Arabic source text

📘 তুরুকুল কাশফি আন মাকাসিদিশ শারী (নুমান জুগাইম)

📘 طرق الكشف عن مقاصد الشارع (نعمان جغيم)

📘 তুরুকুল কাশফি আন মাকাসিদিশ শারী (নুমান জুগাইম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الثاني: "استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كل عام فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ"، (1) لأن الاستقراء إنما هو تصفح جزئيات معنى من المعاني ليُثْبَت من جهتها حكم عام. وهذا هو الذي سماه بالعموم المعنوي. (2)
2 - إجراء العام على عمومه: حيث استدلّ بالاستقراء على أن العمومات التي اتحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكررت في مواطن كثيرة من غير تخصيص يجب إجراؤها على عمومها من غير حاجة إلى التوقف للبحث عن المعارض أو المخصص. (3)
سادسًا - النسخ والتشابه في القرآن الكريم: ومن ذلك المسائل الآتية:
1 - محل النسخ: حيث أثبت بالاستقراء التام أن النسخ لم يقع في كليات الدين وقواعده الأصولية. (4) وهو استقراء ممكن، لأن كليات الدين وقواعده الأصولية في القرآن الكريم يمكن حصرها والتأكّد من عدم نسخها.
2 - نسبة المنسوخ إلى المُحْكَم: فاستقراء الناسخ والمنسوخ يدلُّ على أن نسبة الجزئيات التي وقع فيها النسخ بالنسبة إلى ما بقي محكمًا قليلة. (5)
3 - محل المتشابه: حيث أثبت بالاستقراء أن التشابه لا يقع في القواعد الكلية، وإنما في الفروع الجزئية. (6)
4 - قلة المتشابه في القرآن الكريم: فقد اعتمد الاستقراءَ دليلًا لإثبات قلة المتشابه في القرآن الكريم، وأنه لم يقع إلّا فيما لا يتعلق به تكليف غير مجرد الإيمان به وأنه من عند الله تعالى، وأنه لحكمة أرادها. (7)--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 221.
(2) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 194.
(3) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 227.
(4) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 78 - 79، 88.
(5) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 79.
(6) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 71 - 72.
(7) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 64 - 65، 70.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)

سابعًا - إثبات حجية الأدلة الشرعية: ومن ذلك:
1 - إثبات حجية المصلحة المرسلة: فمما اعتبره الشاطبي ثابتًا بالاستقراء المعنوي المصلحة المرسلة، إذْ المصلحة أصل شرعي وإن لم يشهد له نص معين بالاعتبار إلَّا أنه لما كان ملائمًا لتصرفات الشرع، ومأخوذًا معناه من أدلته كان أصلًا صحيحًا يُبنى عليه ويرجع إليه. (1)
2 - كما نَبَّهَ على أن حجية كلٍّ من خبر الآحاد، والإجماع، والقياس ثابتة بالاستقراء المعنوي، وإن لم يصرح بذلك الجمهور الذين أثبتوا حجيتها. (2)
ثامنًا - وجه اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة لمحالِّها:
حيث استدل بالاستقراء على أن اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة لمحالهِّا على وجهين: أحدهما الإقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، وهو الواقع على الْمَحَل مجردًا من التوابع والإضافات كالحكم بإباحة الصيد، والبيع، والإجارة، وغير ذلك، والثاني الإقتضاء التَّبَعِي: وهو الواقع على الْمَحَلّ مع اعتبار التوابع والإضافات، كالأحكام العارضة للنكاح فإنه يحكم عليه بالإباحة لمن لا إِرْبَ له في النساء، وبالوجوب على من خشي العنت، وغيرها من الأحكام الخمسة، فهذه الأحكام ليست بالإقتضاء الأصلي وإنما باعتبار الظروف والعوارض التي يَتَّصِف بها المحكوم عليه. والأصل في الإستدلال أن يأخذ المستدلُ الدليلَ على الحُكْم مفردًا مجردًا عن اعتبار الواقع حتى يصحَّ استدلاله، إلّا إذا اقترن المناط بأمر محتاج إلى اعتباره في الإستدلال، فعند ذلك لا بُدَّ من اعتباره. وبعد أن استعرض جملة من الأمثلة للتدليل على ما ذهب إليه قال: "والأمثلة في هذا المعنى لا تحصى، واستقراؤها من الشريعة يفيد العلم بصحة هذا التفصيل". (3)--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 27.
(2) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 25.
(3) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 58 - 59.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)

تاسعًا - إثبات قانون الإطراد في الكون:
وذلك من خلال الإستدلال بالاستقراء على إثبات العوائد العامة التي لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال، كلأكل والشرب، والفرح والحزن، والنوم واليقظة، والميل إلى الملائم والنفور عن المنافر، وتناول الطيبات والمستلذات، واجتناب المؤلمات والخبائث، أو بتعبير آخر السنن الثابتة التي وضعها الله تعالى في الأنفس والكون. وهذه العادات يكون ما جرى منها في الزمان الحاضر محكومًا به على الزمان الماضي والمستقبل مطلقًا، كانت العادة وجودية أو شرعية. وقد اعتبر الشاطبي قانون الإطراد في هذا النوع من العادات أو السنن عادةً كليّةً أبديّة، وحكمًا باقيًّا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو أمر معلوم غير مظنون. (1)
عاشرًا - جريان الأدلة الشرعية على مقتضيات العقول السليمة:
فقد استدلّ بالاستقراء على أن الأدلة الشرعية جارية على مقتضيات العقول السليمة "بحيث تصدقها العقول الراجحة، وتنقاد لها طائعةً أو كارهة، ولا كلام في عناد معاند، ولا في تجاهل متعام، وهو المعنيُّ بكونها جارية على مقتضى العقول، لا أن العقول حاكمة عليها، ولا محسنة فيها ولا مقبحة". (2)
تعقيب:
تظهر أهمية ما قدمه الشاطبي في إعادته تكييف الاستقراء ببنائه على أسس جديدة، وإبراز معايير أخرى لتفسيره وتسويغ نتيجته، وذلك من خلال ابتكار ما اصطلح على تسميته بـ"الاستقراء المعنوي"، ثم إلحاقه بمبحث التواتر وتفسير نتيجته طبقًا لقوانين التواتر المعنوي، مما أعطاه مصداقية كبيرة ليصير أقوى دليل-على الأقل عنده- في إثبات الأصول والقواعد الكلية، ثم عمل بعد ذلك على توظيفه في الإستدلال للقواعد الكلية والمقاصد الشرعية.--------------------------------------------
(1) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 227.
(2) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 20.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)

ويمكن إبراز عناية الشاطبي بالاستقراء منهجًا للإستدلال فيما يأتي:
1 - توسيعه لمجال استخدام المنهج الإستقرائي للإستدلال على القواعد العامة، والكليات والمقاصد الشرعية، واقتناص القطعيات من الظنيات، حيث جعله المنهج الأساس الذي بنى عليه كتابه الموافقات، وقد صرح بذلك في خطبة الكتاب، حيث قال: "ولما بدا من مكنون السرِّ ما بدا، ووفَّق الله الكريم لما شاء منه وهدى، لم أزل أقيّد من أوابده، وأضمّ من شوارده تفاصيلًا وجملًا، وأسوق من شواهده، في مصادر الحكم وموارده، مبيِّنًا لا مجملًا، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبيِّنًا أصولها النقلية، بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الإستطاعة والْمُنَّةُ، في بيان مقاصد الكتاب والسنة". (1) وأشار في نهاية الكتاب إلى أن هذا المنهج الإستقرائي - الذي اعتمده في الإستدلال على الكليات واقتناص القطعيات من الظنيات- يمثل خاصة كتابه، وميزته التي تميزه عن غيره، حيث قال: " … ومَرَّ أيضًا بيان كيفية اقتناص القطع من الظنيات، وهي خاصة هذا الكتاب لمن تأمله والحمد لله". (2)
والناظر في كتابه يجده فعلًا قد التزم بذلك، فأوَّلُ دليل استدل به على أول مقدمة استهل بها كتابه هو الاستقراء، (3) ولا نكاد نجد قاعدة من القواعد العامة، أو كلية من الكليات التي بحثها في كتابه هذا إلّا وقد استدل لها -من جملة أدلتها- بالاستقراء، سواء اكتفى في ذلك بالقول بأن تلك القاعدة أو الكلية محلّ الإستدلال قد ثبتت باستقراء موارد الشريعة ومصادرها من غير إيرادٍ للجزئيات المستقرأة، أو بإيراد طرف من تلك الآحاد المستقرأة. وإذا أخذنا بعين الإعتبار كون كتابه الموافقات يبحث في الكليات والقواعد العامة، فليس من المبالغة القول -كما صرح هو نفسه- بأن الاستقراء يمثِّل العمدة وسيِّد الأدلة في هذا الكتاب، وقد تبيّن ذلك--------------------------------------------
(1) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 1، ص 16.
(2) المصدر السابق، مج 2، ج 4، ص 242.
(3) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 19.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)

عند الحديث عن مجالات الاستقراء عند الشاطبي. (1)
3 - تحرير الاستقراء من قيود المنطق الأرسطي، وإعطائه مصداقية وقوة أكبر في الإستدلال به، وذلك من خلال أمرين: أحدهما: رفض ما انتشر بين المناطقة من كون الاستقراء الناقص لا يفيد القطع مطلقًا، وذهابه إلى أن الاستقراء يفيد أساسًا الظن، لكنه مع ذلك يفيد القطع أيضًا إذا توافرت شروطه، بل إنه بلغ به غاية القوة في الإستدلال عندما أضفى على كثير من نتائحه أوصاف الكلية والعموم والقطع.
والثاني: إخراجه من الإطار الذي وضعه فيه المنطق الأرسطي، وإلحاقه بالتواتر حيث جعله نوعًا من أنواع التواتر وجعله شبيها بالتواتر المعنوي، (2) وسماه "الاستقراء المعنوي". وقد حقق عمل الشاطبي هذا للإستقراء فائدتين:
الأولى: إعطاؤه ما للتواتر من قوة في الإستدلال، من حيث كونه موصلًا إلى العلم، ومن ثَمَّ التخلص مما يسمى عند المناطقة بـ"مشكلة الاستقراء الناقص".
الثانية: تسويغ العمل به في الشرعيات من خلال تحريره من رواسب المنطق اليوناني، وبالتالي التخلص مما يمكن أن يُثار من حساسية في استعماله، بحكم عدِّه من قِبَل كثير من العلماء المسلمين موروثًا يونانيًّا دخيلًا على العلوم الشرعية ينبغي اجتنابه لِمَا يمكن أن يتركه من آثار سلبية في هذه العلوم.--------------------------------------------
(1) ويمكن القول إن من ثمرات عمل الشاطبي هذا استفادةُ كثير من العلماء الذين جاءوا بعده من منهجه هذا، وعلى رأسهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وظهور ما اصطُلِحَ على تسميته بالتفسير الموضوعي، والدراسة الموضوعية للحديث، حيث يقوم كلٌّ منهما على فكرة الاستقراء المعنوي بتجميع كل النصوص الواردة في موضوع واحد، ودراستها دراسة موضوعية من أجل فهمٍ أحسنَ وأشمل لذلك الموضوع، والخروج بقواعد عامة وكليات تحكم فروعه وجزئياته.
(2) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 1، ص 24.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)

‌‌الفَصْلُ الرَّابعِ
الاستقراء عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور
‌‌تَمْهِيدٌ
لقد جعل ابن عاشور الاستقراء أوَّل مسلك من مسالك الكشف عن مقاصد الشارع، ووصفه بأنه أعظمها. (1) كما جعله دليلًا من الأدلة التي يُستدل بها على الأحكام، حيث قال: "وإنما اعتُبِر دليلًا لأن الكلية لم تكن ثابتة ولا دليل عليها إلّا تتبع الجزئيات، ولأنها بعد ثبوتها يُستدل بها على أحكام جزئيات مجهولة، مثل أن تقول: الوتر سنَّة لا فرض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صَلَاّهُ على الراحلة، والفرض لا يُؤَدَّى على الراحلة أخذًا من استقراء أسفار النبي صلى الله عليه وسلم والسلف رضي الله عنهم". (2) ومع ذلك لم يقدم له تعريفًا لا في كتاب مقاصد الشريعة الإِسلامية، ولا في أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، وربما اكتفى بتعريفه له في حاشية التوضيح، حيث عرفه بأنه "هو تتبع الجزئيات لإثبات حكم كلي". (3)--------------------------------------------
(1) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 125.
(2) محمد الطاهر بن عاشور: حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات التنقيح، (تونس: مطبعة النهضة، 1341 هـ)، ج 2، ص 224، نقلًا عن إسماعل الحسني: نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، (5 يرندن: المعهد العالمي للفكر الإِسلامي، ط 1، 1416 هـ/ 1995 م)، ص 356.
(3) المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)

‌‌المبحث الأول
الاستقراء بين القطع والظن عند ابن عاشور
لا يفصح ابن عاشور -عادةً- في استعماله الاستقراء عن نوع الاستقراء الذي استعمله: هل هو استقراء تام أم ناقص، ولكن جريًا على ما اشتهر من كون الاستقراء التام يفيد اليقين، وإنما النزاع في نتيجة الاستقراء الناقص، فالمفترض عند ابن عاشور أن يقول بيقينية نتيجة الاستقراء التام، خاصة وأنه ذهب إلى أن الاستقراء الناقص يفيد القطع واليقين في كثير من الأحوال. وبعد تتبع موقف ابن عاشور من نتيجة الاستقراء الناقص في كتابيه: مقاصد الشريعة الإِسلامية، وأصول افظام الاجتماي في الإِسلام، تبيَّن من خلال أقواله أن نتيجة الاستقراء الناقص تترقى من مرتبة الظن إلى الظن القريب من اليقين، وقد تصل أحيانًا إلى اليقين. وفي ذلك يقول: " … وعلى هذا فالحاصل للباحث عن المقاصد الشرعية قد يكون علمًا قطعيّا، أو قريبًا من القطعي، وقد يكون ظنّا". (1)
ومن المواطن التي صرح فيها بإفادة الاستقراء الناقص القطع ما يأتي:
1 - قوله: "واستقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإِسلامية منوطة بحِكَم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد". (2)
3 - وعند حديثه عن المصالح القطيعة، عَدّ من المصالح القطعية "ما تضافرت الأدلة الكثيرة عليه مما مستنده استقراء الشريعة … ". (3)
3 - وعند حديثه عن إثبات تعليل أحكام الشريعة، وقبولها القياس، قال: "فإن استقراء الشريعة في تصرفاتها قد أكسب فقهاء الأمة يقينًا بأنها ما سوَّت في جنسِ حكمٍ من الأحكام جزئياتٍ متكاثرة إلّا ولتلك الجزئيات اشتراك في وصف يتعين--------------------------------------------
(1) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 156.
(2) المصدر السابق، ص 118.
(3) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 221.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)

عندهم أن يكون هو موجِبُ إعطائِها حكمًا متماثلا". (1) ومن المعلوم أن الاستقراء الذي يورده الفقهاء والأصوليون لإثبات التعليل يكون ناقصًا عادة.
4 - وعند حديثه عن مقاصد التصرفات المالية، وأن للمال مكانة سامية في الشريعة الإِسلامية قال: "وإذا استقرينا أدلة الشريعة من القرآن والسنة الدالة على العناية بمال الأمة وثروتها، والمشيرة إلى أن به قوام أعمالها وقضاء نوائبها، نجد من ذلك أدلة كثيرة تفيدنا كثرتها يقينًا بأن للمال في نظر الشريعة حظًا لا يُستهان به". (2)
5 - وعند حديثه عن أن من مقاصد الشارع بَثّ الحرية، والإقلال من العبودية، استقرأ مجموعةً كبيرةً من أدلة الشارع المثبتة لذللث، ثم قال: "فمن استقراء هاته التصرفات ونحوها حصل لنا العلم بأن الشريعة قاصدة بَثّ الحرية بالمعنى الأول [أي ضد العبودية] ". (3)
6 - وعند حديثه عن مقصد السماحة واليُسْر قال: "واستقراء الشريعة يدلّ على هذا الأصل في تشريع الإِسلام، فليس الإستدلال عليه بمجرد هذه الآية أو هذا الخبر حتى يقول معترض إن الأصول القطعية لا تثبت بالظواهر لأن أدلة هذا الأصل كثيرة منتشرة، وكثرة الظواهر تفيد القطع، ولهذا قال إمام الفقه والحديث مالك بن أنس في مواضع من الموطأ "ودين الله يسر" وحسبك بهذه الكلمة من ذلك الإمام فإنه ما قالها حتى استخلصها من استقراء الشريعة". (4)
7 - وعند حديثه عن المغيبات -التي جاءت بها نصوص الشرع من غير أن تكون لعقولنا قدرة على إدراك حقيقتها، ومع ذلك فاللازم تصديقها واليقين بما فيها- يُلْحِقُ بذلك بعض المسائل التعبدية التي شرعها الشارع ولم تَهْتَدِ عقولنا إلى الحكمة من تشريعها، فيقول: "ونلحق بهذا القسم أشياء اشتملت عليها الشريعة من غير عالَم الغيب لم نَهْتَدِ إلى حقيقتها، فنحن نتلقاها كما جاءت موقنين باشتمالها--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، ص 248.
(2) المصدر السابق، ص 328.
(3) المصدر السابق، ص 284.
(4) محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، ص 26 - 27.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)

على مصالح لم تتضح لنا، جاعلين يقيننا بذلك مُستنتَجًا من استقراء جمهرة الأحكام في سائر الأحوال، إذْ نجد تلك الأحكام حقائق بيِّنة ومصالح واضحة، ولا يُعَدُّ يقيننا ذلك وهمًا، بل تفويضا". (1)
وقد حدد ابن عاشور جملة من المعايير أو الشروط التي تحدِّد مرتبة العلم التي يفيدها الاستقراء بين القطع والظن، ويمكن تلخيصها في الآتي:
1 - "مقدار فيض ينابيع الأدلة ونضوبها، وبمقدار وفرة العثور عليها واختفائها". (2) فعلى قدر كثرة الأدلة التي يشملها الاستقراء تكون قوة الإفادة في النتجة المستخلصة منه، فكلما زاد عدد الأدلة والشواهد المستقرأة زادت قوة العلم الذي يفيده الاستقراء.
2 - خفاء دلالة الأدلة المستقرأة ووضوحها. فمن المعلوم أن الأدلة تتفاوت مراتبها من حيث الوضوح والخفاء، فكلما كانت دلالة الأدلة المستقرأة أكثر وضوحًا وصراحةً زادت قوة نتيجة الاستقراء إلى أن تصل إلى مرتبة اليقين والقطع، وبالعكس، كما قلَّ وضوح دلالة الأدلة وزاد خفاؤُها قَوِيّ جانبُ الظن في نتيجة الاستقراء. وقد مثل ابن عاشور لذلك بكون النصوص الواردة في تحريم الخمر واضحة الدلالة على أن مقصد الشريعة حفظ العقول عن الفساد العارض، ولذلك لم يكد يختلف المجتهدون في تحريم ما يصل بالشارب إلى حدِّ الإسكر وأما دلالة تحريم الخمر على أن مقصد الشريعة سدُّ ذريعة إفساد العقل حتى نأخذ من ذلك المقصد تحريمَ القليل من الخمر أو النبيذ الذي يسكر كثيره فتلك دلالة خفية، ولذلك اختلف الفقهاء في هذا المقصد، واختلفوا تبعًا لذلك في مساواة تحريم الأنبذة لتحريم الخمر. فمن غلب على ظنه كون هذا الأخير مقصدًا شرعيًا سَوَّى بينهما في التحريم وإقامة الحد، ومن لم يغلب على ظنه ذلك فَرَّق بينهما في مرتبة التحريم وفي العقوبة. (3)--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، ص 46.
(2) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 156.
(3) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 161.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)

3 - احتمال قيام المعارِضَات لشواهد الاستقراء. فقيام المعارِضَات لشواهد الاستقراء قادح في نتيجته؛ فإن احتمال وجود هذه المعارِضات سيدخلُ -ولا شكّ- عنصرَ الظن على نتجيته، وذلك بحسب قوة هذه الإحتمالات، فكلما قويّ احتمال قيام المعارض قويّ عنصرُ الظن لدى المجتهد في نتيجة استقرائه. (1)
4 - ما تتصف به النصوص من عموم أو جزئية، فإذا كانت النصوص المستقرأة عمومات وكليات، كانت صالحة لأن يثمر استقراؤها نتيجة قطعية، أما إذا كانت جزئية فإن نتيجة استقرائها لا تعدو عادة أن تكون ظنية. (2)
5 - قطعية وظنية الثبوت، إذْ يشترط ابن عاشور في النصوص التي يمكن أن يؤدي استقراؤها إلى نتيجة قطعية أن تكون قطعية الثبوت، أي يقينية النسبة إلى الشارع الحكيم، أوعلى الأقل يكون بعضها كذلك. (3)
وبناءً على ما سبق يكون الاستقراء الذي يُثْمِر مقاصدَ قطعية هو الذي يشمل أدلة متكررة من القرآن تكرُّرًا ينفي احتمال أن يُقْصَدَ منها المجاز والمبالغة، (4) وتكون هذه الأدلة عمومات أو نصوصًا في معانيها، وتكون كلها قطعية المتن (أي وردت متواترة، وهي إما من القرآن أو السنة المتواترة) أو على الأقل أكثرها تتصف بهذه الصفات، ولا بأس أن تدعم بعد ذلك بأدلة من السنة ظنية الورود. فمثل هذا الاستقراء الذي تتوافر فيه هذه الشروط ولو كان ناقصًا يثمر مقاصد قطعية.
ومثال الاستقراء الذي يثمر مقصدًا شرعيًّا قطعيًّا، استقراء جملة الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي نَصَّت على اليُسْر ورفع الحرج أو أومأت إليه، وهي كثيرة جدّا، "فمثل هذا الاستقراء يخول للباحث عن مقاصد الشريعة أن يقول إن من مقاصد الشريعة التيسير، لأن الأدلة المستقرأة في ذلك كله عمومات متكررة، وكلها قطعية النسبة إلى الشارع لأنها من القرآن، وهو قطعي المتن". (5)--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق، ص 161.
(2) انظر المصدر السابق، ص 160 - 161، 189.
(3) انظر المصدر السابق، ص 160.
(4) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 159.
(5) المصدر السابق، ص 160.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)

أما إذا كان الاستقراء مبنيًّا على أدلة كثيرة، لكنها إما كلها جزئي، أو أغلبها كذلك، وما كان منها متصفًا بصفة العموم والكلية لم يكن قطعي النقل، أي حديث آحاد، فإن هذا النوع من الاستقراء يُثْمِر نتيجة ظنية لكنها قريبة من القطعي.
وقد مثَّل ابن عاشور لهذا النوع من الاستقراء بما أورده الشاطبي من أن من مقاصد الشارع منع الضرر ودفعه، استنادًا إلى استقراء ما ورد في القرآن الكريم من آيات تنهى عن الضرر مثل قوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231]، وقوله: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6]، وقوله: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233]، وغيرها، وما ورد في السنّة من أحاديث أبرزها قوله صلى الله عليه وسلم: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (1) ومنها النصوص الواردة في السنّة عن التعدي على النفوس، والأموال، والأعراض، وعن الغصب، والظلم، وكل ما هو في معنى إضرار وضرار فهذه الأدلة، وإن كانت كثيرة إلَّا أنها أدلة جزئية، والدليل العام منها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" هو خبر آحاد، وليس بقطعي النقل عن الشارع. (2)
ولكن الملاحظ أن الشاطبي -وفي هذا المثال بالذات- يفهم من كلامه أنَّ مثل هذا النوع من الاستقراء يفيد القطع، إذْ يرى أن "الضرر مبثوث منعه في الشريعة كلها، في وقائع جزئيات وقواعد كليات … فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك". (3)--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 160 - 161.
(3) الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 12.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)

‌‌المبحث الثاني
مجالات استخدام الاستقراء عند ابن عاشور
لقد سعى الإمام محمد الطاهر بن عاشور إلى الإلتزام بالمنهج الإستقرائي في محاولاته التي قام بها للتعرف على مقاصد الشارع الحكيم في كتابيه: مقاصد الشريعة الإِسلامية، وأصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، (1) سواء في ذلك المقاصد الكلية والعامة، أو المقاصد الخاصة. ولكنه لا يصرح عادة بنوع الاستقراء الذي اعتمده في كل مسألة: هل يلتزم الاستقراء التام، أم أنه يكتفي بالاستقراء الناقص؟ والراجح أنه يكتفي في كثير من تلك المسائل باستقراء أغلب تصرفات الشريعة ونصوصها وأحكامها، أي الإكتفاء بالاستقراء الناقص، بناء على أن استقراء كثير من الأدلة -بالشروط التي سبق ذكرها- يمكن أن يفيد اليقين عنده. وقد استقرى الباحث أهم المواطن التي صرح فيها ابن عاشور بتطبيق المنهج الإستقرائي في الكشف عن مقاصد
الشارع، وفيما يأتي جملة منها:
1 - عدمُ انْبِنَاءِ المقاصد الشرعية على الأوهام والتخيلات: فمن خلال استقراء موارد الشريعة وتصرفاتها تبيّن عدم التفات الشريعة إلى الأوهام والتخيلات، وأمرُهَا بنبذها والبعد عنها، ومن ثَمَّ عدم انْبِنَاءِ المقاصد عليها، وفي ذلك يقول: "ثم إننا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيلات وتأمر بنبذها، فعلمنا أن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلَّا عند الضرورة، فقضينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية". (2)
2 - إثبات مقصد السماحة: وقد بدأ ابن عاشور بتحديد مفهوم السماحة، لأن تحديد المفهوم يمثل أساس الاستقراء، خاصة من حيث تحديد نوع الأدلة والجزئيات التي سيشملها الاستقراء، فعرَّف السماحة بأنها: "سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الإعتدال والعدل والتوسط" (3).--------------------------------------------
(1) ينبغي التنبيه إلى أن ابن عاشور قد استخدم المنهج الإستقرائي في الإستدلال في مؤلفاته الأخرى، ومن ذلك ما جاء في تفسيره التحرير والتنوير، في حصر مراتب المتشابهات في القرآن الكريم، ج 3، ص 158 - 160، وحصر مواقع التزيين المذموم، ج 2، ص 295.
(2) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الاسلامية، ص 174.
(3) المصدر السابق، ص 184.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

وانطلاقًا من هذا المفهوم يتبيّن أن كلّ النصوص والأحكام الواردة في السماحة، واليسر، والاعتدال، والتوسط، ورفع الحرج، وأضدادها تدخل ضمن الجزئيات المستقرأة. ثم استعرض في ذلك أهم الآيات والأحاديث الواردة في كل وصف من هذه الأوصاف، (1) ليخلص إلى القول: "واستقراء الشريعة دلّ على أن السماحة واليسر من مقاصد الدين". (2)
3 - تحديد المقصد العام من الشريعة: وهو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان، وهو المقصد الذي يُعبَّر عنه عادة بحلب المصالح ودرء المفاسد.
وقد قسم ابن عاشور الأدلة المستقرأة في ذلك إلى أنواع:
أ - أدلة كلية صريحة في أن مقصد الشريعة الإصلاح وإزالة الفساد، من أمثال قوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56]، وقوله: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 85]، وقوله: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60]، وقوله: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث حديث أبي عمرة الثقفي أنه قال: "قُلْتُ يا رَسُولَ الله قُلْ ليِ فِي الإِسْلَامَ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: "قُلْ آمَنْتُ بالله ثُمَّ اسْتَقِمْ"، (3)
ب - أدلة كلية، لكنها تدلّ على هذا المقصد إيماءً لا صراحة. ومن ذلك الأدلة التي "جاءت دالّة على أن صلاح الحال في هذا العالم مِنَّة كبرى يمنُّ الله بها على الصالحين من عباده جزاءً لهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)} [الأنبياء: 105 - 106]،--------------------------------------------
(1) من ذلك قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ} [الحج: 78]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُ الدِّينِ إِلَى الله الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ". أخرجه البخاري في صحيحه معلقا في كتاب الإيمان، باب (30)، مج 1، ج 1، ص 18 قبل الحديث (39)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ". صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب (30)، مج 1، ج 1، ص 18، الحديث (39). انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 184 - 187. وسيأتي استعراض النصوص الواردة في هذه الأبواب في فصل الدراسة التطبيقية للإستقراء.
(2) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 186.
(3) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب (13)، ج 1، ص 65.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

وقال مخاطبًا المسلمين: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 55]، وقال في معرض الوعد: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] ". (1)
ج - أدلة جزئية يمثلها ما شرع الله تعالى من أحكام رادعة للناس عن الإفساد، وموجبة أو مرغبة في الصلاح وفعل الخير، مثل شرع القصاص على إتلاف الأرواح وقطع الأطراف، وشرع تعويض قيمة المتلفات، وإباحة تناول الطيبات والزينة. (2)
ثم ينتهي ابن عاشور بعد ذلك إلى أن استقراء هذه الأدلة ونحوها أوجب لنا اليقين بهذا المقصد، فيقول: "ومن عموم هذه الأدلة ونحوها حصل لنا اليقين بأن الشريعة متطلبة لجلب المصالح ودرء المفاسد، واعتبرنا هذا قاعدة كلية في الشريعة". (3)
4 - تحديد أنواع الحيل ومدى تفويتها للمقاصد الشرعية: حيث اعتمد ابن عاشور الاستقراء طريقًا لتحديد أنواع ذلك التحيل، وأسفر استقراؤه عن تقسيمها إلى خمسة أقسام، وفي ذلك يقول: "وعند صدف التأمل في التحيل على التخلص من الأحكامٍ الشرعية من حيث إنه يُفِيتُ المقصد الشرعي كله أو بعضه أو لا يفيته، نجده متفاوتًا في ذلك تفاوتًا أدَّى بنا الاستقراء إلى تنويعه خمسة أنواع … ". (4)--------------------------------------------
(1) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 189 - ، وانظر أيضًا: محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، ص 10 - 11.
(2) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 189 - 190.
(3) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 190.
(4) أنواع التحيل هذه هي:
1 - تحيّل يفيت المقصد الشرعي كله، ولا يعوضه بمقصد شرعي آخر، ومثال ذلك من وهب ماله قبل مُضيّ الحول بيوم لئلاّ يعطي زكاته، واسترجعه من الموهوب له من غد، وهذا لا ينبغي الشك في ذمه وبطلانه ووجوب المعاملة بنقيض مقصد صاحبه.
2 - تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقلُ إلى أمرِ مشروع آخر، مثل التجارة بالمال المتجمع خشية أن تنفصه الزكاة، فإنه إذا فعل ذلك فقد استعمل المال في مأذون فيه، وهذا النوع على الجملة جائز.
3 - تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلكُ به أمرًا مشروعًا هو أخفُّ عليه من المنتَقَلِ منه، مثل لبس الخف لإسقاط غسل الرجلين في الوضوء، وهذا مقام الترخص إذا لحقته مشقة من الحكم المتنَقَّل منه.
4 - تحيّل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع، وفي التحيّل فيها تحقيقٌ لِمُمَاثلِ مقصد الشارع من تلك الأعمال، مثل التحيّل في الأيمان التي لا يتعلق بها حق الغير. وللعلماء في هذا النوع مجال من الإجتهاد.
5 - تحيّل لا ينافي مقصد الشارع، أو هو يعين على تحصيل مقصده، ولكن فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى، مثل من تزوج امرأة مبتوتة قاصدًا أن يحللها لمن بَتَّها، وفيه خلاف بين الفقهاء. مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 253 بتصرف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

5 - إثبات مقصد سدّ الذرائع: حيث ذهب ابن عاشور إلى أن الاستقراء هو عمدة القائلين بسدّ الذرائع -وهو منهم- في إثبات هذا المقصد، فيقول: "فمقصد سدّ الذرائع مقصد تشريعي عظيم استُفِيدَ من استقراء تصرفات الشريعة في تفاريع أحكامها، وفي سياسة تصرفاتها مع الأمم، وفي تنفيذ مقاصدها … ". (1)
6 - كون التشريع منوطاً بَالضبط والتحديد: حيث قام ابن عاشور -عند حديثه عن كون التشريع الإِسلامي منوطًا بالضبط والتحديد- باستقراء الوسائل التي اتخذها الشارع طرقًا للإنضباط والتحديد، فقال: "وقد استقريت من طرق الإنضباط والتحديد في الشريعة ست وسائل". (2)
7 - قصد الشارع إلى بَثِّ الحرية: والمقصود هنا النوع الأول من الحرية، الذي هو ضد العبودية. (3) وهذا القصد قد أثبته الفقهاء قديمًا بطريق استقراء تصرفات الشريعة، التي دلت على أن من أهم مقاصدها إبطال العبودية وتعميم الحرية، حتى اشتهرت بينهم قاعدة "الشارع مُتَشَوِّف للحرية"، (4) التي كثيرًا ما استخدموها في مسائل الترجيح. وقد استعرض ابن عاشور النصوص الواردة في الترغيب في تحرير--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، ص 262.
(2) هذه الوسائل هي:
1 - الإنضباط بتمييز الماهيات والمعاني تمييزًا لا يقبل الإشتباه، مئل طُرُقِ القرابة المبيَّنَة في أسباب الميراث، وفي تحريم من حرم نكاحه، فبتعين المصير إليها دون ما لا ينضبط من مراتب المحبة والصداقة والنفع والتَّبَنِّي. 2 - مجرد تحقّق مسمى الإسم، كنوط الحدِّ في الخمر بشرب جرعة من الخمر ولو لم تسكر.
3 - التقدير، كنُصُب الزكوات في الحبوب والنقدين، ونصاب القطع في السرقة، وغيرها.
4 - التوقيت، مثل مرور الحول في زكاة الأموال، وغيرها.
5 - الصفات المعيِّنة للماهيات المعقود عليها، كتعيين العمل في الإجارة، وكالمهر والولي في ماهية النكاح لِيُمَيَّزَ عن السفاح.
6 - الإحاطة والتحديد، كما في إحياء الموات، وحدود الحِرْز في تحقُّق معنى السرقة تفرقةً بينها وبين الخلسة.
مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 266 - 268 بتصرف.
(3) المعنى الثاني للحرية هو"تمكّن الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض". مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 280 - 281.
(4) انظر المصدر السابق، ص 281، وانظر أيضًا: محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، ص 167 - 168.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

العبيد، والسبل التي سلكها الإِسلام للتقليل من الرِّق والسعي إلى تخليص البشرية منه بالتدرج، إلى أن قال: "فمن استقراء هاته التصرفات ونحوها حصل لنا العلم بأن الشريعة قاصدةُ بَثّ الحرية بالمعنى الأول [أي ضد العبودية] ". (1)
8 - إثبات تعليل الأحكام الشرعية -خاصة أحكام المعاملات-: إذْ يرى ابن عاشور أن مقصد الشريعة الأعظم نوطُ أحكامها المختلفة بمعان وأوصاف مختلفة تقتضي تلك الأحكام، لا بأسماء وأشكال، (2) حيث يتبع تغيرُ الأحكام تغيرَ الأوصاف، وقد استدل على ذلك بـ"استقراء أقوال الشارع صلى الله عليه وسلم وتصرفاته، ومن الإعتبار بعموم الشريعة الإِسلامية ودوامها"؛ (3) ذلك أن من مقتضيات عموم الشريعة لكل الناس، ودوامها لكل الأزمان أن تكون منوطة بمعان وأوصاف تحقق مقاصدها، فتدور أحكامُها معها وجودًا وعدما، لتتحقق خاصية المرونة في الشريعة بما يسع تحقيق مقاصد الشارع لمختلف الأقوام على اختلاف عاداتهم وأعرافهم، وعلى اختلاف الحِقَب الزمنية وما يصاحب ذلك من تطور في الحياة البشرية.
9 - إثبات واجب الإجتهاد: لَمّا كان من مقاصد الشارع تجنُّب التفريع في زمن التشريع، مع وضع الشريعة لتكون عامة ودائمة، كان من اللازم أن يقصد الشارع لتحقيق ذلك إلى إيجاد الوسيلة التي تجمع بين تحقيق هذين المقصدين المتناقضين في ظاهرهما، وتلك الوسيلة هي الإجتهاد، فكانت "الأمة الإِسلامية بحاجة إلى علماءَ أهلِ نظرٍ سديد في فقه الشريعة، وتمكن من معرفة مقاصدها، وخبرة بمواضع الحاجة في الأمة، ومقدرة طما إمدادها بالمعالجة الشرعية لاستبقاء عظمتها، واسترفاء خروقها، ووضع الهناء بمواضع النقب من أديمها. وقد هدانا الله إلى هذا بما أمر به من الإعتبار في أدلة الشريعة وبذل الجهد في استجلاء مراده. حصل لنا ذلك من استقراء آيات كثيرة من الكتاب وأخبار صحيحة من السنّة". (4)--------------------------------------------
(1) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 284.
(2) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 245.
(3) المصدر السابق، ص 289.
(4) المصدر السابق، ص 294.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

10 - مقاصد الشارع من أحكام النكاح: وفي سعيه إلى استخلاص مقاصد الشارع من أحكام النكاح سلك ابن عاشور مسلك الاستقراء في تحديد الأصول التي يمكان الاستناد إليها في استخراج تلك المقاصد، فقال: "وقد استقريت ما يستخلص منه مقصد الشريعة في أحكام النكاح الأساسية والتفريعية فوجدته يرجع إلى أصلين: الأصل الأول: اتضاح مخالفة صورة عقد النكاح لبقية صور ما يتفق في اقتران الرجل بالمرأة، الأصل الثاني: أن لا يكون مدخولًا فيه على التوقيت والتأجيل". (1)
11 - نوع النَّسَب الذي قصدت الشريعة إلى إيجاده: وفي تحديد نوع النَّسَب الذي اعتبرته الشريعة وقصدت إلى إيجاده والمحافظة عليه من خلال تشريعاتها في ذلك، سلك مسلك الاستقراء فقال: "واستقراء مقصد الشريعة في النَّسَب أفادنا أنها تقصد إلى نَسَبٍ لا شكّ فيه ولا محيد به عن طريقة النكاح بصفاته التي قررناها". (2)
12 - قصد الشارع إلى العناية بالمال وحفظه: حيث استعرض ابن عاشور من أجل إثبات هذا المقصد بعض الآيات الواردة في الزكاة التي جُعِلت شعارَ الإِسلام وثالثَ أركان الدين، (3) كما استعرض ما ورد من آيات أخرى وأحاديث سواء في معرض الامتنان على العباد بنعمة المال، أو في بيان أجر النفقة والكسب الحلال، أو في بيان قيمة المال وأهميته في حياة الأفراد والجماعات. (4)
13 - مقاصد الشارع في الأموال: حيث جعلها خمسة، مما: الرواج (5)،--------------------------------------------
(1) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 317.
(2) المصدر السابق، ص 321.
(3) من ذلك قوله تعالى: {يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [المائدة:55]، وقوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6 - 7].
(4) من ذلك قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، وقوله: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254]، وقوله: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} [الفتح: 20]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ يَوْمِ يُصْحُ الْعِبَادُ فِيهِ إلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقَولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُم أَعْطِ مُمْسِكَا تَلَفًا". صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب (29)، مج 1، ج 2، ص 443. انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 328، وانظر أيضًا: محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، ص 197 وما بعدها.
(5) وهو "دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق". محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 338.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

والوضوح، (1) والحفظ، (2) والثبات، (3) والعدل فيها، (4) وذلك اعتمادًا على الاستقراء. (5)
14 - مقاصد الشارع من تشريع المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان: حيث عمل على استقراء السُّنَن الواردة في ذلك، وما ورد في شأنها عن علماء السلف، خاصة علماء المدينة، حيث يقول: "ولقد استقريت ينابيع السنّة في هذه المعاملات البدنية على قِلَّة الآثار الواردة في ذلك، وتتبعت مرامي علماء سلف الأمة وخاصة علماء المدينة في شأنها، فاستخلصت من ذلك أن مقاصد الشريعة فيها ثمانية". (6)
15 - مقاصد الشارع من عقود التبرعات (7): وفي ذلك يقول: "وقد نجد في--------------------------------------------
(1) وهو"إبعادها عن الضرر والتعرض للخصومات بقدر الإمكان، ولذلك شرع الإشهاد والرهن في التداين". محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 346.
(2) وذلك مأخود من قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرى مسلم إلّا عن طيب نفس". البيهقي: السنن الكبرى، ج 6، ص 100. انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 346.
(3) معناه "تقرُّرها لأصحابها بوجه لا خطر فيه ولا منازعة". محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 347.
(4) وذلك "بأن يكون حصولها بوجه غير ظالم، وذلك إما أن تحصل بعمل مكتسبها، وإما بعوض مع مالكها أو تبرع، وإما بإرث". محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 349.
(5) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 338 - 349.
(6) وهي:
1 - التكثير منها،.
2 - الترخيص في اشتمالها على الغرر المتعَارَف في أمثالها.
3 - التحرز عما يُثقِل على العامل في هذه العقود.
4 - أن هذه العقود لم يُعْتَبر لزومُ انعقادها بمجرد القول، بل جُعِلت على الخيار إلى أن يقع الشروع في العمل (عند المالكية).
5 - إجازة تنفيل العَمَلَة في هذه العقود بمنافعَ زائدةٍ على ما يقتضيه العمل بشرط دون تنفيل رب المال.
6 - التعجيل بإعطاء عوض عمل العامل بدون تأخير، ولا نظرة، ولا تأجيل.
7 - إيجاد وسائل إتمام العمل للعامل، فلا يُلْزَم لإتمامه بنفسه.
8 - الالإبتعاد عن كل شرط أو عقد يشبه استعباد العامل، بأن يبقى يعمل طول عمره أو مدة طويلة جدًّا، بحيث لا يجد لنفسه مخرجا. محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 353 - 356 بتصرف.
(7) عقود التبرعات هي: "بذل المكلَّف مالًا أو منفعة لغيره في الحال أو المآل بلا عوض بقصد البِرّ والمعروف غالبا" وذلك مثل الوصية والهبة وغيرها. وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالكويت: الموسوعة الفقهية، ج 10، ص 65.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

استقراء الأدلة الشرعية منبعًا ليس بقليل، يرشدنا إلى مقاصد الشريعة من عقود التبرعات"، (1) وهي:
أ - "التكثير منها لما فيها من المصالح العامة والخاصة".
ب - "أن تكون التبرعات صادرة عن طيب نفس لا يُخَالِجُه تردُّد".
جـ - "التوسع في وسائل انعقادها حسب رغبة المتبرعين".
د - "أن لا يُجْعَل التبرع ذريعة إلى إضاعة مال الغير، من حق وارث أو دائن". (2)
16 - مقاصد الشارع من نصب الحكاّم: حيث إن استقراء الشريعة في تصرفاتها يبيّن أن من مقاصدها نصب حكام يسوسون مصالح الأمة، ويقيمون العدل فيها، وينفذون أحكام الشريعة بينها. (3)--------------------------------------------
(1) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص 357.
(2) المصدر السابق، ص 358 - 361 بتصرف.
(3) انظر المصدر السابق، ص 363.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

‌‌الفَصْل الخَامِسْ
دراسة تقييمية للإستدلال الإستقرائي
‌‌المبحث الأول
الفرق بين الاستقراء العلمى والاستقراء في العلوم الإنسانية
من خلال ما تقدم من الحديث عن الاستقراء عند المناطقة والفلاسفة، وعند علماء المسلمين خاصة الإمام الشاطبي، يتضح أن هناك فرقًا واضحًا بين الاستقراء المنطقي -سواء في المنطق الصوري القديم، أو في شكله العلمي في المنطق الحديث- والاستقراء في العلوم الإنسانية. فالاستقراء في المنطق الصوري القديم لم يتعدَّ صورته البسيطة، حيث يبدو موجهًا بالدرجة الأولى إلى استقراء الأوصاف العرضية، وتعداد الجزئيات، وقلَّما تجده مَعْنِيًّا باستقراء المعاني والقيم. ويبدو هذا جليًّا من خلال تمثيلهم للإستقراء بنوعيه، كمثال أرسطوفي العلاقة بين طول العمر وقلَّة المرارة في الحيوانات والإنسان، ومثال التمساح المشهور عند المناطقة المسلمين في قضية استقراء تحريك الفكّ الأسفل عندا المضغ.
أما الاستقراء العلمي، فمع أنه انتقل بالاستقراء من صورته البسيطة إلى الغوص في مسائل التعليل، والإطراد، والتناسق في قوانين الكون، وعدم الإكتفاء بملاحظة الأوصاف الرضية بل الإنتقال إلى مرحلة وضع الفرضيات، ثم السعي إلى التحقق منها بالتجارب، إلّا أنه يختلف عن الاستقراء في مجال العلوم الإنسانية من حيث الغرض، ومجال عمل كلّ منهما.
فالاستقراء العلمي يبحث في قوانين علمية صارمة ومنضبطة وضع الله تعالى الكون عليها، ولا تتدخل فيها إرادة الإنسان ورغباته وظروفه. وغرضه الكشف عن تلك القوانين، وكيفية عملها. وفي حين يتعامل الاستقراء العلمي مع الوقائع الحسية بالدرجة الأولى، نجد الاستقراء في العلوم الإنسانية يتعامل - فضلًا عن ذلك- بشكل أساسي مع نصوص شرعيّة موجهة إلى الإنسان، أو مع أحداث تاريخية كان الإنسان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)