المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار (عبد العظيم المطعني)القسم: علوم القرآن وأصول التفسير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار
المؤلف: عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني (ت 1429هـ)
الناشر: مكتبة وهبة
الطبعة: الأولى 1416 هـ - 1995 م
عدد الصفحات: 84
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 8 ذو الحجة 1431
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
بسم الله الرحمن الرحيم
الكتاب: المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار
المؤلف: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني
الناشر: مكتبة وهبة
الطبعة الأولى 1416 هـ - 1995 م
عدد الأجزاء: 1
تنبيه:
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 4)
بسم الله الرحمن الرحيم
من أقوال الأئمة عن المجاز
"ولو كان المجاز كذباً. وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلاً، كان أكثر كلامنا فاسداً؛ لإنَّا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت التمرة، وأقام الجبل، ورحض السعر".
ابن قتيبة
"ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً، وتهدَّف لما لا يخفى … كيف وبطالب الدين حاجة ماسة إليه من جهات يطول عدُّها. وللشيطان من جانب الجهل به مداخل خفيه، يأتيهم منها فيسرق منهم دينهم وهم لا يشعرون؟ ويلقيهم في الضلالة من حيث يظنون أنهم مهتدون".
عبد القاهر الجرجاني
"ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن".
بدر الدين الزركشي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
الفصل الأول الإمام ابن تيمية
حين يذكر الإمام ابن تيمية بين منكري المجاز فإنه يمثل في هذا المقام قطب الدائرة، لأن من أنكر المجاز قبله لم يتحمسوا للإنكار حماسته، ولم يثوروا ثورته، ولم ينزحوا نزحه، ولو يقلبوا وجوه القول تقليبه، ولم يكن بين أيديهم من دواعي الإنكار ما كان بين يديه.
فقد أدار ابن تيمية رحمه الله المعركة من جديد بسلاح جديد، واستأنف البحث من حيث لم يدر سابقوه، ولم يعتمد الإمام في إنكار المجاز على الأسباب التي أعتمد عليها سابقوه بل اجتهد ما وسعه الإجتهاد في التترس بدروع أخرى، وأخذ يرمي من ورائها سهامه.
وقد أعانه على ذلك إطلاع أتسعت أفاقه، وعقل أحتد ذكاؤه، وقدرة على الجدل والنظر لم تتجمع آلاتها في رجل كما تجمت فيه، إلى سبب اخر نعتبره نحن - كما اعتبره غيرنا - سبب الأسباب وراء تلك الحملة الضاربة التي شنها الإمام ابن تيمية على المجاز ومجوزيه.
ذلك السبب هو دخول المجاز - قبله وفي عصره - في مباحث العقيدة والتوحيد، وتعلقه بصفات الباري عز وجل وأن فريقاً من علماء الكلام أوسعوا دائرة التأويل في النصوص المقدسة من غير ضرورة. وأدعوا أن لألفاظ القرآن الحكيم ظاهراً وباطناً يخالف كل منهما الآخر. وتعسفوا في التأويل - كما قال الإمام عبد القاهر الجرجاني من قبل - وذكر صوراً كثيرة لفوضاهم في التأويل، وعبثهم في استنباط المعاني، مما لا يؤيده نقل ولا يسلم به عقل ولا يقر به ذوق.
ودخول المجاز في هذا المجال الخطير - مجال العقيدة والتوحيد - بعد أن كان قضية بلاغية نقدية، ولغوية جمالية، هو الذي أسعر نار الثورة على المجاز عند الإمام؛ لأنه رأي في مثل تأويل "يد الله" بالقدرة تعطيلاً لصفة من صفات الله،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
وليت الأمر وقف عند هذا الحد، ولكن بعض الخلف المتوسعين في التأويل رموا السلف - فيما حكاه الإمام ابن قيم الجوزية - بعدم الفهم، حيث رأوا أن مذهب السلف هو مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها، واعتقدوا أن السلف بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ....}
وهذا بلا نزاع تظاول على علماء السلف الأبرار، وطعن للمة في واحدٍ من أخطر مقاتلها، فلمذهب السلف وزنه وتقديره وهم من أهل القرون الأولى التي وصفها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بالخيرية.
هذه العوامل هيى التي دعت شيخ الإسلام بن تيمية لإنكار المجاز، وبشدة لم يعرف لها من قبله مثيل.
موطن إنكار المجاز عن شيخ الإسلام: _
وعلى كثرة ما كتب الإمام ابن تيمية فإننا نراه تصدى لإنكار المجاز - بتوسع - في كتابه الموسوم بـ "الإيمان" وكان السبب المباشر لهذا الإنكار هو إبطال مذهب المرجئة والجهمية والكرامية في تحقيق معنى الإيمان.
وكان هؤلاء يقولون: إن الأعمال الصالحة لا تدخل في حقيقة الإيمان، بل الإيمان هو الاعتقاد وأما الأعمال الصالحة فإطلاق الإيمان عليها من باب المجاز.
ولا سبيل الآن لذكر كل ما قاله الإمام في إنكار المجاز، لذلك نكتفي بذكر الدعائم التي بني عليها الإنكار وأفاض في بيانها ما أفاض. تلك الدعائم هي: -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
1- إن سلف الأمة لم يقولوا به، ولم يقسموا الكلام صراحة إلى حقيقة ومجاز إلا عبارة وردت عن الإمام أحمد إمام المذهب الحنبلي قال فيها "هذا من مجاز اللغة" توجيهاً لما ورد في القرآن من "إنَّا ونحن" حديثاً عن نفسه، وقد فسرها الإمام ابن تيمية تفسيراً يُبْعِدها عن المجاز.
2- إنكار أن يكون للغة وضع أول تفرع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له أولاً كما يقول المجازيون.
3- إنكار التجريد والإطلاق في التراكيب اللغوية، بل هي دائماً مقيدة بأي نوع من القيود، وهدفه من هذا وأد فكرة المجاز؛ لأن المجازيين يقولون ان التركيب المطلق الخالي من التقييد بالقرائن المجازية حقيقة لغوية، أما المقيد بتلك القرائن فهو مجاز.
4- إن المجاز نشأ وترعرع في بيئات المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.
5- مناقشة النصوص التي استدل بها مجوزو المجاز وإخراجها من المجاز.
هذه الدعائم هي التي أدار عليها الإمام الحديث عن نفي المجاز لا في القرآن وحده، ولكن فيه وفي اللغة بوجه عام ومن يقرأ ما كتبه في الإيمان يجزم بأن الإمام ابن تيمية ليس له في المجاز مذهب سوى الإنكار القاطع.
وقد شاع هذا عن هذا الإمام الجليل، وصار مذهباً يتميك به كثيراً من أهل العلم، وإلى عهدٍ قريب كنا ممن يسلم بأن الإمام ينكر المجاو إنكاراً قاطعاً، وأن تلميذه البار العلامة ابن قيم الجوزية ليس له موقف من المجاز إلا موقف شيخه الإمام وأن ما كتبه ابن القيم في كتابه: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، هو امتداد لما كتبه الإمام رضي الله عنهما ومقصد الكتابين واحد:
هو إنكار المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم. ولا موقف لهما سواه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
ولكن: -
ولكن دعتنا بعض المناسبات في البحث العلمي الأكاديمي فأطالنا الاطلاع على مصنفات الشيخين الجليلين في غير الإيمان والصواعق، وقضينا أكثر من ثلاث سنين نواصل الاطلاع على أعمالهما العلمية الأخرى الصحيحة النسبة إليهما، وخرجنا من واقع ما كتباه بأن للإمامين الجليلين مذهباً آخر في المجاز يزاحم مذهب الإنكار، هو مذهب الإقرار مع حمل كثير من النصوص الشرعية عليه، ثم الاحتجاج به في الدفاع عن الأئمة الأعلام من رجال السلف الصالح ومؤسسي المذاهب الفقهية واتباعهم من الفقهاء رضي الله عنه أجمعين.
أدلة هذا المذهب:
وأدلة هذا المذهب غير المشهور عند الإمامين الجليلين كما ظفرنا عليها في أعمالهما العلمية ثلاثة أنواع عند كل منهما.
النوع الأول: تأويلات مجازية نقلاها عن غيرهما من علماء السلف، ثم ارتضياها وسلماً بها.
النوع الثاني: تأويلات مجازية استأنفاها ولم يروياها عن أحد غيرهما.
النوع الثالث: ورود المجاز عندهما لفظاً ومعنى في حر كلامهما. والإحتجاج به في الدفاع عن سلامة الإعتقاد في مواجهة بعض الطاعنين في النصوص الشرعية.
ونبدأ بالإمام ابن تيمية على نفس المنهج الذي ذكرناه وبالله التوفيق:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
التأويلات التي نقلها ثم ارتضاها
نقل الإمام ابن تيمية عن السلف تأويلات كثيرة، صُرِف فيها اللفظ عن ظاهره ومن ذلك:
معية الله وقربه من خلقه:
حكى الإمام في معية الله وقربه مذاهب، وارتضى منها مذهباً واحداً هو المذهب الرابع، ونسبه إلى سلف الأمة من أئمة الدين والعلم وشيوخ العلم والعباد كما يقول الإمام نفسه: "إنهم أمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من غير تحريف للكلم، وأثبتوا أن الله تعالى فوق سمواته، وأنه على عرشه بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضاً مع العباد - عموماً - يعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية".
وبعد أن أسند هذا التأويل إلى السلف - عموماً - عاد فأسنده إلى الإمام أحمد شيخ المذهب، قال: إن حنبل بن إسحق سأل الإمام أبا عبد الله عن قوله تعالى: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا....} فقال: علمه: عالم الغيب والشهادة محيط بكل شيء".
إذن فلفظاً المعية والقرب هنا مصروفان عن ظاهرهما، والسر في هذا الصرف هو نفي المماسة الحسية، وها ما يقوله مجوزو المجاز في مثل هذه المواضع القرب والمعية - وهما عند المجازيين إن لم تُسغْ فيهما الكناية لجواز إرادة المعنى الظاهر فيعل ساغ فيهما المجاز المرسل بكل يسر.
البقرة وآل عمران:
ثم قال الإمام ابن تيمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"أقرأوا البقرة وآل عمران فإنهما يجيئان يوم القيامة يحاجان عن أصحابهما" وهذا الحديث في الصحيح.... فلما أمر بقراءتهما وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ علم أنه أراد بذلك … عمله … " فهذا تأويل أخر، وهو عند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
علماء البيان مجاز مرسل علاقته السببية. حيث ذكر فيه السبب، وهو السورتان المقروءتان وأراد المسبب. وهو الثواب.
ضرر الأصنام ونفعها:
في القرآن آيات كثيرة تقرر أن الأصنام - وكل معبود من دون الله - لا تنفع ولا تضر - وفي سورة الحج وردت آيتان أولاهما تنفي النفع والضرر عن الأصنام، وهي قوله تعالى:
{يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ}
والأخرى تثبت للصنام ضراً ونفعاً من حيث الظاهر، وهي قوله تعالى:
{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}
والطاعنون في القرآن قبل عصر الإمام وفي عصره أدَّعَوْا أن في القرآن تناقصاً، وتصدي علماء قبل الإمام للرد عليهم، فلما جاء الإمام تصدي في بصر وبصيرة لوأد هذه الشبهة، فذكر دفوع سابقيه، ومع موافقته عليها قال أنها لم تدفع دعوى التناقص فانبرى لدفعه وأصاب كل الإصابة فماذا قال أثابه الله؟.
دَفْع الإمام ابن تيمية: -
لم يكتف الإمام بما ذكره الثعلبي والبغوي والزمخشري والسُّدي؛ لأن ما ذكروه في الرد على الطاعنين لم يف بالمطلوب، فقال:
المنفي هو فعلهم بقوله: {مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ} والمثبت اسم مضاف إليه، فإنه لم يقل: يضر أعظمَ مما ينفع، بل قال: {لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسة، فلا يجب أن يكون الضر والنفع المضافان من باب إضافة المصدر للفاعل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
بل قد يضاف المصدر من جهة كونه اسماً كما تضاف سائر الأسماء، وقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وإن لم يكن فاعلاً، كقوله: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ولا ريب ان بين المعبود من دون الله، وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة".
هذا التخريج الذي ذكره الإمام هو بعينه الذي يقوله البلاغيون في هذا النص الكريم وفيما ماثله، وكل ما في الأمر أن البلاغيين يسمونه مجازاً اسنادياً أو حكمياً، والإمام يتوقف عن هذه التسمية، والتسمية لا تأثير لها على حقيقة المسمى: سلباً أو إيجاباً وقد فطن الإمام إلى أن النسب الإضافية مثل النسب الوقوعية والنسب الإيقاعية في العلاقات الإسنادية، وهذا موضع اتفاق عند البلاغيين في مبحث المجاز الحكمي.
كما أن الإمام ذكر من علاقات هذا المجاز ثلاثاً: هي المكانية والزمانية والسببسة، وطبق علاقة السببية على الآية الحكيمة فأجاد وأصاب، فالضر الواقع على عابدي الأصنام هو فِعلُ الله وحده. أما اضافته إلى ضمير الصنم فلأن الله أضر المشرك بسبب عبادته لمن دونه.
وصفوة القول: أن الإمام ابن تيمية مقر بالتأويل المجازي وإن لم يسمه مجازاً. وأنه أتخذ منه وسيلة للدفاع عن سلامة العقيدة، وتبرئة ساحة كتاب الله العزيز من المطاعن.
واستشهاده بآية {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} والتنظير بينها وبين آية {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ} يتسق تماماً مع مجوزي المجاز من بلاغيين وأصوليين ومفسرين.
وقد حلل الإمام نصوصاً شرعية أخرى على هذا المنوال، منها قول الخليل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
عليه السلام: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ....} وقوله تعالى: {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} .
وقوله صلى الله عليه وسلم "أهلك الناسَ الدرهم والدينار، وأهلك النساء الأحمران: الذهب والحرير".
كل هذه النصوص حللها على أن إسناد الإضلال وزيادة التتبيب، وإهلاك الناس والنساء إلى الأصنام والدرهم والدينار، والذهب والحرير روعي فيها أن هذه المذكورات أسباب أما الفاعل الحقيقي فهو الله عز وجل.
ومجوزو المجاز من البلاغيين يحللونها هذا التحليل بلا نقص ولا زيادة عما قاله الإمام، اللهم إلا إطلاق مصطلح المجاز الحكمي عليها.
فابن تيمية بلاغي مجازي - هنا - بلا نزاع.
وأكاد أجزم أن قضية ضر الأصنام ونفعها التي عالجها الإمام بحكمة واقتدار لم يكن لها من خرج أمامه، ولا أمام أحد من علماء الإسلام سوى هذه السبيل التي نهجها الإمام ابن تيمية، وهي سبيل التخريج على المجاز الإسنادي الحكمي الذي ينبغي الصيرورة إليه إذا دعت ضرورة شرعية أو عقلية.
التأويل الاستعاري:
وللإمام رضي الله عنه تأويلات أخرى صرَّح فيها بنقل الألفاظ مفردة ومركبة من معانيها الوضعية إلى معان طارئة، وصرح فيها بضرب المثل وتشبيه مضربه بمورده وهذا كله مدرج عند علماء البيان في باب الإستعارة مفردة كانت أو مركبة.
فمما يحمل على الإستعارة المفردة من تأويلاته قوله في قوله تعالى:
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} فقد قال فيه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
"فالمهتدون لما كانوا على هدى من ربهم ونور، وبينه وبصيرة صار مكانة لهم استقروا عليها".
والبيانيون يتصرفون في هذه الآية مثل تصرف الإمام ومنهم من يجعل الإستعارة فيه مركبة ومنهم من يجعلها مفردة.
وكذلك تأويله لقوله تعالى:
{اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} قال الإمام معقباً على هذه الآية:
"النور ضد الظلمة ولهذا عقب ذكر النور وأعمال المؤمنين فيها بأعمال الكفار وأهل البدع والضلال" فقال: د
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} إلى قوله: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ....} .
وبعد محاولة منه لشرح معنى النور في جانب المؤمنين، ومعنى الظلمات في جانب الكافرين قال:
"يوضح ذلك أن الله ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور ومثل أعمال الكفار بالظلمة".
هذا التحليل الذي ذكره الإمام يتضمن استعارتين: استعارة النور للإيمان، واستعارة الظلمة للكفر، أما الايتعارة التمثيلية التي استلزمها كلامه في مواضع متعددة فمنها المثل الذي ساقه وهو:
"يداك أوكتا، فوك نفخ" إذا قيل لمن جنى جناية ثم انكرها.
وترديد المثل في مضاربه بعد مورده أجمع البيانيون على أنه استعارة تمثيلية أو مجاز مركب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
نكتفي بهذا القدر من التأويلات توضيحاً للمجاز ثم نأتي إلى ما هو أهم وهو:
ورود المجاز في حر كلام الإمام ابن تيمية: -
ورد المجاز في حر كلام الإمام بن تيمية مع التسليم به وتوظيفه في جدله مع الخصوم في الرأي أو العقيدة.
النزاع بين مجوزي المجاز ومانعيه لفظي: -
هذه العبارة قالها الإمام ابن تيمية، وقد أوردها لحسم نزاع وقع بين بعض الناس حول:
هل ما نسمعه من أوصوات قراء القرآن هو كلام الله نفسه، أم الصوت ليس كلام الله وإنما التراكيب والمعاني.
ويدفع الإمام هذا الخلاف بأن الفرق كبير بين من يرى الشمس أو القمر بلا واسطة، وبين من يراهما في المرآة أو على سطح الماء. ثم يقول بعد ذلك بالحرف الواحد:
"واللفظ يختلف معناه بالإطلاق والتقييد، فإذا وُصِل بالكلامما يغير معناه كالشرط والاستثناء … كقوله تعالى: "أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} كان هذا المجموع دالاً على تسعمائة وخمسين سنة بطريق الحقيقة عند جميع المسلمين ومن قال إن هذا مجاز فقد غَلِط، لأن هذا المجموع لم يستعمل في غير موضعه، وما يقترن باللفظ من القرائن الموضوعية هو من تمام الكلام، ولهذا لا يحتمل الكلام معها معنيين ولا يجوز نفي مفهموما. بخلاف استعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع، مع أن قول القائل: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز نزاع لفظي، وهو مستند من أنكر المجاز في اللغة أو في القرآن".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
نستخلص من هذا النص طائفة من النتائج المهمة بالنسبة لموضوع الندوة.
أولاً - إقرار الإمام بالوضع اللغوي الأول ثم اقراره بالنقل منه إلى الاستعمال المجازي. د
ثانياً - إقراره بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز.
ثالثاً - إقراره بالقرائن المجازية وأثرها في تبيين ما هو مجاز مما هو حقيقة.
رابعاً - ثم إقراره بالمجاز جملة وتقصيلاً وعزوه الخلاف بين مجوزي المجاز ومانعيه في اللغة أو في القرآن إلى الخلاف اللفظي.
وهذه الأمور جميعاً كانت موضع إنكار فيما كتبه في كتاب الإيمان.
ونتساءل: هل يعتبر هذت رجوعاً من الإمام عما كتبه هناك أم ما كتبه هناك رجوع عما كتبه هنا؟ هذا التساؤل كان من الممكن الإجابة عليه لو كنا نعلم السابق واللاحق من تأليفه. مع ملاحظة أن ما سيأتي يرجح الرجوع عما سجله يرجح الرجوع عما سجله في كتاب الإيمان.
والذي يفهم جلياً من هذا النص أن الإمام ابن تيمية من مجوزي المجاز في اللغة وفي القرآن. وأن ما ذكره في آية العنكبوت هو مناقشة في مثال لا في مبدأ.
نص ثان ورود المجاز عند الإمام: -
وقد ورد المجاز في حر كلام الإمام في نص ثان قال فيه بالحرف "ولم ينطق بهذا - يعني المجاز - أحد من السلف والأئمة، ولم يعرف لفظ المجاز في كلام أحد من الأئمة إلا في كلام الإمام أحمد - يعني - شيخ المذاهب - فإنه قال في الرد على الزنادقة والجهمية هذا من مجاز اللغة. وأول من قال ذلك مطلقاً ابو عبيدة في كتابه الذي صنفه في مجاز القرآن. ثم إن هذا كان عند الأوليين مما يجوز في اللغة ويسوغ، فهم مشتق عندهم من الجواز كما يقول الفقهاء عقد لازم وجائز، وكثير من المتأخرين جعله من الجواز الذي هو العبور من معنى الحقيقة إلى معنى المجاز ثم إنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
لا ريب أن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة".
هذا النص يعتبر وصفاً تاريخياً لنشأة المجاز وتطوره والنظر في عباراته يقفنا أمام رجل مقر بالمجاز، وبخاصة قوله رحمه الله.
"ثم إن المجاز قد يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة" وهي عبارة صحيحة.
ومن المجاز المشتهر عند الإمام نفسه تسمية الضيافة نُزُلاً، ونعني بالضيافة ما يقدم للضيف مما يشرب أو يؤكل، وفيها يقول الإمام بالحرف:
"فإن النزل إنما يطلق على ما يؤكل، قال تعالى: {فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} والضيافة سميت نزلاً؛ لإن العادة أن الضيف يكون راكباً فينزل في مكان يؤتى إليه بضيافة فيه، فسميت الضيافة نزلاً لأجل نزوله".
هذا المجاز المشتهر الذي صار حقيقة هو في الأصل مجاز مرسل عند علماء البيان.
نص ثالث
ومن ورود المجاز في حر كلام الإمام ولم يعقب عليه بإنكار ما نقله عن أبي عمرو في مذهب السلف في الصفات الآلهية.
فقد سئل أو عمرو: هل السلف يؤولونها تأويلاً مجازياً أو يبقونها على الحقائق اللغوية.
فأجاب أبو عمرو بما رواه عنه الإمام بن تيمية فقال:
"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، غير أنهم لا يكيفون".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
وهذا النص على قصره يفيد:
* إن الإمام أرتضى إجابة أبي عمرو، ولم ينكر ذكر المجاز فيها ولا في السؤال الذي أجاب عنه أبو عمرو.
* وإن السلف كانوا يعرفون تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ولكنهم لا يؤولون صفات الباري تأويلاً مجازياً، بل هي حقائق عندهم.
وقضية إنكار تأويل الصفات ليس معناها إنكار المجاز رأساً فهما قضيتان منفصلتان.
نص رابع:
ويقول رضي الله عنه في تفسير الدعاء في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} وكان قبلاً قد فسر الدعاء تفسيرين:
أحدهما بمعنى العبادة.
والثاني بمعنى الطلب. ثم قال هنا:
فقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} يتناول نوعي الدعاء: وبكل منهما فُسَّرت الآية:
قيل: أُعطيه إذا سألني. وقيل أُثيبه إذا "عبدني". والقولان متلازمان.
ثم يقول:
"وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما. أو استعمال اللفظ في حيقيقته ومجازه. بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعاً".
يريد الإمام أن يقول: إن دلالة الدعاء على العبادة والطلب دلالة تواطؤ لا دلالة اشتراك ولا مجاز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
نص خامس:
وفي رده على من سوَّى في التفسير بين الأستواءين في قوله تعالى:
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا..} . وقوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وقد فسَّر فريق من العلماء الإستواء إلى السماء بالعمد والقصد إليها لخلقها.
والإمام ابن تيمية يرفض ان يكون الإستواء على العرش مثل الإستواء إلى السماء، ملاحظاً الفرق بين أداة التعدية إلى الفعلين: في الإستواء الأول عُدَّىِ الفعل بـ إلى وفي الإستواء الثاني عدى بـ على. فلا يفشر على العرش بالعمد للفرق بين معنيي الاستواءين. وفي هذا الفرق يقول بالحرف:
"فإذا كان العرش مخلوقاً قبل خلق السموات فكيف يمكون استواؤه عَمْده إلى خلقه له؟ لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا بمعنى عمد إلى فعله، وهذا لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً، لا في نظم ولا في نثر".
هذا قوله، وهو صواب بلا نزاع. وشاهدنا فيه أن الإمام رضي الله عنه قد ذكر الحقيقة والمجاز في حر كلامه. ولم يُشم من كلامه - هنا - رائحة إنكار للمجاز.
نص سادس.
وفي نص أخر له يشنَّع رحمه الله على من يجهل الفروق بين دلالات اللغة، ويجهل دلالات الحقيقة والمجاز، ورد هذا النص رداً على من يدعي أن استواء الله على العرش يتناول شيئاً من صفات المخلوقين فقال بالحرف كذلك:
"فمن ظن أن هذا الاستواء إذا كان حقيقة يتناول شيئاً منه مع كون النص قد خصه بالله. كان جاهلاً جداً بدلالات اللغات ومعرفة الحقيقة والمجاز".
هذا كلام الإمام، وهو دليل قاطع على أخذه بالمجاز واعتماده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
الدفاع عن الأئمة الأعلام: -
ةفي دفاعه عن الأئمة الأعلام من مؤسسي المذاهب الفقهية وكبار تلاميذهم وتابعيهم من أهل السنة والجماعة رأينا الإمام ابن تيمية رحمه الله يتخذ من المجاز سلاحاً للدفاع عنهم، وكان بعض المبطلين قد طعن فيهم، لأنهم وقفوا من بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مواقف متباينة: بعضهم يقبل حديثاً وآخر يرده، بعضهم يصحح حديثاً وأخر يضعفه، بعضهم يفهم من حديث معنى، وأخر يخالفه. ولما كث اللغط حول هذه الظاهرة انبرى الإمام ابن تيمية اثابه الله، ووضع رسالة صغيرة الحجم جمة الفوائد اسماها "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".
وبر أفيها ساحة الأئمة من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأدار دفاعه عنهم على عشرة أسباب. وفي السببين السادس والثامن ذكر الحقيقة والمجاز والاختلاف بين دلالتيهما ركيزة من ركائز الدفاع عنهم فقال في السبب السادس ما نصه:
" وتارة يكون مشتركاً، أو مجملاً، أو متدداً بين حقيقة ومجاز، فيحمله - أي الفقيه - على الأقرب عنده وإن كان المراد هو الآخر".
وفي السبب الثامن يستهل الحديث بتعارض الدلالات فيقول:
"اعتقاده - يعني الفقيه - أن تلك الدلالة قد عرضها ما دلَّ على أنها غير مراده".
مثل معارضة العام بخاص، أو المطلق بمقيد، أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب، أو الحقيقة بما يدل على المجاز، إلى - أخر - أنواع المعارضات، فإن تعارض دلالات الأقوال، وترجيح بعضها على بعض بحر خضم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
هذا ما تيسر ذكره من أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية مما وردج ذكر المجاز صريحاً فيها في حر كلامه، ودلالتها على موقفه العام من المجاز وارتضائه إياه أمر لا يسوغ دفعه، ولا التقليل من شأنه.
وهذا يعتبر رجوعاً منه عما كتبه في الإيمان، فقد أقر في ما نقلناه عنه آنفاً بكل ما أنكره هناك. ومن يتمسك بعد ذلك بأن الإمام ابن تيمية لم يقر بالمجاز في حر كلامه فعليه أن يتصرف في هذه الأقوال القاطعة التي وردت عنه في مواضع متعددة من مؤلفاته، وفي حر كلامه. عليه أن يتصرف فيها إما بإنكار ورودها عنه، وليس إلى ذلك من سبيل، أو بتجريدها مما تدل عليه، وليس إلى ذلك من سبيل كذلك.
فلم يبق إذن إلا التسليم بأن للإمام بن تيمية مذهبين في المجاز هما:
مذهب جدلي نظري أنكر فيه المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم، وقد دعاه إلى ذلك فزضى التأويل في عصره وقبل عصره، عملاً بالأصل المعروف لدى علماء أصول الفقه، وهو: سد الذرائع.
ومذهب عملي سلوكي طبقه على آيات من الذكر الحكيم كما تقدم.
ولا عجب ولا تناقض في موقفه من المجاز عند التحقيق فهم إمام جليل واسع المعرفة، ومناضل قدير، وفقيه مبرَّز، ومجتهد واع، ومن كانت هذه صفاته فله أن يتغير اجتهاده كسابقيه من الأئمة الفقهاء الأعلام. والمجاز - عموماً - ليس ركناً من أركان الإسلام فيُكَّفّر منُكره أو عبادةً مبتدعة فَيُفَسَّق مثبتُه، وإنما هو فن من فنون القول التي زخرت بها اللغة العربية التي نزل بها القرآن وكادت الأمة تجمع على اشتمال القرآن عليه لولا أولئك النفر القليلون الذين أنكروه بناء على شبهات لاحت لهم وقد أزال تلك الشبهات مجوزو المجاز بوعي واقتدار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
الفصل الثاني الإمام ابن القيم
موقف الإمام ابن قيم الجوزية من المجاز مثل موقف شيخه الإمام ابن تيمية، والتشابه بين موقفيهما يكاد يبلغ حد المماثلة التامة في كل الوجوه.
فقد أنكر ابن القيم المجاز بشدة في كتابه "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" وحشد أكثر من خمسين وجهاً لإنكار المجاز. كما أنكره شيخه الإمام ابن تيمية في كتابه "الإيمان" وبذل جهداً جدلياً نظرياً بالغ المدى في إنكاره كما كتب فصلاً ضافياً في قسم أصول الفقه ردد فيه ما قاله في كتابه "الإيمان".
والإمام الشيخ أقر بالمجاز تأولاً وتصريحاً في مواضع متعددة من مؤلفاته الأخرى كما تقدم.
وكذلك الإمام التلميذ أقر بالمجاز تأويلاً وتصريحاً في مواضع مختلفة من مؤلفاته الأخرى كما سيأتي ومعنى هذا أن لابن القيم مذهبين في المجاز، مذهباً متعارفاً مشهوراً هو الإنكار، ومذهباً غير مشهور وهو الإقرار.
وكانت أدلتنا على إقرار الإمام ابن تيمية بالمجاز ثلاثة:
الأول - تأويلات مجازية نقلها عن بعض السلف ثم ارتضاها مذهباً له في نصوص قرآنية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)