم يُبعِد أن يقع منه نومٌ، فتلك مخالفة للمعتاد من حاله مع أصحابه، أما وقوع الوحي، وهو بينهم، فهذا كثيرٌ جدّاً، والله أعلم.
كما يُلاحظ أنَّ عباراتهم عن هذه الحالة تختلف من صحابي إلى آخر، فقد ورد عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه رضي الله عنه حكاية هذه الحال، حيث ذكر: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق أو قال صفرة فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم فستر بثوب ووددت أني قد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر: تعال أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم برقم (400).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)