Arabic source text

📘 তুরুকুল কাশফি আন মাকাসিদিশ শারী (নুমান জুগাইম)

📘 طرق الكشف عن مقاصد الشارع (نعمان جغيم)

📘 তুরুকুল কাশফি আন মাকাসিদিশ শারী (নুমান জুগাইম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
انطباع مستقل نتج عن ملاحظة مجموع تلك الحوادث المتكررة فلا فرق، إذ المهم أنه ناتج عن عملية التكرار التي هي أمر واقعي.
أما فيما يتعلق بإنكار دافيد هيوم وجود حقيقة واقعية لعلاقة السببية، استنادًا إلى عدم إمكانية إثبات ذلك بالتجربة والخبرة الحسية فإنه يُرَدّ عليه بأن عدم امتداد التجربة والحس لإثبات قضية من القضايا لا يكفي مبرِّرا لنفيها، والاعتقاد بعدمها، إذْ الحكم على القضية بالنفي أو الإثبات سيان كلاهما يحتاج إلى إثبات. وطبقًا للمذهب التجريبي فإن كلًّا من الحكم على قضية بالنفي، أو بالإثبات يحتاج إلى التجربة والخبرة. فإذا كان الحكم على علاقة السببية بالوجود متعذّرًا -طبقًا للمذهب التجريبي- لعدم القدرة على إثبات ذلك تجريبيا، فإن الحكم عليها بالعدم لا بُدّ أن يكون في حاجة هو أيضًا إلى إثباتٍ بالتجربة والخبرة، وهو أمر متعذر لعدم امتداد التجربة إلى ذلك. وهن هنا يلزم أصحاب المذهب التجريبي التوقف عن الحكم على علاقات السببية بالوجود أو الإنتفاء. ونخلص من هذا إلى أنه لا يوجد مبرر عقلي لنفي علاقة السببية.
ثالثًا، تفسير نتيجة الاستقراء وفقًا لمعايير الإختيار:
يقوم هذا التفسير على أساسٍ مفاده أننا عند التدقيق في الاستقراءات الفاشلة -التي يُسْتَدَل بها عادة على نقض الدليل الإستقرائي والطعن فيه- نجدها ناتجة عن عدم توفر المتطلبات اللَّازمة للدليل الإستقرائي في مرحلته الإستنباطية، إذْ من شروطه توحيد معايير ومقاييس انتقاء الجزئيات المستقرأة، بأن تكون كلها مشتركة خاصية مفهومية تتميز بها عن غيرها من الجزئيات التي لا يشملها الاستقراء، وأن يكون اعتقاد المستقرئ أنه لا توجد أي خاصية مفهومية إضافية تتميز بها الحالات التي شملها الاستقراء عن الحالات الأخرى التي يراد تعميم النتيجة عليها.
ومن هنا يتبين أن عملية الاستقراء تحتاج إلى أمرين:
1 - تحديد المعايير التي يتم على أساسها اختيار الجزئيات المستقرأة، لأن ذلك في غاية الأهمية لتحديد التعميم الإستقرائي الذي سنصل إليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)

3 - مراعاة الدقة في إطلاق التعليمات الإستقرائية، وذلك بالأخذ بعين الإعتبار كل الشروط والملابسات الواجب توافرها لتحقيق التعميم الإستقرائي، وذكر كل القيود والمحترزات اللازمة في التعميم، إذْ إن إدخال عنصر من غير صنف العناصر المستقرأة -نظرًا لقوة شبهه بها- سيؤدي إلى خرقا التعميم الإستقرائي فنحكم على نتيجة الاستقراء بالخطأ، وعلى الدليل الإستقرائي بالقصور والحقيقة أن الأمر غير ذلك، إذْ إن ما عُدَّ نقضًا للإستقراء، ما هو إلَّا عنصر خارج عن عناصر الصنف المستقرأ، وإنما أدخل فيها إما لعدم تحديد مقاييس التصنيف، أو لعدم الدقة في تطبيقها. ومن هنا تبرز أهمية تحديد خصائص ومميزات الجزئيات محل الاستقراء بتعريفها تعريفًا جامعًا مانعا، ويصير التعميم الإستقرائي خاضعًا لتعريف العناصر المستقرأة.
ومن الأمثلة على هذه الطريقة ما ذهب إليه فون رايت (G. H. Von Wright) الذي تناول بالتحليل مثال دايفيد هيوم عن كرة البلياردو، وخلاصته أننا نلاحظ أن اندفاع الكرة الأولى تجاه الكرة الثانية واصطدامها بها يتبعه حركة الكرة الثانية، ونستنتج من ذلك أن حركة الكرة الأولى علة حركة الكرة الثانية، ونعمِّم بالاستقراء هذه الملاحظة لنقول: كلّما تحركت واصطدمت كرة أولى بكرة ثانية فإن ذلك سيتبعه تحرك الكرة الثانية. ولكننا قد نجد في بعض الكرات أن كرةً قد تحركت وصدمت كرة أخرى دون أن يؤدي ذلك إلى تحرك الكرة الثانية، كأن تكون الكرة الثانية مثبتة في طاولة البلياردو أو لوجود عائق قوته مساوية لقوة دفع الكرة الأولى، أو أقوى منها، أو لأن الكرة الثانية معدنية والأولى ورقية فلا تقدر على تحريكها، أو غير ذلك من الأسباب. فهل يكون معنى ذلك أن التعميم الإستقرائي المستنتج كان خاطئًا من أصله؟
الواقع أن الأمر ليس كذلك، أي أن التعميم ليس خاطئًا من أساسه، ولكنه قاصر وغير دقيق، لإغفاله ذكر بعض القيود والمحترزات، ومن هنا يدعونا "فون رايت" إلى تعديل صيغة هذا التعميم أو القانون الإستقرائي بما يأتي: "حينما تصطدم كرة بثانية، فإن الأخيرة لا تتحرك إلَّا إذا توافرت شروط محددة، وتحققت ظروف معينة". (1)--------------------------------------------
(1) انظر (the Logical problem of Inducation، p.46 ،G. H. Von Wright
نقلًا عن د. علي عبد المعطي، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص 302.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)

ومن هنا يمكن أن يكون الاستقراء ذاته معينًا على اكتشاف صفات أو شروط جديدة نضيفها إلى الظاهرة محل الاستقراء بغرض إقامة صياغة كاملة للقانون العام الذي نسعى إلى إرسائه، أي أن عملية الاستقراء لها تأثير في مسألة صياغة المفاهيم والتصورات وتكوينها، كما أنها تتأثر بها، فعملية التأثير متبادلة بين الاستقراء وصياغة المفاهيم والتصورات وتكوينها.
وهذا المسللث في تبرير التعميم الإستقرائي شبيه بما ذهب إليه "جون ديوي" من اعتبار الوظيفة الأساسية لعملية الاستقراء هي التوصل إلى اكتشاف العيِّنة التي تكون ممثلة لما يشبهها من الحالات، وتُتَّخَذ معيارًا يعتمد عليه التعميم الإستقرائي. (1)
ومن أمثلة ذلك أيضًا مسألة اليسر في أحكام الشارع، فإذا قلنا -مثلًا- إن استقراء موارد الشريعة دلَّ على أن من مقاصدها التيسير فيعترض معترض بأننا لا نلمح حضور هذا المقصد في الحدود لما تتصف به من شدَّة وصرامة. فإننا للإجابة على هذا الإعتراض نجد أنفسنا ملزمين بداية بتحديد مفهوم التيسير عند الشارع، فإذا حدَّدنا التيسير المقصود في النصوص الشرعية، أمكننا بعد ذلك القول هل إن الشارع راعى جانب التيسير في مجال العقوبات أم لا؛ إذْ قد يدخل البعض في التيسير ما هو في حقيقته ليس منه، ومن هنا وجب بداية تحديد مفهوم التيسير المقصود لدى الشارع.
وقد اعتمد الشاطي هذا النوع من التسويغ في كتاب المقاصد عند حديثه عن أن القاعدة الكلية لا يقدح فيها شذوذ آحاد الجزئيات، وستأتي مناقشتها عند الحديث عن الاستقراء عند الإمام الشاطبي.
وقد بحث علماء أصول الفقه هذا بالتفصيل في قادح العلة المسمى "النقض" وما يتعلق به من جواز تخصيص العلل الشرعية. وأبرز مثال لذلك ما يسلكه المناظر عادة في دفع النقض، كدفع النقض بإظهار مانع أو فوات شره. بأن يظهر المعلل مانعًا من ثبوت الحكم في صورة النقض، أو تخلف شرط من شروط الحكم في صورة--------------------------------------------
(1) انظر ذلك في هذا المبحث عند الحديث عن الاستقراء في المنطق الغربي الحديث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)

النقض. (1)
ومن الطبيعي أن يُثَار هنا اعتراض بأنه من العسير الإحاطة بكل الظروف والشروط المؤثرة في الجزئيات المستقرأة، كما أنه من العسير التحقق من اشتمال التعميم الإستقرائي عليها عند صياغته، ولكن يمكن القول إنه وإن كان هذا عسيرًا في العلوم الطبيعية والتجريبية، فإنه أيسر في القضايا الشرعية.--------------------------------------------
(1) انظر في تفصيل هذه المسائل: نعمان جغيم: طرق إبطال العلة (رسالة ماجستير في أصول الفقه، كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإِسلامية العالمية بإسلام آباد، بكستان، 1996، غير مطبوعة)، ص 161 - 164.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)

‌‌الفَصْل الثَّانِي
الاستقراء في القرآن الكريم والعلوم الشرعية
‌‌المبحث الأول
الاستقراء في القرآن الكريم
يجد الباحث في كتاب الله تعالى أن القرآن الكريم قد اتخذ المنهج الإسقرائي وسيلة من وسائل الإستدلال على سنن الله تعالى في الكون والناس، وأنه قد دعا الناس إلي استعماله في حياتهم العامة والخاصة للإعتبار بما سبق، ولإكتشاف ما يتسم به الكون من إِحْكَامٍ في الخلق، ولمعرفة الخالق تعالى، ومعرفة عظمته وقدرته.
وقد استعمل القرآن الكريم الاستقراء بنوعيه: التام والناقص، ولكن أكثر استعماله للإستقراء الناقص، وأعطاه دلالة قطعية في إثبات بعض سنن الله تعالى في الكون، وفي حياة البشر وإثبات بعض العقائد، وصفات الذات الإلهية.
فمن الآيات التي اتخذ فيها القرآن الكريم المنهج الإستقرائي للإستدلال ما يأتى:
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)} [الأنعام: 38].
{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38)} [الإسراء: 38] وَرَدَ هذا بعد استقراء الآيات السابقة أمهات الرذائل التي ينبغي اجتنابها. (1)
{وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)} [الزخرف: 35]، ورد هذا بعد استقراء الآيات السابقة لأعظم الملذات التي يمكن أن يطمح إليها الإنسان في هذه الدنيا. (2)
ومن الآيات التي دعا فيها القرآن الكريم الناس إلى استخدام الاستقراء منهجًا--------------------------------------------
(1) انظر الآيات من 26 إلى 37 من سورة الإسراء.
(2) انظر الآيتان 33 - 34 من سورة الزخرف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)

للإستدلال ما يأتي:
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)} [الأنعام: 11].
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69)} [النمل: 69].
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)} [العنكبوت: 20].
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)} [الروم: 42].
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)} [يوسف: 109].
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)} [غافر: 82] (1).
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)} [محمد: 10].
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21)} [الزمر: 21].
قانون العلية:
ومن الآيات التي أشارت إلى قانون العِلِّيّة، الذي يمثل الأساس الأول لتسويغ التعميمات الإستقرائية، قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)} [الطور: 35].--------------------------------------------
(1) وردت بهذا المعنى آيات كثيرة منها: غافر: 21، فاطر: 44، الروم: 9، محمد: 10.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)

قانون الإطراد:
ومن الآيات التي أشارت إلى قانون الإطراد في الكون، الذي يمثل الأساس الثاني لتسويغ التعميمات الإستقرائية ما يأتي:
{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)} [يس: 38 - 40].
{أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (19)} [العنكبوت: 19].
{وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)} [هود: 120]، أي أنك أنت وقومك تخضعون لما خضع له من سبقك من رسل وأقوامهم من سنن، فاعتبروا بذلك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)

‌‌المبحث الثاني
الاستقراء في العلوم الشرعية
‌‌المطلب الأول
الاستقراء عند الأصوليين
تعريفه:
لم يختلف تعريف غالب الأصوليين للإستقراء عن تعريف المناطقة، ولا غرابة في ذلك فهو مبحث منطقي أساسًا، استُعِيرَ من فنّ المنطق. وليس معنى ذلك أنه لم يُسْتَعْمَل مِنْ قِبَل علماء المسلمين قَبْل ترجمة الفلسفة اليونانية وبدْء التأليف في المنطق، بل قدّ نبه عليه القرآن الكريم، واستعمله الفقهاء من بعد ذلك، وإن لم يسمُّوه باسم الاستقراء، كثيرًا ما يسميه الفقهاء بـ إلحاق الفرد بالأعم الغالب". (1)
مكانته:
اختلف موقف الأصوليين من عَدِّ الاستقراء مبحثًا من المباحث الأصولة، إذْ نجد بعضهم لم يدرجه ضمن مباحث الأصول، في حين أدرجه بعضهم ضمنها.
ويبدو أن الاستقراء عندهم بدأ مبحثًا منطقيًّا يُدرج ضمن المقدمات المنطقية التي يُقَدَّمُ بها لكتب الأصول، والتي بدأها أبو حامد الغزالي في كتابه المستصفى. فالغرالي لم يدخله ضمن مباحث أصول الفقه، وإنما تناوله في كتبه المنطقية، (2) كما عرض له في كتابه المستصفى من علم الأصول ضمن المقدمات المنطقية التي وصفها بأنها ليست "من جملة علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به". (3)
وتبعه في ذلك ابن قدامة في روضة الناظر وجنة المناظر فجعله آخر مبحث من--------------------------------------------
(1) انظر الفتوحي: شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 419.
(2) انظر كابيه: محك النظر، ومعيار العلم في فن المنطق.
(3) الغزالي: المستصفى، ج 1، ص 21.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)

المقدمة المنطقية التي بدأ بها كتابه، ويظهر أن كلامه في الاستقراء تلخيص لكلام الغزالي. (1)
ثم انتقل بعد ذلك ليصير دليلًا من الأدلة الأصولية الثانوية. ومن الذين تناولوه ضمن مباحث الأصول الإمام الرازي في كتابه المحصول حيث أدرجه ضمن الأدلة المختلف فيها، (2) وتبعه في ذلك البيضاوي الذي قسَّم الأدلة المختلف فيها إلى مقبولة، وغير مقبولة، وجعل الاستقراء ثالث الأدلة المقبولة. (3) أما الإمام تاج الدين عبد الوهاب ابن السبي في جمع الجوامع فقد جعله ضمن باب الإستدلال، (4) وكذلك فعل ابن النجار الحنبلي في شرح الكوكب المنير (5)
أقسام الاستقراء:
لم يختلف تقسيم الأصوليين للإستقراء عن تقسيم المناطقة، فقد قسموه إلى
استقراء تام، واستقراء ناقص، ولكن منهم من خالفهم في تعريفه.
1 - الاستقراء التام: يلاحظ الناظر في تعريفات الأصوليين للإستقراء التام وجود اتجاهين:
الإتجاه الأول سار أصحابه مع التعريف المنطقي، ومنهم الغزالي، والبيضاوي، وذلك باشتراطهم كون الاستقراء التام مستوعبًا لجميع الجزئيات الداخلة تحت المعنى الكلي. حيث يؤكد الغزالي أنه "لا يكفي في تمام الاستقراء أن تتصفح ما وجدته شاهدًا على الحكم، إذا أمحن أن ينقل عنه شيء"، (6) أي أنه ما دام هناك احتمال أو إمكانية وجود جزئي ينضوي تحت هذا المعنى الكلي، ولوفي المستقبل، فإن الاستقراء لا يُعدُّ تاما.--------------------------------------------
(1) انظر ابن بدران الدمشقي: نزهة الخاطر العاطر شرح كتاب روضة الناظر وجنة الماظر، ج 1، ص 88 - 89.
(2) انظر الرازي: المحصول، ج 6، ص 161.
(3) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج 3، ص 114.
(4) انظر البناني: حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، ج 2، ص 345 - 346.
(5) انظر ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 417 - 421.
(6) الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 151.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)

وهذا الاستقراء التام بشرطه المذكور يفيد القطع.
أما الإتجاه الثاني فلم يلتزم أصحابه بالتعريف المنطقي، ومنهم ابن السبكي في جمع الجوامع، (1) حيث جعل الاستقراء التام هو استقراء كل الجزئيات إلَّا صورة النزاع. وبنفس التعريف عرفه ابن النجار الحنبلي في شرح الكوكب المنير (2) وما اعتبروه استقراء تامًّا هو في الحقيقة استقراء ناقص لأنه لم يشمل صورة التراع، وهي واحدة من جزئيات ذلك الكلي. فكيف يمكن اعتبار الاستقراء تامًّا مع عدم شموله لها؟ كما أن المثال الذي مثلوا له به ليس فيه استقراء تام، وهو"نحو كل جسم متحيز فإنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكل من ذلك متحيز، فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينًا في كلي، وهو الجسم الذي هو مشترك بين الجزئيات، فكل جزئي من ذلك الكلي يُحكم عليه بما حُكِم به على الكلي. إلّا صورة النزاع، فيُستدل بذلك على صورة النزاع". (3) فقوله: "إنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم" غير مسلَّم، إذْ لم يتم استقراؤها كلها، بل بعضها فقط.
وقد جزم ابن النجار بإفادة هذا الاستقراء القطع بقوله: "وهو مفيد للقطع". (4) أما السبكي فقد ذهب أيضًا إلى أنه يفيد القطع، إلَّا أنه أشار إلى أن البعض يرى أنه يفيد الظن فقط لإحتمال مخالفة تلك الصورة التي لم يشملها الاستقراء، وهي محل النزاع. (5)
وهذا الاستقراء لا يُعدّ عند أصحاب الإتجاه الأول تامًّا، ونتيجته ليست قطعية، بل هي ظنية فقط.
2 - الاستقراء الناقص: أما الاستقراء الناقص فهو استقراء أكثر الجزئيات لإثبات الحكم للكلي المشترك بين جميع تلك الجزئيات، (6) أي أنه الاستقراء الذي لا--------------------------------------------
(1) انظر البناني: حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، ج 2، ص 345 - 346.
(2) انظر ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 418 - 419.
(3) المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(4) المصدر السابق، ج 4، ص 419.
(5) انظر البناني: حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، ج 2، ص 345 - 346.
(6) انظر في ذلك مثلًا: ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 419؛ الغزالي: المستصفى، ج 1، ص 55 - 56.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)

يستوعب كل الجزئيات. ولكن ينبغي التنبيه هنا على أن هذا الإستيعاب إذا تخلفت عنه صورة واحدة، هي محل الإستدلال فإنه يصير استقراء تامًّا عند أصحاب الإتجاه الثاني في تعريف الاستقراء التام، أما عند أصحاب الإتجاه الأول فإنه يبقى استقراءً ناقصًا.
وقد استشكل ابن قاسم العبادي في حاشيته على المحلِّي تقييد الاستقراء الناقص بكونه تتبع أكثر الجزئيات، بأنه يلزم عنه خروج ما يكون بنصف الجزئيات فأقل، فلا يكون استقراء، بهذا الإعتبار، ويُشْكل بذلك الأمر في كثير من المسائل التي اعتمد الفقهاء فيها على استقراء بعض الجزئيات، وليس أكثرها، ولذلك اقترح ترك التقييد بالأكثر والإكتفاء بالتقييد بالبعض، مع ضبط ذلك البعض بما يحصل معه ظن عموم الحكم. (1)
نتيجة الاستقراء بين القطع والظن:
أ - الاستقراء التام:
اتفق الأصولون على الإحتجاج بالاستقراء التام، وإفادته القطع. (2) وقد حدد الشربيني شروط إفادته القطع فيما يأتي: (3)
1 - أن يكون حصر جزئيات الكلي قطعيًا، بأن يقطع بأنه ليس له جزئيات أخرى غير تلك المحصورة.
3 - أن يكون ثبوت ذلك الحكم لآحاد تلك الجزئيات قطعيًا.
وقد قلّل البعضُ من أهمية هذا النوع من الاستقراء، حيث يرى الغزالي مثلًا أن الجزئية التي يراد الإستدلال عليها بالاستقراء الضام: إما أن يكون المستقرئُ قد--------------------------------------------
(1) انظر العبادي، أحمد بن قاسم: الآيات البينات على شرح جمع الجوامع، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه زكريا عميرات، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1417 هـ/ 1996 م)، ج 4، ص 246.
(2) انظر مثلا: الغزالي: المستصفى، ج 1، ص 56؛ ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 419؛ الإسنوي: نهاية السول، ج 3، ص 114.
(3) الشربيني: تقرير الشربيني على حاشية البناني، ج 2، ص 345.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)

تصفحها أثناء عملية الاستقراء، فيكون قد عرفها وعرف حكمها قبل الوصول إلى نتيجة الاستقراء، ولم تَعُدْ هناك حاجة للإستدلال عليها بالاستقراء، وإما أن لا يكون قد تصفحها أثناء عملية الاستقراء وعند ذلك لا يُعَدُّ هذا الاستقراء تاما، بل هو استقراء ناقص. (1)
وأرجعه عبد الرحمن الشربيني في تقريره على حاشية البناني على شرح الجلال المحلِّي إلى ما يُسَمّى بالقياس المقسِّم، وذهب إلى أن الأصوليين والفقهاء لا حاجة بهم إلى هذا النوع من الاستقراء؛ "لأنه مبنيٌّ على علم ثبوت الحكم في جميع الجزئيات، والأصوليون إنما يحتاجون الدليل لعلم حكم الجزئي، والفرض أنه معلوم"، (2) أي لما كان الاستقراء تامًا، فقد تَمَّ التعرف على حكم كلّ الجزئيات قبل الوصول إلى الحكم الكلي. ومن ثَمَّ لم تبقَ حاجة للإستدلال به على الجزئيات. ويرى الإمام الشربيني أن الاستقراء عند الأصوليين دائمًا ناقص عند المناطقة. (3)
ب - الاستقراء الناقص:
أما الاستقراء الناقص فإنه يفيد الظن المعمول به عند جمهور الأصوليين. (4) ويعلل الغزالي مصداقية العمل به بأنه كما ازداد عدد الأصول (أي الجزئيات) الشاهدة لأمر ما زاد الظن فيه، فإذا وجد الأكثر على نمط لم يبقَ الإحتمال على التعادل، بل رَجَحَ بالظنّ أحدُ الاحتمالين، وصار إثبات الواحد وفق الجزئيات الكثيرة أغلب من كونه مستثنى على الندور (5) وكلما كان عدد الجزئيات المستقرأة أكثر كان الظن الذي يفيده الاستقراء الناقص أقوى، وبالعكس. وما دام هذا النوع من الاستقراء يفيد الظن فإنه حجة؛ لوجوب العمل بالظن في الشرعيات. (6) إلّا أن الإمام--------------------------------------------
(1) انظر الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 153.
(2) الشربيني: تقرير الشربيني على حاشية البناني، ج 2، ص 345 - 346.
(3) المصدر السابق، ج 2، ص 345.
(4) انظر الغزالي: المستصفى، ج 1، ص 55 - 56؛ الإسنوي: نهاية السول، ج 3، ص 114؛ ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 419.
(5) انظر الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 151، 187.
(6) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج 3، ص 114، الرازي: المحصول، ج 6، ص 161.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

الرازي رجح عدم إفادته الظن، إلّا إذا انضاف إليه دليل منفصل. (1)
وقد أشار ابن النجار عند حديثه عن الاستقراء الناقص إلى أمر مهم، وهو حالة وجود علة مؤثرة في الحكم، حيث يقول في تريف الاستقراء الناقص: "بأن يكون الاستقراء (بأكثر الجزئيات)، لإثبات الحكم للكلي المشترك بين جميع الجزئيات، بشرط أن لا تتبيَّن العلة المؤثرة في الحكم … "، (2) أي أنه إذا تبيَّن وجودُ علة مؤثرة، صار الإعتماد على العلة المؤثرة، ولم يبق الاستقراء مفيدًا مجرّد الظن، بل يصير مفيدًا اليقين، وهو الذي يسمى بالاستقراء المعلَّل، حيث يصير كل جزئي توفرت فيه تلك العلة محكومًا له بحكم ذلك الكلي.
وقد ذهب الغزالي إلى أن الاستقراء الناقص في دلالته على الفقهيات أقوى من التمثيل، الذي هو القياس الفقه. (3) إلّا أن صاحب الإبهاج في شرح المنهاج اعترض على هذا بقوله: "هذا مدخول، لأنه يُشترط في إلحاق الجزئي بالجزئي الآخر أن يكون بالجامع الذي هو علة الحكم، وليس الأمر كذلك في الاستقراء، بل هو حكم على الكلي بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته، ولا يمتنع عقلًا أن يكون بعض الأنواع مخالفًا للنوع الآخر في الحكم، وإن اندرجَا تحت جنس واحد". (4)--------------------------------------------
(1) انظر الرازي: المحصول، ج 6، ص 161.
(2) ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 419.
(3) انظر الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 150.
(4) السبكي، تقي الدين والسبكي، تاج الدين: الإبهاج في شرح المنهاج، مطبوع على هامش نهاية السول، (مصر: مطبعة التوفيق الأدبية، د. ط، د. ت)، ج 63 ص 114، وانظر ما نقله العبادي في الآيات البينات عن الصفي
الهندي. الآيات البينات، ج 4، ص 247 - 248.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

‌‌المطلب الثاني
تطبيقات الاستقراء عند الفقهاء والأصوليين
لقد استخدم علماء المسلمين الاستقراء في مجالات كثيرة من دراساتهم، فني علم أصول الفقه نجد الاستقراء حاضرًا في كثير من مباحثه، بل هو المُستَنَد الأساس لعلماء الأصول في بعضها. ومن أمثلة ذلك قيام مدرسة الحنفية في الأصول على الاستقراء. فمنظِّرُوا الأصول من علماء الحنفية قاموا باستقراء فتاوى أئمتهم السابقين، ليستخرجوا من ذلك المعاني والضوابط التي التزموا بها في فتاواهم، ثم اتخذوها بعد ذلك أُسُسًا أصَّلُوا الأصول عليها، ومن هنا وُصِفَت أصول الحنفية بأنها ضررة وليست حاكمة. وفي ذلك يقول شاه ولي الله الدهلوي: " … واعلم أنِّي وجدت أكثرهم يزعمون أنَّ بناء الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي على هذه الأصول المذكورة في كتاب البزدوي ونحوه، وإنما الحق أن أكثرها أصول مخرَّجة على قولهم. وعندي أن المسألة القائلة: بأنما الخاص مُبَيَّنٌ ولا يلحقه بيان، وأن الزيادة فسخ، وأن العام قطعي كالخاص، وألَّا ترجيح بكثرة الرواة، وأنه لا يجب العمل بحديثِ غيرِ الفقيه إذا انسدَّ باب الرأي، ولا عبرة بمفهوم الشرط والوصف مثلًا، وأن موجَبَ الأمر هو الوجوبُ ألبتة، وأمثال ذلك أصول مُخَرَّجة على كلام الأئمة، وأنها لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبه، وأنه ليست المحافظة عليها والتكلف في جواب ما يرد عليها من صنائع المتقدمين كما يفعله البزدوي … ". (1)
كما استخدم أصولِيُّو مدرسة المتكلمين الاستقراء في إثبات ظنية دلالة اللفظ العام على أفراده، فقد اسْتَقْرَوا العمومات الواردة في القرآن الكريم فوجدوا أكثرها قد خُصِّص، فقرروا أن دلالة العام على أفراده ظنية، واشتهر عنهم في ذلك قولهم إنه ما من عام إلّا وقد خُصِّص. (2)--------------------------------------------
(1) الدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم (شاه ولي الله): الإنصاف في بيان أسباب الإختلاف في الأحكام الفقهية، (القاهرة: المطبعة السلفية، 1385 هـ)، ص 13، 38.
(2) انظر أبو زهرة، محمد: أصول الفقه، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1417 هـ / 1997 م)، ص 141.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)

وفي تناوطم بالدراسة مسالك العلة، نجد الاستقراء حاضرًا، كما هو الحال في مسلك الدوران (الطرد والعكس) الذي هو تلازم الحكم والعلة وجودًا وعدما، (1) وهو أمر يحتاج في إثباته إلى الاستقراء، وهو من الاستقراء الناقص. وكما هو في مسلك السبر والتقسيم، إذ التقسيم هو استقراءُ أوصافِ الأصل وجمعها في جملة معينة. (2)
والقواعد والضوابط الفقهية يقوم الجزء الأكبر منها على الاستقراء، إذْ نوعان: قواعد مقتبسة من النصوص الشرعية، مثل "لا ضرر ولا ضرار، (3) و"الأمور بمقاصدها"، (4) وهذا يمثل جزءًا يسيرًا من القواعد الفقهية، أما الجزء الأكبر فإنه مُستمدٌّ بطريق استقراء الفروع الفقهية الواردة في الباب الواحد لإستخراج قاعدة كلية أو أغلبية تنتظم تلك الفروع في عقد واحد، وتضبطها بضابط مشترك. (5)
كما كان الاستقراء أحدَ الوسائل التي اعتمدها الفقهاء في أبواب كثيرة من الفقه الإِسلامي، كإحصاء أنواع المياه، وتحديد دماء الحيض والنفاس والإستحاضة، وتحديد أقصى مدة الحمل، والإستدلال على عدم فرضية صلاة الوتر، (6) وغير ذلك.
وكان الاستقراء هو الوسيلة الأساسية التي اعتمدها علماء اللغة العربية في استخراج قواعدها وضوابطها، إذ استقصوا في سبيل ذلك معظم التراكيب العربية--------------------------------------------
(1) انظر الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج 3، ص 330.
(2) انظر المصدر السابق، ج 3، ص 289 - 291.
(3) مأخوذة من الحديث "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ". سنن ابن ماجة الحديث (2340) و (2341).
(4) مأخوذة من الحديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ". صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب (1)، مج 1، ج 1، ص 3، الحديث (1).
(5) انظر في ذلك مثلا: ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم: الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1405 هـ/ 1985 م)، ص 15؛ الكرابيسي، أسعد بن محمد بن الحسن: الفروق، تحقيق محمد طموم، (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ط 1، 1402 هـ / 1982 م)، ج 1، ص 33.
(6) انظر في الإستدلال بالاستقراء على عدم وجوب صلاة الوتر: أبو حامد الغزالي: المسمَّى، ج 1، ص 55، حيث يقول عن الإستدلال بالاستقراء: "كقولنا في الوتر: ليس بفرض؛ لأنه يُؤدَّى على الراحلة، والفرض لا يُؤدَّى على الراحلة. فيقال: لِمَ قلتم إن الفرض لا يُؤدَّى على الراحلة؛ فيقال: عرفناه بالاستقراء، إذ رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف الفرائض لا تؤدى على الراحلة، فقلنا: إن كل فرض لا يُؤدَّى على الراحلة".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)

وطرق أدائها، ومعظم المفردات العربية ومشتقاتها، ثم استخرجوا من ذلك قواعد النحو والصرف، ونفس الأمر كان مع استخراج قواعد علم العروض. (1)
ولَمّا كان أكثر من اعتنى بالاستقراء نظرًا وتطبيقًا هو الإمام الشاطي، ثُمّ تبعه في ذلك الإمام محمد الطاهر بن عاشور فإن بيان مسلك الاستقراء لا يَتِمّ إلّا بإفراد كل واحد منهما بفصل مستقل لبحث موضوع الاستقراء عند كل واحد منهما بشيء من التفصيل.--------------------------------------------
(1) انظر في هذا المجال: المخزومي، مهدي: الخليل بن أحمد الفراهيدي: أعماله ومنهجه، (بيروت: دار الرائد العربي، ط 2. 1406 هـ / 1986 م)، ص 77 - 82؛ أحمد مختار عمر: المبحث اللغوي عد العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر، (القاهرة: عالم الكتب، ط 6، 1988 م)، ص 79 - 92.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)

‌‌الفَصْلِ الثَّالِث
الاستقراء عند الإمام الشاطبي
‌‌تَمْهِيد
لم يكن الاستقراء غائبًا غيابًا كاملًا عن مباحث الأصول عند الأصوليين المتقدمين على الشاطبي كما سبقت الإشارة، لكنهم لم يُعنوا به العناية الكافية، ولم يوظفوه توظيفًا كاملًا بوصفه منهجًا للإستدلال على القواعد والمسائل الأصولية. وربما كان ذلك ناتجًا عن التأثر بنظرة المنطق الأرسطي للإستقراء خاصة الناقص منه، من أنه -تبعًا للأسس المثطقية التي بُنِيَ عليها وفُسِّرَ بها- لا يفيد كثيرًا بحكم أنه لا يوصل إلى نتائج قطعية. ويبدو هذا جليًّا في موقف أبي حامد الغزالي -الذي يعدّه البعض أول من أدخل المنطق في علم أصول الفقه (1) - حيث قلَّل من أهمية الاستقراء في كونه دليلًا تُستنبط به القواعد الكلية أو الفروع الفقهية من جهتين:
إحداهما: أنه حتى وإنكان استقراءً تامًّا، فإنه لا يفيد نتيجَتَهُ إلّا بإرجاعه إلى الضرب الأول من النمط الأول من البرهان، وهو صياغته على شكل مقدمتين يُشترط في أولاهما أن تكون مثبتة، ويُشترط في الثانية أن تكون عامة كلية، وتشترك هاتان المقدمتان في علة تكون حكمًا في إحداهما ومحكومة في الأخرى. (2) ووجه التقليل من أهميته هنا جعلُه لا يفيد نتيجة يقينية إلَّا بإرجاعه إلى البرهان.
والثانية: وصفه للإستقراء الناقص بالاختلال، وأنه قليل الفائدة، والحكم عليه--------------------------------------------
(1) القول بأن الغزالي أول من أدخل علم النطلق في علم أصول الفقه مبي على أنه أول من صدَّرَ كتابًا في أصول الفقه -وهو كتابه المستصفى من علم الأصول- بخلاصة لأهم نظريتين في المنطق القديم، وهما: نظرية الحدّ، ونظرية البرهان. ومع أنه صرح أن هذه المقدمات المظقية ليست من مباحث علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به، إلّا أنه جعلها أساس كل علم، ومن لا يحيط بها "فلا ثقة له بعلومه أصلا". المستصفى، ج 1، ص 21، وانظر فيما أورده من مقدمات منطقية ج 1، ص 21 - 58 من الكتاب نفسه.
(2) مثَّل الغزالي لهذا النظم من البرهان في الفقهيات بقوله: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، إذًا كل نبيذ حرام. انظر في تفصيل هذا النظم من البرهان: الغزالي: المستصفى، ج 1، ص 44 - 46.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)

بعدم إفادة القين مطلقًا، وفي ذلك يقول -بعد أن مثَّل للاستقرإء لإثبات عدم فرضية صلاة الوتر التي تقدمت الإشارة إليها: "وهذا [أي الاستقراء الناقص] مختل يصلح للظنيات دون القطعيات"، (1) ويقول: " … فلا يفيد الاستقراء علمًا كليًّا بثبوت الحكم للمعنى الجامع للجزئيات حتى يجعل ذلك مقدمة في قياس آخر، (2) أي أنه لا يمكن إثبات الكليات القطعية به، ومن ثَمَّ لا يمكن جعل تلك الكليات مقدمات لقياس آخر.
وسيسعى الباحث في هذا الفصل إلى بيان وجوه العناية والإبداع في موقف الشاطبي من الاستقراء، كيف تمكّن من توظيف هذا المنهج الاستدلالي في مباحث أصول الفقه بطريقة تبدو خالصة من شوائب المنطق اليوناني.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، ج 1، ص 55.
(2) الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 152.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)

‌‌المبحث الأول
تعريف الاستقراء عند الشاطبي وبيان الأساس الذي يقوم عليه
أول شيء يُلفت نظر الباحث في موقف الشاطبي من الاستقراء ابتكاره لمصطلح "الاستقراء المعنوي"، هذا المصطلح الذي يحمل في طيّاته دلالة تختلف إلى حدّ ما عن مفهوم الاستقراء في المنطق الأرسطي.
تعريف الاستقراء المعنوي:
يعرف الشاطبي الاستقراء المعنوي بأنه "الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضافٌ بعضُها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة، على حَدِّ ما ثبت عند العامة جود حاتم، وشجاعة علي رضي الله عنه، وما أشبه ذلك. فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد [يعني القواعد الضرورية، والحاجية، والتحسينية] على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات، والمطلقات والمقيدات، والجزئيات الخاصة، في أعيان مختلفة، ووقائع مختلفة، في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى أَلْفَوْا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال منقولة وغير منقولة". (1)
فالاستقراء المعنوي ليس استقراءً لأوصاف عرضية، ولا هو استقراء لذات الأدلة، جزئيةكانت أم كلية، وإنما هو استقراء لمقتضيات أدلة وردت بأشكال وصيغ مختلفة، لأغراض شتّى، وفي أبواب متفرقة، لكنها تشترك في معنى من العاني، يكمِّل كلٌّ منها الآخر فيه، ويسند كلٌّ منها ما سبقه من أدلة إلى أن يصل الناظر فيها إلى اليقين، والقطع بكون المعنى الذي اشتركت فيه هذه الأدلة مقصدًا من مقاصد الشارع.--------------------------------------------
(1) الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 39.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)

العلاقة بين التواتر والاستقراء المعنوي:
يرى الشاطبي أن الاستقراء نوع من أنواع التواتز وأن المسوَّغ الذي يجعل الاستقراء يفيد القطع هو المسوِّغ ذاته الذي أوجب القطع في نتيجة التواتر وفي ذلك يقول. "وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق. ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه". (1)
وقد عَدّ الشاطبي الاستقراء المعنوي شبيهًا بالتواتر المعنوي (2)، لكنه لم يجعله عينه لما بينهما من فروق. والفرق بينهما أن التواتر المعنوي تكون جميع الأدلة فيه على مساق واحد، راجعة إلى باب واحد، فتكون خادمة لمعنى واحد، وإنما الإختلاف في الألفاظ المروي بها ذلك المعنى، أما الاستقراء المعنوي فمع كون أدلته تنتظم معنًى واحدًا الذي هو المقصود بالإستدلال عليه إلّا أنها مختلفة المساق، لا ترجع إلى باب واحد، وإنما إلى أبواب متعددة. (3) ووجه الشبه بينهما أن كلًّا منهما يعتمد أساس التواتر وهو تضافر جملة من الأدلة وتكاثرها على معنى واحد إلى أن يبلغ ذلك المعنى مرتبة القطع.
أساس الاستقراء عند الإمام الشاطبي:
لقد أدرك الشاطبي أن اعتماده الاستقراء دليلًا أساسيًّا في الإستدلال على الكليات والمقاصد الشرعية أمر غير مسبوق إليه بتلك السِّعة، كما أن إعطاء صفة القطع لنتائج الاستقراء الناقص أمر مخالفً تمامًا لما اشتهر -بين المناطقة وعلماء الشريعة على حدّ سواء- من كونه لا يفيد سوى الظن، ولذلك سعى الشاطبي -من أجل تسويغ عمله هذا- إلى تحقيق أمرين:
الأول: بيان الأساس الذي يقوم عليه الاستقراء: فقد أرجعه الإمام الشاطبي إلى--------------------------------------------
(1) الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 1، ص 24.
(2) انظر المصدر السابق، الصفحة نفسها.
(3) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 25.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)