ونحو ذلك.
ويحكون أن شخصًا كان يحبُّ آخر، [م 45] فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمِّ، فألقى المحبُّ نفسَه خلْفَه، فقال: أنا وقعت فما أوقعك؟ فقال: غبتُ بكَ عَنّي، فظننتُ أنَّك أنِّي(1).
وهذه الحال إذا زال معها عقل الإنسان الذي هو مناط التكليف بسببٍ غير محرَّم كان معذورًا، وإن كان بسبب محرَّم فقال مثل ذلك، فهو مذموم على ذلك.
وهل يَكْفُر إذا زال بما تشتهيه النفس كالخمر؟ فيه نزاع معروف عند العلماء، وأما بما لا تشتهيه الطباع كالبنج، فقيل: هو كالسكران بالخمر، وقيل: كالمجنون.
ومن زال عقله بالسماع ونحوه، فهو على هذا التفصيل. وأما في حال العقل؛ فمن قال هذا كان كافرًا يجب قتله إن لم يتب.
وكثير من السالكين تعرض له هذه الحال في بعض الأوقات، فإذا حضرت فريضة قام إليها، ومنهم من يُحْفَظ عن المعاصي، وهذا لصدقهم في حال حضور العقل حُفِظوا في حال غيبة العقل. لكن بكل حال ليس--------------------------------------------
(1) ذكر المصنف هذه الحكاية في عدد من كتبه: في «الفتاوى»: (2/ 314، 369، 482)، (5/ 249، 6/ 26)، و «المنهاج»: (5/ 356)، و «الجواب الصحيح»: (3/ 338).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
العبد مأمورًا بالمقام في هذه الحال، وهي تُحمد من جهة انجذاب القلب إلى ربه، ومن جهة توجُّهه إليه وتألُّهه إيَّاه، ويسميها بعضُ الناس: الجمع الأول.
وطائفة من الناس جعلوا هذا المقام هو غاية السالكين، وأحسن منازل السائرين إلى الله، وقالوا: إن العبد حينئذٍ لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح سيئةً، وهذا هو الغاية في كلام صاحب «منازل السائرين» الملقب بشيخ الإسلام من الإشارة إلى علو هذا المقام(1)، ما(2) أنكره عليه حُذَّاق العارفين. ولهذا يعلل هؤلاء المحبَّة والتوكل وغيرهما، ويجعلون ذلك من مقامات العامة، ويجعلون مقام الخاصة مشاهدة الربوبية العامة والقيومية الشاملة. ولا يصلون إلى الفرق الثاني وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأنه المعبود دون ما سواه، وأن إلهيته بأن نعبده، وعبادته بأن نطيعه، وطاعته بأن نطيع رسوله(3).
وهذا المقام مما حققه الجُنيد رضي الله عنه وأمثاله من أئمة أهل الطريق الذين يُقتدى بهم، الذين يلاحظون الأمرَ والنهي كالشيخ عبد القادر(4) ونحوه من المتأخرين. وهؤلاء هم الذين قالوا: قدَمُنا هذا ــ أي طريقنا هذه ــ--------------------------------------------
(1) أي مقام الفناء، وتقدمت إشارة المصنف إلى نحو هذا فيما سبق (ص 75) ونقلنا بعض عباراته في ذلك والتعليق عليه.
(2) تحتمل: «مما».
(3) انظر ما سبق (ص 118) مع التعليق.
(4) هو: عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست ــ أي العظيم القدر ــ محيي الدين أبو محمد الجيلي الحنبلي، الزاهد المشهور (ت 561). ترجمته في «السير»: (20/ 439)، و «ذيل طبقات الحنابلة»: (2/ 187 - 209)، و «البداية والنهاية»: (16/ 419).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
على رقبة كلِّ وليٍّ لله، أي: على كلِّ وليٍّ لله أن يتبع الأمر والنهي الإلهي النبوي الشرعي المحمدي، ويحكِّم على نفسه الكتاب والسنة، ولا يخرج عن ذلك [م 46] لا لذوقٍ يخالفه أو وجدٍ أو حالٍ أو مشهد أو غير ذلك، بل يزن أذواقه ومواجيده وأحواله وحقائقه بالكتاب والسنة(1).
والذين نازعوا الجُنيد في هذا كأبي الحسين النوري(2) وأمثاله من المتصوفة حصل لهم من الاضطراب ما أوجب أمورًا، مع أن النوري رحمه الله كان أصح من غيره وأعلى.
ولكن جاء قوم آخرون انحطُّوا عن هذه الدرجة(3)، فصاروا يشهدون الحقيقة الكونية القدرية، ويرونها هي الغاية، وأنَّ صاحبها لا يحتاج إلى الحقيقة الإلهية النبوية الشرعية، بل يتصرَّف بما يَجده ويذوقه(4)، والوجد والذوق إن لم يكن موافقًا للأمر كان من اتِّباع الهوى. ولهذا تجد كلَّ من يحتج بالحقيقة إنما هو متبع لهواه لا مطيع لمولاه، لا يحتج بعلم، إذ لو كان عنده علم لقال به، قال الله تعالى: {سَيَقُولُ(5) الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا--------------------------------------------
(1) وعبارات بعضهم في ذلك مشهورة؛ كقول الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وقول الجنيد: من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة. وغيرهما انظر «رسالة القشيري»: (1/ 61 - 79).
(2) تقدمت ترجمته (ص 120).
(3) وهذا هو النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن وجود السِّوى.
(4) تحتمل: «وبذوقه».
(5) (م): «وقال».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148].
ومِن هؤلاء مَن يقول: إنما رجع إلى الأمر والنهي لأجل العامة، أو لئلا يَخْرب المارَِسْتان(1)، إشارة إلى أن الأمر والنهي حينئذ سلكه العارف لمصلحة العامة لا لحاجته إليه. وهذا من الجهل بالفرق بين توحيد الإلهية وبين توحيد الربوبية، وبين الأمر الديني الشرعي النبوي الإلهي، والأمر الكوني القدري، وقد بُسِط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع(2).
وأصحاب هذا المشهد قد ينتقل أحدهم من هذا إلى الوحدة، ولهذا يقولون: السالك يشهد أولًا طاعة ومعصية، ثم يشهد طاعةً بلا معصية، ثم لا يشهد لا طاعة ولا معصية.
وقد يقول بعضهم: يكون أولًا فقيرًا، ثم يصير نبيًّا، ثم يصير إلهًا، وحينئذ يدخلون إلى النوع الثالث من الفناء، وهو فناء المُلْحِدين الذين يقولون:--------------------------------------------
(1) نسب المصنف هذا القول إلى الشيخ المغربي كما في «الفتاوى»: (8/ 231)، (14/ 358). والمارستان ــ بفتح الراء وكسرها ــ: دار المرضى أو المستشفى، وهو فارسي معرَّب، وأصله بيمارستان ــ بكسر الموحدة وسكون الياء بعدها وكسر الراء ــ بيمار عندهم هو المريض، وأُستان بالضم: المأوى، ثم خُفِّف فحُذِفت الهمزة، ولما حصل التركيب أسقطوا الباء والياء عند التعريب. انظر «قصد السبيل»: (1/ 320، 2/ 431) للمحبي، و «تاج العروس»: (8/ 471).
(2) انظر «الفتاوى»: (8/ 231)، (10/ 217)، (11/ 244 - 248)، (13/ 214)، (14/ 358).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
الوجود واحد؛ كابن عَرَبي وابن سَبْعين وابن الفارض والقُوْنَوي والتِّلِمْساني وأمثالهم ممن يجعل الوجود الخالق هو الوجود المخلوق، وربما جعلوه حالًّا فيه، ومذهبهم دائر بين الاتحاد والحلول. ولكن قد لا يرضون لفظ الاتحاد، بل يقولون: الوحدة؛ لأن الاتحاد يكون بين شيئين، وهم يقولون: الوجود واحد لا تعدد فيه، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع. فإنَّ الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، كما أن الذوات مشتركة في مسمى الذات، ولكن ليس وجود هذا وجود هذا، كما أنه ليس ذات هذا هي ذات هذا، والقدر المشترك هو كُليٌّ مطلق، والكُلِّي المطلق لا يوجد كليًّا مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، بل كلُّ موجود من المخلوقات له ما يختصّ به، لا يشاركه فيه غيره في الخارج، فهذا الإنسان المعيَّن لا يُشاركه هذا الإنسان المعيَّن فيما يختصُّ به من إنسانيته الخاصَّة، وحيوانيته الخاصة، ووجوده الخاص، ولكن هو وغيره يشتركان في مطلق الحيوانية والإنسانية والوجود، ونحو ذلك.
وهذه المشتركات لا تختص واحدًا منها، ولا توجد في الخارج مشتركة مطلقة، بل لا توجد إلا معينة مختصة، وقد بُسِط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع(1).
فإنه بسبب الاشتباه في هذه الكليات المطلقة ضلَّ طوائف من أهل العلوم النظريات والذوقيات، وإذا كان وجود المخلوق المختص به لا يَشْرَكه فيه غيره وإن كان يشابهه فيه غيره، فالخالق تعالى أبعد عن أن يشاركه غيره فيما يختصُّ به سبحانه وتعالى.--------------------------------------------
(1) انظر «الصفدية»: (2/ 276 وما بعدها)، و «الفتاوى»: (7/ 406)، (4/ 59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
ولولا أنه قد اشتهر فساد قول هؤلاء للسائلين عن هذه الأحزاب لبسطنا فيه الخطاب، و «صاحب الحزب» إن لم يكن من هؤلاء ففي كلامه ضَرْب من الفلسفة الفاسدة، وضَرْب من مذهب الحلولية القائلين بالحلول الخاص أو العام، وهذا مما ابتلي به طوائف من متأخري الصوفية، لاسيما المستمدين من كلام صاحب «مشكاة الأنوار»، والكتب المضنون بها على غير أهلها(1)، فإنَّ في كلام هؤلاء قطعة من قول النصارى وفلاسفة النصارى.
كما في قول طائفة من متأخري أهل البدع من متكلمي الفقهاء قطعة من قول اليهود وفلاسفة اليهود، كقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: إنَّ الله لا يُرَى في الآخرة، وأن كلام الله مخلوق لم يقم بذاته.
والفلاسفةُ منهم يقولون: هو فيضٌ فاض على النفوس ليس له وجود في الخارج، وهو قول الاتحادية ونحوهم من فلاسفة النصارى والمشابهين لهم من مبتدعة الصوفية.
ومَن لم يعرف حقيقة الإسلام الذي بعث الله به رسولَه [م 48] وأنزل به كتابه، وما في طرائق الناس مما يوافق ذلك وما يخالفه، لم يحصل له الفرقان الإلهي النبوي المحمدي، ومَن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
* * * *--------------------------------------------
(1) هو الغزالي، وقد تقدم البحث في نسبة هذه الكتب إليه (ص 61).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
فصل
ومما يشبه كلام هؤلاء قول صاحب «الحزب» فيما صنفه في آداب الطريق في علم الحقيقة(1)، قال في آخره:
(الطريق طريقان؛ طريق خاصَّة وطريق عامة، وأعني بالخاصَّة المحبوبين الذين هم أبدال الأنبياء(2).
فأما طريق الخاصة؛ فهو طريق عُلْوي تضمحلُّ العقول في أقل القليل من شرحها. ولكن عليك بمعرفة طريق العامة؛ وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل إلى أن ينتهي إلى منزل هو مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
فأول منزل يطؤه المحبّ للترقي منه إلى العليّ هو النفس، فيشتغل بسياستها ورياضتها إلى أن ينتهي إلى معرفتها، فإذا(3) عرفها وتحقق بها فهنالك تُشْرق عليه أنوار الثاني(4) وهو القلب، فيشتغل بسياسته ومعرفته. فإذا صحَّ له ذلك ولم يبق عليه منه شيء رُقِّي إلى المنزل الثالث وهو الروح(5).--------------------------------------------
(1) هذه القطعة الطويلة من كلام الشاذلي ساقها ابن الصباغ الحميري في «درة الأسرار» (ص 168 - 171)، والشعراني في «طبقاته»: (2/ 11 - 12)، وسنذكر الفروق بين ما ساقه المؤلف وبين هذه المصادر، ورمزنا للأول (د) وللثاني (ش).
(2) العبارة في د: «وأعني بالخاصة المحبين الذين هم أبدال الرسل، وأعني بالعامة المريدين الذين هم أبدال الأنبياء فعلى جميعهم السلام». فلعله وقع سقط في الأصل.
(3) د: «فإن».
(4) د: «عليه الأنوار. المنزل الثاني … ».
(5) بعده في د: «فيشغل بسياستها ومعرفتها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
فإذا تمَّت له المعرفة به هَبَّت عليه أنوار اليقين شيئًا فشيئًا، حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه [بروزًا] لا يعقل فيه شيئًا(1) مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة. فهناك يهيم(2) ما شاء الله، ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين، فيشهد موجودًا لا حدَّ له(3) ولا غاية، بالإضافة إلى هذا العبد، وتضمحلُّ جميعُ الكائنات فيه، فتارة يشهدها(4) فيه كما يشهد الينابيب(5) في الهواء بواسطة الشمس، فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة فلا يشهد للينابيب(6) أثرًا. فالشمس التي يبصر بها(7) هو «العقل الضروري» بعد المادة بنور اليقين.
فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلُّها وبقي هذا الموجود، فتارة يفنى وتارة يبقى، حتى إذا أريد به الكمال نودي(8) منه نداءً خفيًّا لا صوت له، فيُمد بالفهم عنهم(9)، إلا أن الذي تشهده غير الله ليس من الله في شيء، فهناك--------------------------------------------
(1) العبارة في د: «عليها أبرز اليقين بروزًا لا يعقل، فينشأ مما … ».
(2) د: «يفهم».
(3) د: «فيشهده مشهود لأحواله … » وفيه تحريف.
(4) (م): «يشهد ما». والإصلاح مما سيأتي، ومن د، ش.
(5) د: «النيابة»، ش: «البناء بيتًا».
(6) د: «النيابة».
(7) العبارة في ش: «وتارة لا يشهدها لانحراف نور الشمس عن الكوة، فالشمس التي يبصر بها … ».
(8) من قوله: «كلها وبقي … » إلى هنا ساقط من د.
(9) د، ش: «عنه».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
ينتبه من سكرته فيقول: أي ربِّ أغثني فإني هالك(1)، فيعلم يقينًا أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله.
فحينئذ يقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله العقل»، وفي خبر آخر: «قال له: أقبل، فأقبل … » الحديث(2)، فأُعطي هذا العبد [م 49] الذل والانقياد لنور هذا الموجود، إذ لا يقدر على حَدِّه(3) وغايته فعَجَز عن معرفته.
فقيل له: هيهات لا تعرفه بغيره(4)، فأمدَّه الله عز وجل بنور أسمائه، فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله ــ نرفع درجاتٍ من نشاء ــ فأمدَّه الله بنور الروح الرباني، فعرف به هذا الموجود. فرُقِّي إلى ميدان الروح الرباني، فذهب جميع ما تحلَّى به هذا العبد، تخلَّى عنه بالضرورة وبقي كلا(5) شيء موجود، ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني(6).--------------------------------------------
(1) د: «فإني جاهلك»! وش: «يا رب أثبتني وإلا أنا هالك».
(2) سيأتي تخريجهما (ص 193) عند كلام المصنف عليهما أثناء رده على هذا الكلام.
(3) د: «أخذه».
(4) من قوله: «فعجز عن … » إلى هنا ساقط من ش، وبعده: «فإذا أمد الله … ».
(5) د: «وتخلى عنه بالضرورة ويقول كل … »، وش: «العبد وما تخلى عنه بالضرورة وبقي كلا موجود … ». وكان في (م): «كل شيء» والإصلاح من موضع آتٍ في الكتاب، وش.
(6) د: «صفاته فأدركه … الوجود الرباني».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد(1) يقول: هو الله. فلحقته العناية الأزلية فنادته، ألا إن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه(2)، ولا أن يعبِّر عن شيء(3) من صفاته لغير أهله، لكن بنور غيره يعرفه(4)، فأمده الله بنور سرّ الروح، فإذا هو قاعد(5) على باب ميدان السرِّ، فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السر(6)، فرفع هِمَّته ليعرف هذا السر(7) فعَمِي عن إدراكه، فتلاشت جميعُ أوصافه كأنه ليس بشيء، ثم أمدَّه الله بنور ذاته فأحياه به حياة(8) باقية لا غاية لها، فنظر جميع المعلومات(9) بنور هذه الحياة، فصار أصل الموجودات نوره شائع(10) في كل شيء لا يشهد(11) غيره.
فنودي من قريب: لا تغتر بالله، فإن المحجوب من حُجِب بالله(12)، إذ محال أن يحجب غيره فحيّ بحياة استودعها الله فيه، فقال: أي ربِّ بك منك--------------------------------------------
(1) ش: «كان».
(2) ش زيادة: «بصفة».
(3) ش: «عنه بشيء».
(4) د: «يعبر به».
(5) ش: «وجد نفسه جالسًا».
(6) «فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السر» سقط من ش.
(7) د، ش: «هذا الموجود الذي هو السر … ».
(8) ش: «أحياه حياةً».
(9) (م): «العلويات» وستأتي على الصواب في كلام المصنف، وكذا في د، ش.
(10) العبارة في ش: «ووجد نور الحق شائعًا».
(11) د: «لا يعرف».
(12) د، ش: «عن الله بالله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
إليك، أقِل عثرتي، فإني أعوذ(1) بك منك، حتى لا أرى غيرك.
فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العليِّ الأعلى، وهي طريق المحبين أبدال الأنبياء، والذي يُعْطَى(2) أحدهم من بعد هذا لا يقدر أحد أن(3) يصف منه ذَرَّة(4).
قال: وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين، فهو(5) منه إليه(6)، إذ محال أن يتوصل إليه بغيره.
فأول قدم لهم بلا قدم أن ألقى إليهم(7) من نور ذاته، فغَيَّبهم بين عباده، وحبَّب إليهم الخلوات، وصغَّر(8) الأعمال الصالحات، وعظَّم عندهم رب الأرض والسموات، فبينا هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العدم، فنظروا فإذا هُمْ بلا هَمّ(9).--------------------------------------------
(1) العبارة في د: «أن يحجبه غيره فيحيى بحياةٍ استودع الله فيها … فأقل … ». وفي ش: «أن يحجبه غيره وهناك يحيى حياةً … ثم قال: أعوذ بالله … ».
(2) ش: «وما يعطيه الله تعالى لأحدهم».
(3) د: «من بعد لا يقدر أن … »، وش: «من بعد هذا المنزل … ».
(4) بعده في د، ش: «والحمد لله على نعمائه» وزاد التصلية في د.
(5) ش: «وأما طريق المحبوبين الخاصة بهم فإنه ترقٍّ».
(6) بعده في د، ش: «به».
(7) د: «عليهم»، ش: «إذ ألقى عليهم».
(8) بعده في د، ش: «لديهم».
(9) ش: «لا هم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
ثم أردف عليهم ظلمةً غيَّبتهم عن نظرهم، بل صار(1) عدمًا لا علة له، فانطمست جميع العلل، وزال كل حادث فلا حادث ولا وجُود، بل ليس إلا العدم الذي لا علة له، وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به.
اضمحلَّت المعلومات وزالت المرسومات زوالًا لا علة [م 50] فيه، وبقي من أشير إليه لا وصفَ له ولا صفةَ ولا ذات، فاضمحلَّت النعوتُ والأسماءُ والصفات، فلا اسم ولا صفة ولا ذات. فهناك ظهر من لم يَزَلْ ظهورًا لا علَّةَ له(2)، بل ظهر بسِرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أوليَّةَ له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته فحَيِيَ هذا العبد(3) بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصافٍ جميلة كلُّها لا علة لها(4)، فصار أولًا في الظاهر فلا ظاهر(5) قبله، فوجدت الأشياء بأوصافه، فظهر(6) بنوره في نوره.
فأول ما ظهر سره، فظهر به قلمه(7)، ثم ظهر أمره في سره، وظهر بأمره الدواة في نور العلم بنور القلم(8)، ثم ظهر عقله بأمره في أمره، وظهر به عرشه في نور لوحه بنور وجهه(9). ثم ظهر روحه بعقله في عقله، فظهر بروحه--------------------------------------------
(1) د: «صاروا»، ش: «فصار نظرهم».
(2) د: «علة له فيه»، ش: «علة فيه».
(3) ش: «لذاته في ذاته فهناك يحيى العبد … ».
(4) «فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها» سقط من ش.
(5) د: «الظهور فلا … »، ش: «ظهوره لا ظاهرًا».
(6) د، ش: «فظهرت». وبهذا المقطع ينتهي ما في ش مما ساقه المصنف.
(7) د: «قلبه».
(8) د: «بأمره الذوات في قول القدم».
(9) «بنور وجهه» سقطت من د.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
كرسيه في نور(1) عرشه. ثم ظهر قلبه بروحه في روحه، فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه. ثم ظهرت نفسه بقلبه في قلبه، وظهر بنفسه فلك للخير والشر في نور حجبه بنور حجبه. ثم ظهر جسمه بنفسه في نفسه، وظهر بجسمه أجسام العالم كلها(2) الكثيف من أرضٍ وسماء، وعلى الجملة كل كثيف في نور الفلك)(3).
* * * *
فيقال: هذا الكلام وإن كان في بعضه أمور صحيحة موافقة للكتاب والسنة، ففيه أمور منكرة باطلة مخالفة لدين المسلمين. فمنها ما هو مبنيٌّ على أقوال الفلاسفة الباطنية، ومنها ما هو من مذهب الحلولية، ومنها غير ذلك.
فأما تقسيمه الطريق إلى طريق خاصَّة وعامَّة، وجعله الأول طريق المحبين والثاني طريق المحبوبين، فيقال: كلُّ وليٍّ لله فهو مُحِبٌّ لله وهو محبوب لله، وحبُّ العبد لربه وحبُّ الرب لعبده متلازمان، فإن الله لا يحب إلا من يحبه، ومن أحبَّ الله فإن الله يحبه.
ولكنَّ الناس هنا يتكلمون في المجذوب والمربي، ومع هذا فقد يكون بعض المجذوبين أعلى، وقد يكون بعض المربين أعلى، مع أنه لابد لكل سالك من متابعة الرسول، وهذا هو أصل التربية.--------------------------------------------
(1) د: «نوره بنور … ».
(2) ليست في د.
(3) هنا ينتهي كلام الشاذلي الذي ساقه المصنف بطوله وقد ميزناه بخط أثخن. وسينقله فيما سيأتي فقرةً فقرةً ويردّ عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
ولابد أن يجتبيه الحق إليه وهو الجذب، لكن قد يكون ابتداء السلوك قصد العبد وعمله وعبادته ومجاهدة هواه، وقد يمن عليه ابتداءً باجتبائه إليه، وإنابته إلى مولاه، وإعراضه عما سواه، وقد [م 51] قال تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ} [الشورى: 13]. وقد قال بعض الشيوخ: إن هذه الآية فيها ذِكْر المجذوب والمربِّي. وبَسْط هذا له موضع آخر.
وفي المشايخ مَن يقسِّم السالكين إلى مريد ومراد(1)، ومعلوم أن الذين قال الله فيهم: {(51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ما أرادوا وجهَه حتى أرادَ ذلك منهم على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر، وجمهور الصوفية على مذهب أهل السنة في ذلك، حتى إن كثيرًا منهم يغالي(2) في ذلك، ويُسقط الأمرَ والنهيَ في بعض المشاهد والأحوال. وكذلك من أراده الله واجتباه وأحبه واصطفاه فلابد أن يجعله مريدًا له، لكنَّ الذين فرقوا بينهما لهم كلامٌ ليس هذا موضع بَسْطه(3).
وإنما المقصود هنا أن نقول: انقسامُ أولياءِ الله إلى عامٍّ وخاص تقسيم صحيح، لكنَّ الخواص هم السابقون المقرَّبون، والعامة هم الأبرار أصحاب اليمين، قال تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32]. وقال تعالى: {(6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ--------------------------------------------
(1) انظر «الرسالة القشيرية»: (2/ 351 - 355).
(2) (م): «يغالوا».
(3) ينظر المصدر السابق، و «الاستقامة»: (2/ 30 - 34)، و «مدارج السالكين»: (2/ 473 - 479)، (3/ 122 - 129).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ} [الواقعة: 7 - 11]. وقال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 88 - 91]. وقال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) … } إلى قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 22 - 28].
قال ابن عباس: يشرب بها المقرّبون صِرْفًا، ويُمزَج لأصحاب اليمين مزجًا(1). وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ} الآية [الإنسان: 5].
فهذه خمسة(2) مواضع من كتاب الله يذكر فيها انقسام أهل الجنة إلى أبرارٍ أصحابِ يمين، ومقربين سابقين.
وفي «صحيح البخاري»(3) الحديث الإلهي المشهور: «يقول الله: مَن عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» وقد تقدم(4). فقد قسم الأولياء إلى من تقرب بالفرائض ومَن لا يزال يتقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض، ولهذا قال مَن قال: إن الأولين هم الأبرار وإن الآخرين هم المقربون(5).--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: (2/ 357)، وابن جرير: (24/ 222). وهو قول ابن مسعود وحذيفة، والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم مِن السلف. انظر «الدر المنثور»: (6/ 543 - 544).
(2) في (م): «خمس».
(3) رقم (6502).
(4) (ص 149).
(5) (م): «المقربين». وقد تكلم المصنف على أقسام أهل الجنة إلى سابقين ومقربين في مواضع كما في «الفتاوى»: (3/ 417)، (11/ 23 - 24، 176 - 180).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
وهكذا الأنبياء نوعان: نبيٌّ مَلِك، وعبد رسول. ولهذا لما خُيِّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيًّا مَلِكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.
فالعبد الرسول الذي لا يفعل إلا ما أحبَّه ربُّه من واجبٍ [م 52] ومندوب فلا يُعطي إلا من أُمِرَ بإعطائه، ولا يمنع إلا من أُمِرَ بمنعه، كما في «صحيح البخاري»(1): «إنِّي والله لا أُعْطِي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنَّما أنا قاسمٌ أضعُ حيثُ أُمِرتُ»، فإنه لم يُرِد بذلك العطاء والمنع الذي يحصل بمجرَّد المشيئة والقَدَر، فإنَّ جميع المخلوقات لا يعطون ولا يمنعون إلا بمشيئة الله وقدره، فلا فضيلة في هذا للمؤمن على الكافر فكيف بالأنبياء؟! بل المراد العطاء والمنع الشرعي، أي: لا أعطي إلا مَن أُمِرتُ بإعطائه، ولا أمنع إلا مَن أُمِرتُ بمنعه، وهذه صفة العبد الرسول.
بخلاف النبي الملك، فإن الله قال لسليمان: {(38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ} [ص: 39]. قال المفسرون: اعطِ من شئت، واحْرِم من شئت لا حساب عليك(2). فهذا إذنٌ له أن يعطي ويمنع بحكم إرادته كما يُؤذَنُ للمالك أن يعطي ويمنع لمن يريد إذا لم يكن في ذلك فِعْل محرّم. لكنَّ الأول أعلى درجة، فإن إعطاءَه ومنعَه عبادة يتقرَّب بها إلى الله، وهذا عطاؤه ومنعه مباح له، يتنعم به ولا يُعاقَب عليه، وما يحصل به ثوابٌ أعظم مما لا يحصل--------------------------------------------
(1) رقم (3117) بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرج ابن جرير: (20/ 99 - 102) وعبد بن حميد ــ كما في «الدر المنثور»: (5/ 588) ــ نحوه عن الحسن ومجاهد وغيرهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
به عقاب(1).
فهكذا الأولياء منهم مَن يكون على الطريقة الأولى، فتكون المباحات في حق غيره عبادات له يتقرب بها إلى الله لا يفعلها إلا بأمره، ومنهم من يفعل المباحات متنعِّمًا بها غير آثم بها ولا مُعاقَب عليها، فهذا تقسيم صحيح معروف بالقلوب، معلوم بالكتاب والسنة.
وأما قول القائل(2): «عليك بمعرفة طريق العامة، وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل، وأن طريق الخاصة منه إليه» فهذا يشير إلى الحلول والاتحاد كما سنبينه إن شاء الله(3). وما ثَمَّ طريقٌ لخاصة ولا عامة إلا وفيها ترقٍّ من منزل إلى منزل، كما قال أعلم الخلق بالله وبطريق الله فيما يروي عن الله: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبّه»(4) والتقرُّب هو الترقِّي. فما في أولياء الله إلا مترقٍّ متقرّب إليه إما بالفرائض وإما بالنوافل بعد الفرائض، ومن لم يتقرَّب إليه لا بفريضة ولا نافلة فليس من أولياء الله، بل من أعدائه، فضلًا عن أن يكون من خواص الأولياء!
وأما قوله: «فأول منزل يطؤه المحبُّ للترقِّي منه إلى العَلي فهو النفس» فالكلام هنا في نوعين:--------------------------------------------
(1) انظر في الكلام على النبي الملك والعبد الرسول «الفتاوى»: (11/ 180 - 182)، (19/ 51)، (35/ 34).
(2) هذا القول وما سيأتي من أقوال الشاذلي ساقها المصنف بتمامها فيما مضى (ص 158 - 164)، والآن يسوقها مفرقة مع بعض التصرف ويرد عليها.
(3) (ص 153 وما بعدها).
(4) قطعة من حديث: «من عادى لي وليًّا» وقد تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
أحدهما: أن يقال: كثير مِن [م 53] المصنفين والمتكلمين في منازل السائرين إلى الله، ومنهاج القاصدين إليه، وطريق السالكين إليه، يذكر كلٌّ منهم عددَ المنازل وترتيبَها بحسب سَيْرِه هو، أو ما عَلِمَه هو مِن أحوال السالكين، ولا يكون ذلك صفةَ كلِّ سالك، بل كثير من السالكين لهم طرق أخرى وترتيب آخر وعدد آخر. وكثير منهم لا يكون سلوكهم بترتيب معين وعدد معين، ولهذا تجد شيخَ الإسلام الأنصاري في «منازل السائرين» يصفُ ترتيبًا وعددًا، وتجد أبا بكر الطُّرْطُوشي(1) يصف في كتابه ترتيبًا آخر، وتجد أبا طالب المكي(2) يذكر نوعًا ثالثًا، وتجد غيرهم يذكر أمرًا آخر.
وهذا كما أن أهل النظر والاستدلال من السالكين طريقَ العلم تجد لكلٍّ منهم من ترتيب المقدِّمات العلمية التي يستدل بها طريقًا غير طريق الآخر. ثم كلُّ مِن هؤلاء وهؤلاء أصحاب المقدِّمات المرتَّبة علمًا وعملًا في كلامهم--------------------------------------------
(1) (م): «الطرشوشي»! أما الكتاب الذي ذكره المصنف فلعله ما ذكره الضبي في «بغية الملتمس» (ص 138) قال: «وله كتاب كبير يعارض به كتاب الإحياء ــ للغزالي ــ رأيت منه قطعة يسيرة» اهـ. وقد كتب الطُّرطوشي جانبًا من نقده للإحياء وصاحبه في رسالة له إلى ابن مظفَّر ذكرها السبكي في «طبقات الشافعية»: (6/ 242 - 243).
(2) هو: محمد بن علي بن عطية الحارثي أبو طالب المكي الزاهد الواعظ (ت 386) صاحب «قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى طريق التوحيد» في التصوف، وهو مطبوع، ولعله ما أشار إليه المصنف. ترجمته في «تاريخ بغداد»: (3/ 89)، و «وفيات الأعيان»: (4/ 303)، و «السير»: (16/ 536 - 537). وقد أشار المصنف في «الفتاوى»: (10/ 551) إلى أن في «قوت القلوب» أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة. وانظر ما تقدم (ص 84 هامش 2) عن علاقة الإحياء بكتاب القوت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
ما هو صواب وما هو خطأ، فما وافقَ الكتابَ والسنّةَ من ذلك كلّه فهو صواب، وما خالف ذلك فهو خطأ.
وهذا موضعٌ اشتبه على كثير من أهل العلم والعبادة، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. ولهذا أمر الله المسلم أن يقول في كل صلاة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]، والكلامُ على هذا مبسوط في غير هذا الموضع.
النوع الثاني: أن لفظ النفس والروح والقلب والفؤاد ونحو ذلك، مما يتنازع الناسُ في معناها؛ إما لاختلاف اصطلاحاتهم، وإما لاختلافهم في المعنى.
فلفظ «النفس» يُراد به تارةً ذاتُ الشيء وعينُه، ويراد به الدم السائل، كقول الفقهاء: ليست له نفسٌ سائلة، وقول الشاعر(1):
تَسِيلُ على حَدِّ الظُّباةِ نفوسُنا … وليستْ على غير الظُّباةِ تَسِيل
ويراد به الروح التي في الإنسان، كقوله: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27 - 28]، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عام خبير: «إنَّ الله قبضَ أنفسنا(2) حيثُ شاء»(3)، وفي الحديث ــ قاله بلال ــ: «أخذ--------------------------------------------
(1) البيت للسموأل بن عادياء «ديوانه» (ص 91) من أبيات في قصيدته اللامية المشهورة، ونُسبت أيضًا إلى غيره كما في «الحماسة»: (1/ 79 - 81) لأبي تمام.
(2) كتب فوقها في (م): «أرواحنا»، واللفظ الوارد في الحديث: «أرواحكم». وأشار المصنف في «الفتاوى»: (4/ 225) إلى أن لفظ «أنفسنا» جاء في روايةٍ.
(3) أخرجه البخاري (595) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه. وأصل الحديث في مسلم (681) مطولًا بسياق آخر وليس فيه هذا اللفظ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
نفسي الذي أخذ بنفسك»(1). ومنه قوله في الحديث: «اخرجي أيتها النفسُ المطمئنَّة ــ كانت في الجسد الطيب ــ»(2).
ويراد بها أيضًا بعض صفاتها المذمومة كالهوى المُرْدي، فيقال: فلان له نفس، كما يقال: فلان له لسان، وفلان له قلب. [م 54] أي: لسان خاص، وهو القادر على الكلام، وقلب خاص، وهو الذي له حالٌ من معرفةٍ ووجدٍ وصدقٍ ونحو ذلك. فكثير من أهل السلوك يريدون بلفظ النفس: النفس الخاصة المذمومة، وقد يقسمون لفظ النفس إلى ثلاثة: أمَّارة، ولوَّامة، ومطمئنة(3).
وأما لفظ «الروح»؛ فقد يراد به الروح التي في الإنسان، وهي النفس التي تُقبض وقت الموت. ولفظ الروح والنفس بهذا الاعتبار اسمان لذات واحدة، لكن باعتبار صفات متنوعة، فتسمى روحًا باعتبار، ونفسًا باعتبار، وإن كانت--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (680) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ووقع في (م): «أخذ نفسك».
(2) أخرجه أحمد (8769)، والنسائي في «الكبرى» (11378)، وابن ماجه (4262)، وابن خزيمة في «التوحيد» (1/ 276 - 277)، والحاكم: (1/ 353) مختصرًا، وغيرهم من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه.
والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ونقل المصنف في «الفتاوى»: (5/ 445) عن أبي نعيم قوله: هذا حديث متفق على عدالة ناقليه.
قلت: وله شواهد من حديث البراء بن عازب وعائشة رضي الله عنهم. ولفظ حديث أبي هريرة فيه «النفس الطيبة … »، وحديث البراء فيه «النفس المطمئنة» لكن ليس فيه «كانت في الجسد الطيب».
(3) انظر «الفتاوى»: (15/ 143، 341)، (28/ 148)، و «إغاثة اللفهان»: (1/ 125 - 134)، و «الروح» (ص 495).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)