أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي ـ ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير، والشعبي، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق ومن بعدهم؛ كيحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، والواقدي ونحوهم في المغازي».
تأتي عن الإمام أحمد (ت:241) بعض العبارات المجملة التي لا يُدرى المراد بها على وجه التحديد؛ لأنها لم تلق تفسيرًا منه.
ومن هذه الروايات المجملة هذه الرواية التي اختلفت فيها تخريجات العلماءِ، وتباينت فيها آراؤهم، فقد روى الخطيب البغدادي (ت:463) بسنده هذا الأثر عن أحمد بن حنبل (ت:241)، ثم قال في شرح هذه العبارة: «وهذا الكلام محمول على وجه، وهو أنَّ المراد به كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مصنفيها وعدم عدالة ناقليها وزيادات القصاص فيها» (1).
وهذا التخريج فيه نظر؛ إذ ليس في عبارة الإمام أحمد (ت:241) ما يدلُّ عليه، وما تلك التخريجات إلا للغموض والإجمال في تلك العبارة التي قالها الإمام أحمد بن حنبل (ت:241).
ولو عُرِفَ المراد بالتحديد بمصطلح «إسناد» أو مصطلح «أصول» الذي جاءت به الرواية عن الإمام أحمد لحُلَّ المراد بقوله، ولزال الإشكال.
وأقرب ما يمكن تفسيرها به أن يكون أراد الإسناد المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التخريج لعبارة الإمام أحمد (ت:241) هو الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:728) في عبارته السابقة حيث ذكر المراسيل التي يقابلها المسند المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل».--------------------------------------------
(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2:162).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
كما نصَّ في كتابه منهاج السنة على ذلك فقال: «وأما أحاديث سبب النّزول فغالبها مرسل ليس بمسند، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: ثلاثة علوم لا إسناد لها ـ وفي لفظ: ليس لها أصل ـ التفسير والمغازي والملاحم، ويعني أن أحاديثها مرسلة» (1).
وهذا يشير إلى أن مراد الإمام أحمد (ت:241) بالتفسير أسباب النُّزول خاصة، والحقيقة أن أسباب النُّزول جزء من علم التفسير، وهي نوعان:
الأول: أسباب النُّزول الصريحة، وهذه التي يقع فيها الإرسال؛ لأن التابعي أو من بعده ينسب الحدث إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو لم يشاهده قطعًا، وهذا هو الإرسال في الرواية.
الثاني: أسباب نزول غير صريحة، وهذه تدخل في باب التفسير بالرأي؛ لأنَّ المفسر إذا ذكر حدثًا معيَّنًا، وصدَّره بعبارة النُّزول، فليس يلزم أن يكون مراده أنه سبب النُّزول المباشر، بل يريد التنبيه على دخول هذا الحدث في معنى الآية.
لكن المطَّلِع على التفسير المروي عن السلف عمومًا يجد أن المرويَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قليل جدًّا، ويمكن أن يكون مراد الإمام أحمد (ت:241) بمصطلح الإسناد: المرفوع فحسب، وهذا يصدق على هذه العلوم الثلاثة التي ذكرها حيث يكثر إسناد أخبارها إلى من بعد الصحابة، وهي تشترك في أنها أخبار روائية لا يمكن إدراكها بغير الخبر، فالمخبِر إما أن يكون سامعًا وإما أن يكون مشاهدًا، وهذا لا يتحقق إلا للصحابي فقط، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية (7:435).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
مسألة في المراسيل في التفسير:
إن الذي يغلب في مراسيل التفسير مجيئها في أسباب النُّزول، وعبارة شيخ الإسلام في هذه المسألة هنا ظاهرة أن المراد بها أسباب النُّزول؛ لأنها تحكي خبرًا تاريخيًّا مرتبطًا بآية من الآيات.
وما ذكره شيخ الإسلام من تحرير في هذه المسألة مفيد للمفسر الذي يريد تحرير أسانيد أسباب النُّزول، وهو يصلح للنقد التاريخي عمومًا، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي، وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك».
وقد ذكر ضوابط قبول هذه المراسيل، وهي:
1 - أن لا يكون مصدرها مفردًا، بل يكون متعدِّدًا.
2 - أن تخلوَ من المواطأة.
3 - أن يتلقاها العلماء بالقبول.
وهذا القيد مهم معتَبرٌ، وهو قد ذكره عند ذكره لحديث الآحاد، حيث قال: «ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له، أو عملاً به أنه يوجب العلم».
وكذا يمكن القول بأن هذه القيد معتبر في قبول المراسيل التي ترد في التفسير، لكن قد يكون هناك مرتبة أخرى في قبول حكاية النُّزول الذي من قبيل الرأي، وهو أن يتوارد المحققون من المفسرين على ذكره دون اعتراض عليه، فإن هذا قرينةٌ تُشعِرُ بقبوله أيضًا.
4 - أن الاختلاف في التفاصيل الدقيقة لا يؤثر في أصل الخبر، وهذا الاختلاف في التفاصيل لا يرجع إلى الكذب، بل إلى الضبط، وضربَ مثالاً لذلك باختلاف الثمن في قصة بيع جابر بعيره على النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه المسألة من نفائس هذه المقدمة التي يحسن بالمعتنين بالتفسير الاستفادة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
منها في حال دراسة أقوال مفسري السلف، والاستفادة تكون على حالين:
الأولى: الاستفادة منها في مجال دراسة أسباب النُّزول، كما صوَّرها شيخ الإسلام في هذه المسألة، وضرب لها مثالاً بالمتبارزين يوم بدر.
ومثل ذلك ما وقع من الاختلاف في سبب نزول التحريم في شرب العسل؛ هل كان شربه عند زينب أو عند حفصة؟. فهذا الاختلاف لا يضر في أصل القضية، وكونه امتنع عن شرب العسل (1).
الثانية: الاستفادة منها في مجال دراسة أقوال السلف الأخرى، خصوصًا ما يرتبط منها بالأخبار؛ كالأخبار الغيبية عمومًا.
ومن أمثلة ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى: {وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} [الطور: 4]، فقد ورد في تفسيرِ السَّلفِ أنَّه بيتٌ في السماء، بحذاء الكعبةِ، تعمرهُ الملائكةُ، يدخلُه منهم سبعونَ ألف ملَكٍ، ثمَّ لا يعودونَ إليه، ويقال له: الضُّرَاحُ، وهذا قولُ عليٍّ (ت:40) رضي الله عنه.
ووردَ هذا التفسيرُ عن ابن عباسٍ (ت:68) من طريق عطيَّةَ العوفي (ت:111)، وجعله بحذاء العرشِ، ولم يذكر اسمه (2).
وورد عن مجاهد (ت:104) من طريق ابن أبي نجيح: أنه بيت في السماء، يقالُ له: الضُّراحُ.
وعن عكرمة (ت:117): بيتٌ في السماءِ، بحيالِ الكعبةِ.
وعن الضحاكِ (ت:105) من طريق عبيد المكتب: يزعمونَ أنه يروح إليه سبعونَ ألف ملكٍ من قبيلةِ إبليس، يقال لهم: الحِنُّ.--------------------------------------------
(1) المراد هنا ضرب مثال لهذه المسألة، وليس الحديث هنا عن الراجح في سبب نزول سورة التحريم، والرأي الصواب في ذلك أن سببها تحريمه الجارية على نفسه، ينظر في علل هذا الترجيح: محاسن التأويل للقاسمي.
(2) قال ابن كثيرٍ بعد أن ذكر هذه الروايةَ: «وكذا قال عكرمةُ، ومجاهد، والربيع بن أنسٍ، والسديُّ، وغير واحدٍ من السَّلفِ». تفسير ابن كثير، تحقيق: سامي السَّلامة (7:429).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
وقد روى قتادة (ت:117)، وابن زيدٍ (ت:182) عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً أنه بيتُ اللهِ في السماءِ، وأنه يدخله في اليوم سبعونَ ألفَ ملَكٍ لا يعودونَ إليه. وزادَ قتادةُ (ت:117): تحته الكعبةُ، لو خَرَّ لخَرَّ عليها.
وفي الصحيح من حديثِ المعراجِ أنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم رأى إبراهيمَ عليه السلام في السماءِ السابعةِ، مُسندًا ظهرَه إلى البيتِ المعمورِ، وأنه يدخله سبعونَ ألفَ ملَكٍ لا يعودونَ إليه (1).
وقد ذكر ابن حجرٍ (ت:852) أنه قد ورد عن الحسنِ ومحمد بن عباد بن جعفر أنَّ البيت المعمور: الكعبةَ، وقال: «والأول أكثرُ وأشهرُ» (2).
وإذا حللَّتَ هذه الأقوالَ فإنكَ ستجدُ الآتي:
أنَّ الحديثَ الواردَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في البيتِ المعمورِ ليسَ فيه إشارةٌ إلى الآيةِ؛ أي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصدْ تفسيرَ الآيةِ مباشرةً، ولكنَّ هذا الأثرَ يُستفادُ منه في بيانِ المرادِ بالقسمِ في هذه الآيةِ، لأنَّ القسمَ بالبيتِ المعمورِ قد يحتملُ الكعبةَ؛ لأنها بهذه الصِّفةِ، فهي معمورةٌ بالطائفينَ والقائمينَ والركَّعِ السجودِ.
ولكن تواردَ جمهورِ السَّلفِ على أنه البيتُ الذي في السماءِ، مع ما في هذا الحديثِ من ذكر له يجعلُ القولَ الصوابَ أنَّ المرادَ به بيتُ السماءِ.
ومن هنا فالبيتُ الذي في السماء من علمِ الغيبِ، فما المقبول من وصفِه فيما وردَ في الآثار؟
1 - أنه بيتٌ في السماء السابعة (3).
2 - أنَّ إبراهيمَ مسندٌ ظهره إليه.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أنس بن مالكٍ.
(2) فتح الباري (6:309).
(3) ورد في طرق حديث المعراج غير ذلك، لكن هذا هو الصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
3 - أنه يدخله سبعونَ ألفَ ملكٍ، ثمَّ لا يعودونَ إليه.
وهذه الأوصافُ ثابتةٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد ورد عن السَّلفِ أنه في السماء، دون تحديدها، وأنه يدخلهُ سبعونَ ألفَ ملكٍ ثم لا يعودونَ إليه.
وزادَ عندهم من أوصافِه:
4 - أنه بحذاءِ الكعبةِ، عن عليٍّ، وعكرمةَ.
5 - أنه بحذاء العرشِ، عن ابنِ عباسٍ.
6 - أنَّ اسمه الضُّراحُ، عن عليٍّ، ومجاهدٍ.
7 - أنَّ الذين يدخلونه يقال لهم: الحِنُّ، وهم من قبيلةِ إبليسَ، تفرَّدَ به الضحاكُ (ت:105).
أمَّا ما انفردَ بروايتِه التابعيُّ، وهو الضحاكُ (ت:105)، فإنه لا يقبلُ بسبب هذا الانفرادِ.
وأمَّا ما وردَ في الوصفينِ (4، 5)، واسم هذا البيتِ (6)، فإنَّك إذا جعلتَ ما وردَ عن الصَّحابيِّ في هذا الأمرِ الغيبيِّ في حكمِ المرفوعِ، قَبِلْتَها، وإلَاّ توقَّفتَ على الثابتِ صراحةً، وهي الأوصاف التي وردتْ في الحديثِ.
لكنْ يُعزِّرُ أمرَ قبولِ أقوالهم تعدُّدُ القائلينَ بها، مع احتمال عدم أخذ الآخِرِ عن الأول، خصوصًا إذا أضفتَ ما نسبه ابن كثيرٍ (ت:774) إلى السُّدِّيِّ (ت:128)، والربيع بن أنسٍ (ت:139)، وغير واحدٍ من السلفِ، فإنَّ تواردَ أقوالِهم على أمرٍ من الأمورِ يدلُّ على أصلِه، وهذه قاعدةٌ علميَّةٌ مفيدةٌ جدًا في العلمِ، وخصوصًا في التفسيرِ، لكثرةِ ما يردُ من اختلافٍ في أسباب النُّزولِ وغيرها، فإنه بجمعِ ما وردَ من الخلاف يتبيَّنُ الأصلُ المشترَكُ بين الأقوالِ، فيحكمُ به، وإن اختُلفِ في إثباتِ بعضِ تفاصيلِه، كما هو الحالُ في هذا المثالِ.
وهذه القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام في دراسة الأخبار واضحةٌ جدًّا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
في كلامه، ومعزَّزة بالمثال كما هو الحال عنده في أنواع الاختلاف.
وقد ذكر مثل هذا التفصيل في كتابه منهاج السنة، فقال: «والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها، وحسب الأقوال أن منها المقبول ومنها المردود الموقوف، فمن عُلِمَ من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبِلَ مرسلُه، ومن عُرِفَ أنه يرسل عن ثقة وغير الثقة كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله، فهذا موقوف.
وما كان من المراسيل مخالفًا لما رواه الثقات كان مردودًا.
وإذا جاء المرسل من وجهين = كلٌّ من الراويين أخذ العلم عن شيوخ الآخر فهذا مما يدل على صدقه؛ فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب = كان هذا مما يعلم أنه صدق.
فإن المخبر إنما يؤتى من جهة تعمد الكذب ومن جهة الخطأ، فإذا كانت القصة مما يعلم أنه لم يتواطأ فيه المخبران، والعادة تمنع تماثلهما في الكذب عمدًا والخطأ؛ مثل أن تكون القصة طويلة فيها أقوال كثيرة رواها هذا مثل ما رواها هذا؛ فهذا يعلم أنه صدق.
وهذا ما يعلم به صدق محمد صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام، فإن كلاً منهما أخبر عن الله وملائكته وخلقه للعالم وقصة آدم ويوسف وغيرهما من قصص الأنبياء عليهما السلام بمثل ما أخبر به الآخر مع العلم بأنَّ واحدًا منهما لم يستفد ذلك من الآخر، وأنه يمتنع في العادة تماثل الخبرين الباطلين في مثل ذلك، فإن من أخبر بأخبار كثيرة مفصلة دقيقة عن مخبر معين لو كان مبطلاً في خبره لاختلف خبره لامتناع أن مبطلاً يختلق ذلك من غير تفاوت، لا سيما في أمور لا تهتدي العقول إليها، بل ذلك يبين أن كلا منهما أَخبر بعلمٍ وصدقٍ.
وهذا مما يعلمه الناس من أحوالهم، فلو جاء رجل من بلد إلى آخر وأخبر عن حوادث مفصلة حدثت فيه تنتظم أقوالاً وأفعالاً مختلفة، وجاء من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
عَلِمْنَا أنه لم يواطئه على الكذب، فحكى مثل ذلك = عُلِمَ قطعًا أن الأمر كان كذلك، فإن الكذب قد يقع في مثل ذلك؛ لكن على سبيل المواطأة، وتلقي بعضهم عن بعض، كما يتوارث أهل الباطل المقالات الباطلة؛ مثل مقالة النصارى والجهمية والرافضة ونحوهم، فإنها وإن كان يُعلَم بضرورة العقل أنها باطلة، لكنها تلقاها بعضهم عن بعض فلما تواطأوا عليها جاز اتفاقهم فيها على الباطل.
والجماعة الكثيرون يجوز اتفاقهم على جحد الضروريات على سبيل التواطؤ؛ إما عمدًا للكذب، وإما خطأً في الاعتقاد، وأما اتفاقهم على جحد الضروريات من دون هذا وهذا = فممتنع» (1).
مسألة الموضوعات في كتب التفسير:
هذا الموضوع من الموضوعات المهمة، وهو موضوع مرتبط بالوضع في الحديث النبوي، ولا يصلح بحثه من دون التعريج على هذا الموضوع.
ويلاحظ أن شيخ الإسلام ذكر صنفين من الوضاعين:
الأولون: أهل البِدع والغلو؛ كالرافضة الذين وضعوا فضائل في عاشوراء، وفي عليٍّ وآله رضي الله عنهم.
والآخرون: بعض أهل الزهد الذين وضعوا أحاديث في فضائل--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية (7:436 ـ 437).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
الأعمال.
وقد أشار إلى بعض كتب التفسير التي تحوي شيئًا من هذه الموضوعات، وهي: تفسير الثعلبي (ت:427)، وتفسير الواحدي (ت:468)، وتفسير الزمخشري (ت:538)، وهذه الكتب الثلاثة تروي حديثًا في فضائل السور عن أُبَي بن كعب (ت:32) فيه فضل سور القرآن سورةً سورة، وهو حديث موضوع كما نصَّ على ذلك جمع من العلماء، منهم ابن الجوزي (ت:597) في كتابه الموضوعات، قال: «… وقد فرَّق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره، فذكر عند كل سورة منه ما يخصُّها، وتبعه أبو الحسن الواحدي …
وهذا حديث في فضائل السور مصنوع بلا شكٍّ …
وبعد هذا فنفس الحديث يدل على أنه مصنوع، فإنه قد استنفد السور، وذكر في كل واحد ما يناسبها من الثواب بكلام ركيك في نهاية البرودة، لا يناسب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1).
وفي هذا الموضوع مجموعة من الوقفات:
الأولى: أنَّ تحرير الموضوعات في التفسير يحتاج إلى دراسة تقويمية خاصة.
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: في العلوم التي لا أثر لها في التفسير؛ كفضائل السور.
القسم الثاني: فيما له أثر مباشر في التفسير؛ كتخصيص كثير من الآيات في علي وآل بيته رضي الله عنهم عند مفسري الرافضة (2)، وقد سَرَتْ بعض مروياتهم في قليل من التفاسير السُّنِّية؛ خصوصًا تفسير الثعلبي (ت:427) (3).--------------------------------------------
(1) الموضوعات (1:174).
(2) مما يحسن بحثه في جانب تفسير الرافضة: الإمامة وأثرها على تفاسير الرافضة.
(3) لما كان تفسير الثعلبي قد سرت فيه بعض مرويات الرافضة المكذوبة، وهو سنيُّ المعتقد حرص بعض الرافضة على إخراج الكتاب، فطُبِعَ الكتاب في دار إحياء التراث، وقد صدَّروه بعناوين براقة فقالوا: دراسة وتحقيق الإمام محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي، ولا تحقيقَ ولا تدقيق ثَمَّ، بل طبعته طبعة سيئة سقيمة مليئة بالأخطاء، فصار الانتفاع به كالانتفاع بالميتة للمضطر. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
وأحب أن أشير هنا إلى أمور:
1 - أن وجود بعض الروايات في بعض التفاسير المسندة؛ كتفسير الطبري (ت:310) ليس عيبًا في المفسِّر، فهو يروي بالإسناد الذي يَصِلُه.
2 - أن من زعم أن هذه الروايات قد تكون مدسوسة في تفسير أحد الأئمة فإن زعمه فيه نظر، بل فيه اتهام الأئمة بالغفلة (1).
الثانية: أنَّ هذا الوضع لم يكن مؤثِّرًا بدرجة كبيرة تشكِّل ظاهرةً في التفاسير المعتمَدة من التفاسير المسندة وغيرها؛ كتفسير الطبري (ت:310)، وابن أبي حاتم (ت:327)، والبغوي (ت:516)، وابن عطية (ت:542)، وابن كثير (ت:774)، وغيرهم من المحققين.
الثالثة: أن بعض التفاسير اشتهرت بوجود الموضوعات فيها، ومن أشهرها تفسير الثعلبي وتفسير النقاش.
ومثل هذه التفاسير بحاجة إلى دراسة؛ خاصَّة من هذا الجانب، ثمَّ هناك دراسة أخرى تُتَابع أثر هذه الروايات التي ذكروها على تفاسير اللاحقين لهم.--------------------------------------------
= وما يؤسف عليه أن الأقسام الجامعية لأهل السنة تترك بعض التفاسير بحجة الخلل فيها، فما ضرَّ لو دُرست وحُقِّقت وبُيِّن ما فيها من الخطأ، فهذا أولى من أن تُترك، ثم تظهر كظهور هذه الطبعة السقيمة، والله المستعان.
ملاحظة: تَمَّ تحقيق كتاب الثعلبي في رسائل جامعية عديدة في جامعة أم القرى بمكة والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ولعل الله ييسر خروجه.
(1) ذهب إلى هذا التوجيه الدكتور محمد محمد أبو شهبة في غير ما موطن، وإن هذا المذهب لعجيب، وليس من أسلوب المنهج العلمي في شيءٍ، ولو فتحنا باب الافتراضات العقلية لما سَلِمَ كثيرٌ من المرويات، ومن نصوصه في هذا ما علَّقه على قصة يوسف عليه السلام قال: «… وإما أن تكون مدسوسة على هؤلاء الأئمة، دسها عليهم أعداء الأديان، كي تروج تحت هذا الستار، وبذلك يصلون إلى ما يريدون من إفساد العقائد، وتعكير صفو الثقافة الإسلامية الأصيلة، وهذا ما أميل إليه». الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (ص:225).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
فكم من كتاب من كتب المتأخرين ـ كتفسير ابن عادل (ت:880) ـ كثُرت فيه الأقوال، فما كان فيه عند أصحاب القرن الرابع ثلاثة أقوالٍ ـ مثلاً ـ صار عند المتأخرين فيه سبعة أقوالٍ، وهكذا دواليك، وهذه فكرة تحتاج إلى متابعة ودراسة تستقرئُ هذه الزيادات، وتعرف مصدرها الذي صدرت عنه، وتنظر في أثرها على التفسير.
نقد شيخ الإسلام لبعض المفسرين:
نقد شيخ الإسلام ثلاثة كتبٍ في روايتها للحديث الموضوع في فضل كل سورة، وقد أشار إلى صيانة البغوي (ت:516) لتفسيره من هذه الأحاديث الباطلة لعلمه بالحديث، وقد ذكر شيخ الإسلام نقده للثعلبي (ت:427) وتلميذه الواحدي (ت:468)، ومدحه للبغوي (ت:516) في كتابه منهاج السنة النبوية، فقال: «وأما ما نقله من تفسير الثعلبي، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أن الثعلبي يروي طائفة من الأحاديث الموضوعات؛ كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة عن أبي أمامة في فضل تلك السورة، وكأمثال ذلك، ولهذا يقولون: هو كحاطب ليل.
وهكذا الواحدي تلميذه، وأمثالهما من المفسرين ينقلون الصحيح والضعيف، ولهذا لما كان البغوي عالمًا بالحديث؛ أعلم به من الثعلبي والواحدي، وكان تفسيره مختصر تفسير الثعلبي = لم يذكر في تفسيره شيئًا من الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبي، ولا ذكر تفاسير أهل البدع التي ذكرها الثعلبي، مع أن الثعلبي فيه خير ودين؛ لكنه لا خبرة له بالصحيح والسقيم من الأحاديث، ولا يميز بين السنة والبدعة في كثير من الأقوال» (1).
ويمكن إجمال القول فيهم كما يأتي:
أولاً: الثعلبي (ت:427):
ـ لم يكن عالمًا بالحديث.--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية (7:12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
ـ يروي الأحاديث والروايات الباطلة.
ـ كان حاطب ليل لا يميِّز بين الصحيح والضعيف.
ـ أنه ذكر تفاسير بعض أهل البدع.
ـ كان ـ في نفسه ـ ذا خير ودين.
ـ وقد ذكر في موطن آخر من كتبه أنه ناقلٌ لا يكاد يُنشِئ قولاً من نفسه، قال: «… فأما البغوي، فقال: فصَلِّ حمدًا لله.
وهو ينقل ما ذكره الثعلبي في تفسيره في مثل هذا الموضع.
والثعلبي يذكر ما قاله غيره، سواءً قاله ذاكرًا أو آثرًا، ما يكاد يُنشِئ من عنده عبارة» (1).
ـ معرفة الفضل لصاحبه، ولو كان عنده خطأٌ علميٌّ، وهو ما عبَّر عنه شيخ الإسلام بأن الثعلبي (ت:427) كان فيه خير ودين. وكم هو عزيز هذا النقد المتوازن اليوم، فإنك لا تكاد ترى في من ينقد العلماء وطلبة العلم إلَاّ الحطَّ من منزلتهم، وعدم معرفة ما لهم من الفضل، وكم من عالمٍ غمرت حسناتُه سيئاته، لكن النقاد لا يرون إلا السيئات، والله المستعان.
ثانيًا: الواحدي (ت:468):
ـ كان ينقل الصحيح والضعيف بدون تمييز.
ـ لم يكن له بصر بالحديث.
ـ كان أبعد من السلامة من البِدع من شيخه الثعلبي (ت:427).
ـ كان بصره بالعربية أكثر من بصر شيخه الثعلبي (ت:427).
والملاحظ أنه كان ـ في كتابه البسيط ـ مكثرًا من النقل جدًّا في علوم--------------------------------------------
(1) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود (ص:52).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
العربية، ولم يكن من أصحاب التحرير، وهذا ظاهر في كتابه حيث ينقل الصفحات الطوال من كتاب تهذيب اللغة للأزهري (ت:370)، وكذا من الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (ت:377)، وغيرهما من علماء اللغة والنحو.
وقد تكلم شيخ الإسلام على هذين التفسيرين من جهة نقلهما للآثار الباطلة في غير ما موطن، منها قوله: «وإذا كان تفسير الثعلبي وصاحبه الواحدي ونحوهما فيها من الغريب الموضوع في الفضائل والتفسير ما لم يجز معه الاعتماد على مجرد عزوه إليها، فكيف بغيره؛ كتفسير أبي القاسم القشيري، وأبي الليث السمرقندي، وحقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي الذي ذكر فيه عن جعفر ونحوه ما يعلم أنه من أعظم الكذب.
مع أن هؤلاء المصنفين أهل صلاح ودين وفضل وزهد وعبادة، ولكنهم كما قال مالك: أدركت في هذا المسجد سبعين شيخًا؛ كل له فضلٌ وصلاح ودين، ولو ائتمن أحدهم على بيت مال لأدَّى فيه الأمانة، يقول أحدهم: حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نأخذ عن أحد منهم شيئًا» (1).
ثالثًا: البغوي (ت:516):
ـ اختصر تفسيره من تفسير الثعلبي (ت:427).
ـ صان تفسيره من الأحاديث الموضوعة التي ذكرها الثعلبي (ت:427)؛ لأنه كان له بصر بعلم الحديث.
ـ صان تفسيره من الأقوال الباطلة المبتدعة.
رابعًا: الزمخشري (ت:538):
ـ يروي الحديث الموضوع في فضائل كل سورة.
وسيأتي كلام لشيخ الإسلام على هذا التفسير من جهة الاعتقاد في مبحث لاحق إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) الرد على البكري (1:59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
مسائل الاختلاف الواقع في كتب التفسير من جهة الاستدلال
1 - أن أكثر الخطأ في الاستدلال من جهتين لا توجدان في تفسير السلف:
أحدهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، وكان نظرهم إلى المعنى أسبق.
وهم صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به.
وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به.
وهؤلاء قد يكون خطؤهم في الدليل والمدلول.
وقد يكون خطؤهم في الدليل لا المدلول.
ويدخل في هذا طوائف من المبتدعة؛ كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة والصوفية وغيرهم.
والثانية: قوم فسَّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنَزَّل عليه، والمخاطب به، وكان نظرهم إلى اللفظ أسبق.
2 - ذكر ضمن ذلك المنهج العقدي العام لبعض التفاسير وأثرها على التفسير إجمالاً.
وعموم هذا الفصل جاء تنظيرًا بلا أمثلة، بخلاف الفصل السابق الذي نصَّ على أمثلةٍ لكثير من قضاياه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
أولاً: كتب التفسير التي تخلو من الخطأ بسبب الاستدلال
سبق التنبيه على نقد شيخ الإسلام لكتب التفسير في مقدمة كتابه، حيث قال: «فإنَّ الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين».
وهذا الوصف يخرج منه الكتب المسنِدة التي تذكر تفسير السلف صرفًا، وقد عدَّ منها جملة من التفاسير النقلية التي اعتمدت منهج النقل عن السابقين دون التعرض للترجيح بينها، سوى ما كان من إمام المفسرين ابن جرير الطبري (ت:310).
وعلَّلَ سبب عدم وجود الخطأ من جهة الاستدلال؛ بأن هذا النوع من الخطأ إنما وقع بعد جيل الصحابة والتابعين، وهذه التفاسير إنما تنقل تفسير علماء التفسير من هاتين الطبقتين، بخلاف من جاء بعدهم ممن نقل عن أهل البدع، كما وقع للثعلبي (ت:427)، حيث تجد في كتابه النقل عنهم.
وهذه الكتب من حيث وصولها إلينا على ثلاثة أقسام:
الأول: ما وصل إلينا، وهي: تفسير عبد الرزاق (ت:211)، وتفسير الطبري (ت:310)، وجزء من تفسير ابن المنذر (ت:318)، وأغلب تفسير ابن أبي حاتم (ت:327).
الثاني: ما وصل إلينا أجزاء من مروياته عبر كتب أخرى، وهي: تفسير عبد بن حميد (ت:249)، وسفيان بن عيينة (ت:198)، وسنيد (ت:226)، وابن مردويه (ت:410)، وأبو سعيد الأشج (ت:257).
الثالث: ما فُقِدَ، وليس له أثر، وهي: تفسير وكيع (ت:197)، وأحمد بن حنبل (ت:241)، وإسحاق بن راهويه (ت:238)، وبقي بن مخلد (ت:276)، وابن ماجه (ت:273).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
ثانيًا: الوجه الأول من سببي الخطأ في الاستدلال:
قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، وكان نظرهم إلى المعنى أسبق.
إن هذه المسألة من المسائل العلمية المهمة جدًّا، وهي تصلح لأن يتفرَّع عليها بحث متكاملٌ، فكم من بِدعٍ تشرَّبها مسلمٌ، ثم راح يحمل ألفاظ القرآن عليها؛ لئلا تنخرم القاعدة التي يسير عليها.
وهذه المسألة الدقيقة تسري على جمهورِ الذين يرجعون إلى القرآن ـ وفي أذهانهم مقررات سابقة ـ لأجل الاستفادة منه تفسيرًا أو حكمًا أو فوائدَ أو إعرابًا، أو غير ذلك.
فمن دخله، وفي ذهنه معنى من المعاني؛ راح يبحث عن دليل يناسب المعنى الذي عنده؛ سواءً أكان ذلك عن قصدٍ، كما هو شأن أهل التحريف، أم كان من غير قصد، بحيث يغلب عليه ما في ذهنه من حيث لا يدري.
ويظهر لك هذا الأمر جليًّا في هذا العصر الذي كثُرت فيه الأهواء والآراء المبتدعة، والتفسيرات الغريبة، فالطبيب يدخل إليه بذهنية الطبيب ومعلوماته، فيصرف معاني الآيات إلى ما يرى أنه مناسب لموضوعاتٍ طبيةٍ عنده، والفلكي يصرف الآيات إلى ما استقر عليه علم الفلك عنده، وهكذا دواليك.
ولا يمكن التخلُّص من هذه المسألة الشائكة إلا بالتَّجرد من هذه المعلومات التي تُسلَّطُ على آيات القرآن ليُبحث عن ما يناسبها منه، ثمَّ أن تُتَعلَّم أصول التفسير التي لا ينبغي لأحد أن يتكلم في القرآن إلا بمعرفتها.
أصناف من كان نظرهم إلى المعنى أسبق:
يدخل في هذا طوائف من المبتدعة؛ كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة والصوفية وغيرهم، كذا ذكر شيخ الإسلام،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
ويمكن أن يُزاد عليه في هذا العصر التفسيرات العصرية المنحرفة، والتفاسير التي تعتمد على العلوم الكونية والتجريبية، أو ما يُسمى بالإعجاز العلمي.
فهذه الطوائف تشترك في أنَّها تأتي إلى القرآن، وقد استقرَّت عندها معلومات تريد أن تجد لها ما يسندها منه، فتراهم يتشبَّثون بغرائب التأويل؛ لئلَاّ ينخرم ما قعَّدوه، وألا يظهر بطلان ما أصَّلوه.
إن معاني القرآن هي أشرف المعاني، وقد بيَّنها الصحابة والتابعون وأتباعهم، ولما خرجت البدع المخالفة للسنة ذهب أهلها يستدلون لها بالقرآن، فوقعوا بين أمرين:
الأول: أن يدل القرآن على خلاف ما ذهبوا إليه، فعمدوا إلى مثل هذه الآية وحرَّفوها إما لتناسب معتقدهم، وإما لإبطال استدلال أهل السنة بها.
الثاني: أن يأتوا إلى الآية ويحملونها لمجرد الشبهة على ما لم تدلّ عليه مطلقًا، ولولا وجود هذا المعتقد، لما حملوها على هذا المحمل.
وهذان الصنفان يرجع إليهما كثير من الأخطاء التي وقع فيها أهل البدع في الماضي والحاضر، وهذا ما نبَّه إليه شيخ الإسلام في هذا الفصل، حيث جعل الذين وقع منهم الخطأ في المعاني راجعًا إلى صنفين: قد يكون خطؤهم في الدليل والمدلول، أو يكون خطؤهم في الدليل لا المدلول.
الصنف الأول: من يسلبون لفظ القرآن ما دلَّ عليه وأريد به:
فالقرآن له معنى صحيح واضح أريد به، وهؤلاء يسلبونه هذا المعنى الواضح، وينفونه عنه بسبب البدعة التي يعتقدونها.
فالمعتزلة والإباضية ـ مثلاً ـ يعتقدون عدم رؤية الربِّ سبحانه وتعالى في الجنة، فجاؤوا إلى الآيات التي تدلُّ على الرؤية فنفوا عنها ذلك، وسلبوا منها دلالة الرؤية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
فقوله تعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 ـ 23] صريح في ثبوت رؤية الباري سبحانه، لكن المعتزلة لا يثبتون الرؤية، فكيف يفسرون هذه الآية؟.
لقد فسروها بتفسيراتٍ؛ منها ما ذكره الأخفش المعتَزلي (ت:215) في معاني القرآن، قال: «يعني ـ والله أعلم بالنظر إلى الله ـ إلى ما يأتيهم من نِعمِه ورزقِه، وقد تقول: والله ما أنظر إلا الله وإليك؛ أي: أنتظر ما عند الله، وما عندك» (1).
ومنها ما قال هود بن محكِّم الإباضي (من علماء القرن الثالث): «قال الله عز وجل: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} أي: ناعمة. {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}؛ أي تنتظر الثواب، وهي وجوه المؤمنين …» (2).
ولو لم تكن هذه العقيدة موجودة عندهم لما نفوا الرؤية الواضحة الصريحة في هذه الآية، وحملوا الآية على ما لم يُرد بها.
وخطأهم في هذه الآية في الدليل والمدلول، فالدليل وهو قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} لا يدل على المدلول الخطأ وهو نفي الرؤية.--------------------------------------------
(1) معاني القرآن، للأخفش، تحقيق: هدى قراعة (2:558).
(2) تفسير كتاب الله العزيز لهود بن محكِّم (4:444)، وقد ذكر بعده هذه الرواية، قال: «وحدثني مسلم الواسطي، قال: سمعت أبا صالح يقول في قوله تعالى: {وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، قال: تنتظر الثواب من ربها. قال أبو صالح: ما رآه أحد من خلقه ولا يراه أحد».
وليس هذا منه اعتمادًا على الرواية، فالحديث الصحيح، وتفسير جمهور السلف جاء بوقوع الرؤية، فلا يلتبس عليك ما اعتمده من وقوع أبي صالح وقبله شيخه مجاهد في هذا التفسير غير المعتمد.
فائدة: كذا جاء في تفسير هود بن محكم: «وحدثني مسلم الواسطي»، والقائل هو يحيى بن سلام، فكتاب هود مختصر من كتاب يحيى، لكنه حذف منه ما لا يتناسب مع معتقده كتفسير الآية هنا برؤية الباري، كما أضاف إليه ما يتناسب مع معتقده الإباضي، راجع في ذلك مقدمة المحقق فقد بيّن ذلك بجلاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
فنفي الرؤية ـ وهو المدلول ـ غير صحيح من جهة الشرع، لذا لا يمكن أن يكون له دليل، فأي استدلال بدليل، فإنه يعني وقوع الخطأ في فهم الدليل، ثم في تفسيره، وهو المدلول.
وذهب المرجئة ـ وتبعهم الأشاعرة ـ إلى أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وهو التصديق، وإذا وُجِدَ التصديق انتفى ضدُّه، وقد أثَّر مفهوم الإيمان على تفسيراتهم، ومن أمثلةِ ذلك ما وقعَ فيه ابن عطيَّةَ (ت:542) في رأيه في كفرِ العنادِ والجحودِ، ومن ذلك ما ذكرَ في قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، قال: «وظاهر قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} حصولُ الكفرِ عنادًا، وهي مسألةٌ قولينِ (1)، هل يجوزُ أن يقعَ أم لا؟ …
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي يظهرُ عندي في هذه الآيةِ وكلِّ ما جرى مجراها: أنَّ الكفرةَ كانوا إذا نظروا في آياتِ موسى أعطتهم عقولُهم أنَّها ليست تحت قدرةِ البشرِ، حصلَ لهم اليقينُ أنها من عند اللهِ تعالى، فيغلبُهم أثناء ذلك الحسدُ، ويتمسَّكونَ بالظنونِ في أنه سِحرٌ وغير ذلك مما يختلجُ في الظَّنِّ بحسبِ كلِّ آيةٍ، ويلجون في ذلك، حتى يُستلبَ ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطربًا، وحُكمه حكمُ المستلَبِ في وجوه عذابهم» (2).
وقال في قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ--------------------------------------------
(1) هذا النقل من طبعة المغرب، ويبدو أنه سقط حرف الجرِّ (على)، وفي المحرر الوجيز، ط: قطر (11:179): «وهي مسألة فيها قولانِ».
(2) المحرر الوجيز، ط: المغرب (12:96 ـ 97). وقد نقلتُه منها لأنَّ في طبعة: قطر (11:179 ـ 180) سقطٌ مخلٌّ يُقدَّر بسطرينِ، والله المستعانُ، وقد كرر هذه النظرية في (5:182 ـ 184)، وينظر: (1:249، 446 ـ 447)، (4:304 ـ 305)، (12:489 ـ 490).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]: «و {يَجْحَدُونَ}، حقيقته في كلام العرب: الإنكارُ بعد المعرفةِ، وهو ضدُّ الإقرار …» (1). ثمَّ قال: «وكفر العنادِ جائزُ الوقوعِ بمقتضى النَّظرِ، وظواهرُ القرآنِ تعطيه؛ كقوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14]، وغيرها …» (2)، ثُمَّ قالَ: «وأنا أستبعدُ العنادَ مع المعرفةِ التامَّةِ» (3).
فانظر كيف سلب ابن عطية (ت:542) ما دل عليه القرآن مع أنَّ نصَّ القرآن وظاهره يدلُّ على أنهم علموا علمًا يقينيًا، ولكنهم لم يؤمنوا.
وهذا الخطأ ـ أيضًا ـ في الدليل وفي المدلول، فنفي كفر الجحود ـ وهو المدلول ـ غير صحيح من جهة الشريعة، فظاهر الآيات تؤيِّد وقوعه، لذا فإنه لا يمكن أن يوجد دليل يدلُّ عليه، فالنفي الذي وقع من ابن عطية (ت:542) خطأ في الدليل وفي المدلول.
ويمكن أن يقال ههنا قاعدة: كل مدلول باطل في ذاته ـ أي لا يدل عليه الشرع ـ فالخطأ فيه يقع من جهة الدليل والمدلول معًا، لأن الدليل الشرعي لا يمكن أن يدل على معنى باطل.
ومن أمثلة ما وقع فيه الصوفية في الخطأ في الدليل والمدلول ما ورد عن بعضهم من أنه فسر قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] من أنه الرقصُ، وبنى على ذلك جواز الرقص للرجال، كما يفعله الصوفية.
وهذا خطأ، فالرقص من حيث هو لا يجوز للرجال، لذا فربطه بالقرآن خطأ محضٌّ.--------------------------------------------
(1) المحرر الوجيز، ط: قطر (5:182).
(2) المحرر الوجيز، ط: قطر (5:183).
(3) المحرر الوجيز، ط: قطر (5:184).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)