قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، كرر ذلك ثلاثًا، ثم قال: «والمقصرين».
ويجزئ الحلق، أو التقصير عند عامة أهل العلم؛ إلا ما رُوي عن الحسن من وجوب الحلق في الحجة الأولى.
والصحيح قول الجمهور.(1)
مسألة [200]: هل يجب الحلق على من لبَّدَ رأسه؟
• ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب الحلق على من لبَّد، وصحَّ عن عمر وابنه الأمر بذلك(2)، وهو قول النخعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لبَّد وحلق.(3)
• وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أنه مخيَّرٌ، وهو قول الشافعي، والأصح عند أصحابه، وهو قول أصحاب الرأي، وصححه ابن قدامة، وصحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا يلزمه الحلق إلا إذا نواه.(4)
قلتُ: الصواب أنه مخير، والأفضل هو الحلق، ولا نعلم دليلًا صحيحًا في إلزامه بالحلق، والله أعلم.(5)--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (5/ 303)، «المجموع» (8/ 209).
(2) أخرجه عنهما البيهقي (5/ 135) بأسانيد صحيحة.
(3) أما الحلق فقد تقدم، وأما التلبيد فأخرجه البخاري (1566)، ومسلم (1229)، من حديث حفصة رضي الله عنها.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة (4/ 398) بإسناد صحيح.
(5) وانظر: «المغني» (5/ 304)، «المجموع» (8/ 218).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 373)
مسألة [201]: ماذا يصنع الأصلع الذي لا شعر له؟
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (5/ 306 - 307): وَالْأَصْلَعُ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(1)، والواجب إزالة الشعر وَإِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا لِتَعَذُّرِهِ، وَجَبَ الْآخَرُ.
قال ابن قدامة: وَلَنَا أَنَّ الْحَلْقَ مَحَلُّهُ الشَّعْرُ، فَسَقَطَ بِعَدَمِهِ، كَمَا يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ الْعُضْوِ فِي الْوُضُوءِ بِفَقْدِهِ. اهـ
قلتُ: أثر ابن عمر رضي الله عنهما في إسناده: عبدالله بن عمر العمري، كما في «سنن الدارقطني» (2/ 256)، و «سنن البيهقي» (5/ 103)، وهو ضعيفٌ، وجاء من طريق الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. ورواية الدراوردي عن عبيد الله ضعيفة مضطربة؛ فقد اختلطت عليه أحاديث عبيد الله الثقة المصغر الاسم، بأحاديث عبد الله، والأثر معروف برواية عبد الله، وهو ضعيف، وأما الإجماع فلا يصح؛ فقد خالف أبو بكر بن داود، فقال: لا يستحب إمرار الموسى.(2)--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) وانظر: «المجموع» (8/ 212).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 374)
مسألة [202]: ما هو الحلق والتقصير المجزئ؟
• في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه يلزم أن يأخذ من جميع شعره، وهو قول مالك، وأحمد.
الثاني: يجزئ البعض، وهو قول أحمد في رواية.
الثالث: يجزئه ولو ثلاث شعرات، وهي أقل ما يجزئ، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور.
الرابع: أقل ما يجزئ ربع الرأس، وهو قول أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: نصفه.
الخامس: أقل ما يجزئ ما يقع عليه اسم الحلق، أو التقصير، وهو قول ابن المنذر، وهو الصحيح في المسألة، والله أعلم.(1)
مسألة [203]: تأخير الحلق، أو التقصير عن يوم النحر.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (5/ 306): وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إلَى آخِرِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ؛ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى؛ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الله تَعَالَى بَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196]، وَلَمْ يُبَيِّن آخِرَهُ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيِ. الثانية: وَعَنْ أَحْمَدَ: عَلَيْهِ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (5/ 244)، «المجموع» (8/ 214).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 375)
نُسُكٌ أَخَّرَهُ عَنْ مَحِلِّهِ، وَمَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَا فَرْقَ فِي التَّأْخِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالْعَامِدِ وَالسَّاهِي.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ تَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ، فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ كَسَائِرِ مَنَاسِكِهِ، وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ. اهـ(1)
مسألة [204]: هل تحلق المرأة، أو تقصر؟
روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد حسنٍ أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير».(2)
قال ابن قدامة رحمه الله: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ. وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ(3)، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَن أَحْمَدَ: تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. اهـ
وقال قتادة: تأخذ الثلث، أو الربع، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجزئ من بعض القرون.(4)--------------------------------------------
(1) وانظر: «المجموع» (8/ 209 - ).
(2) سيأتي تخريجه في «البلوغ» رقم (752).
(3) أخرجه ابن أبي شيبة (4/ 1/115)، والبيهقي (5/ 104)، وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(4) وانظر: «المغني» (5/ 310 - 311)، «المجموع» (8/ 210 - 211).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 376)
مسألة [205]: قوله في حديث جابر: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت.
هذا الطواف هو طواف الإفاضة، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، ويسمَّى طواف الزيارة؛ وسُمِّي بذلك لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى منى.
قال النووي رحمه الله: ويسمَّى طواف الفرض والركن، وسماه بعض أصحابنا طواف الصدر، وأنكره الجمهور، وقالوا: إنما طواف الصدر طواف الوداع، والله أعلم. اهـ(1)
مسألة [206]: حكم طواف الإفاضة.
قال النووي رحمه الله في «شرح مسلم» (8/ 192): وهو ركنٌ من أركان الحج بإجماع المسلمين. اهـ
ونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر، وابن قدامة كما في «المغني» (5/ 311).
ودليل الرُّكنية قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]، وأجمعوا على أنَّ المراد بهذا الأمر هو طواف الإفاضة، وحديث عائشة رضي الله عنها في «الصحيحين»(2) أن صفية رضي الله عنها حاضت بعدما أفاضت، فَحُدِّث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنها حاضت، فقال: «أحابستنا هي»، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلا بأس، فلتنفر معكم».
فدل على أنَّ هذا الطواف لابد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به، بينما رُخِّص للحائض ترك طواف الوداع؛ لكونه ليس بركن، والله أعلم.(3)
مسألة [207]: وقت طواف الإفاضة.
أما وقت الفضيلة: فهو يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق؛ لحديث جابر الذي في الكتاب.
وأما وقت الإجزاء: فقال النووي رحمه الله: مذهبنا أنَّ أول وقت طواف الإفاضة من نصف ليلة النحر، وآخره آخر عمر الإنسان، وإن بقي خمسين سنة وأكثر، ولا دم عليه في تأخيره، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر يوم النحر، وآخره اليوم الثاني من أيام التشريق؛ فإنْ أخَّرَه عنه لزم دمٌ، ودليلنا قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، وهذا قد طاف. اهـ
ونقل ابن قدامة في «المغني» أنَّ أبا حنيفة حدد آخر وقته بأيام النحر؛ فإنْ فعل بعد ذلك أجزأه وعليه دمٌ.
قال ابن قدامة رحمه الله: والصحيح أنَّ آخر وقته غير محدود؛ فإنه متى أُتي به صحَّ بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم. اهـ المراد
قلتُ: قد خالف ابن حزم فقال: من أخر طواف الإفاضة حتى خرجت أشهر الحج؛ فحجُّه باطلٌ؛ لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197].اهـ
وجزم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أنه لا يجوز تأخيره لغير عذر حتى يخرج شهر--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (5/ 311)، «شرح مسلم» (8/ 193).
(2) أخرجه البخاري برقم (1733)، ومسلم برقم (386) من [كتاب الحج].
(3) وانظر: «المغني» (5/ 311 - 312).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 378)
ذي الحجة، ولكن مع ذلك؛ فإنه لا يفتي بالبطلان، وهو الأقرب، والله أعلم.(1)
مسألة [208]: من رجع إلى بلده ولم يطف طواف الإفاضة.
• ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يجتنب ما يجتنبه المحرم بعد التحلل الأول، ثم يرجع إلى مكة مُحرِمًا، ويطوف بالبيت، وهو مذهب عطاء، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وأوجب عليه أبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه دمًا.
• وقال الحسن: يحج من العام المقبل. وحُكِي نحو ذلك عن عطاء قولًا ثانيًا.
• وذهب ابن حزمٍ إلى أن حجه يبطل، وإن كانت حجة الإسلام؛ وجب عليه أن يحج من قابل إن استطاع.(2)
مسألة [209]: من رجع إلى بلده، ولم يطف طواف الإفاضة، وحصل منه الجماع لامرأته؟
من رجع إلى بلده بدون أن يطوف طواف الإفاضة؛ فعليه أن يرجع لأدائه قبل أن يجامع امرأته، سواءٌ تركه جهلًا، أو نسيانًا، أو عمدًا؛ لأنه لم يتم حجُّه بعدُ، ولا يحل للحاج الجماع إلا بعد التحلل الثاني الحاصل بطواف الإفاضة، ويجب عليه الرجوع لأداء طواف الإفاضة متى قدر على ذلك، ولو حصل منه الجماع؛ فعليه دم يذبحه في مكة، ويوزعه على فقرائها.--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (5/ 312 - 313)، «المجموع» (8/ 282)، «المحلى» (7/ 172).
(2) انظر: «المغني» (5/ 345)، «المجموع» (8/ 220).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 379)
تنبيه: من ترك السعي بين الصفا والمروة، فعليه من الحكم ما ذكرناه فيمن ترك طواف الإفاضة أيضًا.
تنبيه آخر: من صار عاجزًا عن الرجوع؛ لأداء طواف الإفاضة، أو السعي بين الصفا والمروة، عجزًا بدنيًا، أو مات قبل أن يتمكن من أدائه؛ فينوبه شخص آخر، ويؤدي عنه ما بقي عليه من حجه؛ فدين الله أحق أن يقضى، وكما يجوز النيابة؛ لأداء الحج كاملًا؛ فيجوز أن تحصل النيابة لما بقي من أركان الحج، وبالله التوفيق.
مسألة [210]: إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، ولم تنتظرها رفقتها، وخشيت هي ووليها على أنفسهما؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في «مجموع الفتاوى» (26/ 234 - ): وغاية ما في الطهارة أنها شرط في الطواف، ومعلوم أن كونها شرطا في الصلاة أوكد منها في الطواف، ومعلوم أن الطهارة كالسِّتَارة، واجتناب النجاسة، بل الستارة في الطواف أوكد من الطهارة؛ لأن ستر العورة يجب في الطواف وخارج الطواف، ولأن ذلك من أفعال المشركين التي نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها نهيا عاما؛ ولأن المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما يطوف ويصلي باتفاق المسلمين، والحدث في حقهم من جنس الحدث في حق غيرهم لم يفرق بينهما إلا العذر.
وإذا كان كذلك وشروط الصلاة تسقط بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى، والمصلي يصلي عريانا، ومع الحدث والنجاسة في صورة
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 380)
المستحاضة وغيرها، ويصلي مع الجنابة مع التيمم وبدون التيمم عند الأكثرين إذا عجز عن الماء والتراب.
ثم قال: وأما الحج فالتقدير أنه لا يمكنها أن تحج إلا على هذا الوجه، وإذا لم يمكنها ذلك كان هذا غاية المقدور كما لو لم يمكنه أن يطوف إلا راكبا أو حامل النجاسة.
فإن قيل: هنا سؤالان:
أحدهما: أنه هلا جعلت الحائض كالمعضوب فإن كانت ترجو أن تحج ويمكنها الطواف وإلا استنابت؟
والثاني: أنه إذا لم يسوغ لها الشارع الصلاة زمن الحيض كما يسوغها للجنب بالتيمم وللمستحاضة علم أن الحيض لا تصح معه العبادة بحال.
فيقال: أما الأول فلأن المعضوب هو الذي يعجز عن الوصول إلى مكة؛ فأما من أمكنه الوصول إلى مكة وعجز عن بعض الواجبات فليس بمعضوب كما لو أمكنه الوصول وعجز عن اجتناب النجاسة مثل المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما؛ فإن عليه الحج بالإجماع ويسقط عنه ما يعجز عنه من الطهارة، وكذلك من لم يمكنه الطواف إلا راكبا أو محمولا أو من لم يمكنه رمي الجمار ونحو ذلك؛ فإنه يستنيب فيه ويحج ببدنه.
ثم قال: ويقال: هذا نوع من أنواع الطهارة فسقط بالعجز كغيره من أنواع الطهارة؛ فإنها لو كانت مستحاضة، ولم يمكنها أن تطوف إلا مع الحدث الدائم
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 381)
طافت باتفاق العلماء. وفي وجوب الوضوء عليها خلاف مشهور بين العلماء، وفي هذا صلاة مع الحدث ومع حمل النجاسة وكذلك لو عجز الجنب أو المحدث عن الماء والتراب صلى وطاف في أظهر قولي العلماء.
قال: ويقال: شرط من شرائط الطواف؛ فسقط بالعجز كغيره من الشرائط؛ فإنه لو لم يمكنه أن يطوف إلا عريانا؛ لكان طوافه عريانا أهون من صلاته عريانا، وهذا واجب بالاتفاق؛ فالطواف مع العري إذا لم يمكن إلا ذلك أولى وأحرى.
وإنما قلَّ تكلم العلماء في ذلك لأن هذا نادر؛ فلا يكاد بمكة يعجز عن سترة يطوف بها لكن لو قدر أنه سلب ثيابه، والقافلة خارجون لا يمكنه أن يتخلف عنهم كان الواجب عليه فعل ما يقدر عليه من الطواف مع العري كما تطوف المستحاضة، ومن به سلس البول مع أن النهي عن الطواف عريانا أظهر وأشهر في الكتاب والسنة من طواف الحائض.
وهذا الذي ذكرته هو مقتضى الأصول المنصوصة العامة المتناولة لهذه الصورة لفظا ومعنى، ومقتضى الاعتبار والقياس على الأصول التي تشابهها، والمعارض لها إنما لم يجد للعلماء المتبوعين كلاما في هذه الحادثة المعينة كما لم يجد لهم كلاما فيما إذا لم يمكنه الطواف إلا عريانا، وذلك لأن الصور التي لم تقع في أزمنتهم لا يجب أن تخطر بقلوبهم؛ ليجب أن يتكلموا فيها. ووقوع هذا وهذا في أزمنتهم إما معدوم وإما نادر جدا، وكلامهم في هذا الباب مطلق عام وذلك يفيد العموم لو لم تختص الصورة المعينة بمعان توجب الفرق والاختصاص
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 382)
وهذه الصورة قد لا يستحضرها المتكلم باللفظ العام من الأئمة؛ لعدم وجودها في زمنهم والمقلدون لهم ذكروا ما وجدوه من كلامهم.
ولهذا أوجب مالك وغيره على مكاريها أن يحتبس لأجلها إذا كانت الطرقات آمنة ولا ضرر عليه في التخلف معها، وكانوا في زمن الصحابة، وغيرهم يحتبس الأمير لأجل الحيض والمتأخرون من أصحاب مالك أسقطوا عن المكاري الوداع وأسقط المبيت عن أهل السقاية والرعاية لعجزهم.
وعجزهم يوجب الاحتباس معها في هذه الأزمان، ولا ريب أن من قال: الطهارة واجبة في الطواف وليست شرطا؛ فإن يلزمه أن يقول: إن الطهارة في مثل هذه الصورة ليست واجبة لعدم القدرة عليها؛ فإنه يقول: إذا طاف محدثا وأبعد عن مكة لم يجب عليه العود للمشقة. فكيف يجب على هذه ما لا يمكنها إلا بمشقة أعظم من ذلك لكن هناك من يقول عليه دم، وهنا يتوجه أن لا يجب عليها دم لأن الواجب إذا تركه من غير تفريط؛ فلا دم عليه بخلاف ما إذا تركه ناسيا أو جاهلا، وقد يقال عليها دم؛ لندور هذه الصورة، ونظير ذلك: أن يمنعه عدو عن رمي الجمرة؛ فلا يقدر على ذلك حتى يعود إلى مكة أو يمنعه العدو عن الوقوف بعرفة إلى الليل أو يمنعه العدو عن طواف الوداع بحيث لا يمكنه المقام حتى يودع.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسقط عن الحائض طواف الوداع، ومن قال: إن الطهارة فرض في الطواف وشرط فيه؛ فليس كونها شرطًا فيه أعظم
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 383)
من كونها شرطًا في الصلاة. ومعلوم أن شروط الصلاة تسقط بالعجز فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى.
هذا هو الذي توجه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علما وعملا؛ لما تجشمت الكلام حيث لم أجد فيها كلاما لغيري؛ فإن الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به؛ فإن يكن ما قلته صوابا؛ فهو حكم الله ورسوله والحمد لله. وإن يكن ما قلته خطأ؛ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من الخطأ، وإن كان المخطئ معفوا عنه. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. انتهى كلامه رحمه الله مع اختصار يسير.
ولابن القيم رحمه الله بحثٌ يقرر فيه ما قرره شيخه رحمه الله، مع زيادة بيان في كتابه المفيد «أعلام الموقعين» (3/ 20 - ).
قال أبو عبد الله غفر الله له: في هذه الأزمنة تيسرت الناقلات الحديثة، مع إمكان تغيير مواعيد النقل، والرحلات؛ فلم يبق في ذلك ضرر على المرأة؛ لإمكان أن يتخلف عليها محرمها فحسب، وعليه فالواجب على محرمها أن يتخلف معها حتى تطهر؛ إلا أن يعجزا عن ذلك؛ كأن تكون نفساء، ويطول عليهما، ولا قدرة لهما على البقاء؛ ففي هذه الحال لا بأس عليها إن شاء الله أن تطوف على حالها، وبالله التوفيق.
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 384)
مسألة [211]: ما حكم استخدام المرأة لموانع الحيض حتى تعتمر أو تحج؟
قال أبو عبد الله غفر الله له: هذه الموانع لا تخلو من أضرار كما قرره الأطباء الحذاق الموثوقون؛ وعليه فلا تخلو من كراهة، ولكن إن كانت المرأة تصاب بأضرار واضحة بمجرد شربها لجرعة واحدة؛ فلا يجوز لها شربها، وإن كانت الأضرار خفيفة، أو لا يحصل للمرأة أضرار واضحة بجرعة واحدة؛ فيرجى أن لا إثم عليها في ذلك، وبالله التوفيق.
مسألة [212]: هل يرمل ويضطبع في طواف الإفاضة؟
• ذكر أهل العلم أنَّ الحاجَّ لا يرمل، ولا يضطبع في هذا الطواف؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يرد عنه ذلك في طواف الإفاضة، واستثنى الشافعية ما إذا كان لم يرمل، أو يضطبع في طواف القدوم، أو لم يسع عقب طواف القدوم؛ فإنهم يقولون بالرمل والاضطباع في هذا الطواف، والصحيح عدم ذلك، وسيأتي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: لم يرمل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السبع الذي أفاض(1).(2)
مسألة [213]: هل تشترط النية في طواف الإفاضة؟
• ذهب أكثر العلماء إلى اشتراط النية؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات»، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وابن القاسم، وابن المنذر وغيرهم.
• وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه لا يُشترط له النية؛ فإن طاف بنية الوداع،--------------------------------------------
(1) سيأتي في «البلوغ» برقم (758).
(2) وانظر: «المغني» (5/ 313)، «شرح مسلم» (8/ 193).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 385)
أو القدوم، أو التطوع؛ فإنه يقع عن طواف الإفاضة، وعزا ابن قدامة القول بعدم الاشتراط إلى الثوري، وأصحاب الرأي، مع الشافعي.
قلتُ: والصواب هو قول الجمهور، وهو اشتراط النية، ولكن لا يشترط أن يكون ذاكرًا لها، بل يكفي أن يكون مستصحبًا لها.(1)
مسألة [214]: كم يلزم الحاج سعي وطواف؟
أما المفرِد: فلا يلزمه إلا طواف واحد، وسعي واحد، ولا يلزمه أكثر من ذلك بالإجماع؛ فإنْ كان قد سعى بعد طواف القدوم؛ فلا يسعى بعد طواف الإفاضة، وإن كان لم يسع بعد طواف القدوم؛ وجب عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة.
• وأما القارن: فاختلف أهل العلم فيه على قولين:
الأول: يلزمه طواف واحد، وسعي واحد، وليس عليه أكثر من ذلك، وهو قولُ أكثر أهل العلم، وممن قال بذلك: ابن سيرين، والحسن، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وسالم، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وأصحابهم، وصحَّ عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.
واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها في «صحيح مسلم» (1211) (132): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال لها: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وفي رواية: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا»، أخرجه مسلم (1213) من حديث جابر رضي الله عنه.
واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في «صحيح مسلم» (1215): لَمْ--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (5/ 313)، «شرح مسلم» (8/ 193).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 386)
يَطُفْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا.
وحديث عائشة رضي الله عنها في «الصحيحين»(1) أنها قالت: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا لَهُما.
الثاني: يلزمه طوافان وسعيان، وهو قول جماعة من أهل العلم، وهو قول جابر بن زيد، وشُريح، والشعبي، والنخعي، وحماد، والحكم، وأبي حنيفة، والثوري، والحسن بن حي، والأوزاعي، ورواية عن أحمد، وذلك لأنهما نسكان، فكان لهما طوافان كما لو كانا مُفْرَدَين.
واستدل لهم بحديث رواه الدارقطني (2/ 263)، عن علي رضي الله عنه مرفوعًا أنه جمع بين حج وعمرة، فطاف طوافين، وسعى سعيين.
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ للأدلة المتقدمة، وحديثهم ضعيفٌ جدًّا، فيه: الحسن بن عمارة متروك، وله طريق أخرى فيها: عيسى بن عبدالله، قال الدارقطني: يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. وقياسهم مخالفٌ للأدلة، فلا تعويل عليه، والله أعلم.(2)
• وأما المتمتع: فاختلف أهل العلم فيه على قولين:
الأول: عليه طوافان، وسعيان، وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وجماعة آخرون.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (1556)، ومسلم برقم (1211).
(2) انظر: «المغني» (5/ 347)، «المحلَّى» (7/ 174 - 175)، «تفسير القرطبي» (2/ 392)، «ابن أبي شيبة» (5/ 414 - 416) ط/رشد.
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 387)
واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها في «الصحيحين»(1)، قالت: فأما الذي حلوا، فطافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجِّهم. ولأنهما نسكان منفصلان: عمرة منفصلة، وحج منفصل؛ فوجب لكل منهما سعي وطواف.
الثاني: أنَّ على المتمتع سعيًا واحدًا، وهو سعي العمرة، فيكفيه عن سعي الحج، وهو قول عطاء، وطاوس، ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام؛ لحديث جابر المتقدم قريبًا: «لم يطف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا».
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول الأول هو الصواب؛ لما تقدم، وهو ترجيح الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل رحمة الله عليهم، وأما حديث جابر الذي استدلوا به فهو في حق من ساق الهدي؛ جمعًا بينه وبين حديث عائشة، والله أعلم.(2)
مسألة [215]: أعمال يوم النحر، وتقديم بعضها على بعض.
أعمال يوم النحر هي: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي للمتمتع، وللقارن والمفرد إذا لم يسعيا بعد طواف القدوم.
والسُّنَّةُ هو الترتيب بينها كما ذكرتُ عند جميع أهل العلم.
• واختلف أهل العلم في تقديم بعضها على بعض:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (1556)، ومسلم برقم (1211).
(2) وانظر: «تفسير القرطبي» (2/ 397)، «الإنصاف» (4/ 41).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 388)
فأما الأربعة -ما دون السَّعي- فلا بأس على من أخلَّ بترتيبها ناسيًا، أو جاهلًا عند أكثر أهل العلم، وهو مذهب الحسن، وطاوس، ومجاهد، وابن جبير، وعطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: إن قَدَّمَ الحلق على الذبح أو الرمي فعليه دم، وإن كان قارنًا فعليه دمان. وقال مالك: إن قَدَّم طواف الإفاضة على الرمي؛ فلا يجزئه. ورُوي عنه: يجزئه، وعليه دمٌ.
قلتُ: والصحيح هو قول الجمهور؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقف بمنى للناس يسألونه، فقال قائلٌ: يا رسول الله، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: «اذبح، ولا حرج»، وقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: «ارم، ولا حرج»، فما سُئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: «افعل، ولا حرج» متفق عليه.(1)
وفي رواية لمسلم: فما سمعته يُسأل يومئذ عن أمرٍ مما يَنسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهها، إلا قال: «افعلوا، ولا حرج».
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عندهما، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قيل له في الذبح، والحلق، والتقديم، والتأخير، فقال: «لا حرج».(2)
• وأما تقديم بعضها على بعض متعمدًا عالمًا بمخالفة السنة ففيه قولان:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري برقم (83)، ومسلم برقم (1306).
(2) أخرجه البخاري برقم (1734)، ومسلم برقم (1307).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 389)
الأول: عليه دمٌ، وهو قول سعيد بن جبير، وجابر بن زيد، وقتادة، والنخعي، وهو رواية عن أحمد، وقال به مالك في تقديم الحلق على الرمي، وفي تقديم الطواف على الرمي في رواية.
الثاني: ليس عليه دمٌ، وهو قول عطاء، وإسحاق، والشافعي، ورواية عن أحمد، وحمل ابن قدامة هذا الخلاف على الجواز لا على الإجزاء، فقال: ولا نعلم خلافًا بينهم في أنَّ مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء.
وقد نصر ابن دقيق العيد الرواية الأولى عن أحمد بعدم الجواز من المتعمد العالم بالسنة؛ معتمدًا على قوله في الحديث: «لم أشعر»، فقال: يختص الحكم بهذه الحالة، وهو الذي لا يشعر لجهله، أو نسيانه، وأما غيره؛ فيجب عليه الترتيب كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لقوله: «خذوا عني مناسككم».
قلتُ: بل الصواب -والله أعلم- هو القول الثاني، وهو قول الجمهور؛ لأنَّ الترتيب لو كان واجبًا لم يسقط بالسهو، أو الجهل، والوقت مازال باقيًا، ولو كان واجبًا؛ لَأَمَرَه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بإعادة ما قدمه قبل وقته، وأيضًا قول الراوي: فما سُئل عن شيء قدم ولا أخر … ، الحديث، يُوحي بالإباحة، وعدم وجوب الترتيب.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: قوله: «افعل، ولا حرج» يُشعِر بعدم وجوب الترتيب. اهـ
قلتُ: وأيضًا بعض الأحاديث ليس فيها ذكر النسيان، كحديث ابن عباس
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 390)
المتقدم، وحديث أسامة بن شريك عند أبي داود (2015)، وغيره؛ قال: خرجت مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حاجا فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول: «لا حرج لا حرج، إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك»؛ فالصواب هو قول الجمهور، والله أعلم.(1)
• وأما تقديم السعي على الطواف:
فالجمهور يرون عدم الإجزاء، وذهب إلى الإجزاء: عطاء، وأحمد في رواية؛ لحديث أسامة بن شريك المتقدم، وفيه: قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف؟ فقال: «لا حرج» أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، وقد تقدم، وقال الجمهور: المقصود به: سعيت بعد طواف القدوم قبل أن أطوف للإفاضة.
وهذا التأويل خلاف ظاهر الحديث، ورجَّح الإمام ابن عثيمين الإجزاء، وهذا هو الأقرب؛ إن صح الحديث، والله أعلم، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك تحت المسألة رقم (74).(2)
مسألة [216]: متى يحصل التحلل من الحج؟
• للحج تحللان، فالتحلل الأول اختلف أهل العلم بمَ يحصل:
فذهب أحمد، والشافعي إلى أنه يحصل بعد الرمي والحلق، وهو قول الحنفية،--------------------------------------------
(1) وانظر: «الفتح» (1736 - 1738)، «المغني» (5/ 321 - )، «المجموع» (8/ 216 - ).
(2) وانظر: «الفتح» (1736).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 391)
ولكن الأصل عندهم هو الحلق، وهو الذي يحصل به التحلل.
واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود وغيره أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إذا رميتم، وحلقتم؛ فقد حل لكم الطيب، وكل شيء إلا النساء».(1)
وهذا الحديث في إسناده: حجاج بن أرطاة، وهو مدلس وفيه ضعفٌ، وقد خلَّط في الإسناد والمتن، فرواه في الإسناد على وجهين، وفي المتن على ثلاثة أوجه، فتارة كما تقدم، وتارة يقول: «إذا رميتم» فَحَسْب، وتارة يزيد: «وذبحتم».
قال البيهقي رحمه الله (5/ 136): وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة، وإنما الحديث عن عمرة، عن عائشة كما رواه سائر الناس عن عائشة رضي الله عنها.اهـ
يعني بلفظ: كنتُ أُطيب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
• وذهب مالك، وعطاء، وأبو ثور، وأحمد في رواية وصححه ابن قدامة إلى أنَّ التحلل يحصل برمي جمرة العقبة.
واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم على رواية: «إذا رميتم فقد حلَّ لكم … » بدون زيادة: «الحلق»، وبحديث أم سلمة في «مسند أحمد» (6/ 295،303): أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال يوم النحر: «إنَّ هذا يوم رخص لكم فيه إذا أنتم رميتم أن تحلوا … » الحديث، وفي إسناده: أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، وهو مستور الحال، وتابعه عند أحمد رجلٌ مجهولٌ يقال له: خالد مولى--------------------------------------------
(1) سيأتي تخريجه في «البلوغ» برقم (751).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 392)
الزبير بن نوفل.
وجاء هذا القول عن ثلاثة من الصحابة، عن عائشة، وابن الزبير رضي الله عنهم، كما في «ابن أبي شيبة» (4/ 320 - 321)، وهو صحيح عنهما، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن ماجه (3041)، وغيره، وفي إسناده انقطاع؛ فإنَّه من طريق الحسن العرني، عنه، ولم يسمع منه، وقد رُوي حديث ابن عباس مرفوعًا، والمحفوظ وقفه.
وجاء في «سنن النسائي» (5/ 137) بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبتُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لإحرامه قبل أن يُحرم، ولحله بعد رمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت.
قال أبو عبد الله غفر الله له: أحاديث القول الثاني أقوى وأكثر؛ فهو أقرب، وقد رجَّح ذلك الإمام الألباني رحمه الله، ولكن الأحوط العمل على القول الأول؛ فالأحاديث كلها لم تسلم من الكلام، والحديث الأخير لعائشة ليس بصريح.
ويحصل التحلل الثاني عند أهل العلم بالطواف بالبيت طواف الإفاضة بعد أن يرمي ويحلق، ولا خلاف في ذلك.(1)
مسألة [217]: إذا لم يرتب بين الأعمال السابقة فبماذا يحصل التحلل؟
أما من قال: يحصل التحلل الأول بالرمي والحلق، كالشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية، فيقولون: يحصل التحلل باثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق، والطواف، ويحصل التحلل الأخير بالعمل الثالث، وأما الحنفية فلا يحصل--------------------------------------------
(1) وانظر: «المغني» (5/ 307 - 310).
(খণ্ড: 45) (পৃষ্ঠা: 393)