الذات واحدة.
ومن هذا الباب أسماء الرسول، وأسماء القرآن، بل وأسماء الله الحسنى، فإن هذه الأسماء تدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة، وهذه الأسماء مترادفة في الذات متباينة في الصفات، ويسميها بعضُ الناس: المتكافئة، وهي مَرْتبة(1) بين المترادفة المَحْضة وبين المتباينة المَحْضة.
وقد يراد بلفظ الروح البخار الخارج من القلب، وهو لغة الأطباء.
وقد يراد بلفظ الروح الهواء الذي يخرج من البدن. وطائفة من الناس يظنون أن هذا الهواء هو الروح المنفوخة في الإنسان التي تُقْبض وقت الموت.
والصواب الذي عليه السلف والأئمة: أن تلك الروح ليست هي البدن ولا جزءًا من البدن، ولا صفةً من صفات البدن، كما يقول ذلك مَن يقوله من أهل الكلام. ولا هي أيضًا مجردة عن الصفات الثبوتية والأفعال، كما تزعم المتفلسفة الذين يقولون: إنها لا تصعد ولا تنزل، ولا تتحرك ولا تسكن، ولا تدخل ولا تخرج، ولا يتميز منها شيء عن شيء(2).
ويقول طائفة منهم كابن سينا: إنها لا تُدرِك الجزئيات المعينة، إلى غير ذلك من أقوال النُّفاة الذين قالوا فيها نظيرَ قولِهم في واجب الوجود، فلم--------------------------------------------
(1) ضبطت في (م): «مُرَتّبة»!
(2) للمصنف رسالة في «الروح» ضمن «الفتاوى»: (4/ 216 - 231)، وأخرى في العقل والروح، انظر كلامه على الروح فيها «الفتاوى»: (9/ 289 - 304). ولتلميذه ابن القيم كتابه المشهور «الروح».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
يصفوه إلا بالسُّلُوب، حتى جعلوا الوجود الواجب الذي هو أحق الموجودات بالكمال الوجودي إنما يوصف بالسلوب التي تجعله في حَيِّز الممتنعات التي تُقَدَّر في الأذهان، ويمتنع وجوده في الأعيان، كقولهم: إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق المقيد بالنفي عن كل الإثبات، مع علمهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، وهذا قول أهل الإحاطة(1)، [م 55] وقول طائفة من الباطنية القرامطة. وقولُ ابن سينا وغيره: إنه الوجود المقيَّد بسَلْب كلِّ حقيقة، فجعله مشاركًا للموجودات الممكنة في مسمى الوجود، وهي تمتاز عنه بأمور وجودية، وهو لا يمتاز عنها إلا بأمور عَدَمية، والوجود أكمل من العدم، فلازمُ قوله أن يكون وجود كل ممكن ــ حتى البعوضة ــ أكمل من وجود واجب الوجود.
وأيضًا: فإن المشتركين في أمر ثُبوتيّ لا يتميز أحدُهما عن الآخر لمجرد أمرٍ عدمي، ولهذا يقولون: إن الفصول والخواص التي تميز بين الأنواع لا تكون عدمًا محضًا، بل لابدَّ أن تتضمن ثبوتًا؛ لأن العدم المحض لا يميز أحد المشتركين في الوجود عن صاحبه. وقد بُسِط الكلامُ على هؤلاء في غير هذا الموضع(2)، والمقصود هنا أن تعرف مراد الناس بلفظ النفس والروح.
وكذلك «القلب» يراد به المُضْغة الصَّنَوْبَرية الشكل التي في الجسد مجرَّدةً، والبهيمةُ لها قلبٌ بهذا المعنى.--------------------------------------------
(1) انظر كلام المصنف عليهم ومناظرته مع بعض حُذَّاقهم «الصفدية»: (1/ 296).
(2) انظر «الصفدية»: (1/ 112)، و «الرد على المنطقيين» (ص 407)، و «منهاج السنة»: (8/ 38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
ويراد به هذه المضغة مُقيَّدةً بالروح، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب»(1).
كما في الحديث الآخر: «إذا أصبح ابنُ آدم فإنَّ الأعضاء كلَّها تُكفِّر اللسان ــ أي تخضع له وتذل ــ تقول له: اتَّق الله فينا، فإنك إذا استقمتَ استقمنا، وإن اعوجَجْتَ اعوجَجْنا»(2).
وفي حديث آخر: «لا يستقيمُ إيمانُ عبد حتى يستقيمَ قلبُه [ولا يستقيمُ قلبُه] حتى يستقيمَ لسانُه»(3).
فاستقامة القلب واللسان تتضمن استقامة الروح والبدن جميعًا؛ فإن البدن مقترن بالروح، فلا يحصل للبدن عمل اختياري إلا بمشاركة الروح، ولهذا ضرب لهما المَثَل في الحديث المأثور عن ابن عباس، رواه ابن منده في--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 115).
(2) أخرجه أحمد (11908)، والترمذي (2407)، والطيالسي (2323)، والبيهقي في «الشعب» (4595) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. قال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن زيد، وقد رواه غير واحد عن حماد بن زيد ولم يرفعوه». ثم أخرجه من طريق حماد بن أسامة عن حماد بن زيد به موقوفًا، قال: وهذا أصح.
(3) أخرجه أحمد (13048)، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (9)، والقضاعي (887) من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث ضعَّفه العراقي في «تخريج الإحياء»: (2/ 767)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (1/ 53): «في إسناده علي بن مسعدة وثَّقه جماعة وضعَّفه آخرون». وله شاهد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه أحمد (3672) وغيره، لكن أُعِلَّ بالوقف، وما بين المعكوفين مستدرك من مصادر الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
«كتاب الروح والنفس»(1)
قال: «لا تزال الخصومةُ بين الناسِ حتى يختصمَ الروحُ والبدنُ، فيقول الروح للبدن: أنت أكلتَ وشربتَ ونكحتَ. فيقول البدن: أنتَ أمرتَ. فيُبعث مَلَك يحكم بينهما، فيقول: مثلكما مثل أعمى ومُقعد دخلا بستانًا، فقال المقعد للأعمى: إني أرى ثمرًا لكن لا أطيقُ قطافه، فقال الأعمى: لكني أقدر أن أقطفه إلا أني لا أراه، فقال له المقعد: تعال فاحملني حتى أعلمك به، فحمله فجعل المقعد يقول للأعمى: خذ هذا، اقطف هذا [م 56] فقطفه. فعلى مَن العقوبة؟ فقال: عليهما جميعًا، فقال: كذلك الروح والبدن»(2).
إذا تبين ما أشرنا إليه مِن ترتيب السلوك ومِن معنى النفس والروح فقول--------------------------------------------
(1) وعزاه لابن منده السيوطي في «الدر المنثور»: (5/ 614) ولم يسم كتابه.
وكتاب ابن منده نقل منه المصنف في مواضع، ووصفه فقال: «وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابًا كبيرًا في الروح والنفس وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا» اهـ. «مجموع الفتاوى»: (4/ 217). ونقل منه ابن القيم في كتاب «الروح»، وانظر «موارد ابن تيمية العقدية» (ص 89) للبراك.
(2) اخرج ابن الجوزي نحوه في «الموضوعات» (1799) قال ــ بعدما ساق سنده ــ: « … عن المسيب بن شريك عن سعيد بن المرزبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يختصم الروح والجسد يوم القيامة، فيقول الجسد: أنا كنت بمنزلة الجذع ملقى لا أحرك يدًا ولا رجلًا لولا الروح، وتقول الروح: أنا كنت ريحًا لولا الجسد لم أستطع أن أعمل شيئًا، فضرب لهما مثل أعمى ومُقْعد، وحمل الأعمى المقعد، فدله ببصره المقعد، وحمله الأعمى برجله».
قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال يحيى: سعيد بن المرزبان والمسيب ليسا بشيء. وقال الفلاس: حديثهما متروك. اهـ. وخالفه السيوطي في «التعقبات» (ص 51) في الحكم بوضعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
القائل: «أول منزل يطؤه المحب للترقِّي منه إلى العَليّ فهو النفس، فيشتغل بسياستها إلى أن يعرفها، فهناك يُشرق عليه نورُ القلبِ فيشتغل بسياسته ومعرفته، فإذا صحَّ له ذلك رُقِّي إلى المنزل الثالث وهو الروح»(1).
يقال له: إن أراد بالنفس والقلب والروح هنا ذات لها صفات متعددة فهذا صحيح.
فأما تقديم مسمَّى النفس على القلب ومسمَّى القلب على الروح فهذا أمرٌ اصطلاحي، ففي كلام الله ورسوله لا أصل لهذا الترتيب، بل القلب يوصَف بالصلاح تارة وبالفساد أخرى، لما في الحديث المتفق على صحته: «ألا وإنَّ في الجَسَد مُضغة … » وقد ذكرناه(2).
وكذلك لفظ «النفس» تُمْدَح تارة وتُذَم: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: 27]، {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2]، وقالت امرأة العزيز: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53].
وكذلك لفظ «الروح» كما في حديث قَبْض الروح: «اخرجي أيتها الروحُ الطيبة كانت في الجسد الطيب»(3)، ويقال: «اخرجي أيتها الروحُ الخبيثة كانت في الجسد الخبيث». وفي «الصحيح»(4): «الأرواحُ جنودٌ مُجنَّدةٌ، فما تعارفَ منها ائتلفَ، وما تناكَرَ منها اختلف».--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق (ص 158).
(2) سبق (ص 115، 174).
(3) سبق تخريجه (ص 171). وما يليه قطعة منه.
(4) أخرجه البخاري (3336)، ومسلم (2638) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
وأما إن أُريد بالنفس والروح ذاتان كلٌّ منهما قائمة بنفسها غير الأخرى وراء هذا البدن؛ فهذا غلط.
وهذا الترتيب إذا قيل: هو ترتيب صحيح، كان هذا مختصًّا باصطلاح معيَّن ليس هو أمرًا علميًّا، ولا هو عامًّا في حقِّ كلِّ سالك.
وإذا قيل: يُرادُ بالنفس ذات الأخلاق الفاسدة، ويُراد بالقلب ذو الإيمان والإرادات الصالحة، ويراد بالروح ذو المعرفة واليقين، فهذا أمر اصطلاحي، ومع هذا فقد يحصل للإنسان أنواعٌ من المعارف واليقين مع وجود نوع من الهوى والذنوب، وقد يحصل له أنواعٌ من الإيمان والأعمال الصالحة مع وجود نوعٍ من الإرادات الفاسدة.
فمذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسلف الأمة وأئمتها: أن الشخصَ الواحدَ يجتمع فيه ما يحبه الله من الحسنات، [م 57] وما يبغضه من السيئات، ويكون مُطيعًا مِن وجهٍ عاصيًا من وجهٍ، برًّا من وجهٍ فاجرًا مِن وجهٍ، مستحقًّا للثواب من وجهٍ وللعقاب من وجهٍ، فيه إيمانٌ مِن وجهٍ وفيه فسق بل ونفاق مِن وجهٍ(1).
وإنما يقول: «لا يجتمع هذا وهذا» الوعيديَّةُ من الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون: ما ثَمَّ إلا مؤمن مستحقّ للثواب لا يُعاقب بحال، أو مخلَّد في النار لا يخرج منها بشفاعةٍ ولا غيرها، ومَن فيه فجور فليس معه من الإيمان عندهم شيء.--------------------------------------------
(1) انظر «الرد على المنطقيين» (ص 360)، و «الفتاوى»: (1/ 149) و (7/ 353) و (10/ 8)، و «منهاج السنة»: (6/ 198).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
وكانت الخوارج تقول: مَن لم يكن برًّا قائمًا بالواجبات تاركًا للمحرمات فهو كافر. فلما مات الحسن البصري صار طائفة ممن كان يصحبه كعَمْرو بن عبيد يقولون: هو فاسق لا مؤمن ولا كافر، وهو مخلَّد في النار، واعتزلوا الجماعةَ فسُمُّوا معتزلة.
وكان قد صَحِبَه طائفة أخرى من النُّسّاك منهم عبد الواحد بن زيد(1)، واختار طريقةً من النُّسُك هو وأتباعه، واتخذوا دُوَيرةً، وهم أول من اعتزل الناس من الصوفية(2).
ولهم أيضًا طريقة بعضها حقّ وبعضها مذموم، لكنهم أقرب من عَمْرو بن عبيد وأتباعه(3).
وأما الأئمة من أصحاب الحسن كأيوب السَّخْتِيَاني، وثابت البُنَاني، وعبد الله بن عون، وغيرهم، فهؤلاء سالمون مما يُذم(4) ممن رُمي ببدعةٍ من أصحابه.
وكان الحسن جليل القدر في العلم والعمل، فكان يسوس الناس في حياته، فلما مات صار بعضُهم يأخذ ما يوافق هواه من كلامه، ويدع ما لا--------------------------------------------
(1) هو: عبد الواحد بن زيد أبو عبيدة البصري، أحد زهاد البصرة من أصحاب الحسن البصري (ت بعد 150). انظر: «الجرح والتعديل»: (6/ 20)، و «الحلية»: (6/ 155 - 165)، و «السير»: (7/ 178).
(2) وكان عبد الرحمن بن مهدي وغيره يسمونهم (الفقريَّة) ذكره المصنف في «الفتاوى»: (10/ 359).
(3) انظر مقارنة المصنف بين الطريقتين في «الفتاوى»: (10/ 358 - 361).
(4) كلمة غير واضحة، وهكذا قدرتها. وتحتمل: «من الذم».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
يوافق هواه. فصار في بعضهم بدعة وتفرُّق من هذا الوجه. وكان بين هؤلاء وهؤلاء نزاع في أمور، وقد ذكر بعضَ أخبارِهم أبو سعيد بن الأعرابي فيما صنَّفه من أخبار النُّسَّاك(1). وذكر ذلك مَعْمر بن زياد الأصبهاني(2) وغيرهما من الشيوخ الذين لهم معرفة وتحقيق.
وأما قوله: «حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه بروزًا لا يعقل فيه شيئًا مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة، فهناك يهيم ما شاء الله»(3).
فهذا كلام مَن يصف حالَ بعضِ الناس، ولعله يصف سلوكَ نفسِه، وإلا فمعلوم أن جماهير أولياء الله السالكين لا يهيمون، ولا يزول عنهم عقل ما كانوا عليه. والسابقون الأوَّلون [م 58] من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا هائمين في طريقهم، ولا مسلوبي عقلٍ في سلوكهم، بل كانوا مؤيَّدين بالعقل واليقين والمعرفة، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيهم: «كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقَها عِلْمًا وأقلَّها--------------------------------------------
(1) سبق التعريف به (ص 120).
(2) هو: معمر بن أحمد بن محمد بن زياد أبو منصور الأصبهاني، الزاهد. كبير الصوفية بأصبهان (ت 418). ترجمته في «تاريخ الإسلام»: (وفيات 418، ص 454 - 455) للذهبي، و «النجوم الزاهرة»: (4/ 270).
وكتابه الذي أشار إليه المصنف نقل منه في «الدرء»: (7/ 148) وسماه «أخبار شيوخ أهل المعرفة والتصوف»، وسماه في «الفتاوى»: (35/ 41) «أخبار الصوفية» ونعت مصنفَه بالإمام.
(3) سبق النص (ص 159).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
تكلُّفًا»(1).
وكذلك مَن بعدهم مِن المشهورين مثل: سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، وعامر بن عبد القيس، وأُوَيس القَرَني، وأبو مسلم الخولاني، ومُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، ومن بعد هؤلاء ممن جمع الناسُ أخبارَهم في كتب الزهد؛ مثل كتاب «الزهد» للإمام أحمد وغيره ممن صنف أخبار الزُّهَّاد على الأسماء، مثل «حِلْية الأولياء» لأبي نعيم، و «صفوة الصفوة» لابن الجوزي. وكتاب «الزهد» لعبد الله بن المبارك ممن صنف أخبار الزهد على الأبواب، كهنَّاد بن السَّرِي، وأَسَد بن موسى وغيرهما.
قوله: «ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين، فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية، بالإضافة إلى هذا العبد، وتضمَحِلّ جميعُ الكائنات فيه، فتارةً يشهدها فيه كما يشهد الينابيب(2) في الهواء بواسطة الشمس، فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة لا يشهد للينابيب أثرًا. فالشمس التي يُبْصِر بها هو «العقل الضروري» بعد المادة بنور اليقين.
فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود، فتارةً يفنى وتارة يبقى، حتى إذا أُرِيد به الكمال نُودي منه نداءً خفيًّا لا صوتَ له، فيُمَد بالفهم عنهم، إلا أن الذي يشهده غير الله، ليس من الله في شيء، فهناك ينتبه من سكرته، فيقول: أي ربِّ أغثني فإني هالك، فيعلم يقينًا أنَّ هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله، فحينئذٍ يقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1810)، وعزاه ابن القيم في «الأعلام»: (4/ 607) للإمام أحمد. وأخرجه ابن عبد البر (1807) من قول الحسن البصري.
(2) كذا، وانظر ما سبق (ص 159).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما خَلَقَ الله العَقلَ»، وفي خبر آخر: «قال له: أقبل، فأقبل … » الحديث، فأُعْطي هذا العبد الذل والانقياد لنور هذا الموجود، إذ لا يقدر على حَدِّه وغايته فعَجَز عن معرفته، فقيل له: هيهات لا تعرفه بغيره، فأمدَّه الله جل وعلا بنور أسمائه، فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله، نرفع درجاتٍ من نشاء»(1).
فيقال: هذا مبنيٌّ على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى، وقد توجد طائفة [م 59] من كلامهم في كتب أبي حامد وأمثاله ممن يصنفون ويَخْلِطون ذلك بما هو من أصول الفلاسفة. فإنَّ هذا العقل الذي يَدَّعونه ويَصِفونه مناقض لدين الرسل.
أما العقل الأدنى إلينا الذي يسمُّونه العقل الفعَّال، ويقولون: كل ما تحت فلك القمر من فيضه. ويقولون: إن الكتب الإلهية إنما نزلت على قلوب الأنبياء منه، وأن الكلام الذي حصل لموسى كان منه.
ثم تارة يقولون: هو جبريل الذي {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير: 24]، وتارة يجعلون جبريل ما يتشكَّل في نفوس الأنبياء من الخيال، كالخيال الذي يحصل للنائم.
ولهذا يدَّعي مَن يدَّعي منهم أن الأولياء والفلاسفة أفضل من الأنبياء، حتى قال ابن عربي: إن الرسل جميعهم إنما يستفيدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، فقال: «ليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء. وما يراه--------------------------------------------
(1) من قوله: «ثم يمده … » إلى هنا من كلام الشاذلي، انظر ما سبق (ص 159 - 112).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم. حتى إن الرسل لا يرونه إلا من مشكاة الولي خاتم الأولياء.
وإن كان خاتم الأولياء تابعًا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل، فإن الرسالة والنبوة ــ أعني نبوة التشريع ورسالته ــ منقطعان، وأما الولاية فلا تنقطع أبدًا. فالأنبياء مِن كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأنبياء، فكيف بمن دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعًا لما جاء به خاتم الأنبياء من التشريع؛ فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يُناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجهٍ يكون أَنْزَل كما أنه من وجهٍ يكون أعْلى.
وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما مُثِّلت له النبوة بالحائط رأى نفسَه تنطبع في موضع لبنة، وأما خاتم الأولياء فيرى نفسه تنطبع في موضع لبنتين، فإنه موضع اللبنة الفضية وهو ظاهره وما سمعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السِّرِّ ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلابدَّ أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن، فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول(1).
وهذا يقوله مَن يقوله بناءً على أصله الفاسد، وهو الفلسفة التي أخرجها في قالب التصوف والكشف، فإن المَلَك عندهم هو الخيال الذي يتشكَّل في نفس النبي وغيره، فتلك [م 60] الخيالات هي ملائكة الله عندهم، والخيال--------------------------------------------
(1) هنا ينتهي كلام ابن عربي من كتابه «فصوص الحكم» (ص 27 - 29) مختصرًا. وللمصنف رحمه الله كتب ورسائل كثيرة في هتك مذاهب الحلولية الاتحادية، والرد على ابن عربي في «فصوص الحكم» وغيره، كما في المجلد الثاني من «مجموع الفتاوى» و (18/ 367 - 374)، و «بغية المرتاد» وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
المطابق يستمدّ من العقل، والولي والفيلسوف عندهم يأخذ من العقل الممد للخيال، فلهذا صار النبي الذي يأخذ من المَلَك أنقص عندهم من الولي الذي يأخذ من فوق المَلَك.
وهؤلاء يجعلون خاصة النبوة هي التخييل، كما يقول ذلك الفارابيُّ(1) وغيره، وابنُ سينا وأتباعُه، وإن كانوا أقرب الفلاسفة إلى الإسلام، فهم وأمثالهم من الملاحدة كالسهروردي المقتول وغيره يجعلون النبوة لها ثلاث خواص: قوة العلم بِسُرعة ــ ويسمونها القوة القدسية ــ، وقوة التأثير في العالم، وقوة التخييل، وهو أن يرى ويسمع في نفسه ما يمثّل له من المعاني العقلية. وكل ما يراه ويسمعه الأنبياء إنما هو في أنفسهم عندهم لا في الخارج.
وقد وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها(2) ومَن تَبِعَه كلامُ هؤلاء بعبارات أخرى، يظنُّ مَن لم يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة الفلسفة أن هذا كلام خواص أولياء الله العارفين، وإنما هو كلام الفلاسفة الملحدين، الذين هم في الإيمان بأصل النبوّة أبعد عن الإيمان من اليهود والنصارى، لكنهم يقرُّون بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وغيره(3).--------------------------------------------
(1) هو: محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ، التركي أبو نصر الفارابي الفيلسوف المنطقي، له تصانيف كثيرة (ت 339). انظر «إخبار العلماء»: (2/ 223) للقفطي، و «طبقات الأطباء»: (3/ 328)، و «السير»: (15/ 416). وقد قال عنه المصنف في «الرد على المنطقيين» (ص 41): «وهو أعظم الفلاسفة كلامًا في المنطق وتفاريعه».
(2) هو الغزالي كما سبق (ص 61).
(3) في رأس (ق 60 ب) تعليق نحو سطرين لكنه بخط دقيق غير واضح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
وقد يقولون: إن النبوَّة مكتسبة، وإنها لم تنقطع، وربما جعلوا الفلاسفة المشهورين من اليونان أهل مَقْدونية كسقراط وأفلاطون وأرسطو ونحوهم أنبياء! وقد يظنون أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو الإسكندر الذي كان في زمن أرسطو، وهذا من جهلهم بالسمعيات والعقليات، فإن الإسكندر الذي كان في زمن أرسطو هو الذي تؤرِّخ له اليهود والنصارى، ويُقال له: ابن فيلبس المَقْدوني(1) كان قبل المسيح بنحو ثلثمائة سنة وهو زمن أرسطو، وكان مُشْركًا هو وقومه أهل شركٍ وسحرٍ، ولهم كتب في الشرك والسحر قد عُرِّبت يعرفها من يعرفها، وهذا الإسكندر لم يذهب إلى بلاد الترك، وإنما انتهى إلى خراسان، فضلًا عن أن يبني السَّدّ.
وذو القرنين المذكور في القرآن كان قد بلغ مشارقَ الأرض ومغاربها، وبنى السدَّ كما أخبر الله تعالى(2)، والسدُّ من أقصى بلاد المشرق والشمال--------------------------------------------
(1) وهو الإسكَنْدَر بن الفيلسوف ــ ويقال: فِليبس ــ المقدوني، قال المصنف «نسبةً إلى مقدونية، وهي جزيرة هؤلاء الفلاسفة اليونانيين الذين يسمون المشائين، وهي اليوم خراب أو غمرها الماء، وهو الذي يؤرخ له النصارى واليهود التاريخ الرومي، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، فيظن من يعظِّم هؤلاء الفلاسفة أنه كان وزيرًا لذي القرنين المذكور في القرآن ليعظُم بذلك قدره، وهذا جهل فإن ذا القرنين كان قبل هذا بمدة طويلة جدًّا، وذو القرنين بنى سد يأجوج ومأجوج، وهذا المقدوني ذهب إلى بلاد فارس ولم يصل إلى بلاد الصين فضلًا عن السد» اهـ. من «الفتاوى»: (17/ 332). وانظر «البداية والنهاية»: (2/ 541 - 542)، و «لسان العرب»: (4/ 367)، و «قصد السبيل»: (1/ 186)، و «تاج العروس»: (6/ 568).
(2) في أواخر سورة الكهف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
في مهبِّ الصَّبا(1)، وكان متقدمًا على ذلك.
[م 61] ولهم إسكندر آخر يقال له: الأفروديوسي(2)، هو من أتباع أرسطو هو وبُرقلس وثامسطيوس(3) ونحوهم ممن اتبع أرسطو وشَرَح تعاليمَه وقال بِقِدَم هذه الأفلاك.
فإنه يقال: أوَّل من أظهر هذا القول من هؤلاء الفلاسفة أرسطو. وأمَّا الذين قبله كأفلاطون وسقراط(4) ونحوهما فكانوا يقولون بحدوث الأفلاك، ولكن يقولون بأنه حادث عن مادة، وهل المادة قديمة العين أو قديمة النوع؟ لهم في ذلك كلام وأقوالٌ ليس هذا موضعها(5).
ولهذا توجد مقالات أئمة الفلاسفة الكبار الذين كانوا من الصابئة الحنفاء لا تخرج عن أقوال الأنبياء؛ فإن الصابئة في الأصل كانوا على هدى، كما كانت اليهود والنصارى. ولهذا ذكر الله أن في هذه الطوائف سُعداء في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ--------------------------------------------
(1) قال ابن الأعرابي: مهبّ الصَّبا: من مطلع الثُّريا إلى بنات نَعْش. «لسان العرب»: (14/ 449).
(2) كذا وفي مصادر ترجمته: «الأفروديسي»، انظر «إخبار العلماء»: (1/ 72 - 73) للقفطي، و «طبقات الأطباء»: (1/ 105).
(3) ترجمتهما في «إخبار العلماء»: (1/ 119)، (1/ 150) تِباعًا.
(4) ترجمتهما في «إخبار العلماء»: (1/ 269 - 277)، (1/ 27 - 40) تِباعًا، و «طبقات الأطباء»: (1/ 68 - 78)، (1/ 78 - 84).
(5) انظر كلام المصنف على سقراط وموافقته لبعض دين الأنبياء في «الجواب الصحيح»: (6/ 499)، و «الفتاوى»: (4/ 136)، (17/ 351).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، فدلَّ هذا على أن هذه الملل الأربعة(1) كان فيها مَن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحًا، وأنهم سعداء في الآخرة، ثم لمَّا بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم كان مَن كفر به منهم ومِن غيرهم شقيًّا معذَّبًا.
بخلاف المجوس والمشركين؛ فإن الله ذكرهم في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17]، فهنا ذكر الملل الستّ ليبين أنه يفصل بينهم يوم القيامة، ولم يُثنِ عليهم، فلم يثن سبحانه على أحدٍ من المجوس والمشركين، كما أثنى على بعض الصابئين واليهود والنصارى، وهذا مما استدلَّ به جمهور العلماء على أن المجوس ليسوا أهل كتاب، فلا تُباح ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، إذ لو كانوا أهلَ كتابٍ لكان فيهم من يُثني الله عليه، كما كان في اليهود والنصارى.
والمقصود هنا أن الصابئين فيهم مَن يُحْمَد وفيهم مَن يُذَم، فالمحمود مِن الصابئين لم يخالفوا الأنبياء، والفلاسفة المحمودون إذا لم يكونوا مِن اليهود والنصارى والمسلمين هم مِن هؤلاء الصابئين.
بخلاف الفلاسفة المذمومين، فإنهم مشركون سَحَرة كأرسطو وأتباعه وأمثالهم، فإنهم أهل شرك وسحرٍ، ولهذا ليس في كتب أرسطو ذكر الأنبياء بحرفٍ واحدٍ [م 62] ولا في كتب العلم الإلهي إلا ما ذكره في «أثولوجيا»(2)--------------------------------------------
(1) كذا في (م)، ولها وجه في العربية.
(2) طبع عام 1314 بهامش كتاب «قبسات في الحكمة»، انظر «معجم المطبوعات»: (1/ 425). وقد نقل منه المصنف وردّ عليه في مواضع مِن كتبه كما في «الجواب الصحيح»: (5/ 29 - 32)، و «الرد على المنطقيين» (ص 395).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
وهو علم ما بعد الطبيعة، وهو كلامٌ قليل الفائدة، كثير الخطأ، قد بُسِط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع.
بخلاف كلام أرسطوا في الطبيعيات، مثل كتاب «السماع الطبيعي»، وكتاب «السماء والعالم»، و «الآثار العلوية»، و «المولدات» ونحو ذلك، فهذا فيه صواب كثير وفيه أيضًا خطأ.
وكلامه في المنطق بعضُه صواب، لكن فيه تطويل لا يُحتاج إليه، وبعضه خطأ. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع(1).
والمقصود هنا أن ما يُثبته هؤلاء من العقول العشرة مما يُعْلَم بالاضطرار أنهم مخالفون(2) لدين المرسلين: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم صلى الله عليهم أجمعين، كقولهم: إنَّ العقل الأول أبدع كلّ ما سوى الله، وأنه وما سواه لازمة معلولة لذات الله أزلًا وأبدًا، فإن هذا وهذا شرٌّ من قولِ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، وأن المسيحَ ابنُ الله، والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، فإن أولئك يقولون: إن الله خالق كل ما سواه، ويثبتون نوعًا من التولُّد.
وأما هؤلاء فيقولون: العقول والنفوس وكلّ ما سواه متولِّد عنه لازمٌ--------------------------------------------
(1) توسع المصنف في الكلام على أرسطو وغيره من الفلاسفة المشائين في «الرد على المنطقيين» (ص 143 وما بعدها)، و «الصفدية»، والتاسع من «الفتاوى».
(2) (م): «مخالفين».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
لذاته أزلًا وأبدًا {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 100].
وهؤلاء يجعلون العقول كالذكور، والنفوس كالإناث، وهم متنازعون في النفوس الفلكية هل هي أعراض أو جواهر، فجمهورهم يقول: هي أعراض، ولكن ابن سينا وطائفة قالوا: هي جواهر كنفوس الآدميين.
وهؤلاء المتأخرون كابن سينا وأتباعه خَلَطوا الفلسفة بما أخذوه من كلام المتكلمين الجهمية من المعتزلة وغيرهم، وسلكوا في إثبات الأول طريقة الوجود، وقالوا: الوجود إما واجب وإما ممكن، ولا بدَّ للممكن من واجب، أخذوا ذلك من قول هؤلاء المتكلمين: إن الموجود إما قديم وإما مُحْدَث، ولا بُد للمحدَث من قديم.
وإلا فأئمتهم كأرسطو وأتباعه لم يثبتوا الأول إلا بالحركة الفلكية فقالوا: هي حركة شَوْقية(1) إرادية، فلابدَّ لها من مراد تُحِبّ التشبُّه به، وهو يُحركها حركة المعشوق لعاشقه.
وهذا الكلام ليس فيه إثبات أن واجب الوجود علة فاعلة لما سواه، وإنما فيه أنه عِلة غائية بمعنى [م 63] التشبُّه به، ولهذا قالوا: الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة(2).
والمتقدِّمون لم يُسَمُّوه واجب الوجود وما سواه ممكن الوجود، وإنما--------------------------------------------
(1) (م): «ثنتوقيه»! وهو تصحيف، والصحيح ما أثبت، انظر «الصفدية»: (1/ 85)، (2/ 19، 204)، و «منهاج السنة»: (1/ 411)، (8/ 17).
(2) انظر ما سبق (ص 61، 145).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
سموه: العِلَّة الأولى والمبدأ، والممكن عندهم لا يقال إلا للمحدَث الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه، فأما ما كان دائمَ الوجود كالفلك عندهم فلا يسمُّونه ممكنًا، وإنما هذا اصطلاح ابن سينا وأتباعه(1).
ثم إنَّ كثيرًا من متأخري المتفلسفة ومَن خَلَط بالفلسفة كلامه، مِن المتكلمين والمتصوِّفة كالسَّهْروردي المقتول والرازي والآمدي يوافقونه على هذا، ويسلكون في إثبات واجب الوجود هذه الطريقة، وربما جعلوها أشرف الطرق، وأن غيرها يحتاج إليها، والأمر بالعكس كما قد بُسِط في غير هذا الموضع.
وأبو البركات(2) صاحب «المعتبر»، وابن رشد الحفيد وأمثالهما يوافقونه تارة ويخالفونه أخرى، وهما أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأصحاب رسائل حيِّ بن يقظان(3) وغيرهم نَسَجوا على هذا المنوال لكن بعبارات أخرى.
وابن سبعين بعدهم سلك مسلَكَهم، وانتهى هو وابن عربي الطائي وأمثالهما إلى القول بِوَحْدة الوجود، وهؤلاء يعكسون دين الإسلام، فكل مَن كان أقرب إلى الرسول كان عندهم أنقص، فأنقص المراتب عندهم مرتبة--------------------------------------------
(1) انظر «درء التعارض»: (8/ 175 - وما بعدها).
(2) هو: أبو البركات هبة الله بن علي بن مَلَكا البلدي، كان يهوديًّا ثم أسلم في أواخر عمره، الطبيب الفيلسوف، صاحب المعتبر في المنطق والحكمة (ت بعد 550)، انظر «إخبار العلماء»: (2/ 460 - 463)، و «طبقات الأطباء»: (2/ 296 - 300)، و «السير»: (20/ 419).
(3) تقدم التعريف بها (ص 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
أهل الشريعة أصحاب الأمر والنهي، ثم مرتبة المتكلم على طريقة الجهمية أو المعتزلة ومَن تلقى عنهما، ثم مرتبة الفيلسوف، ثم مرتبة الصوفي المتفلسف ــ ليس هو الصوفي التابع للكتاب والسنة ــ ثم مرتبة المُحَقّق صاحب القول بوحدة الوجود.
وقد بسطنا القول على هؤلاء وعلى هؤلاء وأمثالهم من المتفلسفة والاتحادية والمتكلمة والمتصوفة الذين دخلوا معهم(1). والمقصود هنا التنبيه على ما دخل في كلام صاحب الحِزْب وأمثاله مِن كلامهم.
وهؤلاء قد يسمون العقلَ القلمَ، ويسمون النفسَ الفلكية اللوحَ، ويدَّعون أن ذلك هو اللوح المحفوظ في كلام الله ورسوله، ولهذا يدَّعي أحدهم أنه اطلع على اللوح المحفوظ، وأنه أخذ مريديه من اللوح المحفوظ.
وفي كلام صاحب «الحزب» وغيره من ذلك(2). وأخذوا ذلك من كلام--------------------------------------------
(1) تكلم عليهم المصنف في عدد مِن كتبه، انظر «الرد على المنطقيين»، و «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد»، و «الصفدية».
(2) من عبارات الشاذلي قوله: «والله لقد تسألوني عن المسألة لا يكون عندي لها جواب، فأرى الجوابَ مسطرًا في الدواة والحصير والحائط». وقال أيضًا في حق تلميذه المرسي: «يا زكي ــ يخاطب أحد تلاميذه ــ عليك بأبي العباس ــ المرسي ــ فوالله ما مِن وليٍّ لله كان أو هو كائن إلا وقد أطلعه الله عليه»! ! «لطائف المنن» (ص 76، 91) لابن عطاء الله. وقد صرح المصنف في «الرد على المنطقيين» (ص 474 - 475) أن الشاذلي ممن يتبع هذه الطريقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
أبي حامد الغزالي في «ميزان العمل» و «جواهر القرآن» و «المضنون به على غير أهله»، وغير ذلك(1). فإنه يجعل اللوحَ عبارة عن النفس، ويجعل الفَلَك عبارة عن العقل الأول، كما يجعل المُلك والمَلَكوت والجبروت عبارة عن الجسم والنفس والعقل. وصاحب «الحزب» دخل في هذا الباب، كما دخل فيه ابن عربي وغيره(2).
ولهذا قال عن العقل: «ثم يُمده الله بنور العقل الأصلي فيشهد موجودًا لا حدَّ له ولا غاية بالإضافة إلى هذا العبد وتضمحل جميع الكائنات فيه»(3). وهذا باطل فليس جميع الكائنات [م 64] في هذا العقل، ولا حقيقة لهذا العقل، بل ولا هي في مَلَك من الملائكة.
وكذلك قوله: «فتارة يفنى وتارة يبقى حتى إذا أُريد به الكمال نودي منه نداءً خفيًّا بلا صوت معه»(4). كلام باطل من جنس قول الذين قالوا: إن موسى نُودي من العقل الفعَّال نداءً لا صوت معه، ولهذا كان بعض هؤلاء يدَّعي أنه أفضل من موسى.
وصاحبُ «مشكاة الأنوار»(5) ذكر ما يناسب قول هؤلاء، وأنَّ العبد قد يُنادى كما نُودي موسى، وأنه إذا خلع النعلين اللتين هما الدنيا والآخرة حصل له من جنس ما حصل لموسى. ومن هنا دخل صاحب «خَلْع النعلين»--------------------------------------------
(1) وكذا في «الإحياء»: (3/ 20 - 23).
(2) انظر ما سبق (ص 87).
(3) سبق النص بتمامه (ص 159).
(4) سبق النص بتمامه (ص 159) لكن آخره «لا صوت له».
(5) بنحوه في «مشكاة الأنوار ــ ضمن رسائل الغزالي»: (4/ 21 - 22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)