حجة، فلو قال: أمرنا بكذا، أو نهانا عن كذا، على البناء للمفعول قبل أيضا على الصحيح، لانصرافه إلى من له الأمر والنهي وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن الكرخي والصيرفي: أنه متردد بين أمره وهو خاصة، وأمر كل الأمة وأمر بعض الولاة.
الخامسة: أن يقول: حرم أو رخص على البناء للمفعول فيهما والأظهر الاحتجاج به واحتمال إسناده إلى استنباط أو قياس بعيد.
قال الشارح: وفي حكاية المصنف الخلاف نظر، فقد قال الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة): إذا قال صحابي: أرخص لنا بكذا، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا خلاف.
قلت: الظاهر أنه أراد نفي الخلاف تفريعا على الصحيح في المسألة قبلها، فإنه متى جرى الخلاف في تلك جرى في هذه بلا شك والله أعلم.
السادسة: أن يقول من السنة كذا، فالأكثرون على الاحتجاج به حملا له على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه المتبادر عند الإطلاق وبه قال الإمام والآمدي وأتباعهما ويوافقه قول الشافعي رحمه الله في (الأم) في باب عدد الكفن: (وابن عباس والضحاك بن قيس صحابيان لا يقولان: السنة، إلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالف فيه الصيرفي والكرخي، وحكاه الإمام في (البرهان) عن المحققين، ويوافقه قول الصيدلاني في أسنان إبل الخطأ: إن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع، إذا صدر من الصحابي أو التابعي، ثم رجع عنه، لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد.
السابعة: أن يقول: كنا معاشر الناس، أو: كان الناس يفعلون في عهده صلى الله عليه وسلم لأن الظاهر أن قصده بذلك تعليم الشرع، حكاه الصفي الهندي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)
عن الأكثرين.
وقال المصنف: لا يتجه فيه خلاف لتصريحه بنقل الإجماع المعتضد بمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت:/ (139/ب/م) وهذا ينافي عطف المصنف هذه على قوله (115/أ/د): من السنة بالفاء المقتضية لتأخرها في المرتبة عنها مع حكايته الخلاف في تلك.
الثامنة: أن يقول: كنا نفعل في عهده صلى الله عليه وسلم، فيقبل ذلك وهي أحط من التي قبلها؛ لأن الضمير في (كنا) يحتمل طائفة مخصوصة.
وحكى ابن الصلاح عن أبي بكر الإسماعيلي إنكار كونه مرفوعاً، قال: والاعتماد على الأول.
قال الشارح: أما إذا قال: كنا نفعل، ولم يضفه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فموقوف بلا خلاف.
قلت: مقتضى كلام الإمام فخر الدين والآمدي – الرفع في هذه أيضاً، فإنهما لم يقيدا ذلك بعصره عليه الصلاة والسلام، وبه صرح أبو عبد الله الحاكم من المحدثين، وحكاه النووي في (شرح المهذب) عن كثير من الفقهاء، وقال: إنه أقوى من حيث المعنى، ويوافقه قول المصنف بالرفع في الصورتين الأخيرتين، فإنه ليس فيهما إضافة ذلك إلى عهده صلى الله عليه وسلم.
التاسعة: أن يقول: كان الناس يفعلون، من غير تصريح بكون ذلك على عهده صلى الله عليه وسلم وهي دون التي قبلها لعدم التصريح بزمنه عليه الصلاة والسلام.
قال الشارح: لكنها فوقها من جهة تصريحه بجميع الناس، فيحتمل تساويهما، والأظهر رجحان تلك لأن التقييد بالعهد ظاهر في التقرير وهو تشريع.
العاشرة: نحو قول عائشة رضي الله عنها: (كانوا لا يقطعون في الشيء التافه)، وهذه دون الكل لعدم التصريح بكونه في زمنه عليه الصلاة والسلام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
وبما يعود عليه الضمير في قوله: (كانوا).
وفهم ترتيب هذه الصورة الأخيرة من عطف المصنف بعضها على بعض بالفاء والله أعلم.
ص: خاتمة: مستند غير الصحابي قراءة الشيخ إملاء وتحديثا، فقراءته عليه فسماعه، فالمناولة مع الإجازة، فالإجازة لخاص في خاص، فخاص في عام، فعام في خاص فعام في عام فلفلان ومن يوجد من نسله، فالمناولة فالإعلام، فالوصية فالوجادة، ومنع الحربي وأبو الشيخ والقاضي الحسين والماوردي الإجازة، وقوم العامة/ (140/أ/م) منها والقاضي أبو الطيب من يوجد من نسل زيد وهو الصحيح والإجماع على منع من يوجد مطلقا.
ش: مستند غير الصحابي في تحمل الحديث عن شيخه تنقسم إلى أقسام:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
أولها السماع من لفظ الشيخ، وهو مراد المصنف بقراءة الشيخ سواء أكان ذلك إملاء، أي يملي الشيخ ما يقوله والسامع يكتبه حالة الإملاء، أو تحديثا مجردا عن الإملاء وسواء أكان ذلك من حفظ الشيخ أو كتابه.
ثانيها: قراءته على الشيخ وهو ساكت يسمع، فيقول: نعم أو يشير بها أو يقر على ذلك ولا ينكره.
وقد عرض ضمام بن ثعلبة على النبي صلى الله عليه وسلم شعائر الإسلام التي سمعها من (115/ب/د)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)
رسوله، وهو يصدقه على ذلك وكان الناس يذكرون للصحابة رضي الله عنهم الأحكام فيقرون الحق وينكرون الباطل.
وشرط إمام الحرمين في صحة التحمل بها أن يكون بحيث لو فرض من القارئ لحن أو تصحف لرده الشيخ ويسمى هذا عرضا، لأن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه.
وتقديم المصنف السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه هو الصحيح، وحكاه ابن الصلاح عن جمهور أهل المشرق وأصله الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يقرأ على الناس القرآن، ويعلمهم السنن، وقيل: إن القراءة عليه أعلى وبه قال أبو حنيفة وابن أبي ذئب، وحكاه ابن فارس والخطيب عن مالك، وحكي أيضا عن ابن جريج وشعبة والليث بن سعد وغيرهم.
وقيل: إنهما سواء، وهو المشهور عن مالك وأصحابه، وإليه ذهب معظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري، وحكاه الصيرفي في كتاب (الدلائل) عن الشافعي.
ثالثها: سماعه بقراءة غيره، وجعل المصنف هذا قسما غير الذي قبله فيه نظر، فالحق أنه قسم منه.
رابعها: المناولة المقرونة بالإجازة بأن يدفع الشيخ للطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلا به فيقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فاروه عني أو أجزت لك روايته عني، وهذا مجمع على صحة الرواية به.
قال القاضي عياض: وهو قول كافة أهل النقل والأداء والتحقيق/ (140/ب/م) من أهل النظر.
وقال قبل ذلك: إنها صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين، بل ذهب بعضهم إلى أنها في رتبة السماع، حكاه أبو عبد الله الحاكم عن ابن شهاب وربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك في آخرين، وقال والدي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)
رحمه الله: إنه خلط غرض المناولة بغرض السماع.
وحكاه الخطيب عن ابن خزيمة، لكن الصحيح انحطاط المناولة عن السماع، وحكاه الحاكم عن الشافعي وصاحبيه البويطي والمزني وأبي حنيفة وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي وآخرين.
رابعها: الإجازة المجردة عن المناولة وهي أقسام:
أعلاها أن يجيز لخاص في خاص، أي يكون المجاز له معينا، والمجاز به معينا، كأجزت لك أو لفلان – ويرفع في نسبه بما يميزه عن غيره – أن يروي الكتاب الفلاني.
ويليه أن يجيز لخاص في عام كأجزت لك أن تروي عني جميع مسموعاتي.
ويليه: الإجازة لعام في خاص كأجزت لجميع المسلمين رواية صحيح البخاري عني.
ويليه الإجازة لعام في عام، كأجزت لجميع المسلمين أن يرووا عني جميع مسموعاتي
ويليه: الإجازة للمعدوم تبعا للموجود، كأجزت لفلان ومن يوجد بعد ذلك من نسله، وقد فعل ذلك أبو بكر بن أبي داود فقال: أجزت لك ولوالدك ولحبل الحبلة، يعني الذين لم يولدوا بعد.
أما الإجازة للمعدوم ابتداء كقوله: أجزت لمن يتجدد لفلان من الأولاد فالصحيح منعها، وسيأتي لذلك مزيد بيان، فهذه ستة أقسام (116/أ/د) للإجازة، ووراء ذلك أقسام أخر، مذكورة في كتب علم الحديث.
خامسها: المناولة المجردة عن الإجازة، وكلام المصنف يقتضي أنها من طرق التحمل، وليس كذلك، بل إن اقتصر على مجرد المناولة لم يجز له روايته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 480)
عنه بالاتفاق كما نقله الصفي الهندي وهو واضح، وإن قال له مع ذلك: هذا من سماعي فقال ابن الصلاح: هي مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها عند الجمهور، وحكى الخطيب عن قوم جوازها.
قلت: وإنما أراد المصنف هذا التقسيم الثاني. وقد قال ابن الصلاح: إن الرواية به تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ لما فيه من المناولة فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الراوية/ (141/أ/م).
سادسها: الإعلام الخالي عن المناولة والإجازة، بأن يخبره أن الكتاب سماعه من فلان.
وقد حكى القاضي عياض صحة الرواية به عن الأكثرين، وبه قال ابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وجماعة من أهل الفقه والحديث وأهل الظاهر، وابن الصباغ – من أصحابنا – ومنع الغزالي روايته عنه، وقال ابن الصلاح: إنه المختار.
وهذا على تقدير جوازه منحط عن الذي قبله كما قدمته.
وزاد بعض من صحح هذا القسم فقال: إنه لو منعه من روايته عنه مع إعلامه بأن سماعه لم يضره ذلك وله روايته عنه قاله أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي.
قال القاضي عياض: ولا يقتضي النظر سواه.
ورده ابن الصلاح تشبيها باسترعاء الشهادة، هذا في الرواية به، أما العمل به فإنه واجب كما جزم به ابن الصلاح، وحكاه القاضي عن محققي أصحاب الأصول.
سابعها: الوصية بالكتب، فإذا أوصى بشيء من روايته عند موته أو سفره لشخص فجوز بعض السلف روايته عنه بذلك.
وقال شخص لمحمد بن سيرين: إن فلانا أوصى لي بكتبه أفأحدث بها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)
عنه؟ فقال: نعم.
ثم قال بعد ذلك: لا آمرك ولا أنهاك.
قال ابن الصلاح: وهذا بعيد جدا، وهو إما زلة عالم أو متأول، على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة.
وأنكر ذلك عليه ابن أبي الدم، وقال: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، وهي معمول بها عند الشافعي وغيره – كما سيأتي – فهذه أولى.
ثامنها: الوجادة وهي مصدر مولد لم تنطق به العرب، فرعه المولدون لما وجدوا العرب فرقوا بين مصادر (وجد) لاختلاف معانيها، وهي أن تجد حديثا بخط رجل سواء عاصرته أم لا، لم يحدثك به، ولم يجزه لك، فتقول: وجدت بخط فلان كذا وكذا، وليس لك روايته عنه بصيغة حدثنا أو أخبرنا أو غيرهما من الصيغ، لكن يجوز العمل بما تضمنه ذلك الحديث، كما قال الشافعي ونظار (116/ب/د) أصحابه، خلافا لمعظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم، كما قاله القاضي عياض.
قال ابن الصلاح: وقطع بعض المحققين من أصحاب الشافعي بوجوب العمل به عند حصول الثقة به، وقال: لو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين/ (141/ب/م) لأبوه.
قال ابن الصلاح: وما قطع به هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة.
وقال النووي: إنه الصحيح، ثم حكى المصنف الخلاف في الإجازة والجمهور على جواز الرواية بها والعمل بمقتضاها ومنعها آخرون منهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)
إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو الشيخ بن حيان الأصبهاني والقاضي الحسين والماوردي وقالا: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، وهذا محكي عن شعبة أيضا، وهو قول عن الشافعي رواه عنه الربيع.
ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك، وحكي عن أبي حنيفة أيضا.
وقال أبو طاهر الزيادي: من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني – فكأنه يقول: أجزت لك أن تكذب علي، إذ الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع.
وقال ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة، ومنع قوم الإجازة العامة كأجزت لجميع المسلمين.
ونقلها الخطيب وابن منده وحكاها الخطيب عن القاضي أبي الطيب، ونقلها الحازمي عمن أدركه من الحفاظ، ورجح جوازها ابن الحاجب والنووي.
وأما الإجازة للمعدوم فتقدم عن أبي بكر بن أبي داود أنه أجازها تبعا للموجود، وتكلم المصنف آخرا على فعلها للمعدوم ابتداء، وقال: إن كان له نوع تعيين كتقييده بكونه من ذرية زيد مثلا، فالصحيح المنع منها وبه قال القاضي أبو الطيب، وأجازها الخطيب وحكاه عن أبي يعلى بن الفراء وأبي الفضل بن عمروس.
وحكاه القاضي عياض عن معظم الشيوخ المتأخرين، وإن لم يكن له نوع تعيين كأجزت لمن يوجد مطلقا فالإجماع على المنع منها.
تنبيه:
أهمل المصنف من طرق التحمل المكاتبة، وهي: أن يكتب الشيخ شيئا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 483)
من حديثه أو يأمر غيره بكتابته عنه إما لحاضر عنده أو غائب عنه، فإن اقترنت بها إجازة فهي كالمناولة المقرونة بالإجازة في الصحة والقوة، وإن تجردت عن ذلك فالصحيح المشهور عند المحدثين صحتها، وبه قال أيوب السجستاني ومنصور، والليث بن سعد، وغير واحد من الشافعية منهم أبو المظفر السمعاني وجعلها أقوى من الإجازة، وبه جزم في (المحصول) وفي صحيح (البخاري) في (كتاب الأيمان والنذور):/ (142/أ/م) كتب إلي محمد بن بشار، وفي (صحيح مسلم) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: كتب إلي جابر بن سمرة.
ومنع منها طائفة منهم الماوردي وقال الآمدي: لا يرويه إلا بتسليط من الشيخ، كقوله: فاروه عني أو: أجزت لك روايته، ومن العجب (117/أ/د) كون الشارح مع متابعته للمصنف في إهمال المكاتبة ذكر طرق التحمل عشرة وما هي في الحقيقة بعد إسقاط الكتابة إلا سبعة، لأنه أفرد السماع على الشيخ عن القراءة عليه، وعد المناولة قسمين باعتبار اقترانها بالإجازة وتجردها عنها، وأفرد الإجازة للمعدوم عن بقية أنواع الإجازة وجعلها مرتبة مستقلة، ولو سلك الطريقة المعروفة عند المحدثين وغيرهم لعدها ثمانية، منها: المكاتبة، والله أعلم.
ص: وألفاظ الرواية من صناعة المحدثين.
ش: أي الألفاظ التي يستعملها الراوي عند الأداء إذا تحمل بطريق من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 484)
الطرق المتقدمة من صناعة المحدثين - فلا ينبغي ذكرها في كتب الأصول تحرزا من خلط العلوم. والله أعلم.
ص: الكتاب الثالث في الإجماع
وهو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على أي أمر كان.
ش: قدم الإجماع على القياس لعصمته عن الخطأ بخلافه وهذا التعريف بديع يستخرج منه جميع مسائل هذا الكتاب.
فالاتفاق جنس يشمل القول والفعل والاعتقاد وما في معناها من السكوت عند القائل به.
وخرج بالمجتهد اتفاق بعض المجتهدين، واتفاق العوام.
ولفظ المجتهد مفرد أريد به الجنس، وليس جمعا فلا يكتب بالياء كما قاله المصنف وانفصل بذلك عن قول القائل: أقل الجمع ثلاثة، فيخرج ما إذا لم يكن في العصر إلا مجتهدان مع أن اتفاقهما إجماع وإذا كان مفردا مضافا عم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 485)
وقد أورد عليه حينئذ أنه يتناول المجتهد الواحد إذا لم يكن في العصر سواه، والمختار أنه ليس إجماعا، وأجيب عنه بخروج هذه الصورة/ (142/ب/م) بلفظ الاتفاق، فإنه إنما يكون من اثنين فصاعدا وخرج بإضافة المجتهد للأمة اتفاق الأمم السالفة فليس حجة على الأصح، وعلى القول بأنه حجة فالكلام فيما هو حجة الآن، وتلك حجة انقرضت.
والألف واللام في الأمة للعهد، والمراد هذه الأمة، وخرج بالوفاة الإجماع في عصره عليه الصلاة والسلام فإنه لا ينعقد، ودل بقوله: (في عصر) على أنه يكفي اتفاق المجتهدين في عصر من الأعصار، ثم يصير حجة عليهم وعلى من بعدهم، ودفع به توهم إرادة اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيامة.
وهذا من زيادة الآمدي، وأجاب من لم يذكره بأن المقصود العمل وإنما يكون في عصر.
وقوله: (على أي أمر كان) يعم الإثبات والنفي والأحكام الشرعية واللغوية، والعقلية، والدنيوية، فهي حجة فيها كما جزموا به في الأولين، ورجحوه في الآخرين.
وأدخل المصنف على أمر صيغة عموم ولم يفعل ذلك في عصر تأكيدا للتعميم في الأمر، فإنه قد يتخيل الفرق بين بعض الأمور/ (117/ب/د) وبعض، كما منع بعضهم الإجماع في العقليات وفيما أصله أمارة، ولا يتخيل الفرق بين عصر وعصر، ولا يقال: لولا اختلاف الأعصار لما اختص الإجماع بأعصار هذه الأمة وبعصر الصحابة عند القائل به، لأن ذلك ليس لاختلاف الأعصار بل لاختلاف أهلها، ولذلك لو كان بين الصحابة تابعي مجتهد لم يعتد بخلافه من يخص الإجماع بالصحابة، مع أنه في عصرهم، هذا معنى كلام المصنف في انفصاله عن سؤالين والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
ص: فعلم اختصاصه بالمجتهدين، وهو اتفاق، واعتبر قوم وفاق العوام مطلقا، وقوم في المشهور بمعنى إطلاق أن الأمة اجتمعت لا افتقار الحجة إليهم، خلافا للآمدي، وآخرون: الأصولي في الفروع.
ش: علم من أخذ المجتهد في التعريف اختصاص الإجماع بالمجتهدين، وأنه لا اعتبار بقول العوام في وفاق ولا خلاف وبهذا قال الأكثرون، واعتبر قوم وفاقهم مطلقا، أي: في المسائل المشهورة والخفية وآخرون: وفاقهم في/ (143/أ/م) المسائل المشهورة دون الخفية كدقائق الفقه.
ثم بين المصنف أنه ليس معنى اعتبار وفاقهم أن قيام الحجة تفتقر إلى ذلك، وإنما معناه: أنه لا يصدق إطلاق اجتماع الأمة مع مخالفتهم وإن كان الآمدي خالف في ذلك، فجعله في افتقار الحجة إليهم.
وحكاه الإمام وغيره عن القاضي أبي بكر، وهو غلط عليه، فقد صرح في غير موضع من مختصر (التقريب): بعدم اعتبار قولهم، بل زاد على هذا: أن نقل الإجماع على عدم اعتباره وأن الخلاف إنما هو في أنه هل يصدق أن يقال: أجمعت الأمة، أو لا يقال إلا أجمع علماء الأمة؟ لا في أن لقول العلماء مع مخالفة العوام حجة أم لا.
وبهذا التحقيق يظهر أنه لا خلاف في المسألة في المعنى، ولهذا قال المصنف في أول كلامه: إن اختصاصه بالمجتهدين اتفاق، ثم رتب المصنف على عدم اعتبار قول العوام مسألة أخرى، وهي اعتبار قول المجتهد في فن فيما ليس مجتهدا فيه لأنه في غير فنه كالعامي.
لكن اختلفوا في اعتبار قول الأصولي الذي ليس بفقيه والفقيه الذي ليس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)
أصوليا في الفروع على أربعة أقوال:
الاعتبار مطلقا.
وعدمه مطلقا.
والثالث: اعتبار قول الأصولي، لأنه أقرب إلى مقصود الاجتهاد واستنباط الأحكام من مآخذها، وليس من شرط الاجتهاد حفظ الأحكام، بخلاف الفقيه الحافظ للأحكام، وهذا القول هو المحكي في كلام المصنف، واختاره القاضي أبو بكر، وقال الإمام: إنه الحق.
والرابع: عكسه وهو اعتبار قول الفقيه/ (118/أ/د) دون الأصولي، لأنه أعرف بمواقع الاتفاق والاختلاف.
ص: وبالمسلمين فخرج من نكفره.
ش: علم من اعتبار مجتهد الأمة اختصاصه بالمسلمين.
قلت: بناء على أن المراد بالأمة أمة الإجابة لا أمة الدعوة، فلا اعتبار بقول الكافر في علم من العلوم، ولو بلغ رتبة الاجتهاد فيه، سواء في ذلك المعترف بالكفر وغيره، وهو المبتدع إن فرعنا على تكفيره ببدعته، فإن لم نكفره/ (143/ب/م) فالمختار: أنه لا ينعقد الإجماع دونه لدخوله في مسمى الأمة.
وقيل: ينعقد دونه، وقيل: لا ينعقد عليه بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
قلت: كذا حكاه الشارح، وينبغي عكسه: أنه ينعقد إجماع غيره عليه ولا ينعقد إجماعه على غيره، والله أعلم.
قال الشارح: إذا كان الإجماع في أمر دنيوي فلا يبعد أن لا يختص بالمسلمين لا سيما إذا بلغ المجمعون حد التواتر ولم يشترط في نقل المتواتر الإجماع
قلت: ليس هذا نقلا ورواية وإنما هو اجتهاد واستنباط فلا معنى لما ذكره آخرا. نعم أول بحثه قريب في انعقاد الإجماع بالكافر في الأمور الدنيوية، والله أعلم.
ص: وبالعدول، إن كانت العدالة ركنا، وعدمه إن لم تكن وثالثها: في الفاسق يعتبر في حق نفسه ورابعها: إن بين مأخذه.
ش: ويعلم أيضا من اعتبار الاجتهاد الاختصاص بالعدول إن فرعنا على أن العدالة ركن في الاجتهاد.
فإن قلنا: ليست بركن لم يختص الإجماع بالعدول.
وفهم عنه حكاية خلاف في اعتبار قول الفاسق وبناؤه على اشتراط العدالة في الاجتهاد، وسيأتي في باب الاجتهاد تصحيح عدم اشتراطها فيلزم منه اعتبار الفاسق في ذلك لكن الأكثرون على عدم اعتباره.
وفي المسألة قول ثالث: أنه يعتبر خلافه في حق نفسه دون غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)
ورابع: إن بين مأخذه اعتبر وإلا فلا.
قال ابن السمعاني: ولا بأس به، ثم هذا في الفاسق بلا تأويل، أما المتأول فكالعدل وقد تقدم من نص الشافعي قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية.
ص: وأنه لا بد من الكل، وعليه الجمهور، وثانيها: يضر الاثنان وثالثها: الثلاثة، ورابعها: بالغ عدد التواتر، وخامسها: إن ساغ الاجتهاد في مذهبه، وسادسها: في أصول الدين، وسابعها: لا يكون إجماعا بل حجة.
ش: علم من قوله (مجتهد الأمة) أنه لا بد من اتفاق جميعهم، لأنه مفرد مضاف فيعم، فلا ينعقد الإجماع مع مخالفة بعض مجتهدي العصر، ولو كان واحدا، هذا هو الصحيح وقول الجمهور.
القول الثاني: أنه إن كان المخالف اثنين قدح في الإجماع، أو واحدا فلا.
الثالث: إنما يضر الثلاثة، حكاه الإمام/ (118/ب/د) عن محمد بن جرير الطبري وأبي بكر الرازي وأبي الحسين الخياط من المعتزلة ونقل عنهم البيضاوي: أنه لا يضر مخالفة الأقل، ومقتضاه أن العبرة بقول الذين هم أكثر من النصف، وإن كثر عدد المخالفين ولم يحك المصنف هذا القول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
الرابع: إن بلغ المخالفون عدد التواتر قدحت مخالفتهم في الإجماع، وإلا فلا.
وقال القاضي أبو بكر: إنه الذي يصح عن ابن جرير.
الخامس: إن كان مذهب المخالف في ذلك مما يسوغ الاجتهاد فيه عند الأكثرين قدح في الإجماع، وإلا فلا.
ومثل الشارح الأول بخلاف ابن عباس في العول/.
والثاني: بخلافه في المتعة وربا الفضل.
قال: وهو قول الجرجاني من الحنفية، وحكاه السرخسي عن أبي بكر الرازي.
السادس: إن كان في أصول الدين قدح، وإلا فلا.
السابع: إن ندر المخالف لم يكن إجماعا قطعيا لكنه حجة لأنه يبعد أن يكون الراجح مع الأقلين، صححه ابن الحاجب.
قال الشارح: وحكي ثامن: أنه إجماع وحجة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
وتاسع: أنه ليس بحجة ولا إجماع، لكن الأولى اتباع الأكثر وإن كان لا تحرم مخالفتهم.
قلت: وعاشر تقدمت حكايته عن البيضاوي والله أعلم.
ص: وأنه لا يختص بالصحابة وخالف الظاهرية وعدم انعقاده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأن التابعي المجتهد معتبر معهم فإن نشأ بعد فعلى الخلاف في انقراض العصر.
ش: فيه مسائل:
الأولى: أن الإجماع لا يختص بالصحابة، وهذا مفهوم من إطلاق مجتهد الأمة، وبه قال الجمهور، خلافا للظاهرية.
قال ابن حزم: ذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط، وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف.
فإن قيل: فما تقولون في إجماع من بعدهم أيجوز أن يجمعوا على خطأ؟
قلنا: هذا لا يجوز لأمرين.
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمننا من ذلك بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).
والثاني: أن سعة الأقطار بالمسلمين وكثرة العدد لا يمكن أحد ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لم يخف على أحد كذبه. انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
ومقتضاه: أن الظاهرية لا يمنعون الاحتجاج بإجماع من بعد الصحابة ولكن يستبعدون العلم به/ (144/ب/م)
الثانية: أنه لا ينعقد الإجماع في حياته عليه الصلاة والسلام كما صرح به في التعريف، لأنه إن كان مع المجمعين فالحجة في قوله، وإلا فلا اعتبار بقولهم.
الثالثة: إذا كان في عصر الصحابة تابعي بلغ رتبة الاجتهاد اعتبر قوله معهم، وهذا مأخوذ من إطلاق المجتهد، فلا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته خلافا لقوم، ولا يخفى أن هذا مبني على اعتبار مخالفة النادر، فإن لم يتصف بصفة الاجتهاد/ (119/أ/د) إلا بعد إجماعهم فنشأ له الاجتهاد، وخالف قبل انقراضهم بني على الخلاف في اعتبار انقراض العصر، فإن لم نعتبره لم يعتد بخلافه، وإن اعتبرناه اعتد بخلافه.
ص: وأن إجماع كل من أهل المدينة وأهل البيت والخلفاء الأربعة والشيخين وأهل الحرمين وأهل المصرين الكوفة والبصرة غير حجة.
ش: علم من العموم في قوله: مجتهد الأمة، انتفاء الإجماع في كل من هذه المسائل الست.
فالأولى: خالف فيها مالك، فأخذه أكثر أصحابه على ظاهره، وأوله بعضهم على ترجيح روايتهم على غيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
وخالف في الثانية الشيعة، والمراد بأهل البيت علي وفاطمة وأبناؤهما الحسن والحسين رضي الله عنهم، وحكى الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن الشيعة أيضا أن قول علي – رضي الله عنه – وحده حجة.
فإن قلت: كيف يجتمع هذا النقل عن الشيعة مع أنه اشتهر عنهم إنكار حجية الإجماع؟
قلت: أنكروا كونه حجة على تفسيره المعروف، لا مطلقا.
وخالف في الثالثة القاضي (أبو خازم بالخاء والزاي المعجمتين) وهو من أئمة الحنفية ولهذا لم يعتبر خلاف زيد في منع توريث ذوي الأرحام بناء على أن الخلفاء الأربعة يورثونهم وأنفذ المعتضد حكمه بذلك، وكتب به إلى الآفاق، وكان قاضيا في زمنه.
وقال بإجماعهم أيضا الإمام أحمد كما نقله ابن الحاجب.
ومدرك المخالف في الرابعة قوله عليه الصلاة والسلام: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان والحاكم.
ومدرك المخالف في الأخيرتين انتشار الصحابة – رضي الله عنهم – في هذه البلاد دون غيرها./ (145/أ/م)
ص: وأن المنقول بالآحاد حجة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)