عينين فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التنزيل (1) وقد تقدم الرد على من يؤل هذه الصفة في اثبات البصر لله تبارك وتعالى.
المطلب الثالث: ما ورد في اليدين والأصابع (2)
من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز والسنة المطهرة اليدان قال تعالى {بل يداه مبسوطتان} المائدة 64 وقال تعالى {ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي} ص 75 وقال {والسماوات مطويات بيمينه} الزمر 67 وقال {يد الله فوق ايديهم} الفتح 10. وقال {بيده الملك} تبارك 1 وقال {بيدك الخير} آل عمران 26. وقال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري من حديث طويل وهو محاجة آدم وموسى وفيه: يا آدم انت ابونا خلقك الله بيده) وفيه (أنت موسى كلمك الله تكليماً وخط لك التوراة بيده)، فاليد في ما سبق من النصوص هي يد حقيقية على ظاهرها خلافاً لمن أولها من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم. قال الامام المقدسي (3) في كتابه الصفات: فلا نقول يد كيد ولا نكيف ولا نشبه ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول اهل التعطيل والتأويل بل نؤمن بذلك ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ثم قال ولا يصح حمل اليدين على القدرتين فان قدرة الله واحدة ولا على النعمتين فان نعم الله لا تحصى كما قال سبحانه {وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها} ابراهيم 34. (4)--------------------------------------------
(1) التوحيد لابن خزيمة ص 97
(2) انظر في هذه الصفة الاسماء والصفات للبيهقي 2/ 43 - 53 والتوحيد لابن خزيمة 53 - 76 والشريعة للآجري 321 والسنة لابن ابي عاصم ص 473 والرد على الجهمية لابن منده 39 - 42
(3) عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي الحنبلي، من عائلة علمٍ وحديث، مكثر من التاليف، من أوائل من ألف في الرجال، (ت 600 هـ) سير أعلام النبلاء (21/ 443).
(4) الصفات للامام عبد الغني المقدسي ص 85 ضمن عقائد أئمة السلف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
قال الامام البربهاري (1) " واعلم انما هلال الجهمية من انهم فكروا في الرب عز وجل فأدخلوا (لم وكيف) وتركوا الأثر ووضعوا القياس، قاسوا الدين على رأيهم فجاؤوا بالكفر عياناً " (2) وعلى هذا اثبت الأئمة في ما ساقوه في معتقداتهم ومصنفاتهم في ردودهم على الجهمية والمعتزلة أو في بيان السنة قال شيخ الإسلام إسماعيل الصابوني عن أهل السنة: ويقولون انه خلق آدم بيده كما نص سبحانه في قوله {قال يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي} ص 57.
ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين أو القوتين تحريف المعتزلة والجهمية اهلكهم الله ولا يكيفونها بكيف ويشبهونها بايدي المخلوقين تشبيه المشبهة خذلهم الله (3) وهو الذي قرره الإمام الاشعري: أن من جملة ما عليه أهل الحديث والسنة أن لله يدين بلا كيف، ثم ساق الأدلة لذلك في عدة كتب له (4) ومثله الامام الاصبهاني في الحجة قال: (فصل في اثبات اليد لله تعالى صفة له) ثم قال: (ذكر البيان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم على إثبات اليد موافقاً للتنزيل). (5)
والنصوص التي وردت في اثبات اليدين تضمنت اثبات صفات أخرى لهذه اليد وهو الذي نراه في الاحاديث التي استشهد بها الأئمة على ذلك فمنها: -
1 - صفة اليمين كما في حديث ابي هريرة (يمين الله ملآى) وقوله (أخذها الرحمن بيمينه).
2 - صفة الكف كما في حديث الصدقة (فتربوا في كف الرحمن).
3 - صفة الأصابع كما في حديث الحبر اليهودي الذي رواه البخاري في الباب من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه.
4 - صفة القبض والطي كما في حديث ابن عمر (يقبض الله الارض).
5 - صفة البسط كما في قوله تعالى {بل يداه مبسوطتان}.
قال ابن القيم رحمه الله: " فهذا القبض والبسط والطي باليمين والاخذ والوقوف على يمين الرحمن والكف وتقليب القلوب باصابعه ووضع السموات على اصبع والجبال على أصبع وذكر احدى اليدين ثم قوله " وبيده الاخرى - ممتنع فيه اليد المجازية سواء بمعنى القدرة أو بمعنى النعمة فانها لا يتصرف فيها هذا التصرف، هذه لغة العرب نظمهم ونثرهم هل تجدون فيها ذلك اصلاً. (6)
قال الامام أحمد (من زعم ان يداه نعماه كيف يصنع بقوله (خلقت بيديّ) مشددة (7)، والإمام البخاري قرر هذه الصفة وبوب لها وساق من الاحاديث ما يدل على ثبوتها، فحديث انس فيه (خلقك بيده) ثم حديث ابي هريرة قال: يد الله ملآى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والارض فانه لم يغض ما في يده) وقال (وكان عرشه على الماء وبيده الاخرى الميزان يخفض ويرفع)، وحديث ابن عمر (أن الله يقبض يوم القيامة الارض وتكون السموات بيمينه ثم يقول انا الملك)، فهذه الآية فيها اثبات اليدين لله ثم أورد رحمه الله ما يدل على ذلك من السنة فقال (بيده) مرة ثم قال (وبيده الأخرى) ثم ساق رحمه الله ما يدل على الاصابع للرحمن فجاء بحديث ابن مسعود ان يهودياً--------------------------------------------
(1) الحسن بن علي بن خلف البربهاري، شيخ الحنابلة كان قوالاً للحق داعية إلى الأثر، عاصر الأشعري وكان مطاعاً، (ت 328 هـ)، سير اعلام النبلاء (15/ 90).
(2) الحجة في بيان المحجة للاصبهاني 1/ 185
(3) شرح السنة للامام البربهاري 27.
(4) عقيدة السلف اصحاب الحديث للصابوني صـ 26.
(5) مقالات الإسلاميين 1/ 345 والابانة ص 41 ورسالة اهل الثغر صـ 69.
(6) مختصر الصواعق 2/ 325 وانظر تأصيلاً لهذا رد الدارمي ص 388 - 391.
(7) ابطال التأويلات لابي يعلى 1/ 169.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد ان الله يمسك السموات على اصبع والاراضين على اصبع والجبال على أصبع والشجر على اصبع والخلائق على اصبع ثم يقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قرأ {وما قدروا الله حق قدره} زاد عبد الله بن مسعود: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً له وساق بنحوه حديثاً لابن مسعود فيه اختلاف يسير وليس هذا هو الحديث الوحيد الذي فيه ذكر الأصابع فقد قال عليه الصلاة والسلام " قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ". (1) قال الامام البغوي: والأصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل وكذلك ما جاء به الكتاب والسنة من هذا القبيل من صفات الله (2) وقال ابن بطال: " لايحمل ذكر الاصبع على الجارحة بل يحمل على انه صفة من صفات الذات لا تكيف ولا تحدد (3) وبمثله قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث " ولا نقول اصبع كاصبعنا لان كل شيء منه عز وجل لايشبه شيئاً منا ". (4) والمخالف لهذه الاحاديث له نفس الحجة التي سبقت في باقي الصفات وأولها كما اول غيرها، فحديث (إن قلوب العباد بين أصبعين) اولهما بالنعمة أو بالقدرة، وقال لانها تقتضي المماسه وهذا بعيد فانه ليس في ظاهر الحديث أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها ولا أنها في جوفه ولا أن قول القائل هذا بين يدي يقتضي مباشرته ليديه، فقوله تعالى {والسحاب المسخر بين السماء والارض} البقرة 164 لم يقتض أن يكون مماساً للسماء والارض. (5)--------------------------------------------
(1) رواه الترمذي باب القدر ح 214 وابن ابي عاصم في السنة 1/ 101 بسند حسن
(2) شرح السنة للبغوي 1/ 168
(3) الفتح 13/ 398.
(4) تأويل مختلف الحديث صـ 196.
(5) من كلام ابن تيمية بتصرف التدمرية ص 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
وقد رد الدارمي على هذه الشبهة أيضاً بقوله: " وهل من شيء ليس تحت قدرة الله التي وسعت كل شيء حتى خص الرسول صلى الله عليه وسلم القلوب من بينها بقدرتين (1) وهناك من جعل ضحك الرسول صلى الله عليه وسلم تعجباً لا موافقة وانكاراً لا موافقة، وهذا يعيد قال ابن خزيمة " قد أجل الله تعالى نبيه من أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلم به ضحكاً بل لا يصف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف مؤمن مصدق برسالته. (2) فتمر هذه الاحاديث والصفات على ما يليق بجلال الله. قال الامام وكيع بن الجراح نسلم هذه الاحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا ولا لم كذا؟ يعني مثل حديث بن مسعود ان الله عز وجل يحمل السموات على أصبع وحديث قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ونحوها من الاحاديث. (3)
واختم هذا المبحث في الصفات الخبرية بقول شيخ الاسلام رحمه الله " فهل يجوز ان يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وان الله خلق بيده وان يداه مبسوطتان وان الملك بيده، وفي الحديث ما لا يحصى، ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم واولي الأمر: لا يبينون للناس ان هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره؟ حتى ينشأ (جهم بن صفوان) بعد انقراض عهد الصحابة فيبين للناس ما نزل اليهم على نبيهم ويتبعه عليه بشر بن غياث ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق. وكيف يجوز ان يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملوة مما يزعم الخصم ان ظاهره التشبيه والتجسيم. وان اعتقاد ظاهره ضلال ثم لا يبين ذلك ولا يوضحه، وكيف يجوز للسلف ان يقولوا أمروها كما جاءت مع أن معناها المجاز--------------------------------------------
(1) الرد على المريسى ص 418
(2) التوحيد لابن خزيمة 1/ 178
(3) السنة لعبد الله بن الامام احمد 1/ 267، وقاله مناسبة لهذه الأحاديث بالذات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
هو المراد - وهو شيء يفهمه الاعراب حتى يكون ابناء الفرس والروم اعلم بلغة العرب من أبناء المهاجرين والأنصار. (1)
وهكذا ظهر تبويب البخاري بإثباته لهذه الصفات كما هو منهج السلف رحمهم الله على الحقيقة مع تفويض كيفيتها لله تبارك وتعالى بما يليق به سبحانه مورداً للنصوص على سبيل الجزم كما هي عادته فيما يعتقده رحمه الله.--------------------------------------------
(1) الفتاوى 6/ 368، 369 بتصرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
الفصل الثاني: الصفات الفعلية
المبحث الأول: الصفات الاختيارية و [شبهة قيام الحوادث بذاته سبحانه وتعالى]
يفرق أهل السنة والجماعة بين صفات الله الذاتية وصفاته تعالى الفعلية والتي يفعلها بمشيئته سبحانه ويثبتون أن هناك صفات ذاتية فعلية هي صفة ذات له تبارك وتعالى وهي صفة فعلية يفعلها متى يشاء سبحانه كالرحمة والخلق والكلام ونحوها.
وأهل السنة في إثباتهم لهذه الصفات ينطلقون من أنه تبارك وتعالى منزه عن الشبيه، كما قال الإمام نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً. (1)
فالصفات التي وصف الله بها نفسه وأعني هنا ما اصطلح على تسميتها بالفعلية الاختيارية حصل فيها الخلاف العظيم بين المسلمين وطال النزاع فيها بسبب القياس الخاطئ بين الخالق والمخلوق إذ أن الصفات الإلهية لا يجوز أن يستدل فيها بالقياس الشمولي ولا قياس التمثيل، فالتمثيل يستوي فيه الفرع والأصل والشمولي يستوي أفراده.
فالله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يوصف به وإدخاله سبحانه مع غيره تحت أي قضية كلية يستوي أفرادها، عمل فاسد، هذا الذي جَرَّ والطوائف--------------------------------------------
(1) شرح أصول السنة للالكائي 3/ 587
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
إلى الضلال في هذا الباب، وكان الأولى بهم استعمال قياس الأولى سواء كان تمثيلاً أو شمولاً كما قال الله في كتابه {ولله المثل الأعلى} النحل آية 60.
قال العلامة السعدي في تفسيره لهذه الآية هو كل صفة كمال وكل كمال في الوجود، فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصاً بوجه من الوجوه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه وهو التعظيم والإجلال والمحبة والإنابة والمعرفة. (1)
وقد اجتهد أئمة السلف رحمهم الله في دفع الخطأ الناتج عن الاعتقاد الخاطئ في فهم الصفات الفعلية الاختيارية لله تبارك وتعالى.
ولكن قبل عرض ردهم وتوضيحهم لابد من الرجوع لأصل المشكلة التي لأجلها قام الوهم من قبل الذين نفوا هذه الصفات الاختيارية.
وأساسها: بعد عصر الصحابة والتابعين ومجيء جهم بن صفوان وذلك عندما لقيه بعض عباد السُمنية (2) ممن لا يؤمنون بالله فقالوا صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج مدة ثم خرج وقال هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء. (3) وأما رواية الإمام أحمد انهم قالوا نكلمك فان ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وان ظهرت حجتك علينا دخلنا دينك فكان مما كلموا به الجهم ان قالوا له:
هل رأيت إلهك أو سمعت كلامه أو شممت له رائحة أو وجدت له حساً أو مجساً وكل ذلك يقول لا.--------------------------------------------
(1) تفسير السعدي 2/ 933.
(2) السمنية قوم من الدهرية من أهل الهند قالوا بقدم العالم وإبطال النظر والاستدلال، وقالوا بتناسخ الأرواح -الفرق بين الفرق للبغدادي - 270.
(3) الرد على الجهمية لابن أبي حاتم كما في الفتح 13/ 295.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
فقالوا فما يدريك أنه اله قال: فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوماً ثم أنه استدرك حجة مثل حجج زنادقة النصارى الذين يزعمون أن الروح الذي في عيسى من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمراً دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء وهو روح غائبة عن الأبصار ثم قال للسُمنى ألست تزعم أن فيك روحاً فقال جهم: هل رأيت روحك أو سمعت كلامه أو وجدت له حساً وكل ذلك يقول: لا
فقال جهم: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان
قال الإمام أحمد: فبنى أصل كلامه على تأول هذه الآيات {ليس كمثله شيء} و {وهو الله في السموات والأرض} الأنعام 3 و {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} الأنعام 103 وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فقد كفر وكان من المشبهة (1)
فالجهم أصل اصلاً في إثبات وجود الله وهو الذي عرف بعد بدليل حدوث الأجسام، فالأجسام حادثة لأنها لا تخلو من الحوادث والأعراض أو أنها مستلزمة للأعراض فصار ما لا يخل من الحوادث فهو حادث فالعالم حادث وبه يعرف إثبات الصانع فما قامت به الصفات قامت به الأعراض وما قامت به الأعراض فهو حادث فنفى الجهمية والمعتزلة ات قامت به الاعراض وما قامت به الاعراض فهو حادث فنفى الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم الصفات أو بعضها على أصل جهم هذا ثم ان من اراد اثبات صفة فأنه يثبتها لجوازها عقلاً! فمن اثبت ثلاث صفات ثم من زاد عقله فاثبت سبعاً ثم من اثبت اكثر من ذلك ولايسمونها أعراضاً--------------------------------------------
(1) الرد على الجهمية للامام احمد ص 102، 104 بتصرف يسير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
ولكن حين جاء ذكر الصفات الاختيارية سموّها حوادث فوجب نفيها عندهم على هذا الأصل.
وهذا الدليل باطل، من وجوه
الأول: طوله الذي يجعل العامي لا يستطيع فهمه حتى يتم لأجله ايمأنه
الثاني: أنه دليل متبوع بعد عهد النبوة والصحابة لم يدع به النبي صلى الله عليه وسلم الناس ولا صحابته من بعده
الثالث: اللوازم الفاسدة على هذا الدليل من نفي صفات الله ونفي قدرته على الفعل والقول بأنه فعل بعد ان كان الفعل ممتنعاً عليه
الرابع: هذا الدليل الذي ارتضاه المتكلمون أوجب تسلط الفلاسفة عليهم في مسألة حدوث العالم (1)
والقول بنفي الصفات خوفاً من حلول الحوادث من قبل المتكلمين وانكروها بلسانهم ان الحوادث لا تقوم بالله - حسب فهمهم وان كنا لا نوافق على هذا الاطلاق - إلاّ انهم يقولون به كما نقل ذلك الرازي في (الأربعين في اصول الدين) فبين أن الجبائي وابنه من المعتزلة قالوا بارادة حادثة لا في محل وابو الحسين البصري يثبت في ذاته تعالى علوماً متجددة بحسب تجدد المعلومات
والاشعرية يثبتون نسخ الحكم ويثبتون للعلم والقدرة تعلقات حادثة--------------------------------------------
(1) انظر في ادلة الموجبين والمانعين / موقف ابن تيمية من الاشاعرة للمحمود 3/ 984
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
والفلاسفة يقولون بان الاضافات وهي القبلية والبعدية موجودة في الاعيان فيكون الله مع كل حادث ثم قال: وذلك الوصف الاضافي حدث في ذاته (1)
وقد نبه الإمام الطحاوي في عقيدته المختصرة إلى ان الله يوصف بصفاته التي لا يلزم من الوصف بها تجدد الحوادث أو قدم الصفة
فقال: ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه لم يزد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً.
قال ابن ابي العز رحمه الله مبيناً كلام الإمام الطحاوي: أي أن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال صفات الذات وصفات الفعل ولا يجوز ان يعتقد ان الله وصف بصفة بعد ان لم يكن متصفاً بها لان صفاته سبحانه صفات كمال وفقدها صفة نقص
ولا يجوز ان يكون حصل له الكمال بعد ان كان متصفاً بضده ولا يرد على هذا صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها كالخلق والتصوير والاحياء والاماتة والقبض والبسط والطي والاستواء والاتيان والمجيء والنزول والغضب والرضا ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ولا ندخل في ذلك بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ولكن اصلُ معناه معلوم لنا كما قال مالك في الاستواء (2)
وغالب ما يوقع في مثل هذه المسائل هذه الالفاظ المجملة المحدثة واعني بها (لول الحوادث) فهذه لم يرد فيها نفيٌ ولا اثبات في الكتاب والسنة ويلاحظ انها لفظ مجمل لازمه هو المحذور فمن يريد باطلاقها ان الله تبارك وتعالى لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته--------------------------------------------
(1) الاربعين للرازي ص 118
(2) شرح العقيدة الطحاوية ص 96 بتصرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
المحدثة أو بعبارة اخرى لا يتجدد له وصف لم يكن فنفي حلول الحوادث بهذا المفهوم صحيح من لوازم التنزيه لله تبارك وتعالى ولكن ان اريد باطلاقه نفي الصفات الاختيارية
أعني أنه لا يفعل ما يريد فلا يتكلم إذا شاء وأنه لا يغضب ولا يرضى مع نفي التشبيه ولا ينزل ولا يستوي كما وصف نفسه ولاق بجلاله فهذا نفي باطل لا يسلم لقائله
وقد بين الإمام البخاري رحمه الله هذا الأمر بايسر عبارة
وواضح دليل لمن تأمل فقال رحمه الله:
باب قول الله تعالى: {كل يوم هو في شأن} الرحمن 29
و{ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} الأنبياء 2 وقوله تعالى {لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً} الطلاق 1
ثم اتى بالقول الفصل في هذه المسألة فقال: وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى 11
ساق البخاري هذا الباب وهو مهم بالنسبة لافعال الله عز وجل لاثبات ان لله صفات هي افعال يفعلها متى شاء ويصح ان نطلق عليها حادثة لكنها ليست كحدوث المخلوقين التي قد يعتريها العجز وقد يعتريها الخفاء وما اشبه ذلك من نواقص حوادث المخلوقين
وقال د. الغنيمان يريد بهذا بيان ان الله تعالى يحدث ما يريد احداثه في أى وقت اراد وان احداثه ذلك من افعاله التي هو اوصاف له (1)
وقد نبه البخاري رحمه الله في اكثر من موضع على هذه المسألة فأشار إلى مسألة انكار افعال الله من القول والفعل مما له تعلق بمشيئة الله وارادته وقدرته مما انكرته الجهمية ومن تبعهم فقال [باب ما جاء في تخليق السموات والارض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب تبارك وتعالى وأمره
فالرب بصفاته وفعله وامره وهو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وامره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون]
ثم قال أيضاً [سورة باب قول الله تعالى، {ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن اذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} سبأ 23 ولم يقولوا ماذا خلق ربكم]
فالله تبارك وتعالى يحدث من امره ما يشاء من القول والأمر والفعل وكما أنه ليس له مثل في ذاته كذلك ليس له في افعاله) والآيات التي استشهد بها البخاري رحمه الله من قوله تعالى {كل يوم هو في شأن} الرحمن 29 قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله اصحابه ما ذاك الشأن قال عليه الصلاة والسلام " أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين " (2)
ونقل مثل ذلك الإمام البغوي قول عامة المفسرين عن هذه الآية فقال: قال المفسرون: من شأنه ان يحي ويميت ويرزق ويعز قوماً ويذلك قوماً ويشفي مريضاً ويفك عانياً ويفرج--------------------------------------------
(1) شرح كتاب التوحيد للغنيمان 2/ 506
(2) رواه البخاري تعليقاً عن ابي الدرداء في تفسير سورة الرحمن جازماً به ووصله ابن حجر 13/ 507
ورواه ابن حبان مرفوعاً وابن ماجة 1/ 73 حديث 202 وسنده حسن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
مكروباً ويجيب داعياً ويعطي سائلاً ويغفر ذنباً إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء (1)
ثم استشهد رحمه الله بقوله تعالى {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} الأنبياء 2، قال الداودي رحمه الله في بيان مراد البخاري: الذكر في الآية هو القرآن وهو محدث عندنا وهو من صفاته تعالى ولم يزل سبحانه بجميع صفاته (2)
وقد نقل الحافظ عن الداودي (3) رحمه الله ما يؤيد قوله هذا في شرح قول عائشة " ولساني في نفسي كان أحقر من ان يتكلم الله في بأمرٍ يتلى)
قال: فيه ان الله تكلم ببراءة عائشة حين انزل براءتها بخلاف قول بعض الناس أنه لم يتكلم (4)
اراد الرد على من يقول ان الله إذا تكلم فيكون كلامه حادثٌ فتحل فيه الحوادث على مايفهمه من يقول بذلك
قال ابن كثير " محدث " أى جديد انزاله ثم استشهد باثر ابن عباس الذي ساقه البخاري بنحوه " كيف تسألون اهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرقوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه وكتابكم احدث الكتب بالله تقرؤنه محضاً لم يشب (5)
ثم قال البخاري رحمه الله وقوله تعالى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا}
وهذه الآية معلوم انها في المطلقة التي لها عدة تعدها ولم تبن فأمر الله تبارك وتعالى ان تعتد في بيت زوجها من غير ان تخرج منه إلاّ أن تأتي بفاحشة وعلل ذلك بقوله تعالى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} الطلاق 1
قال ابن جرير " لا تدري ما الذي يحدث لعل الله يحدث بعد طلاقكم اياهن رجعة " (6)
يحدث للزوجين حالاً غير ما كانا عليه وقت الطلاق فقد تتبدل الكراهية رغبة والبعد قربا ويحصل الندم منهما فيحدث الرجوع بينهما فمقصود البخاري من هاتين الآيتين ان الله تعالى يتكلم بعد ان لم يكن تكلم بذلك الكلام بعينه ويأمر وينهى بعد ان لم يكن امر بذلك المأمور وذلك المنهي بعينه لمن وجه اليه الأمر والنهي (7)
وفسر شيخ الاسلام الذكر بان منه محدث ومنه غير محدث لان النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره مفسراً لقوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} الأنبياء 2 وبقوله {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث} الشعراء 5 في الآيتين ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمية ولكن الذي انزل جديداً فان الله ينزل من القرآن شيئا بعد شيء فالمنزل أولاً قديم بالنسبة إلى المنزل آخرا--------------------------------------------
(1) تفسير البغوي 7/ 446
(2) الفتح 13/ 507
(3) محمد بن علي بن أحمد المالكي شيح أهل الحديث في عصره، مصري من تلاميذ السيوطي، له طبقات المفسرين، (ت 945 هـ) الأعلام (6/ 291).
(4) الفتح 13/ 507
(5) تفسير ابن كثير 3/ 277
(6) تفسير الطبري 12/ 87
(7) شرح كتاب التوحيد للغنيمان 2/ 508
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
وكل ماتقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب كما قال تعالى {كالعرجون القديم} يس 29 وقال {تالله إنك لفي ضلالك القديم} (1) يوسف 95
ومن قامت لديه شبهة في مسألة حلول الحوادث فان الإمام البخاري جلاها بوضوح إذ ان من يمنع حلول الحوادث قد ارتبط بذهنه قياس الشاهد على الغائب فقال ان الحوادث لا تقوم إلاّ بحادث فقاس على ما يراه فقال البخاري " وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى 11
فكما أنه تبارك وتعالى لا مثل له في ذاته فكذلك لا مثل له في افعاله واوصافه واحداثه التي يحدثها مما يتعلق بمشيئته وهي افعاله.
ويتساءل العلامة ابن عثيمين عن أصل المسألة: من أين أتى القائلون بأن من قامت به الحوادث فهو حادث، فلا كتاب ولا سنة ولا عقل يدل عليها قال: فنحن نشاهد الآن بانفسنا أنه تحصل حوادث لنا في هذا اليوم غير ما حصل باليوم الذي قبله وهل يلزم إذا قامت بنا الحوادث ان تكون موجودة بوجودنا؟ لا يلزم فالحوادث تتجدد من الحادث ومن غير الحادث بل ان قيام الحوادث به دليل على كماله وأنه يفعل ما يشاء متى ما شاء ولو قلنا أنه لا يستطيع ان يفعل لكان في هذا نقص والله تعالى فعال لما يريد، واستدل بقوله تعالى {ولو شاء الله ما قتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} البقرة 253 فالاقتتال من حادث لا شك وهو من فعل الله أي من تقديره أن يفعل وهذا صريح في قيام الافعال الحادثة به (2)--------------------------------------------
(1) شرح كتاب التوحيد للغنيمان 2/ 511
(2) شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين 192، 193 بتصرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
ثم استشهد البخاري رحمه الله بحديث ابن مسعود وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم " ان الله يحدث من أمره ما يشاء وان مما أحدث ان لا تكلموا في الصلاة "
ذلك ان ابن مسعود قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وسلم عليه وكانوا يفعلون ذلك - فلم يرد عليه السلام فلما فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود ما قال: ودلالة الحديث واضحة ومطابقة الحديث للترجمة والآيات فقوله صلى الله عليه وسلم {ان الله يحدث من أمره} موافق لقوله تعالى {وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} الأنبياء 2
قال ابن رجب رحمه الله في شرحه لصحيح البخاري: وقوله " ان الله احدث ان لا تكلموا في الصلاة " اشارة إلى أنه شرع بعد ان لم يكن شرّعه ومنعه بعد أن لم يكن قد منعه (1) ومثله الروايتان عن ابن عباس " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي انزله الله على نبيكم احدث الأخبار بالله محضاً لم يشب وفي الرواية الاخرى أقرب الكتب عهداً بالله. فالمعنى أنه آخر الكتب واحدثها بالله واقربها عهداً به وهذا موضع الشاهد من الباب، وهذا الباب فصل في ما سيأتي من أبواب فيها الكلام على بقية الصفات الاختيارية إذ سيكون ايرادها على وجه الاختصار خاصة ما دخلت تحت جنس واحد في الكلام، ومابقي من مسائل جرى فيها الخلاف سأعرض له في مسألة الكلام ان شاء الله إذ أطال فيها الإمام البخاري (2)--------------------------------------------
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن رجب 9/ 291
(2) يلاحظ في هذه المسألة - أكثر من غيرها - وضوح مخالفة شراح البخاري المتقدمين عن مقصود البخاري
إذ غالب أقوالهم في نفي الصفات الاختيارية أو تأويلها انظر الفتح 13/ 506، 507
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
المبحث الثاني: ما ورد في الاستواء على العرش
لما كان من الجهمية ومن تبعهم يزعمون ان الله في كل مكان وانكروا ان يكون فوق عرشه (1) كما اخبر عن نفسه فقال {ثم استوى على العرش} الحديد 4 ظنوا ان في اثبات استواءه على العرش تشبيهاً له بخلقه وهو يقول {قل أأنتم أعلم أم الله} البقرة 140
وعلّة الجهمية هي علّة كل من لم يفرق الله عن المخلوق فيتوهمون باوهامهم وخيالاتهم أنه إذا كان فوق العرش كان محتاجاً اليه كما يحتاج الملك إلى كرسيه وكذلك من توهم ان استواءه مثل استواء خلقه باطل بل هو مستغن عن كل ما سواه سبحانه وتعالى ولم يتوهم ذلك الصحابة وهم يسمعون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل آمنوا بعلوه علواً يليق به من غير ان يفتقر إلى شيء من مخلوقاته تبارك وتعالى.
قال شيخ الاسلام " وهو سبحانه حامل بقدرته للعرش وحملة العرش فانما أطاقوا حمل العرش بقوته تعالى والله إذا جعل في مخلوق قوة أطاق حمل العرش ما شاء ان يحمله من عظمته وغيرها فهو بقوته الحامل للحامل والمحمول فكيف يكون مفتقراً إلى شيء (2)
وقد ذكر العرش في القرآن الكريم في احدى وعشرين آية من كتاب الله ذكر الله الاستواء في سبع آيات منها وقد مجد الله تبارك وتعالى نفسه وأنه ذو العرش فاضافة له اضافة تعظيم وتمجيد واختصاص فقال: {فسبحان الله رب العرش عما يصفون} الأنبياء 22 وقال {--------------------------------------------
(1) ذكر قولهم في كتاب العرش لابن ابي شيبة وغيره وانظر مختصر العلو للذهبي ص 220
(2) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 7/ 20
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
الله لا اله إلاّ هو رب العرش العظيم} النمل 26 وقوله {فتعالى الله الملك الحق لا اله إلاّ هو رب العرش الكريم} المؤمنون 116.
وقد جاء زيادة في وصف العرش في السنة المطهرة فهو أعلى المخلوقات وأعظمها وله قوائم وله حملة قال عليه الصلاة والسلام " إذا سألتم الله عز وجل فسألوه الفردوس فأنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة " كما رواه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود " ما بين سماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء ين خمسمائة عام وبين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش يعلم ما انتم عليه " (1)
ووصفه الله تبارك وتعالى بأنه كريم: أى حسن المنظر بهي الشكل فقال: فتعالى الله الملك الحق لا اله إلاّ هو رب العرش الكريم) 116 المؤمنون
قال البغوي: يعني السرير الحسن وقيل المرتفع (2)
ووصفه بأنه واسع عظيم في قوله {ذو العرش المجيد} البروج 15 والمجد الاتساع وعظم القدر (3)--------------------------------------------
(1) اخرجه ابن خزيمة في التوحيد 1/ 242 واللالكائي في شرح السنة 3/ 396
والدارمي في رده على الجهمية رقم 81 - ص 46 وحسنه المحقق الشيخ بدر البدر
(2) تفسير البغوي 5/ 433
(3) (المجيد) قراءتان: الرفع صفة للرب عز وجل. والجر صفة للعرش وكلاهما صحيح
انظر تفسير ابن كثير 4/ 496
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
وان للعرش قوائم كما في حديث ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش فلا ادري افاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) وفي رواية (آخذ بجانب العرش " كما في البخاري.
وان للعرش زنة عظيمة كما في حديث ام المؤمنين جويرية قال: لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلته لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضى نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته " (1)
وهنا نعلم ان زنة العرش أثقل الأوزان كما ان عدد الخلق أكثر الأعداد.
ووصف لنا العرش ان له حملة من الملائكة يسبحون الله ويكبرونه ولا يستكبرون عن عبادته بل يستغفرون للذين آمنوا، قال الله فيهم {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} غافر 7 وأعلمنا سبحانه ان حملة عرشه يوم القيامة ثمانية كما قال: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية} الحاقة 17 وهؤلاء الملائكة قد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام بصفة واحدٍ منهم وعظم خلقه فقال: " أذن لي أن احدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " (2)
وقد انكر العرش كما سبق الجهمية، قال الإمام الدارمي في رده على الجهمية باب الايمان بالعرش وهو احد ما انكرته المعطلة ثم قال: وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على احد ممن يدعي الاسلام في اثبات العرش والايمان به حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله--------------------------------------------
(1) رواه مسلم رقم 2726
(2) اخرجه ابو داود رقم 4727 وهو صحيح انظر الصحيحة للالباني رقم 151
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الامم قبلنا وإلى الله نشكو ما اوهمت هذه العصابة من عرى الاسلام واليه نلجأ وبه نستعين. ثم ساق أدلة العرش وذكر مناقشته لرجل منهم قال أنه يؤمن بالعرش لأنه مذكور في القرآن فالزمه رحمه الله بقوله اتقرون ان لله عرشاً معلوماً موصوفاً فوق السماء السابعة تحمله الملائكة والله فوق كما وصف نفسه بائن من خلقه؟ فأبى ان يقربه كذلك وتردد في الجواب وخلط ولم يصرح ثم قال رحمه الله: فقال لي زعيم منهم كبير لا ولكن لما خلق الله الخلق يعني السموات والارض وما فيهن سمىّ ذلك كله عرشاً له واستوى على جميع ذلك كله (1)
وقد جاء على لسان صحابة رسول الله ايمان بالعرش وان الله مستو عليه بكل تسليم، قال الصحابي عبد الله بن رواحة: "
وان العرش فوق الماء طافٍ: . وفوق العرش رب العالمين
وتحمله ملائكة شداد.: . ملائكة الإله مسومينا (2)
وهكذا سلف الامة نظروا في هذه النصوص فآمنوا بها ولم يؤلوها ولم ينكروها. قال الإمام أحمد " ولله عز وجل عرش وللعرش حملة يحملونه والله عز وجل على عرشه (3)
ومثله ابن ابي زمنين (4): قال: ومن قول اهل السنة ان الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء (5)--------------------------------------------
(1) الرد على الجهمية للدارمي ص 263، 264 باختصار
(2) سير اعلام النبلاء للذهبي 1/ 238
(3) طبقات الحنابلة 1/ 29
(4) محمد بن عبدالله بن عيسى المري، فقيه مالكي من الوعاظ الأدباء، له كتب كثيرة في السنة وتفسير القرآن (ت 399 هـ) الأعلام (6/ 227).
(5) الفتاوى لابن تيمية 5/ 54
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
وذكر ذلك الإمام الطحاوي في عقيدته " وهو مستغن عن العرش وما دونه " وفسر كلامه الشارح احسن تفسير فقال: ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش ليبين أن خلقه للعرش لاستواءه عليه ليس لحاجته اليه بل له في ذلك حكمة اقتضته (1)
قال الذهبي مبيناً كيف اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ رضي الله عنه كما في الحديث الصحيح في مسند أحمد. " والعرش خلق لله مسخر إذا شاء ان يهتز اهتز بمشيئة الله وجعل فيه شعوراً لحب سعد كما جعل تعالى شعوراً في جبل احد بحبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: وهذ باب واسع سبيله الايمان (2)، وأما من كان سبيله التأويل للعرش كما عند المعتزلة فقد قالوا: أنه يراد به (معنى الملك) كما قال عبد الجبار وقال ان ذلك ظاهر اللغة يقال: مثل عرش بني فلان أي زال ملكهم (3) وقد رد كلامه أئمة السلف: من أن العرش سرير الملك كما قال الله عن بلقيس {ولها عرش عظيم} النمل 23.
قال البيهقي رحمه الله: وأقاويل اهل التفسير على أن العرش هو السرير وأنه جسم مجسم (4) وقال ابن ابي العز " وأما من حرف كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك فكيف يصنع بقوله تعالى {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية} وقوله {وكان عرشه على الماء} هود 7 ويكون موسى عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم الملك هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول. (5)--------------------------------------------
(1) شرح الطحاوية ص 372
(2) سير اعلام النبلاء 1/ 297
(3) شرح الاصول الخمسة ص 226
(4) الاسماء والصفات 497
(5) شرح الطحاوية ص 366
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
ولعظم هذه المسألة عند السلف افردوها بالتأليف كما فعل الإمام ابي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه فضائل العرش، والعرش وما روي فيه للحافظ ابن ابي شيبة صاحب المصنف والرسالة العرشية لابن تيمية وغيرهم رحمهم الله.
وفي هذا الدرب سار الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه فبوب بذكر العرش بقوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} هود 4، وقوله {وهو رب العرش العظيم} التوبة 129 ثم بين الفرق رحمه الله بين استوى إلى السماء واستوى على العرش وأورد قول ابي العالية رحمه الله (استوى إلى السماء) ارتفع ثم (سواهن) خلقهن ثم نقل قول مجاهد في الاستواء على العرش ان (استوى) علا (على العرش) وقول ابن عباس في معنى (المجيد) أي الكريم و (الودود) أي الحبيب قال: كأنه فعيل من ماجد ومحمود من حميد
قال ابن المنير: نبه البخاري هنا على مسألة لطيفة وهي ان المجيد على قراءة الكسر لا يتخيل انها صفة العرش وأنه بذلك قديم بل هي صفة الحق بدليل قراءة الرفع وبدليل اقترانها بالودود وهي صفة الحق فيكون بالكسر على الجوار حينئذٍ (1)
قال الحافظ بعد نقله لكلام ابن المنير: وهو يؤيد انها عند البخاري صفة لله تعالى ما اردفه به وهو يقال حميد مجيد. . الخ (2) ثم ساق رحمه الله احاديث الباب لبيان العرش فبدأ بحديث عمران بن حصين لما جاءه بنو تميم واهل اليمن وفيه [كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والارض وكتب في الذكر كل شيء] واراد به رحمه الله الاخبار بكون العرش على الماء عند ابتداء خلق السموات والارض، قال ابن خزيمة رحمه الله (--------------------------------------------
(1) المتواري على تراجم البخاري ص 422
(2) الفتح 13/ 419
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)