الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
الثالث: الفرق بينهما فيكفي في الرواية واحد ويشترط في الشهادة اثنان، حكاه الآمدي وابن الحاجب عن الأكثرين ورجحه الإمام والآمدي وأتباعهما.
ص: وقال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما، وقيل: يذكر سببهما وقيل: سبب التعديل فقط، وعكس الشافعي وهو المختار في الشهادة وأما الرواية: فالمختار: يكفي الإطلاق إذا عرف مذهب الجارح، وقول الإمامين: يكفي إطلاقهما للعالم بسببهما هو رأي القاضي إذ لا تعديل وجرح إلا من العالم.
ش: اختلف في اشتراط بيان السبب في الجرح والتعديل على مذاهب:
أحدها: أنه لا يشترط ذلك بل يكتفى بالإطلاق.
الثاني: لا بد من بيان سببهما.
الثالث: أنه يشترط ذكر سبب التعديل دون الجرح لكثرة التصنع في أسباب العدالة.
الرابع: عكسه أنه يشترط بيان سبب الجرح دون التعديل لاحتياجه في ذكر سبب التعديل إلى تفصيل/ (109/ب/د) جميع الأوامر والنواهي بخلاف الجرح فإنه يحصل بخصلة واحدة، وهو قول الشافعي رحمه الله.
وتبع المصنف في نقله القول الأول عن القاضي أبي بكر – الإمام فخر الدين والآمدي، ونقل عنه إمام الحرمين والغزالي في (المنخول) القول الثالث:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
وهو بيان سبب التعديل دون الجرح، والموجود في (مختصر التقريب) له القول الرابع وهو ذكر سبب الجرح دون التعديل.
ورواه الخطيب البغدادي في (الكفاية) بسنده إليه، ونقله على الصواب الغزالي في (المستصفى) واختار المصنف في ذلك التفصيل وهو الاحتياج إلى ذكر سبب الجرح دون التعديل في الشهادة، والاكتفاء بالإطلاق في الرواية، إذا علم أن مذهب الجارح أنه لا يجرح إلا بقادح
ثم نبه المصنف على أن قول الإمامين – إمام الحرمين والإمام فخر الدين الرازي، أنه يكفي إطلاقهما أي الجرح والتعديل من العالم بأسبابهما دون غيره، ليس مذهبا خارجا عما سبق، بل هو رأي القاضي أبي بكر الذي بدأنا بذكره، لأن الجرح والتعديل إنما يعتبران من العالم بأسبابهما، فالجاهل بذلك لا يعتد بقوله والله أعلم.
تنبيه:
قال الشارح: ينبغي أن يكون الواو في قوله: (وقال القاضي) بمعنى (ثم) لأنه دخول منه في مسألة أخرى.
قلت: وليس كما قال، بل الواو على بابها، ولو كان دخولا في مسألة أخرى، وإنما يحسن الإتيان بـ (ثم) لو تفرعت هذه المسألة على التي قبلها، وليس كذلك بل هما مسألتان مستقلتان ليست إحداهما مفرعة على الأخرى، والله أعلم.
ص: والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعا وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل، وقال ابن شعبان:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
يطلب الترجيح.
ش: إذا تعارض الجرح والتعديل فإما أن يكون عدد الجارح أقل من المعدل/ (133أ/م) أو أكثر أو يتساويا فإن كان الجارح أكثر قدم بالإجماع كما حكاه غير واحد وإن تساويا فكذلك، وحكى القاضي في (مختصر التقريب) الإجماع عليه أيضا، لكن حكى ابن الحاجب قولا: إنهما يتعارضان ولا يرجح أحدهما إلا بمرجح.
وإن كان الجارح أقل فكذلك أيضا عند الجمهور، وقيل: يقدم التعديل لزيادة عدده، وقال ابن شعبان من المالكية: يطلب الترجيح بينهما وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: إنما يقوى تقديم الجرح بشرطين:
أحدهما: مع التفريع على أن الجرح لا يقبل إلا مفسرا.
ثانيهما: أن يبنى على أمر مجزوم به، لا بطريق اجتهادي، كما اصطلح أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي بحديث غيره والنظر إلى كثرة الموافقة والمخالفة.
قلت: لم يعتمد أهل الحديث على ذلك في معرفة العدالة والجرح، وإنما اعتمدوا عليه في معرفة الضبط والتغفل (110/أ/د) والله أعلم.
ويستثنى من ذلك صورتان:
إحداهما: إذا عين الجارح سببا فنفاه المعدل بطريق معتبر بأن قال: (قتل فلانا ظلما يوم كذا) فقال المعدل: (رأيته حيا بعد ذلك) أو: (كان القاتل في ذلك الوقت عندي) فإنهما يتعارضان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
الثانية: إذا عين الجارح سببا فقال المعدل: تاب عنه، وحسنت توبته، فيقدم التعديل، لأن معه هنا زيادة علم، كما حكاه الرافعي عن جماعة منهم ابن الصباغ، وجزم به الرافعي في (المحرر) والنووي في (المنهاج).
ص: ومن التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة، وكذا عمل العالم في الأصح، ورواية من لا يروي إلا للعدل.
ش: قد يكون التعديل بالتصريح بعدالته وقد يكون بالتضمن، وذلك في صور.
الأولى – وهي أعلاها -: أن يحكم بشهادته من يشترط العدالة في قبول الشهادة: وتقييد الحاكم بكونه يشترط العدالة في قبول الشهادة ذكره الآمدي وغيره ولا بد منه، وهذه من خواص الشهادة ولكن إذا قبلت شهادته قبلت روايته.
الثانية: أن يعمل عالم بروايته إذا لم يعلم منه أنه إنما عمل بها احتياطا ونقل الآمدي فيه الاتفاق/ (133ب/م) لكن الخلاف فيها محكي في (البرهان) و (المنخول) وغيرهما، ولذلك عبر فيه المصنف بالأصح.
الثالثة: أن يروي عنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن عدل، إما بتصريحه بذلك، وإما بالاستقراء من حاله كشعبة ومالك ويحيى القطان وقيل الرواية عنه تعديل له مطلقا، وقيل: لا، مطلقا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
وعبر المصنف باللام في قوله: (للعدل) دون (عن) للإعلام بأنه لا ينحصر ذلك في الرواية عنه، بل روايته له في كتاب التزم فيه أن لا يروي فيه إلا للعدل – تعديل له، وذلك كصحيحي (البخاري) و (مسلم) ويلتحق بهما المستخرجات عليهما وصحيح (ابن خزيمة) و (ابن حبان) وكذلك (مستدرك) الحاكم، لولا ما شانه به من التساهل في تمشية حال الرواة والله أعلم.
ص: وليس من الجرح ترك العمل بمرويه والحكم بمشهوده، ولا الحد في شهادة الزنا، ونحو النبيذ ولا التدليس بتسمية غير مشهورة، قال ابن السمعاني: إلا أن يكون بحيث لو سئل لم يبينه ولا بإعطاء شخص اسم آخر تشبيها كقولنا: أبو عبد الله الحافظ يعني الذهبي، تشبيها بالبيهقي يعني الحاكم، ولا بإيهام اللقي والرحلة، أما مدلس المتون فمجروح.
ش: ثم ذكر أمورا قد يتوهم أنها تقتضي جرح الراوي وليس كذلك.
أحدها: ترك العمل بحديث قد رواه، أو ترك الحكم بشهادة قد أداها، فإنه لم يتعين أن يكون ذلك يجرحه، فقد يكون ذلك (110/ب/د) لمعارض وقال القاضي أبو بكر: إن تحقق تركه له مع ارتفاع الموانع كان جرحا، وإن لم يثبت قصده إلى مخالفته لم يكن جرحا.
الثاني: أن يقام عليه حد القذف لشهادته على شخص بالزنا إذا لم يكمل النصاب، لأن الحد لنقص العدد لا لمعني في الشاهد وهذا مبني على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
الأظهر في إقامة الحد على شهود الزنا إذا لم يكمل النصاب، وألحق به الرافعي الجارح للراوي بذكر الزنا إذا لم يكمل النصاب حتى يكون قاذفا على الأصح، وقال النووي: المختار أو الصواب أنه لا يجعل قاذفا لأنه معذور في شهادته بالجرح، فإنه مسؤول عنها وهي في حقه فرض الكفاية، أو متعينة بخلاف شهود الزنا فإنهم مندوبون إلى الستر فهم مقصرون.
الثالث: ارتكاب مختلف فيه كشرب قدر من النبيذ لا يسكر، ولهذا قال الشافعي: (أحده وأقبل شهادته)، وقد تقدم هذا في قول المصنف: (ويقبل من أقدم على مفسق مظنون).
وقال مالك في/ (134أ/م) المستحل لنكاح المتعة: أحده للمعصية وأرد شهادته لفسقه.
الرابع: أن يستعمل الإنسان تدليس الشيوخ بأن يسمي الراوي بتسمية غير مشهورة لأنه صادق في نفس الأمر، وقد فعله غير واحد من الأئمة، واستثنى منه ابن السمعاني ما إذا كان لو سئل عنه لم يفصح عنه ولم يسمه باسمه المشهور، لأنه تزوير وإيهام لما لا حقيقة له، وذلك يؤثر في صدقه، وفصل الآمدي بين أن يكون سبب تدليسه ضعفه فهو جرح، وإن كان لصغر سنه أو للاختلاف في قبول روايته كالمبتدع، وهو يرى قبولها فليس جرحا.
قلت: ويلتحق بالقسم الثاني ما إذا فعل ذلك إيهاما لكثرة الشيوخ كما حكي عن الخطيب البغدادي.
ثم نبه المصنف أيضا على أن مما لا يقدح وصف الإنسان بصفة اشتهر بها غيره للتشبيه به، إذا لم يحصل بذلك التباس كما كان المصنف رحمه الله يقول في بعض مصنفاته: أنا أبو عبد الله الحافظ، يريد به الذهبي ومما حكي عن الشارح أنه قال في بعض تصانيفه: أنا أبو عبد الله الحافظ يريد به مغلطاي تشبيها بقول البيهقي فيما يرويه عن شيخه الحاكم: حدثنا أبو عبد الله الحافظ.
وكذلك مما لا يقدح استعمال الراوي لفظا يوهم الرحلة ولقي المشايخ الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
تباعدت أقطارهم كقوله: حدثنا فلان بما وراء النهر، موهما نهر جيحون وإنما أراد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، ومن ذلك قول القائل: حدثنا فلان بحلب، يوهم إرادة البلدة المعروفة وإنما يريد محلة بظاهر (111/أ/د) القاهرة.
أما تدليس المتون فهو جرح، قال الأستاذ أبو منصور: وهو الذي يسميه المحدثون بالمدرج، أي أنه أدرج كلامه مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يميز بينهما فظن أن جميعه كلام النبي صلى الله عليه وسلم
تنبيه:
سكت المصنف عن تدليس الإسناد، والمراد به أن يسقط الراوي اسم شيخه ويرتقي إلى شيخ شيخه بلفظ محتمل للاتصال كـ (عن) ونحوها مع إيهام أنه سمعه منه لكونه عاصره أما لو أتى بصيغة صريحة في الاتصال كسمعت، فهذا كذب وإن لم يدرك/ (134/ب/م) شيخ شيخه فليس بتدليس وإنما هو إرسال، والحكم في هذا النوع من التدليس قبول رواية فاعله إذا صرح بالسماع كحدثنا وأخبرنا، فإن عنعن فروايته مردودة، فليس حينئذ جرحا.
وقالت طائفة: بل هو جرح ترد به رواية فاعله مطلقا، والله أعلم.
ص: مسألة: الصحابي من اجتمع مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو ولم يطل بخلاف التابعي مع الصحابي وقيل: يشترطان وقيل: أحدهما، وقيل: الغزو أو سنة.
ش: عدل عن تعبير ابن الحاجب وغيره بـ (الرؤية) إلى (الاجتماع) لتناول من اجتمع به من العميان كابن أم مكتوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
وقيد الاجتماع بحالة الإيمان ليخرج من اجتمع به في حالة الكفر، فإنه ليس صحابيا.
ولا يشترط في ذلك أن يروي عنه حديثا، ولا أن تطول صحبته له هذا هو الصحيح المشهور.
قوله: (وقيل: يشترطان) أي: الرواية عنه، وطول الصحبة له فلا يسمى صحابيا إلا باجتماعهما.
وقوله: (وقيل: أحدهما) مقتضاه أنه يكتفى على هذا القول بالرواية أو طول الصحبة.
وقال الشارح: مراد المصنف بقوله: (وقيل أحدهما) أنه يشترط الصحبة الطويلة، ولا تشترط الرواية لأنه لم يذهب أحد إلى اشترط الرواية دون المجالسة كما يوهمه ظاهر هذه العبارة.
وقيل: يشترط أحد أمرين، إما الغزو معه أو صحبته سنة، وهو المحكي عن سعيد بن المسيب وهو ضعيف لإخراجه مثل جرير البجلي ووائل بن حجر، وغيرهما ممن لم يشهد معه غزوة، ولا أقام معه سنة مع أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
الإجماع على عدهم من الصحابة، وهذا بخلاف التابعي فإنه لا يثبت له هذا الاسم بمجرد رؤية الصحابي بل لا بد من صحبته له، هكذا ذهب إليه جماعة منهم الخطيب البغدادي.
والفرق: شرف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فمن اجتمع به ولو مرة انطبع قلبه على الاستقامة بخلاف رؤية الصحابي، وذهب آخرون إلى الاكتفاء فيه بمطلق الاجتماع كالصحابي بل هو أولى بذلك منه من حيث الاشتياق لتأكد الأمر في الصحبة بخلاف التبعية، والله أعلم.
ص: ولو ادعى المعاصر العدل الصحبة قبل وفاقا للقاضي.
ش:/ (135/أ/م) إنما حكاه المصنف عن القاضي لأن كلام ابن الحاجب يقتضي أن المسألة غير منقولة وتوقف فيها من جهة أنه يدعي لنفسه (رتبة) فيتهم في ذلك كما لو/ (111/ب/د) قال: أنا عدل.
قلت: وفي النفس من عمل المحدثين في ذلك شيء، وهم أنهم يثبتون الصحبة لكن من ادعاها في العصر الذي كان الصحابة فيه موجودين ثم يستدلون على عدالته بصحبته لا يطلبون على ذلك مزيدا وذلك يقتضي اكتفاءهم في معرفة العدالة بمجرد دعوى الصحبة، ولعلهم اكتفوا في ثبوت عدالته برواية من روى عنه ادعاءه للصحبة، فإنه لولا معرفته بعدالته لما روى عنه وتلقى دعواه بالقبول والله أعلم.
ص: والأكثر على عدالة الصحابة وقيل: كغيرهم وقيل: إلى قتل عثمان وقيل: إلا من قاتل عليا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
ش: جمهور العلماء من السلف والخلف على أن الصحابة كلهم عدول لا يحتاج إلى البحث عن عدالتهم من لابس منهم الفتنة وغيرهم لأن الله تعالى عدلهم في آيات منها قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال إمام الحرمين: ولعل السبب في أنهم حملة الشرع، فلو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولما استرسلت على سائر الأعصار.
ووراء ذلك مذاهب شاذة:
أحدها: أن حكمهم في ذلك كغيرهم فيجب في كل منهم البحث عن عدالتهم.
الثاني: أنهم على عدالتهم إلى قتل عثمان رضي الله عنه لظهور الفتن فيحتاج بعده للبحث عن العدالة.
الثالث: أن من قاتل عليا رضي الله عنه فهو فاسق لخروجه عن الإمام الحق.
ص: مسألة: المرسل قول غير الصحابي قال صلى الله عليه وسلم.
ش: هذا تعريف الأصوليين وغير الصحابي يتناول التابعي وتابع التابعي ومن بعدهما، وخصه المحدثون بالتابعي وقيده بعضهم بالكبير منهم وهو من أكثر رواياته عن الصحابة فإن كان الساقط واحدا قبل التابعي كرواية الشافعي/ (135/ب/م) عن نافع سمي منقطعا، وإن كان أكثر من واحد كرواية أحمد بن حنبل عن نافع سمي معضلا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
ولو عبر المصنف برواية غير الصحابي لكان أحسن ليتناول ما إذا كانت صيغة روايته غير قال من صيغ الرواية.
وفهم منه أن رواية الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا توصف بالإرسال وإن لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك من حيث الحكم كما سيأتي وأما الصورة فإذا روى قصة لم يدركها فهي مرسلة.
ص: واحتج به أبو حنيفة ومالك والآمدي مطلقا، وقوم: إن كان المرسل من أئمة النقل، ثم هو أضعف من المسند، خلافا لقوم والصحيح: رده، وعليه الأكثر منهم الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني قال مسلم: وأهل العلم بالأخبار.
ش: لما ذكر صورة المرسل أخذ يذكر حكمه، وفيه مذاهب:
أحدها: أنه حجة مطلقا وبه قال أبو حنيفة ومالك: (112/أ/د) وأحمد في أشهر الروايتين عنه، واختاره الآمدي.
الثاني: التفصيل بين أن يكون المرسل – بكسر السين – من أئمة النقل فهو حجة، أو غيرهم فلا، وبه قال عيسى بن أبان، واختاره ابن الحاجب وصاحب (البديع) ثم ذكر المصنف تفريعا على القول بأنه حجة أنه أضعف من المسند بحيث لو تعارضا قدم المسند عليه خلافا لقوم من الحنفية قالوا: إنه أقوى من المسند.
الثالث: رده، وأنه ليس بحجة وبه قال الشافعي واختاره القاضي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)
أبو بكر، وعزاه المصنف للأكثر اعتمادا على قول مسلم في مقدمة صحيحة: (والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة).
وقد اعترض على نقل ذلك عن مسلم بأنه لم يقله من عند نفسه وإنما حكاه عن خصمه.
وجوابه أنه لما حكاه عن خصمه ولم يرده عليه وإنما رد من كلامه غير هذا، كان موافقا له عليه وفي هذا الكلام رد على من زعم أن الشافعي أول من رد المرسل، ولا يقال كونه قول الأكثر لا ينافي أن يكون أولهم الشافعي لأنه جعله/ (136/أ/م) أصل قول أهل العلم بالأخبار مطلقا، فكيف يكون هذا من أصولهم المقررة عندهم، وهو قول اخترعه الشافعي بعد دهور متطاولة.
قال الشارح: وفي تسوية المصنف بين الشافعي والقاضي في الإنكار مطلقا نظر، فإن الشافعي قبله في بعض المواضع.
قال القاضي: ونحن لا نقبل المراسيل مطلقا، ولا في الأماكن التي قبلها فيه الشافعي حسما للباب، بل وزاد القاضي وأنكر حجية مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي، نص عليه في (التقريب) انتهى.
ص: فإن كان لا يروي إلا عن عدل كابن المسيب قبل وهو مسند.
ش: هذا استثناء من رد المرسل فيحتج به فيما إذا كان المرسل – بكسر السين – لا، يروي أي المرسلات إلا عن عدل، أي أنه استقرئ أمره فكان إذا أرسل لا يرسل إلا عن ثقة.
وقول المصنف: (وهو مسند) أي له حكم المسند في الاحتجاج به ولم يرد أنه مسند حقيقة وهذا معنى قول الشافعي رحمه الله: (أقبل مراسيل ابن المسيب لأني اعتبرتها فوجدتها لا ترسل إلا عمن يقبل خبره، ومن هذا حاله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)
أحببت مراسيله) وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا مذهب الشافعي، ومنه يعلم أنه لا يخص القبول بمراسيل سعيد بن المسيب بل يطرده في كل من هذه صفته.
وقال النووي في (الإرشاد) اشتهر عند أصحابنا أن مرسل سعيد حجة عند الشافعي وليس كذلك، وإنما قال الشافعي في (مختصر المزني): (إرسال ابن المسيب عندنا حسن) فذكر صاحب (التهذيب) وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في (112/ب/د) معنى كلامه وجهين:
أحدهما: أن مراسيله حجة، لأنها فتشت فوجدت مسانيد.
والثاني: ليس بحجة، بل هي كغيرها، وإنما رجح الشافعي به والترجيح بالمرسل صحيح، وحكاه الخطيب ثم قال: والصحيح عندنا الثاني، لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح، وذكر البيهقي نحوه، وأن الشافعي لم يقبل مراسيل ابن المسيب حيث لم يجد/ (136/ب/م) لها ما يؤكدها، وإنما يزيد ابن المسيب على غيره أنه أصح الناس إرسالا فيما زعم الحفاظ.
قال النووي: فهذا كلام الخطيب والبيهقي وهما ما هما في معرفة نصوص الشافعي وطريقته، وأما قول القفال في شرح (التلخيص) قال الشافعي في الرهن الصغير: (مرسل ابن المسيب عندنا حجة) فهو محمول على ما قاله الخطيب والبيهقي.
ص: وإن عضد مرسل كبار التابعين ضعيف يرجح كقول الصحابي أو فعله أو الأكثر أو إسناد أو إرسال أو قياس، أو انتشار أو عمل العصر كان المجموع حجة، وفاقا للشافعي لا مجرد المرسل ولا المنضم فإن تجرد ولا دليل سواه فالأظهر الانكفاف لأجله.
ش: يستثنى من رد المرسل مطلقا ما إذا كان المرسل – بكسر السين –
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)
من كبار التابعين، وهو من أكثر رواياته عن الصحابة، واعتضد بأمر ضعيف أي لا يصلح، للاحتجاج به على انفراده ولكنه ترجح بصلاحيته للاحتجاج به عند انضمام غيره إليه، فإن بعض الضعف ينجبر وبعضه لا ينجبر كما قرره المحدثون في الكلام على ألفاظ التجريح وذلك يتناول صورا:
أحدها: أن يعتضد بقول صحابي أو فعله فإن الظن يقوى عنده.
قلت: وكان فتوى الصحابي على وفقه تدل على أن له أصلا في الشريعة، وقد احتج بعضهم بالمرسل وبعضهم بقول الصحابي، فإذا اجتمع تأكد أحدهما بالآخر.
ثانيها: أن يوافق قول أكثر أهل العلم.
قال الشارح: وظن القاضي أن الشافعي يريد الإجماع أو قول العوام، فردد عليه الكلام، وإنما أراد أكثر أهل العلم.
ثالثها: أن يروى مثله مسندا من جهة أخرى، قال في (المحصول) وهذا في مسند لم تقم الحجة بإسناده وهو مقتضى إدراج المصنف له في صور الضعيف، وقال غيره: بل هو في مسند صحيح، وهذا مقتضى إطلاق المصنف الإسناد.
فعلى الأول يحصل لهما قوة بالاجتماع، ويتقوى كل منهما بالآخر.
وعلى الثاني يتبين بمجيء المسند صحة المرسل ويصيران دليلين يرجحان إذا عارضهما دليل آخر.
رابعها: أن يروى مثله مرسلا من راو آخر أخذ العلم عن غير شيوخ الأول واحترز بذلك عن مثل مرسل أبي العالية في انتقاض الوضوء بالقهقهة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)
في الصلاة، فإنه روى (113/أ/د) من مرسلات غيره أيضا لكن تتبعت فوجدت كلها ترجع لمرسل أبي العالية.
خامسها: أن يوافق قياسا.
سادسها: أن ينتشر من غير نكير.
سابعها: أن ينضم إليه عمل أهل العصر به.
قال الشارح: وأشار المصنف بقوله: (كان المجموع حجة) إلى الجواب عما اعترض به القاضي وغيره على الشافعي من أن ضم الضعيف إلى الضعيف لا يوجب القبول.
وأجاب عنه المحققون بأن صورة الاجتماع تثير ظنا غالبا، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا لأن الظن يتقوى فلا يلزم، من عدم الاحتجاج بالأضعف عدم الاحتجاج بالأقوى، ونظير ذلك الخبر المحتف بالقرائن يفيد القطع عند قوم، مع أنه لا يفيد ذلك بمجرده ولا القرائن بمجردها انتهى.
أما إذا تجرد المرسل ولم ينضم إليه شيء مما تقدم ففيه أقوال:
أحدها: أنه لا يحتج به حكاه البيهقي عن الشافعي.
الثاني: أنه يحتج به إذا لم يكن في الباب سواه، حكاه الماوردي عن الشافعي أيضا.
الثالث – وهو الذي قال المصنف: إنه الأظهر -: الانكفاف لأجله.
قال الشارح: وهو توسط بين القولين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)
قلت: الذي فهمته من هذه العبارة: أن المجتهد ينكف عن العمل في تلك المسألة بما يقتضيه المرسل لأنه غير حجة وبما يخالفه لاحتمال كونه حجة، وهذا معنى قوله: (لأجله).
وحاصله: أنه يحدث شبهة توجب التوقف في تلك المسألة، والله أعلم.
تنبيه:
قال الشارح: من تأمل نصوص الشافعي في (الرسالة) وجدها مصرحة بأنه لم يطلق أن المرسل حينئذ حجة، بل يسوغ الاحتجاج به ولهذا قال الشافعي بعد ذلك: ولا أستطيع أن أقول: الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل.
قال الشارح: فائدة ذلك أنه إذا عارضه متصل كان المتصل مقدما عليه، ولو كان حجة مطلقا لتعارض.
وقد قال القاضي: في (التقريب): قال الشافعي في هذه المواضع: أستحب قبوله ولا أستطيع أن أقول الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل.
قال: فقد نص على أن القبول القول عند هذه الأمور مستحب لا واجب، لكن قال البيهقي: مراده بقوله أحببنا: اخترنا، انتهى.
قلت: لا فرق بين كونه حجة وبين كونه يسوغ الاحتجاج به، فإنه لا يسوغ الاحتجاج إلا بما هو حجة، وقول الشافعي: لا أستطيع أن أقول: إن الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل) لا يدل على أنه ليس حجة، بل هو حجة لكن غيره أقوى منه فلو عارضه متصل أقوى منه قدم عليه.
وقول الشارح: لو كان حجة مطلقا لتعارضا 0 مردود فإن الذي هو حجة مطلقا يقدم عليه معارضه إذا كان أقوى منه، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)
ص: مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف، وقال الماوردي: إن نسي (113/ب/د) اللفظ، وقيل: إن كان موجبه علما وقيل: بلفظ مرادف، وعليه الخطيب ومنعه ابن سيرين وثعلب والرازي وروي عن ابن عمر.
ش: في جواز رواية حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى مذاهب:
الأول: وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور – الجواز لكن بشرط أن يكون فاعل ذلك عارفا بمدلولات الألفاظ، فإنه يشترط أن يكون اللفظ المأتي به مساويا للفظ الرسول صلى الله عليه وسلم في المعنى بلا زيادة ولا نقص ومساويا له في الجلاء والخفاء إذ لو أبدل جليا بخفي أو العكس لترتب على ذلك تقديم ما يجب تأخيره أو العكس لوجوب تقديم أجلى الخبرين المتعارضين على مخالفه.
وروى ابن منده في معرفة الصحابة من حديث عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الحديث ولا أستطيع أن أؤديه كما سمعته منك، يزيد حرفا أو ينقص حرفا، فقال: ((إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس)) فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا.
الثاني: أنه يجوز مع نسيان اللفظ، ولا يجوز مع تذكره، لأنه قد تحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أحدهما، فيلزمه أداء الآخر وبه قال الماوردي وجعل محل الخلاف في الصحابي وقطع في غيره بالمنع.
الثالث: التفصيل فإن كان مقتضاه علما جاز وإن اقتضى عملا/ (138/أ/م) فمنه ما لا يجوز الإخلال بلفظه، كقوله: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
و (خمس يقتلن في الحل والحرم) حكاه ابن السمعاني وجها لبعض أصحابنا.
الرابع: أنه يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره، وبه قال الخطيب: البغدادي.
الخامس: المنع مطلقا وبه قال محمد بن سيرين، واختاره ثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، ورواه ابن السمعاني عن ابن عمر.
تنبيه: يسأل عن الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة جواز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر، وجوابه: أن تلك في بحث اللغوي فالمجيز فيها والمانع كلاهما مستند إلى نقل اللغة، وهي عامة في سائر الكلام، وهذه في أمر شرعي فالمستند فيها الدليل السمعي، وهي خاصة بنقل حديثه عليه الصلاة والسلام.
ص: مسألة: الصحيح يحتج بقول الصحابي: قال – صلى الله عليه وسلم وكذا عن، على الأصح، وكذا سمعته أمر ونهى، أو أمرنا أو حرم، وكذا رخص في الأظهر والأكثر يحتج بقوله من السنة فكنا معاشر الناس أو كان الناس يفعلون في عهده صلى الله عليه وسلم فكنا نفعل في عهده صلى الله عليه وسلم فكان الناس يفعلون (114/أ/د) فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه.
ش: ذكر في هذه المسألة الصيغ التي يعبر بها الصحابي فيما ينقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلاها: أن يأتي بلفظ صريح في الاتصال، كحدثني وأخبرني،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
وسمعته يقول: ونحوها، ولم يذكر المصنف هذه لوضوحها وعدم الخلاف فيها.
الثانية: قال صلى الله عليه وسلم فالصحيح الاحتجاج بذلك حملا على سماعه منه، لأن الظاهر أنه لا يجزم بذلك إلا وقد سمعه منه، ومقابل الصحيح في كلام المصنف ما حكاه الآمدي وابن الحاجب عن القاضي: أنه متردد بين سماعه منه ومن غيره عنه، فإن قلنا بعدالة جميع الصحابة قبل، وإلا فكالمرسل لكن المصنف في شرح المختصر قال: إنهما وهما في ذلك على القاضي وأنه لا خلاف في/ (138/أ/م) القبول، ويوافقه قول الصفي الهندي: لا يتجه فيه خلاف لظهوره في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم وبتقدير روايته عن الصحابي فغير قادح لثبوت عدالتهم وأما احتمال روايته عن تابعي فنادر.
قال الشارح: لكن القاضي في (التقريب) لما اختار رد المرسل قال: وكذلك مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق وأغرب ابن برهان في (الأوسط) فقال: إنه الأصح.
ويتحصل من كلامهم خلاف في سبب المنع وإن كان الكل عدولا هل هو احتمال روايته عن تابعي أو عن صحابي قام به مانع كسارق رداء صفوان ونحوه. انتهى.
قلت: هذا متناقض كيف يجتمع عدالة كلهم مع اتصاف سارق الرداء بغير ذلك، وهو منهم؟ فالحق عدالة جميعهم للنص عليها ولا يفسق أحد منهم بارتكاب ما يفسق غيرهم بارتكابه والله أعلم.
الثالثة: أن يأتي بصيغة (عن) كذا صححه ابن الصلاح والبيضاوي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)
والصفي الهندي وفي (المحصول): في كونه حجة مذهبان من غير ترجيح، ومقتضى كلامه أن مقابل الأصح هنا التوقف لا الجزم بالمنع.
ثم رتب المصنف أن على وكذا عن ومقتضاه تصحيح القبول فيها أيضا إلا أن الخلاف فيها مرتب على الخلاف في عن، وهذا مفهوم من عطف المصنف لها بالفاء، وقد ذكر الخلاف فيها الصفي الهندي، فقال: منهم من ذهب إلى أنه ظاهر في أنه أخبره به إنسان آخر عنه عليه الصلاة والسلام وهو ساقط لما سبق في المرسل. انتهى.
والخلاف في ذلك مشهور عند المحدثين في غير الصحابي أكثرهم على القبول وقال أبو بكر البرديجي بأنها محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وحكاه ابن الصلاح عن (114/ب/د) يعقوب بن شيبة وأحمد بن حنبل، ورد عليه والدي رحمه الله في نقله ذلك عنهما.
الرابعة: أن يقول: سمعته عليه الصلاة والسلام أمر أو نهى، فالجمهور فيها على القبول وحكى القاضي أبو بكر عن بعض أهل العلم أنه ليس بحجة، لاحتمال أن يعتقد ما ليس بأمر أمرا، وفهم الخلاف/ (139/أ/م) في هذه من قول المصنف: وكذا، فلو لم يقل: سمعته بل اقتصر على أنه عليه الصلاة والسلام أمر أو نهى فهذه أحط مرتبة من تلك، لاحتمال الواسطة وإن كان الجمهور على القبول فيها أيضا.
وتوقف الإمام فخر الدين في ذلك، وضعف صاحب (الحاصل) كونها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)