ليست غاية في ذاتها، بل وسائل إلى تحديد المفردات تحديَدًا تجريبيًّا باعتباره الغاية المتحققة بتلك الوسائل. وهذه المرحلة فيها نوع من السير من الكلي إلى الجزئي.
ويرى جون ديوي أن المرحلة الثانية هي الأهم في الإستدلال الإستقرائي، وهي التي تتمثل في إعادة تكوين المفردات التي كانت أساسًا للتعميم إعادة موجهة بغرض تقرير ما يحدث خلال التفاعل الذي يقع في الحالة المفردة الواحدة من خلال فحصها في ظروف متباينة، وتحت شروط متنوعة للوصول إلى الحالة الواحدة التي تمثل عيِّنة نموذجية لمجموعة من التفاعلات أو الإرتباطات، فكأن الاستقراء في هذه المرحلة يسعى إلى اكتشاف القانون العام من خلال عيِّنة نموذجية ليتم تعميمه بعد ذلك على الحالات المشابهة لها. (1) وهذا يشبه عملية تنقيح المناط في مسالك العلة.
وينبغي التنبيه هنا على أن الاستقراء بمفهومه عند أصحاب الإتجاه الثاني لا يمكن تطبيقه بكامل عناصره على القضايا التاريخية والتشريعية، إذ لا يمحن في مثل هذه الحالات التدخل في الجزئيات المندرجة تحت التعميم الإستقرائي لتوفير عينات معدة إعدادًا خاصًّا للبحث بإيجادها في ظروف مختلفة وتحت شروط معينة؛ إذ هي بالنسبة للحوادث التاريخية حوادث مضت وانقضت، ولا يمكن استرجاعها، وبالنسبة للشرائع، أحكامها ونصوصها قد صدرت، ولا يمكن استنزال نصوص جديدة، وإنما هو الإجتهاد فيها لإعطاء أحكام لما يستجدّ من أحداث، وغاية ما يمكن عمله في هذين المجالين هو تطبيق الاستقراء بمفهومه عند أصحاب الإتجاه الأول، أي استقراء الجزئيات الموجودة للخروج بنتيجة كلية.
وهنا يتبين أن الاستقراء بمفهومه الثاني هو استقراء خاص بالعلوم الطبيعية والتجريبية، ولا يصلح تطبيقه في العلوم الشرعية.
العلاقة بين الاستقراء والإستنباط.
يسلك العقل البشري في التعرف على الحقائق وإثباتها مسلك الإستدلال، ويتم--------------------------------------------
(1) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص 663 - 678.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
هذا الإستدلال وفقًا لأحد طريقين رئيسين: أحدهما الإستدلال الإستنباطي، والثاني الإستدلال الإستقرائي. وقبل الحديث عن العلاقة بين الاستقراء والإستنباط يحسن التعريف بالإستنباط، وتحديد مفهومه بداية لتسهل المقارنة بعد ذلك.
يُعرَّف الإستدلال الإستنباطي بأنه: "انتقال الذهن من قضية أو عدة قضايا هي المقدمات إلى قضية أخرى هي النتيجة وفق قواعد المنطق". (1)
فالسير الفكري في الإستدلال الإستنباطي يكون من الكلي إلى الجزئي، أو من العام إلى الخاص، ويلاحظ أن النتيجة فيه تكون عادة مستبطَنَة في المقدمات، لذلك فهي دائمًا إمَّا مساوية، أو أصغر من تلك المقدمات. ويمثل الإستدلال القياسي الصورة النموذجية للدليل الإستنباطي. (2)
وقد أُثِيرَت عدة اعتراضات على هذا التعريف الشائع للإستنباط، من كون سير الإستدلال فيه يكون دائمًا مِمَّا هو أعم إلى ما هو أقل تعميما. وليس هذا موضع مناقشة هذا التعريف ولا الاعترضات الواردة عليه، وتكفي الإشارة هنا إلى أن هذا التعريف ينطبق عادة على الإستنباط في قضايا العلوم الإجتماعية والإنسانية، لكنه ليس كذلك في موضوع الإستدلال الرياضي، الذي نجد فيه نتيجة الإستنباط قد تكون أضيق مفهومًا من المقدمات، وقد تكون مساوية لها، وقد تكون أوسع منها. (3)
أما عن العلاقة بين الاستقراء والإستنباط، فإن بينيما جملة من الفروق، منها أننا في الاستقراء ننتقل عادة من الجزئيات إلى القانون العام الذي يحكمها، في حين--------------------------------------------
(1) مجمع اللغة العربية: المعجم الفلسفي، (القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1399 هـ/ 1979 م)، ص 12.
(2) انظر د. عبد الرحمن بدوي: موسوعة الفلسفة، ج 1، ص 145؛ والموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، بإشراف م. روزنتال، وب. يودين، ترجمة سمير كرم، (بيروت: دار الطليعة، ط 6، 1987 م)، ص 27 - 28.
(3) انظر في مدى انطباق التعريف الشائع للإستنباط على الإستدلال الرياضي جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص 652 - 653.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
أننا في الإستنباط نسير سيرًا معاكسًا، أي من القوانين العامة إلى الجزئيات التي تندرج تحتها، وبناءً على هذا يرى البعض تحامل الاستقراء والإستنباط، حيث نقوم عن طريق استقراء المعطيات الجزئية باستنتاج قانون عام، ثم نقوم باختبار هذا القانون العام عن طريق استنباط معطيات منه؛ فإذا تمكَّنَّا من الإستنباط بدون عائق وبدون تناقضات تكون قد تمت البرهنة على صدق ذلك القانون، (1) وعلى ذلك يمكن أن يوصف منطق الاستقراء بأنه منطق الاكتشاف، ومنطق الإستنباط بأنه منطق البرهان.
ومنها أن نتيجة الاستقراء نصل إليها بعد القيام بسلسلة من الملاحظات والتجاوب، وبتعبير جون ديوي يمثل الاستقراء: الإجراءات التي تكون بها تعميمات وجودية، في حين يمثل الإستنباط الإجراءات المختصة بالعلاقات التي تربط القضايا الكلية المجردة في مجرى التفكير النظري. (2)
ومنها أن نتيجة الإستدلال الإستنباطي يُجزم عادة بصدقها منطقيًّا إذا صحت مقدماتها، ويحون التبرير المنطقي لذلك الجزم تأسيسًا على مبدأ عدم التناقض؛ ذلك أنه لما كانت النتيجة مستبطَنَة في المقدمات، وكانت مساوية لها أو أصغر منها، وجب أن ينتج عن صدقِ المقدمات صدقُ النتيجة ضرووة، لأن افتراض صدق المقدمات دون النتيجة يمثل تناقضًا منطقيّا طبقًا لمبدأ: صدق الكل يقتضي صدق أجزائه، وإلَّا كان ذلك تناقضًا، بخلاف نتيجة الاستقراء الناقص فإنه لا يمكن تبريرها وفق هذا المبدأ. (3)
ومهما يكن من فروق بين الاستقراء والإستنباط فإن ذلك لا يعني إقامة حد فاصل بينهما، وأن كلًّا منهما يعمل بمعزل عن الآخر بل هما منهجان متعاونان، وفي كثير من الأحيان يحتاج أحدهما للإستكمال بالآخر ويرى جون ديوي أن تكاملها--------------------------------------------
(1) انظر علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص 310.
(2) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص 659.
(3) انظر د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص 313، ومحمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، ط 5، 1456 هـ / 1986 م)، ص 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
يتم على النحو الآتي:
يبدأ الباحث بالقيام بعملية الملاحظة وتجميع المعطيات للخروج ببعض الفروض الأولية، وهذه المرحلة استقرائية في طبيعتها، وبعد ذلك يتم تطوير معاني تلك الفروض عن طريق خطوات استنباطية تسير في تفكير نظري مرتب لخصل إلى تعميم استقرائي يمثل فرضية محتملة للصدق، وهذه المرحلة استنباطية في طبيعتها، ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي مرجلة استقرائية، حيث يتم إجراء تجارب عديدة على جزئيات مختلفة في ظروف وشروط مختلفة، منها ما يكون في حالته الطبيعية، ومنها ما يكون قد أدخلت عليه تحويلات تجعله مادة مُعدَّة للبحث. وهدف المرحلة الأخيرة هو اختبار مدى صحة النظرية (التعميم الإستقرائي) التي تم التوصل إليها من خلال المرحلتين الأولى والثانية. (1)
العلاقة بين الاستقراء والقياس المنطقي:
القياس المنطقي هو: "قول مؤلف، إذا سلم ما أورد فيه من القضايا، لزم عنه لذاته قول آخر اضطرارا". (2)
ويختلف الاستقراء عن القياس من ناحيتين: من حيث التكوين، ومن حيث الغاية.
أما من ناحية التكوين، فإننا في القياس نستخلص النتائج الجزئية من المقدمات الكلية، أما في الاستقراء فإننا نستخلص النتائج الكلية من الدراسة الإستقرائية للجزئيات.
وأما من حيث الغاية، فإن القياس -بكونه نوعًا من أنواع الإستدلال الإستنباطي- تكون نتائجه يقينية مطلقة إذا صححت المقدمات، أما الاستقراء--------------------------------------------
(1) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص 659 - 662.
(2) الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 111، وانظر: أبو نمر الفارابي: كتاب القياس، ضمن كتاب المنطق عند الفارابي، تحقيق وتقديم وتعليق د. رفيق العجم، (بيروت: دار المشرق، 1986 م)، ج 2، ص 19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
الناقص فتكون نتائجه عادة ظنية. (1)
ويرى المنطق الأرسطي أن هناك تعارضًا بين الاستقراء والقياس، حيث يقول أرسطو: "والاستقراء من جهة يعارض القياس، لأن القياس بالواسطة يبيّن وجود الطرف الأكبر في الأصغر، وأما بالاستقراء فيبيّن بالطرف الأصغر وجود الأكبر في الأوسط". (2)
وفي المثالين الآتيين توضيح للفرف بين طريقتي إنتاج كل من الاستقراء والقياس:
1 - مثال القياس:
هذا الحجر مادة … الحد الأصغر
وكل مادة تتعرض للجاذبية … الحد الأوسط
إذًا فهذا الحجر يتعرض للجاذبية … الحد الأكبر
فالنتيجة هنا إثبات الحد الأكبر (التعرض للجاذبية) للحد الأصغر (الحجر).
3 - مثال الاستقراء:
هذه الأفراد تتعرض للجاذبية .... الحد الأصغر
وهذه الأفراد هي كل أجزاء المادة … الحد الأوسط
إذًا فكل أجزاء المادة تتعرض للجاذبية .... الحد الأكبر
والنتيجة هنا إثبات الحد الأكبر (التعرض للجاذبية) للحد الأوسط (المادة).
تكامل الاستقراء والقياس:
مع ما يراه المنطق الأرسطي من تعارض بين الاستقراء والقياس، إلَّا أنه في الواقع تعارض في طريقة الإنتاج فقط، وليس معناه التعارض المطلق بينهما، بل هما--------------------------------------------
(1) انظر: الدكتور محمد فتحي الشنيطي: أسس المنطق والمنهج العلمي، (بيروت: دار النهضة العربية:، 1970 م)، ص 115.
(2) أرسطو: منطق أرسطو، ج 1، ص 307 - 308.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
منهجان -على ما بينهما من فروق- متكملان في الإستدلال، ولا يستغني الواحد منهما عن الآخر في عملية المبحث عن الحقيقة. فالقياس في حاجة إلى استقراء سابق لإثبات مقدماته الكلية، كما أن الاستقراء يحتاج في النهاية إلى عملية قياسية لإثبات النتيجة والتحقق من صدقها، ويتم تكاملهما في جانبين:
الأول: أن الاستقراء هو الذي يمدُّ القياس بمقدماته الكبرى، ومن هذه الناحية
يكون الاستقراء سابقًا للقياس.
وهذه الحقيقة أثارت مشكلة منطقية في نتيجة القياس، إذ المشهور عند المناطقة أن القياس يفيد عادة القطع واليقين إذا سلمت مقدماته، وأن الاستقراء الناقص لا يفيد إلَّا الظن، ولما كانت المقدمات الكبرى للقياس ناتجة في الغالب عن استقراء ناقص -وهي تفيد مجرد الظن- كان القول بإفادة القياس اليقين أمرًا غير مسلَّم، إذ كيف يُنْتج ما بُنِي على ظني يقينًا؟ وربماكان هذا هو الذي دفع ابن سينا إلى إنكار كون المقدمات الأولية للقياس ثابتة بالاستقراء، وإنما هي -في رأيه- ثابتة على أساس وضوحها الذاتي. (1) ولكن هذا المخرج غير مسلَّم، إذ مِنْ أين يأتي هذا الوضوح الذاتي؟ فمصدره في الحقيقة لا يعدو أن يكون إمَّا معارف عقلية قبلية أو بدهيات يسلم بها العقل، وإما أن يكون ناتجًا عن الخبرة التاريخية للإنسان الناتجة عن مشاهدة تكرر هذا الحادث (وهو الاستقراء) حتى صارت هذه القضية من باب المسلمات الواضحة ذاتيًّا، ولا يهم ما آلت إليه هذه القضية، إنما المهم أنها في أصلها نتيجة عملية استقرائية. ثم الواقع يدلنا على أن أصل أكثر مقدمات الأقيسة نتائج استقرائية وإن لم يصرح بذلك، بل هي نتائج استقراءات ناقصة.
وينبني التنبيه هنا على أنه مع كون أكثر المقدمات الكبرى للقياس المنطقي عمومات استقرائية ظنية، لأنها ناتجة عن استقراءات ناقصة، ومن ثم فإن نتيجة القياس ستكون تابعة لصدق هذه المقدمات، إلَّا أن الأمر مختلف في الأقيسة--------------------------------------------
(1) انظر د. جعفر آل ياسين: المنطق السينوي: عرض ودراسة للنظرية المنطقية عند ابن سينا، (بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط 1، 1403 هـ / 1983 م)، ص 76.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
الشرعية، إذ المقدمات الأولية للأقيسة الشرعية ليست كذلك، فمع كونها في بعض الأحيان عمومات وكليات، لكنها لم تثبت بالاستقراء، وإنما بحكم الشارع، فمثلا القياس الآتي:
كل مسكر خمر … مقدمة صغرى
كل خمر حرام … مقدمة كبرى
إذًا فكل مسكر حرام … النتيجة
إذ انظرنا في التعميمين: كل مسكر خمر وكل خمر حرام، نجد أن الشارع هو الذي سمى كل مسكر خمرا، وهو الذي حكم على كل خمر بالحرمة. (1)
الثاني: وهي الحالة التي يحتاج فيها الاستقراء إلى القياسي، الذي يأتي ليبني على ما وصل إليه الاستقراء، وليكمل مسيرته ليصل بالنتائج إلى مرحلة أكثر تقدُّمًا من حيث قوة الصدق واليقين. (2) وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الحديث عن الفرق بين الاستقراء والتجربة.
العلاقة بين الاستقراء والتواتر:
ينطلق التواتر -كما هو الشأن في الاستقراء- من مصادرة تمثِّل تصديقًا أوليًّا مفاده امتناع تواطؤ عدد كبير من الناس على الكذب، وهو شبيه بما ينطلق منه الاستقراء من كون الإتفاق لا يكون دائمًا ولا مطردا. وهذا التصديق الذي ينطلق منه الإستدلال بالتواتر -باعتباره صرفة عقلية قبلية- هو في الحقيقة تصديق استقرائي وليس تصديقًا عقليًّا أوليّا. ومن هنا يتبين أن القضية المتواترة في الحقيقة ليست إلَّا قضية استقرائية تقوم على أساس المناهج الإستقرائية في الإستدلال. (3)--------------------------------------------
(1) أُخِذَ هذان التعميمان من حديث مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، (القاهرة: دار الحديث، ط 1، 1412 هـ/ 1991 م)، ج 3، ص، 1588.
(2) انظر الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 152.
(3) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص 387 - 388.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
ومع كون التواتر يفيد القين في المنطق الأرسطي كما هو الشأن عند علماء الإِسلام، إلَّا أننا نجد علماء أصول الفقه لم يكتفوا بمطلق الشواتر الذي هو"تتابع الخبر عن جماعة مفيدًا للعلم بمخبره"، (1) بل قيدوه بشروط، هي: (2)
1 - أن يكون كل واحد من المخبرين قد أخبر عن علم لا عن ظن.
3 - أن يكون علمهم ضروريًّا مستندًا إلى محسوس.
3 - أن يستوي طرفاه وواسِطته في هذه الصفات.
4 - أن يتوافر في روايته العدد الذي توقن النفس عادة باستحالة تواطئهم على الكذب.--------------------------------------------
(1) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق د. سيد الجميلي، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط 2، 1406 هـ / 1986 م)، ج 2، ص 25.
(2) انظر الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ترتيب وضبط محمد عبد السلام عبد الشافي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1413 هـ / 1993 م)، ص 107
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
المبحث الثاني
أنواع الاستقراء
يُقسم الاستقراء إلى تام وناقص، وأساس هذا التقسيم أن الدليل الإستقرائي يُبنى على تعداد الحالات والأفراد، فإذاكان التعداد مستغرقًا لجميع أفراد أو حالات النوع محل الاستقراء اعتُبِر الاستقراء تامًّا، أما إذا لم يشمل التعداد كل الأفراد والحالات فإنه يُعتبر استقراءً ناقصًا.
أولًا: الاستقراء التام
تعريفه: الاستقراء التام هو: "أن يستدل مجميع الجزئيات ويحكم على الكل". (1)
فهو الاستقراء الذي يتم فيه استيعاب جميع جزئيات أو أجزاء الشيء الذي هو موضوع الحث، بالنظر والدراسة العلمية، للوصول من خلال ذلك إلى حكم كل يحكم به على جميع تلك الجزئيات.
نتيجة الاستقراء التام:
تكون -عادة- نتيجة الاستقراء التام يقينية إذا توافرت شروط ذلك. وهناك عاملان يتحكمان في يقينية نتيجة الاستقراء التام، هما: الأول: مدى قطيعة ثبوت الحكم للجزئيات المستقرأة عند إجراء عملية الاستقراء، أي هل الحكم المنسوب إلى كل جزئية من الجزئيات المستقرأة مقطوع به أم لا؟ والثاني: مدى إمكانية الجزم بعدم وجود جزئي آخر غير الجزئيات المستقرأة. فإذا كان ثبوت ذلك الحكم لتلك الجزئيات قطعيًّا، وجزمنا بعدم وجود جزئي آخر غير تلك التي تَمَّ استقراؤها كانت نتيجة الاستقراء يقينئة، أما إذا كان ثبوث الحكم للجزئيات ظنيًّا، وكان القول بعدم وجود جزئيات أخرى ظنيًّا أيضًا، أو كان أحد العامبين فقط ظنيًّا، فإن نتيجة--------------------------------------------
(1) التهانوي، محمد علي: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تقديم وإشراف ومراجعة الدكتور رفيق العجم، (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ط 1، 1996 م)، ج 1، ص 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
الاستقراء ستكون ظنية (1)
إمكانية وجود الاستقراء التام:
يرى البعض أنه من العسير الوصول إلما استقراء تام لأن استقراء الأفراد مهما كان شاملًا ومستوعبًا فإنه لا يمتد خارج نطاقا الأفراد الموجودة فعلا، أما الأفراد الممكنة الوجود، أي التي لم توجد بعد ويحتمل وجودها في المستقبل، فإنها غير مشمولة يهذا الاستقراء، ووجودها يؤدي إلى خروج الاستقراء عن كونه تامّا (2). كما أن شمول الاستقراء الكامل محدود زمانًا باللحظات التي تَمَّ فيها الاستقراء، ولا يمتد إلى الأوقات الأخرى التي يمكن أن يتغير فيها الحكم على الأفراد تبعًا لتغيَر حالاتها. وإذا أردنا أن نحكم بثبوت هذا الحكم ونقطع به فإننا نحتاج في ذلك إلى استقراء آخر لكل فرد من الأفراد المستقرأة في جميع أوقات وجوده لنتأكد من عدم تغير حكمه بتغير الزمن، وهو أمر عسير وقد يؤدي إلى توقف عملية الاستقراء.
نقد الاستقراء التام:
فضلًا عن التشكيك في إمكانية وقوع الاستقراء التام، فقد انتُقِدَ بكونه استقراءً شكليا، لا يقصد منه سوى زيادة عدد إلى عدد، وتركيب لشيء فوق الشيء، ليسهل اقعبير عنها جميعًا. فنحن لا نضيف بهذا النوع من الاستقراء علمًا جديدًا إلى معلوماتنا، وإنما الأمر لا يعدو تجميع الجزئيات المستقرأة، والتعبير عنها جميعًا بكلمة واحدة. وعلى الرغم من أنه يعطينا صورة استدلالية، إلَّا أنها لا تعطينا القدرة على التنبؤ بما يقع في المستقبل من حوادث وعلاقات، وتلك في الأصل هي الغاية من الاستقراء. (3)
فالاستقراء التام لا تفيد نتيجته معرفة جديدة، بل هي مجرد تلخيص لما هو--------------------------------------------
(1) انظر التهانوي: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ج 1، ص 172؛ أبو حامد الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 152.
(2) انظر د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي؛ المنطق وفلسفة العلم، ص 287.
(3) انظر: د. محمد فتحي الشنيطي: أسس المنطق والمنهج العلمي، ص 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
موجود في المقدمات، أو هي تقرير لما سبق تتبعه وملاحظته.
ومن هنا ذهب البعض إلى أن الاستقراء التام لا يعتبر في الحقيقة استقراء، بل هو استنباط، لأن النتيجة فيه تجيء مساوية لمقدماتها، ومن ثم ليس فيه انتقال من الخاص إلى العام. (1)
والواقع أنه مع كون نتيجة الاستقراء الكامل مساوية لمقدماتها إلَّا أن فيه نوعًا من الإنتقال من الخاص إلى العام، إذ يتم فيه الإنتقال من آحاد الأفراد والحالات المستقرأة إلى حكم يعمُّ كل تلك الأفراد، فنحن نَتَتَبَعّ صفة معيَّنة في مجموعة من الأفراد، ثم نتتبَّع تلك الأفراد في انتمائها لنوع واحد، لنستخلص من ذلك أن تلك الصفة ملازمة لجميع أفراد النوع. (2) ولئن كانت نتيجة الاستقراء التام أقل عمومًا من نتيجة الاستقراء الناقص، إذ هي الاستقراء التام تشمل الحالات المستقرأة فقط، وفي الاستقراء الناقص تشمل الحالات المستقرأة وما هو موجود أو يمكن أن يوجد من مثيلاتها، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه نوعًا من أنواع الاستقراء.
ويمكن القول بأن الانتقادات المشككة في جدوى الاستقراء التام، إنما تصدق على مجال المبحث في العلوم الطبيعية، وليس معنى ذلك أنه لا يفيد في ميادين العلم الأخرى، خاصة العلوم الشرعية.
فوائد الاستقراء التام:
مع ما وجه للإستقراء التام من انتقادات فإنه يحقق فوائد تتمثل في الآتي:
1 - التثبت من أن ما سبقت ملاحظته في آحاد جزئياتِ كل ما تعمّ كل جزئياته.
2 - تحقيق الإقتصاد في التفكير بتجميع الجزئيات وإدراجها تحت قاعدة عامة، ولولا وجود الاستقراء الإحصائي لأصبحنا نعيش في فوضى الجزئيات التي لا ضابط لها ولا رابط.--------------------------------------------
(1) انظر د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص 287.
(2) انظر: د. محمد فتحي الشنيطي: أسس المنطق والنهج العلمي، ص 120.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
3 - مساعدته في الإستعمالات الرياضية التي تفكك الوقائع وتُحِيلُهَا إلى كميات تخضع للعمليات الرياضية المختلفة، ويمكن قياسها بمختلف المقاييس مما يساعد على تحصيل نتائج أدق وأوثق. (1)
ثانيًا: الاستقراء الناقص:
تعريفه: الاستقراء الناقص هو أن يستدل بأكثر الجزئيات فقط، ويحكم من خلالها على الكل. (2) فهو"الذي تدرس فيه بعض جزئيات أو أجزاء الشيء الذي هو موضوع المبحث، وتعتبر فيه النماذج المدروسة أساسًا تقاس عليه بقية الأجزاء أو الجزئيات". (3)
مشكلة الاستقراء الناقص:
لما كان الاستقراء الناقص انتقالًا من جزئيات محدودة إلى نتيجة كلية تشمل تلك المقدمات وزيادة، ثار السؤال الآتي: هل صدق الجزئيات المستقرأة يقتضي ضرورةً صدق النتيجة الكلية؟ ولا شك أن الجواب المنطقي سيكون بالنفي؛ إذ الزيادة على المقدمات التي تشتمل عليها النتيجة قد تكون صادقة، وقد تكون غير ذلك، وليس هناك دليل قطعي على صدقها، ومن ثم يبقى صدق التعميم الإستقرائي ظنيًّا. (4) ولا يمكن أن يُبَرَّر صدق نتيجة هذا النوع من الاستقراء بمبدأ عدم التناقض، لأنه لا تناقض بين صدق المقدمات المستقرأة وخطأ النتيجة، إذ قد يكون مرجع الخطأ إلى الزيادة التي لم تتضمنها المقدمات.
ومن هنا كانت نتيجة الاستقراء الناقص تفيد الظن فقط، نظرًا للفجوة التي يتركها القفز من مجموعة من الجزئيات إلى تعميم كلي، الأمر الذي جعل البعض يقلل من أهمية هذا النوع من الاستقراء في مجال الكشف عن الحقائق واكتساب المعارف.--------------------------------------------
(1) انظر د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص 291.
(2) انظر محمد علي التهانوي: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ج 1، ص 172.
(3) عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني: ضوابط المعرفة وأصول الإستدلال والمناظرة، (دمشق: دار القلم، ط 4، 1414 هـ / 1993 م)، ص 193 - 194.
(4) انظر في ذلك مثلًا: أبو حامد الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
وهو الأمر الذي اشتهر عند المناطقة وعلماء المناهج باسم "مشكلة الاستقراء".
وبناءً على ما سبق تعرض الإستدلال الإستقرائي إلى عدة طعون يمكن إرجاعها إلى أمرين:
الأول: اعتماده على مصادرات غير مبرهنة، وإنما مأخوذة باعتبارها معارف عقلية قبلية مسلَّمة، ووجود مثل هذه المعارف القبلية أمر غير مسلَّم لدى بعض المذاهب الفلسفية، مثل المذهب التجريبي.
الثاني: كون بعض الاستقراءات إحصائية ظاهرية، مبنية على مجرب الطرد دون اعتبار لمبدأ السببية والعلية، وهي استقراءات يسهل خرقها بتخلف كثير من الأفراد عن الدخول تحت نتائجها.
ويمكن تلخيص ما اصطلح على تسميته (مشكلة الاستقراء) فيما يأتي:
إنه منِ أجل إعطاء مصداقيّة علميّة لنتيجة الاستقراء، حيث يمكين اعتمادها
قانونًا عامًّا يجب التأكد من توافر ثلاثة مبادئ:
1 - يحب إثبات مبدأ السببية العامة، أي إثبات أن لكل ظاهرة طبيعية سببًا، إذ من غير ذلك يصبح من المحتمل أن يكون تلازم شيئين من الجزئيات المستقرأة (كتلازم تمدد الحديد ووجود الحرارة مثلًا) غير مرتبط بأي سب، وإنما هو وجود تلقائي، وإذا كان وجوده طرديًّا فليس من الضروري أن يتكرر.
2 - ولا يكفي إثبات مبدأ السببية العامة، وإنما ينبغي على الدليل الإستقرائي -بعد إثبات ذلك- أن يثبت أن سببًا بعينه هو الذي كان وراء هذه الظاهرة (مثل كون الحرارة وحدها السبب في تمدد الحديد)، لأن مجرد الإقتران لا يكفي دليلًا على كونه السبب الحقيقي أو الوحيد، بل يحتمل أن يكون وجوده قد صادف تأثير السبب الحقيقي.
3 - إثبات مبدأ التناسق والإطراد، الذي يقتضي بأن الكون يسير على نسق واحد لا يتغير، وأن ما حديث في الماضي بعلة من العلل سيتكرر في الحاضر والمستقبل على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
نفس النحو مع وجود نفس العلة. (1)
ولما كان الاستقراء الناقص وسيلة من أبرز وسائل المبحث، لا يمكن الاستغناء عنه سواء في المبحث العلمي أو في الحياة العملية اليومية كان محل عناية من قبل المناطقة، والفلاسفة، وعلماء المناهج، محاولين إيجاد حلول منطقية للمشكلات التي تحول دون الوصول بنتيجته إلى العلم اليقيني أو إلى ما يقرب من ذلك.
وفيما يأتي فرض لخلاصة موقف مختلف المذاهب الفلسفية من هذه المشكلة، والمنهج الذي اتبعه كل مذهب لمحاولة حل هذه المشكلة، وبالتالي الوصول إلى تسويغ منطقي لصدق نتيجة الاستقراء الناقص.
أولًا: موقف الفكر الأرسطي من مشكلة الاستقراء:
لقد أدرك الفكر الأرسطي عُسر إيجاد جواب منطقي شاف ومقنع لهذه المشكلة، فاتجه في حلها إلى افتراض قضايا عقلية قبلية غير مبرهنة، وذلك بناءً على إيمانه بوجود معارف عقلية قبلية مستقلة عن الحس والتجربة.
- أما العنصر الأول من مشكلة الاستقراء فقد حله الفكر الأرسطي بالقول بمبدأ السببية الذي يقتضي أن لكل حادثة سببا، واعتباره مبدأً عقليًا لا يحتاج إلى إثبات أو برهان.
- أما العنصر الثاني منها فقد استعان في حله بمبدأ عقلي قبلي ينفي أن يكون اقتران الظاهرتين مجرد صدفة، ومفاده أن الإتفاق (الصدفة) لا يكون دائميًّا ولا أكثريّا، بمعنى أنه إذا تحرر اقتران شيئين في جميع الأحيان أو أكثرها، فإن ذلك لا يمكن أن يكون لمجرد الإتفاق (الصدفة)، بل لوجود رابطة سببيّة، فكلما وُجد هذا السبب أنتج مسبَّبَه.
- أما العنصر الثالث منها فقد حله باعتماد قضية عقليّة مستنبطة بطريقة برهانية من مبدأ السببيّة، مفادها أن الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدي إلى نتائج--------------------------------------------
(1) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص 25 - 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
متماثلة. (1)
التجربة والاستقراء الناقص في الفكر الأرسطي:
مع كل ما سبق من محاولات لتخطي مشكلة الاستقراء الناقص، إلَّا أن المنطق الأرسطي بقي على رأيه في أن الاستقراء الشاقص لا يفيد سوى الظن، فهو منهج استدلالي قاصر، ومن ثَمَّ كان الفكر البشري في حاجة إلى منهج يصل بالإستدلال إلى مرتبة تحصيل نتائج يقينية أو قريبة من ذلك. ومن أجل الحصول على ذلك حاول المنطق الأرسطي التقدم بنتيجة الاستقراء مرحلةً أخرى ليصل إلى ما اصطلح على تسميته "التجربة".
والتجربة في الفكر الأرسطي تتكون من استقراء تلازم شيئين في جميع الحالات أو أغلبها، واستنتاج وجود رابطة سببية بينهما اعتمادًا على المبدأ العقلي القبلي القائل بأن الصدفة لا تكون دائميّة ولا أكثريّة، ثم يجمع بينهما باستدلال قياسي صورته:
اقتران (أ) بـ (ب) دائما أُو كثير … صغرى القياس (ثبتت بالاستقراء)
الإتفاق بين شيئين لا يكون دائميًّا ولا أكثريًّا … كبرى القياس (ثبتت بمبدأ عقلي قبلي)
إذًا لابد أن يكون (أ) سببًا لـ (ب) … نتيجة القياس
فالتجربة في المنطق الأرسطي تتلخص في القانون الآتي:
التجربة = استقراء مبدأ عقلي قبلي قياس منطقي كامل
ومن ثَمَّ يكون الاستقراء الناقص مجردَ تعبير عددي عن العيِّنات التي كانت محل الاستقراء، (2) في حين تجمع التجربة بين نتيجة الاستقراء ومبادئ عقلية قبليَّة في شكل قياس منطقي كامل يثمر نتيجة كلية. (3)
ويرى أتباع المنطق الأرسطي أن التجربة بهذا المفهوم تفيد العلم واليقين، على--------------------------------------------
(1) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص 27 - 28.
(2) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص 32.
(3) انظر ابن سينا: البرهان، تحقيق عبد الرحمن بدوي، (القاهرة: دار النهضة العربية، ط 2، 1966 م)، ص 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
عكس الاستقراء الناقص الذي لا يفيد إلَّا الظن، وفي ذلك يقول الرازي في تعليقه على شرح الإشارات والتنبيهات: "عسى سائل أن يقول: ليست التجربة إلَّا مشاهدات متكررة، كما أن الاستقراء أيضًا مشاهدات متكررة، فكيف أفاد التجربة اليقين دون الاستقراء؟ فالجواب: إنه إذا تكررت المشاهدات على وقوع شيء، وعلم بالعقل أنه ليس اتفاقيًّا، إذ الاتفاقات لا تكون دائمة ولا أكثرية، كانت التجربة مفيدة لليقين، وإن لم يعلم ذلك واستدل بمجرد المشاهدات الجزئية بدون ذلك القياس على الحكم الكلي كان استقراءً ولا يفيد اليقين". (1)
والخلاصة أن المنطق الأرسطي لا يعتبر الاستقراء الناقص بمفرده مفيدًا للعلم ولا سبيلًا يمكن التوصل به إلى التعميم، ولكنه يمكن أن يكون كذلك إذا دعم بمبادئ عقلية قبلية، ليشكل المجموع قياسًا منطقيًّا كاملًا يبرهن على وجود علاقة سببية، ليثبت حكمًا كليًّا يقينيًا وصالحًا للتعميم على كل الحالات المماثلة. وهكذا يتبين أن كل استدلال استقرائي مرده إلى قياس يشتمل على مقدمتين: كبراهما عقلية قبلية، وصغراهما تمثل نتيجة استقراء مجموعة من الأفراد أو الحالات. ومعنى هذا أن الوظفية المباشرة للإستقراء الناقص -في رأي المنطق الأرسطي- هي تقديم صغرى القياس.
ثانيًا: موقف المذهب التجريبى من مشكلة الاستقراء:
المراد بالمذهب التجريي: المذهب الذي يعتبر التجربة والحس المصدر الأساس للمعرفة، وهو بهذا المعنى يعتبر مقابلًا للمذهب العقلي. (2)
وأهم ما يميز المذهب التجريبي عن المذهب العقلي أن الأول لا يؤمن بوجود معارف ومبادئ عقلية قبلية مستقلة عن التجربة والمعرفة الحسية، في حين يؤمن الثاني بإمكانية وجودها.--------------------------------------------
(1) نقلًا عن: محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص 33 - 34.
(2) " Empiricism is the theory that experience rather than reason is the source of khowledge، and in
this sense it is opposed to rationalism)
" انظر الموسوعة الفلسفية"
" Paul Edwards (ed):the
Encycolopedia of Philosophy . N .Y .:Macmillan Publishing Co. Inc. & the Free Press Lodon:
Collier Macmillan Publishing، 1972، vol. 2،P. 499.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
ونظرًا لكون المذهب التجريبي مدرسة فكرية واسعة فإن أصحابه لم يكن لهم موقف موحّد من مشكلة الاستقراء. ويمكن تصنيف أتباع المذهب التجريبي من حيث موقفهم من مدى الوثوق بنتيجة الدليل الإستقرائي إلى اتجاهات ثلاثة: اتجاه يؤمن بإمكانية الوصول إلى اليقين عن طريق الدليل الإستقرائي، واتجاه آخر يرى أن الدليل الإستقرائي لا يفيد سوى الظن الراجح، واتجاه ثالث يشك في قيمة القضية الإستقرائية من الناحية الموضوعية. (1)
الإتجاه الأول ذو النزعة اليقينية:
يمثل هذا الإتجاه جون ستوارت ميل، وهو اتجاه يشترك مع المذهب العقلي في القول بحاجة الاستقراء إلى مبدأ السببية، ومبدأ التناسق والإطراد القائل بأن الحالات المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة. ويقرر أتباع هذا الإتجاه بناء على قضيتي السببية والإطراد في الكون أنه كما حدثت ظاهرة عقيب ظروف معينة فإنها ستحدث باستمرار في كل الظروف المماثلة. ومع هذا التشابه مع المذهب العقلي نجده يختلف عنه في تفسير الأساس الذي يقوم عليه هذان المبدآن (السببية والإطراد). ففي حين يعتبرها المذهب العقلي قضايا عقلية قبلية، يعتبرهما هذا الإتجاه نتيجة استقراءات أوسع وأشمل في الطبيعة، وأننا منذ أن حصلنا على العلم بقضايا السببية نتيجة استقراء لكل ما حولنا من ظواهر الطبيعة، أصبحت بدورها أساسًا لكل تعميم استقرائي لاحق. هذا هو تصور أصحاب هذا الإتجاه لحل العنصرين الأول والثالث من مشكلة الاستقراء.
أما موقفهم من العنصر الثاني من مشكلة الاستقراء فإن جون ستوارت ميل حاول الإعتماد على التجربة في إثبات علاقة السببية بين ظاهرتين متلازمتين دائمًا أو غالبا، ونفي أي رابطة سببية مع أي عامل آخر باقتراح أربعة طرق يمكن بأي واحدة منها تحقيق ذلك، وهي:
1 - طريقة الإتفاق: وخلاصتها أنه إذا اتفقت مجموعة من الحالات للظاهرة المراد--------------------------------------------
(1) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
بحثها في ظرف واحد فقط، مع تنوعها في كل الظروف الأخرى، فإنه يمكننا أن نستنتج أن هذا الظرف الوحيد الذي تتفق فيه جميع هذه الحالات، هو السبب الوحيد في هذه الظاهرة.
3 - طريقة الإختلاف: وهي الطريقة التي يكون فيها المستقرئ أمام مجموعة من الحالات المتشابهة في جميع الظروف باستثناء ظرف واحد، ويلاحظ وجود الظاهرة في الحالات المتشابهة في جميع الظروف وانعدامها في الحالات التي ينعدم فيها ذلك الظرف المستثنى، فيستنتج من ذلك أن ذلك الظرف المستثنى هو سبب الظاهرة، بناءً على اختلاف الظاهرة وجودًا وعدمًا باختلاف ذلك العامل.
3 - طريقة التلازم في التغير: وخلاصتها أن الظاهرة التي يلازم تغيرها تغير ظاهرة أخرى بشكل متناسب، تُعَدّ مرتبطة بها بنوع من العلاقة السببية.
4 - طريقة البواقي: اومفادها أنه إذا أدت مجموعة من المقدمات إلى مجموعة أخرى من النتائج، وأمكن إرجاع كل النتائج في المجموعة الثانية، باستثناء نتيجة واحدة، إلى جميع المقدمات في المجموعة الأولى باستثناء مقدمة واحدة، فإننا نستنتج من ذلك وجود علاقة سببية بين المقدمة والنتيجة الباقيتين. (1)
ولحن الملاحظة الجلية التي يمكن استخلاصها من النظر في كل هذه الطرق أنها لا تعدو أن تفيد ظنًا غالبًا برابطة السببية بين ذينك الشيئين المتلازمان، والتقليل من احتمالات كون الرابطة السببية مع عامل ثالث، لكنها لا يمكن أن توصل إلى نتيجة يقينية.
الإتجاه الثاني ذو النزعة الترجيحية:
يسلم أصحاب هذا الإتجاه بحاجة التعميم الإستقرائي إلى افتراض قضايا ومصادرات، لكنه يختلف عن المذهب العقلي والإتجاه الأول من المذهب التجريبي--------------------------------------------
(1) انظر في تفصيل آراء جون ستوارت ميل هذه: إرفين، وكارل كوهن: مدخل إلى المنطق
Irving M. Copi، Carl)
(Cohen:Intyouduction to Logic. N.Y.Macmillan Publishing Company. 1990.pp 377 - 401
ود. زكي نجيب محمود: المنطق الوضعي، ج 2، ص 195 - 198.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
في طريق إثباتها، فهو لا يعترف بكونها قضايا عقلية مسبقة -كما يرى المذهب العقلي- كما أنه لا يري إمكانية إثباتها باستقراءات سابقة، فهي في رأيه غير ممكنة الإثبات، وتبتى مجرد قضايا احتمالية، ومن ثَمّ فما يُبنى عليها من استقراءات لا يمكن أن تثمر يقينا، وإنما تقتصر وظيفة الاستقراء على تقوية الإحتمال وترجيحه، فكلما زاد عدد الأفراد أو الحالات المستقرأة زادت نسبة احتمال الصدق في نتيجة الاستقراء. (1) وليس من اللازم عند أصحاب هذا الإتجاه أن يفيد الاستقراء القطع فـ "العلوم الطبيعية كلها قائمة على الترجيح لا اليقين". (2)
الإتجاه الثالث ذو النزعة النفسية:
يعدّ دايفيد هيوم (David Hume) الرائد الأوهي لهذا الإتجاه الذي يعترف بكون علاقة العلة والمعلول هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع الاستدلالات الخاصة بأمور الواقع، وهي علاقة يمكن أن تتعدى الحواس وتنبئنا بموجودات وأشياء لا نراها ولا نشعر بها. ولكنه يري في علاقة السببية بمفهومها العقلي -بوصفها علاقة ضرورة بين السبب والمسبَّب- قضية لا يمكن أن تطالها الخبرة الحسية، وكل ما يمكن أن تدركه الخبرة الحسية هو اقترانهما ببعضهما البعض واطراد ذلك الإقتران والتعاقب، أما علة ذلك الإقتران فإنها خارج إطار الحس والتجربة. ومن ثَمَّ يذهب إلى التسليم بعدم كون الإتفاق دائميًّا أو أغلبيًّا -كما هو الشأن عند أتباع المذهب العقلي- لكنه يرى أن مبرر ذلك ليس منطقيًّا، ولا هو معرفة عقلية قبلية، بل هو مبرر نفسي (سيكولوجي). فهو يرى أن فكرتنا عن العلاقة بين العلة والمعلول تعكس انطباعًا نفسيًّا ذاتيًا هو وليد عادة ذهنية ناتجة عمًا يشاهده الإنسان من تحرار الإقتران بين هذين الموضوعين، وهو بدوره يولِّد انطباعًا بفكرة الضرورة والحتمية، أي ضرورة حدوث المعلول بوجود علته. ومن ثَمَّ فإن هيوم يرى أن فكرتنا عن العلاقة بين العلة والمعلول لا تعكس الواقع الموضوعي، ولا هي آثار للبرهان العقلي، أي أنها لا تقوم على أساس قوانين الواقع الموضوعي. ولكنه مع هذا يعتقد بالقضايا التي نستدل عليها--------------------------------------------
(1) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص 83.
(2) زكي نجيب محمود: المنطق الوضعي، ج 2، ص 301.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
بالتجربة والاستقراء، لكنه يفسر ذلك تفسيرًا نفسيًا ذاتيًّا. (1)
ومهما يكن طريق إدراك علاقة العلية -سواء طبقًا للواقع الموضوعي، أو لانطباع نفسي ذاتي، أو معرفة عقلية قبلية- فإن الجامع بين الإتجاهات كلِّها هو الإعتراف بوجود هذه العلاقة، والإقرار بمبدأ عدم كون الإتفاق دائميًا أو أغلبيّا.
والأخذ بتفسير هيوم يضعنا أمام أحد موقفين: إما أَنَّ حكمنا على العلاقات بين الأشياء هو مجرد انطباعات نفسية لا علاقة لها البتة بقوانين الواقع الموضوعي، وبذلك تستوي الحقائق الواقعية والخيالات، وهذا الإتجاه سيقودنا إلى السفسطة. وإما أن نعترف بوجود علاقة بين قوانين الواقع الموضوعي وانطباعاتنا النفسية عن العلاقات بين الأشياء، وفي هذه الحالة نقول: إنه لا مانع من كون أحكامنا على هذه العلاقات نتيجة انطباعات نفسية، بل سنجد كل الأحكام ناتجة عن هذه الإنطباعات التي قد تعكس حقائق واقعية أو أوهامًا، حسب عملية الإستدلال التي توصلنا بها إلى هذه
الأحكام، وما يحيط بها من ملابسات وما يتوفر فيها من شروط.
ونحن في سعينا إلى الحكم على نتيجة الاستقراء بالقطع أو الظن، أو بالصدق وعدمه، إنما يمكننا الحصول على ذلك من خلال الإنطباع الذهني المتكون نتيجة لتكرار الملاحظة، كما أننا في ممارسة عملية الاستقراء لا نسعى إلى إثبات مطلق وجود علاقة العلية، إذْ يكفي في حصول ذلك ملاحظةٌ واحدةٌ للعلاقة بين عنصرين، وإنما نسعى إلى إثبات اطراد هذه العلاقة بين أفراد نوع أو أنواع جنس، وهذا الإنطباع لا يتأتى إلَّا من خلال عملية تكرار الملاحظة مع الحصول على نتائج متشابهة.
والإنطباع الذي يقول عنه هيوم إنه يثيره في الذهن نفس تحرار الأمثلة التي اققرنت فيها (أ) مع (ب)، وأنه عبارة عن تهيؤ الذهن واستعداده لكي ينتقل من موضوع إلى فكرة ما تصاحبه عادة، هو انطباع لا يمكن أن يحصل من غير تكرار وسواء قلنا إنه ناتج عن مجموع الإنطباعات الناتجة عن مشاهدة كل حالة، أو إنه--------------------------------------------
(1) انظر Hume، David: A treatise of Human N ature، ed. by Ernest G. Mossner، London: Penguin Group، 1984. pp.121 - 147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)