Arabic source text

📘 তুরুকুল কাশফি আন মাকাসিদিশ শারী (নুমান জুগাইম)

📘 طرق الكشف عن مقاصد الشارع (نعمان جغيم)

📘 তুরুকুল কাশফি আন মাকাসিদিশ শারী (নুমান জুগাইম)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
التواتر بأن جعله نوعًا من أنواعه. وربما استغرب البعض هذا التصنيف، وأعترض عليه بأن التواتر المعروف نوعان: تواتر لفظي، وآخر معنوي، وليس هناك نوع ثالث. ومن أجل دفع هذا الإعتراض بيَّن الشاطبي أن روح الاستقراء المعنوي هي روح التواتر المعنوي ذاتها. فكلاهما يقوم على تتبّع معنى تضافرت عليه مجموعة من الأدلة، ومن ثَمَّ فلا غرابة في إدراج الاستقراء المعنوي تحت التواتر وتفسيره حسب قوانينه، وإعطاء نتيجته نفس مصداقية نتيجة التواتر.
الثاني: بيان أن الإستدلال بالاستقراء المعنوي على أصول الشريعة وكلياتها ليس بالأمر الغريب ولا الجديد، فقد استعمله علماء الشريعة في ذلك وإن لم يصرحوا به، ولم يميزوه عن غيره من الأدلة، كما أنهم أعطوا نتائجه وصف القطع. وفي ذلك يقول الشاطبي: "إلّا أن المتقدمين من الأصوليين ربما تركوا ذكر هذا المعنى والتنبيه عليه، فحصل إغفاله من بعض المتأخرين، فاستشكل الإستدلال بالآيات على حِدَتِها، وبالأحاديث على انفرادها". (1) وقد أبرز الشاطبي ثلاثة أمثلة لذلك هي: (2)
1 - حجية الإجماع: فقد قطع العلماء بحجية الإجماع مع أنه لم يرد في ذلك دليل قطي، بل كل ما ورد في ذلك آحادُ أدلَّةٍ لا ترقى عن مرتبة الظن، سواء في الثبوت، أو في الدلالة. بيانما توصل العلماء إلى ما توصلوا إليه بشأن حجية الإجماع من خلال استقراء المعنى المشترك بين تلك الأدلة جميعًا، وهو عصمة إجماع الأمة عن الخطأ، إلى درجة القطع به، ومن ثَمَّ القول بحجية الإجماع بشروطه. (3)
2 - حجية القياس: فجمهور علماء الأمة على القطع بحجية القياس، ولم يرد في ذلك دليل قاطع، وإنما ثبت ذلك بالاستقراء المعنوي لِمَا ورد في ذلك من نصوص وحوادث.
3 - حجية أخبار الآحاد: فجمهور علماء الأمة على القطع بوجوب العمل بها، وإنما ثبت ذلك من خلال الاستقراء المعنوي.--------------------------------------------
(1) الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 1، ص 25.
(2) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 25.
(3) انظر سلوك الغزالي هذا المسلك في إثباث حجية الإجماع في المستصفى، ج 1، ص 173 - 174.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)

‌‌المبحث الثاني
الاستقراء عند الإمام الشاطبي بين القطع والظن
جرى الشاطبي على التقسيم المعروف للإستقراء إلى استقراء تام، واستقراء ناقص. أما الاستقراء التام فالشاطبي -كغيره من العلماء والمناطقة- يرى أنه يفيد القطع، وقد صرح بذلك في مواطن، منها:
1 - كون حقوق الله تعالى لا ترجع إلى اختيار المكلَّف، ومن ثَمَّ لا يمكن لأحد إسقاطها، حيث يقول: "أما حقوق الله تعالى فالدلائل على أنها غير ساقطة، ولا ترجم لاختيار المكلَّف كثيرة. وأعلاها الاستقراء التام (*) في موارد الشريعة ومصادرها … ". (1)
3 - إثبات أن مورد التكاليف الشرعية هو العقل، حيث قال: "والثالث: أن مورد التكليف هو العقل، وذلك ثابت قطعًا بالاستقراء التام، حتى إذا فُقِد (أي العقل) ارتفع التكليف رأسًا". (2) وواضح أن الاستقراء التام هنا ممكن، إذْ إن خطابات الشارع التي ربطت التكليف بالعقل معدودة، وكذلك التي أسقطت التكاليف عن فاقديه.
3 - إثبات أن الأحكام الكلية، والقواعد الأصولية في الدين، لم يقع فيها نسخ وإن كان ذلك ممكن عقلًا، حيث قال بعد تقرير هذه القاعدة: "ويدلّ على ذلك الاستقراء التام … ". (3) وهو أيضًا استقراءً إتمامه ممكن لكون نصوص القرآن محدودة ومعلومة.
4 - ادعاؤه أن انحصار المصالح في ثلاث مراتب (الضرورية، والحاجية، والتحسينية) أمر ثابتًا بالاستقراء التام، وذلك قوله: "واستقر بالاستقراء التام أن المصالح على ثلاث مراتب". (4)--------------------------------------------
(*) التسويد في النصوص من عندنا لبيان موضع الشاهد.
(1) الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 285.
(2) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 19.
(3) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 79.
(4) المصدر السابق، مج 2، ج 4، ص 76 - 77. وهذا ادعاء يبدو أنه غير مُسلَّم به، إذ مع التسليم بانحصار المصالح في المراتب الثلاثة التي ذكر، إِلَّا أن القول بأن ذلك ثبت بالاستقراء التام غير ممكن، لعدم القدرة على حصر كل المصالح الشرعية: كلِّيّها وجزئيِّها، وإنما كان الأولى القول بأن ذلك ثابت بالاستقراء الناقص مع مقتضى القسمة العقلية، إذْ حصر مراتب المصالح في ثلاث يقتضى أن لا تخرج عنها بعد ذلك أي مصلحة من المصالح الشرعية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)

أما الاستقراء الناقص، فإن الشاطبي يرى أنه قد يفيد الظن، وقد يفيد القطع إذا توفر لذلك جملة شروط سيأتي ذكرها. والدليل على ذلك تصريحه بأن نيتجة الاستقراء قد تكون قطعية، وقد تكون ظنية، حيث يقول: " … أن الاستقراء هذا شأنه؛ فإنه تصفح جزئيات ذلك المعنى ليثبت من جهتها حكم عام، إما قطعي، وإما ظني". (1)
ومن المواطن التي يؤخذ منها أن الاستقراء الناقص عنده قد يفيد القطع: حديثه عن المقدمات والأدلة المعتمدة في إثبات قواعد أصول الفقه، وأنها لا تكون إلَّا قطعية، فذكر منها أربعة:
1 - الأدلة الراجعة إلى أحكام العقل الثلاثة: الوجوب، والجواز والإستحالة.
2 - الأدلة الراجعة إلى أحكام العادة وهي ثلاثة: الوجوب، والجواز والإستحالة.
3 - الأدلة السمعية، وهي الأخبار المتواترة: لفظًا -إذا كانت ألفاظها قطعية الدلالة-، ومعنى.
4 - الأدلة المستفادة من الاستقراء في موارد الشريعة (2). كثير من هذه الأدلة مستفاد من استقراءات ناقصة، كما سيتبين عند الحديث عن مجالات استخدام الاستقراء عند الشاطبي.
ومنها استدلاله بالاستقراء الناقص على تعليل الأحكام الشرعية، وأن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل، حيث قال -بعد استعراض جملة من الأدلة المستقرأة-: "وإذا دلّ الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدًا للعلم فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة". (3) وهو استقراء - ولا--------------------------------------------
(1) الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 221. وقد علَّق على ذلك الشيخ عبد الله دراز بأن حكم الاستقراء يكون قطعيًا إذا كان الاستقراء تامًّا، ويكون ظنيًا إذا كان في غالب الجزئيات فقط (أي ناقصا). انظر تعليق الشيخ عبد الله دراز على الموافقات، مج 2، ج 3، ص 221، هامش رقم 4، 5. ولكن هذا الإطلاق غير مسلَّم؛ إذْ نجد الشاطبي في مواطن أخرى قد أطلق القول بإفادة الاستقراء القطع، ولم يخصص أي نوع من أنواعه مما يشمل الاستقراء الناقص والتام.
(2) انظر الشاطبي: الموافقات: مج 1، ج 1، ص 23.
(3) المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 5.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)

شك - ناقص.
وقد حدد الشاطبي ثلاثة شروط للتعميم الإستقرائي الناتج من استقراء ناقص
حتى يفيد القطعية: (1)
1 - التكرار: بأن تكون نتيجة الاستقراء قد تكرَّر تقريرها في النصوص الشرعية، كما هو الحال في التيسير ورفع الحرج، ومنع الضرر والضرار.
3 - التأكيد: بأن تكون نتيجة الاستقراء قد تَمَّ تأكيد مضمونها في مواضع فية وذلك بعدم استثناء موضع ولا حال مما يشمله.
3 - الإنتشار: بأن ينتشر هذا المعنى في أبواب الشريعة، دون اقتصار على باب واحد من أبوابها. أما إذا كانت الجزئيات المستقرأة في قضية واحدة أو باب واحد فإنه لا ينتظم منها استقراء قطعي، بل تكون نتيجه استقرائها ظنية. (2)
فإذا توافرت هذه الشروط الثلاثة ارتقى ظاهر هذا العموم "باحتفاف القرائن به إلى منزلة النص القاطع الذي لا احتمال فيه". (3) ومثل هذا العموم لا يصح تخصيصه بما خالف 5 من جزئيات، وإنما يمكن ذلك حيث تخصِّصُ القواعدُ بعضها بعضا. (4) أما "إن لم يكن العموم مكرَرًا ولا مؤكّدًا، ولا منتشرًا في أبواب الفقه فالتمسك بمجرده فيه نظر وهو"معرض لإحتمالات، فيجب التوقف في القطع بمقتضاه حتى يُعرض على غيره ويُبحث عن وجود معارض له". (5)
4 - قطعية الثبوت: مع أن الشاطبي لم يصرح باشتراط كون الأدلة المستقرأة أو بعضها قطعية الثبوت، أي من القرآن الكريم أو السنة المتواترة، وهو أيضًا غير مشروط في التواتر المعنوي الذي قاس عليه الشاطبي الاستقراء، إلّا أنه قد يُفهم من بعض كلامه--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 227 - 228.
(2) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 1.
(3) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 228.
(4) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 228.
(5) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 228.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)

إشارة إلى ذلك، ففي رده على بعض الآثار التي قد يُفهم منها أن عِظَم الأجر مرتب على عِظَم المشقة لذاتها، وأنه يجوز للمكلَّف أن يقصد عظيم المشقة طلبًا لعظيم الأجر قال: "أولًا: هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي، فالظنيات لا تعارض القطعيات". (1) فرده مبني على عنصرين: أحدهما كون تلك الآثار أخبار آحاد، والثاني كونها غير منتشرة، أي في قضية واحدة هي البعد عن المسجد والمشقة في التردد عليه. فكما أن العنصر الثاني عدَّه الشاطبي شرطًا في إفادة الاستقراء الناقص القطع، قد يُفهم كذلك من العنصر الأول اشتراط الشاطبي أن يكون -على الأقل- بعض الجزئيات المستقرأة قطعي الثبوت، كما فعل ابن عاشور فيما بعد.
قيمة نتيجة الاستقراء عند الشاطبي:
يرى الشاطبي أن التعميم الإستقرائي يكون كليًّا، (2) جاريًّا مجرى العموم في
الأفراد، (3) مفيدًا القطع. (4)
أما كونه كليًّا فلأن تلقي العلم بالكلي إنما يحصل من استعراض الجزئيات واستقرائها، فالكلي -من حيث هو كلي- غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، إذْ ليس له وجود مستقل في الخارج، إنما هو مُضَمَّن في الجزئيات. (5)
وأما كونه جاريًّا مجرى العموم في الأفراد، فلأنه لما كان مستنبطًا من تلك الجزئيات التي هي أدلة الأمر والنهي الواقعين على جميع المكلفين؛ صارت له قوة اقتضاء الوقوع في جميع الأفراد. فهو كلي في تعلقه، فيكون عامًّا في الأمر به والنهي عنه للجميع. (6)--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 1.
(2) يرى أبو حامد الغزالي -وهو الرأي السائد عند المناطقة- أن الاستقراء الناقص لا يفيد علمًا كليًا، وفي ذلك يقول: "فإذًا لا ينتفع بالاستقراء مهما وقع خلاف في بعض الجزئيات، فلا يفيد الاستقراء علمًا كليًا بثبوت الحكم للمعنى الجامع للجزئيات، حتى يجعل ذلك مقدمة في قياس آخر، لا في إثبات الحكم لبعض الجزئيات". أبو حامد الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص 152.
(3) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 1، ص 28.
(4) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 19 - 20.
(5) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 5 - 6.
(6) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 28.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)

وبناءً على ماسبق يرى أن ما ثبت عمومه بالاستقراء يجري مجرى ما ثبت عمومه بصيغ العموم، فيكون دالًّا على كلّ نازلة تقع مما يمكن إدخاله تحت ذلك العموم، ويُحْكّم عليها به من غير حاجة إلى دليل خاص أو قياس، وفي ذلك يقول: " … ثم استقرى [أي المجتهد] معنى عامًّا من أدلة خاصة. واطَّرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تَعِنُّ، بل يحكم عليها -وإن كانت خاصة- بالدخول تحت عموم المعنى المستقرَى من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذْ صار ما استقرَى من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصة بمطلوبه؟ ". (1)
معنى القطع والعموم والكلية والإطلاق في الاستقراء عند الشاطبي:
مع أن الشاطبي لا يذكر عادةً نوع القطع الذي يفيده الاستقراء، إِلَّا أنه في موضع من المواضع -عند حديثه عن كون الكليات الشرعية قطعية- أشار إلى أن نوع القطع المقصود هنا هو القطع العادي؛ أي أن العادة تحيل وقوع ظن فيه وليس العقل، أي أنه لا يمكن نفي تطرق الظن عقلًا لما ثبت بدليل الاستقراء، وذلك قوله: "لأن الظن إنما يتعلق بالجزئيات؛. إذْ لو جاز تعلق الظن بكليات الشريعة لجاز تعلقه بأصل الشريعة، لأنه الكلي الأول، وذلك غير جائز عادة". (2)
أما مقصوده بأوصاف العموم والكلية والإطلاق، فقد صرح في المسألة الثانية من الفصل الرابع من كتاب الأدلة الشرعية أن القواعد الشرعية الموصوفة بالعموم والكلية، إنما يُراد بعمومها "العموم العادي" لا العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما"، (3) ثم ختم المسألة بقوله: "فليكن على بال من النظر في المسائل الشرعية أن القواعد العامة إنما تُنَزَّل على العموم العادي"، (4) أي أنها قواعد أغلبية تتصف بوصف العموم القابل للتخصيص والإستثناء، ومع ذلك لا يطعن في عمومها ورود--------------------------------------------
(1) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 226.
(2) المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 20.
(3) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 198.
(4) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 2.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)

بعض المخصصات أو الإستثناءات، وتتصف بوصف الإطلاق القابل للتقييد في بعض الجزئيات، وتتصف بوصف الكلية الذي يراد به أنها قواعد إجمالية ضابطة لعدد كبير من الجزئيات لا يكاد يُحْصَر وذلك على منوال الأدلة الكلية في أصول الفقه، وهي الأدلة الإجمالية (القرآن، والسنة، … إلخ). وفي ذلك يقول: "لأن الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية، واعتُمِدَت في الحكم بها وعليها، شأن الأمور العادية الجارية في الوجود". (1) وقد استدلّ الشاطبي على هذا التفسير لوصفي العموم والكلية بدليلين: الأول: أن سُنّة الله تعالى في العوائد قد جرت بكونها أكثرية لا عامة، ولما كانت الشريعة إنما وضعت لضبط تصرفات الخلق مع تلك العوائد، كان من اللازم أن تسير القواعد الشرعية سير تلك العوائد، فتجري على العموم العادي، لا على العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما. (2)
الثاني: شهادة الواقع لذلك؛ إذْ إن وضع الشريعة على ذلك ظاهر، ومثال ذلك كان التكاليف الشرعية وُضِعَت على العموم، وجُعِلَ البلوغ علامة التكليف، وهو مَظِنَّة وجود العقل الذي هو مناط التكليف لأن العقل يوجد عنده في الغالب لا على العموم، وكذلك الأمر في السفر الذي جعلت علة الفطر فيه المشقة (3)، مع أن المشقة قد توجد في غير سفر، وقد تنعدم فيه، ولكن لما كان السفر مظنة وجود المشقة لمصاحبتها إياه في غالب الأحيان جُعِل ذلك قاعدة عامة. وأمثال هذا كثير في القواعد الشرعية، بل هو الغالب فيها. وبذلك يحون الشاطبي من القائلين بأن تخصيص العلل الشرعية، وتخلفها عن بعض الفروع والجزئيات لا يكون نقضًا لها، ولا قادحًا في عمومها.--------------------------------------------
(1) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 271.
(2) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 197 - 198.
(3) هذا على رأي الشاطبي الذي لا يفرق عادة بين العلة والحكمة، ويرى التعليل بالحكمة، أما على رأي الجمهور من الأصوليين فإن علة الفطر والقصر هي السفر لا المشقة، وأما دفع المشقة فهو الحكمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)

‌‌المبحث الثالث
حَلُّ الإمام الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص
المراد بمشكلة الاستقراء الناقص -كما سبق الإشارة إليه- هي أننا إذا أعطينا أوصاف الكلية والعموم والقطع لنتيجة الاستقراء الناقص، فإن ذلك يقتضي الجزم بعدم وجود أي مخالف لها أو شاذ عنها، والتحقق من ذلك أمر غير ممكن، كما أن هذا الشذوذ والإستثناء واقع فعلًا في القواعد الشرعية الكلية.
وقد قرر الشاطبي -نفسه- أن تخلف بعض الجزئيات قد يؤدي إلى الشّكّ في الكليات، ذلك أن الكلي إنما يُؤخذ من الجزئيات، فإذا خالف الكليُّ الجزئيَّ دلَّ على أن ذلك الكلي لم يتحقق العلم به، أي أن نتيجة هذا الاستقراء لا تكون قطعية؛ "لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءًا من الكلي لم يأخذه المعتبر [المستقرئ] جزءًا منه". (1) ولحل هذا يقترح الشاطبي منهجًا تكامليًّا في التعامل مع الكليات والجزئيات يقوم على اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها، وبالعكس، وتكون النتيجة اعتبارهما معًا في كل مسألة والسعي إلى الجمع في النظر بينهما. (2)
وقبل الحديث عن عناصر الحلّ الذي قدمه الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص، ينبغي بيان موقفه من مبدأ الإطراد بوصفه أَحَدَ أهمِّ الأسس التي يقوم عليها تفسير نيتجة الاستقراء.
موقف الإمام الشاطبي من قانون الإطراد:
لقد أثبت الشاطبي قانون الإطراد في الكون وفيما يُبنى عليه من عوائد الناس، وسماه باستقرار عوائد المكلفين وجريان الوجود على ترتيبه. وقد استدلَ الشاطبي على سريان قانون الإطراد على أحوال الكون وعوائد المكلفين بالأدلة الآتية (3):--------------------------------------------
(1) الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 6.
(2) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 5 - 6، وانظر أيضًا مج 1، ج 2، ص 47 - 49.
(3) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 212 - 215.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)

1 - استقرار أحكام الشريعة الإِسلامية وتكاليفها، ووضعها "على وزان واحد، وعلى مقدار واحد، وعلى ترتيب واحد، لا اختلاف فيه بحسب متقدم ولا متأخر". (1) فكونها بهذه الصورة دليل على استقرار موضوعات التكليف، وهي أفعال المكلفين وعوائدهم، وأفعال المكلفين لا تكون مستقرة مطردة إلّا إذا كان الكون باقيًّا على ترتيبه، أي سائرًا على قانون الإطراد. ويدلّ على صحة هذا البرهان امتناع عكسه، أي أنه لو حديث تغيُّرُ في ترتيب الكون لأدى ذلك إلى حدوث مثله في عوائد الناس المبنية على ذلك، ولأدى ذلك إلى تغيير التشريع واختلافه، وهو باطل، فما أدى إليه فهو كذلك.
2 - ما جاء من إخبارالشارع بأن أحوال هذا الوجود دائمة غير مختلفة إلى قيام الساعة، من أمثال قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الروم: 30]، وقوله: {سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (62)} [الأحزاب: 62]، وقوله: {سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (23)} [الفتح: 23]، وقوله: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا (43)} [فاطر: 43]، وقوله: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)} [الإسراء: 77].
3 - المعجزات: إِذْ لَمَّا كانت المعجزة فعلًا خارقًا للعادة، دلَّ ذلك على اطراد العادات في الحال والاستقبال كما اطردت في الماضي؛ ذلك أن الفعل الخارق للعادة لا يمكن أن يحصل إلّا إذا تقرر اطراد عادات الكون وسننه، إذْ لو لم تكن سنن الكون سائرة على اطراد لكانت المعجزة واحدة من الإختلالات الواقعة لتلك السنن، فلم يبق للمعجزة معنى.
ومع أن الشاطبي يرى أن سير الكون على قانون الإطراد أمر قطي غير ظني، إلَّا أنه احترز مما قد يورد عليه من طعون بالتصريح بأن ذلك إنما يجري في الكليات لا في خصوص الجزئيات، وهو احتراز مما وقع ويمكن أن يقع من معجزات وخوارق. ومع--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 213.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)

إقرار الشاطبي بأن اتحرام قانون الإطراد في الكون جائز عقلًا، إلّا أنه يرى أن ذلك الإمكان قد اندفع بالسمع القطعي الدال على امتناع الوقوع، وهو الأدلة التي سبق ذكرها. (1)
فإن قيل فكيف يكون قانون الإطراد قطعيًّا في الكليات مع الإعتراف بتخلف بعض آحاد الجزئيات في المعجزات والخوارق؟ أَلَا يكون تخلُّف تلك الجزئيات قادحًا في قطعية تلك الكليات؟ فالجواب هو عين ما أجاب به الشاطبي في التوفيق بين قطعية الكليات وإمكانية تخلف آحاد الجزئيات عنها.
وفيما يأتي أهم عناصر الحلّ الذي قدمه الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص، أو مشكلة التوفيق بين اعتبار الكلياتِ عامَّةً قطعيّةً مع إمكانية تخلّف بعض الجزئيات عنها:
1 - تداخل القواعد الشرعية وتكاملها: (2) فهذا التداخل والتكامل بينها يجعلها تتجاذب الجزئيات الواقعة ضمن المنطقة المشتركة بينها، فيُلحَق جزئي من جزئيات إحدى الكليات بكلية أخرى، وبالعكس، وقد يُلحق الجزئي الواحد مرة بكلية، ومرة بكلية أخرى على حسب الأحوال والظروف. فإذا أخذنا مثلًا الكليات الثلاث (الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات) فإننا نجدها متداخلة ومتكاملة يخدم بعضُها بعضا، ويخصص بعضُها بعضا. فقاعدة الحاجيات قد تُعْمَل أحيانًا في الضروريات، كما هو الأمر في الرخص التي تُعدّ هادمة لعزائم الأوامر والنواهي فيما يتعلق بكثير من التكاليف الشرعية كالصوم، والصلاة، والإيمان، وغيرها؛ فمع أنها تتعلق بحفظ الدين وهو رأس الضروريات، إلّا أن إعمال قاعدة الحاجيات اقتضى الترخيص حتى تتم المحافظة في الوقت نفسه على الضروريات والحاجيات معًا. (3)
والخلاصة أن التداخل بين القواعد الشرعية الكلية وتكاملها يجعل بعضها--------------------------------------------
(1) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 213 - 215، 226 - 227.
(2) انظر مثالًا لذلك عند الشاطبي تداخل وتكامل المقاصد الثلاثة: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات في المسألة الرابعة من النوع الأول من المقاصد. الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 13 وما بعدها.
(3) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 7 - 8.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)

خادما لبعض، ومخصصًا له، ولا يمكن اعتبار ذلك التخصيص الناتج عن التكامل طعنًا في عموم وقطعية تلك الكليات.
2 - تخلف شرط أو وجود مانع لا يُعَدُّ خرقًا للكلي: يرى الشاطبي أن القول بأن الكليَّ ينخرم لتخلف جزئي ما صحيح على الجملة، لكن ذلك لا يكون بالنسبة إلى ذات الكلي والجزئي، وإنما بالنسبة إلى الأمور الخارجية، فكون جزئي من الجزئيات مَنَعَه مانع من جريان حقيقة الكلي فيه هو أمر خارجي، وليس راجعًا إلى الطعن في ذات الكلي أو الجزئي، إذْ لولا ذلك المانع الخارجي لأُلْحِقَ الفرعُ بكلِّيِّه ولَمَا خرج عنه. وقد مثَّل الشاطبي لذلك بقوله: "فالإنسان مثلًا يشتمل على الحيوانية بالذات وهي التحرك بالإرادة، وقد يفقد ذلك لأمر خارج من مرض أو مانع غيره، قال صحيح في نفسه، وكون جزئي من جزئياته منعَهُ مانعٌ من جريان حقيقة الكلي فيه أمر خارج". (1)
وهذا شبيه بما دفع به بعض الأصوليين مسألة النقض الوارد على العلل الشرعية، وهو المسمى بدفع النقض بإظهار مانع أو فوات شرط. (2)
3 - عدم معارضة الكلي إلّا بما يماثله: فالكلي لا يُعارَضُ إلّا بكلي مثله، ولما كانت المتخلفات الجزئية من القِلَّة والشذوذ بحيث لا يمكن أن ينتظم منها كلي يعارض ذلك الكلي الثابت، فإنها لا تقدح في كونه كليًّا. (3) وربما اعتُرِض على هذا بأن تخلّف تلك الجزئيات وإن كان لا يُسْقِطُ الإستدلال بتلك الكليات على جزئياتها الأخرى، إلَّا أن القول ببقائها كليات بإطلاق غير مُسلَّم، بل إنها تنزل من مرتبة الكلي المطلق إلى مرتبة القاعدة الأغلبية أو الأكثرية. وهذا من قبيل اللفظ العام الذي يرى جمهور الأصوليين أن دلالته على ما تبقى من أفراده بعد ورود المخصص تصير ظنية. ولكن الشاطبي لا يوافق على هذا الإعتراض. (4)--------------------------------------------
(1) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 9.
(2) انظر في ذلك مثلًا: السبكي: الإبهاج في شرح المنهاج، ج 3، ص 71؛ والزركشي: البحر المحيط، ج 5، ص 277 - 278.
(3) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 41، ومج 2، ج 3، ص 194 - 195.
(4) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 215 - 216.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)

4 - القطعي لا يُعارَض بالظني: لما كان المفترض في القاعدة الكلية القطع فإنها تكون غير محتملة، في حين أن قضايا الأعيان (الجزئيات) المعارضة لها محتملة، أي أنها مظنونة أو متوهمة، والمظنون لا يمكنه أن يكون معارضًا للقطعي، ومن ثَمّ لا تكون الجزئيات المتخلفة عن الكلي طاعنة فيه. (1)
وهذا إنما يستقيم على تفسير وصف الكلية بكونها القواعد الإجمالية، وتفسير العموم بالعموم العادي لا العموم الكلي التام الذي لا يتخلف عنه جزئي ما، وتفسير القطع بالقطع العادي، وأنه القطع بكون الشارع قاصدًا إلى ذلك المعنى، لا القطع بشمول تلك القاعدة لكل الجزئيات من غير شذوذ ولا استثناء.
5 - الغالب الأكثري مُعْتَبر في الشريعة اعتبار العام القطعي (2). وهذا صحيح، لكن يعترض عليه بأن ذلك ليس من جهة اعتباره قطعيًّا كما هو الحال في العام القطعي، وإنما المراد أن الشريعة توجب العمل به لأنه ظن راجح كما توجب العمل بالقطعيات.
6 - التفريق بين الكليات العقلية والكليات الوضعية: فتخلُّف بعض الجزئيات إنما يكون قادحًا في الكليات العقلية، أما الكليات الوضعية -مثل الكليات الشرعية والكليات اللغوية- فلا يكون تخلُّف بعض الجزئيات قادحًا فيها. (3) ولكن الشاطبي لم يبيِّن وجه الفرق بين الكليات الوضعية والكليات العقلية، حتى يكون تخلُّف بعض الجزئيات قادحًا في الثانية وغير قادح في الأولى.
7 - الخطأ في إدراج ما ليس من الكلي تحته: وذلك بأن تكون الجزئيات التي ظهر تخلُّفها عن الكلي غير داخلة أصلًا تحت ذلك الكلي، وإنما أُدْخِلَت فيه لشدة شبهها بجزئياته، أو أنه ظهر لنا دخوطا تحت ذلك الكلي، وهي في الحقيقة داخلة تحت كلي آخر أولى بها فلذلك ألحقها الشارع به. (4)--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 194.
(2) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 41.
(3) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 41.
(4) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 41.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)

8 - عدم إدراك وجه انضواء الجزئيات تحت كلياتها: وذلك بأن تكون الجزئيات التي ظهر لنا تخلُّفها عن الكلي في حقيقتها داخلة فيه، ولكن لم يظهر لنا وجه دخولها. (1)
والملاحظ من هذه الحجج أن الشاطبي يريد أن يدفع الطعن في الكليات بأي طريق كان ذلك، فهو منذ البداية يقرر أن "هذه الكليات الثلاث إذا كانت قد شرعت للمصالح الخاصة بها فلا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات"، (2) ثم يختم المسألة بالقول: "فعلى كل تقدير لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة وضع الكليات للمصالح"، (3) ويقول في موضع آخر: "إذا ثبت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال". (4)
9 - تفسير الشاطبي لمعنى التخصيص: ومما عضد به الشاطبي عدم انتقاض كليات الشريعة وقواعدها العامة بما يرد عليها من استثناءات وتخصيصات، وما يشذّ عنها من جزئيات، موقفُه من مسألة تخصيص العام. فقد ذهب إلى إنكار وجود التخصيص بالمعنى الذي قصده جمهور الأصوليين، سواء كان التخصيص بمتَّصل أم بمنفصل، حيث رفض مفهوم التخصيص عند جمهور الأصوليين من كونه: بيانُ خروج الصيغة عن وضعها من العموم (الحقيقة) إلى الخصوص (المجاز). (5) ويرى--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 41.
(2) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 40.
(3) المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 41.
(4) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 194.
(5) انظر في مفهوم التخصيص عند مختلف طوائف الأصوليين: الآمدي: الأحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص 299 - 300. وخلاصة ما أورده الآمدي في مفهوم التخصيص ما يأتي:
1 - مفهوم التخصيص عند أرباب العموم -وهم جمهور الأصوليين- هو "تعريفُ أن المرادَ باللفظ الموضوع للعموم حقيقةَ إنما هو الخصوص"، أو هو"صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص" (ص 300).
2 - مفهوم الخصوص على مذهب أرباب الإشتراك، هو"تعريفُ أنّ المرادَ باللفظ الصالح للعموم والخصوص إنما هو الخصوص"، فالتخصيص ليس إخراجًا لبعض ما تناوله الخطاب عنه، وليس فيه نقلٌ لِلَّفْظِ من الحقيقة إلى المجاز، بل غايته استعمالُ اللفظ في بعض محامله دون البعض (ص 299 - 300).
3 - مفهوم التخصيص على مذهب أرباب الوقف هو أن "اللفظ عندهم موقوف لا يُعْلَمُ كونه للخصوص أو للعموم، وهو صالح لاستعماله في كل واحد منهما. فإن تام الدليل على أنه أريد به العموم وجب حمله عليه، وامتنع إخراج شيء منه، وإن تام الدليل على أنه للخصوص لم يكن اللفظ إذ ذاك دليلًا على العموم، ولا متناولًا له، فلا يتحقق بالحمل على الخاص إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض محامله الصالح لها" (ص 299).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)

الشاطبي أنه ليس فيما يُسمى تخصيصًا -سواء كان بمخصصات متّصلة أم منفصلة- إخراجٌ لأيِّ شيء مما شمله اللفظ العام، كما ليس فيه إخراج له من الحقيقة إلى المجاز وإنما "هو بيان لقصد المتكلم في عموم اللفظ أن لا يتوهم السامع منه غير ما قصد"، (1) فالتخصيص عنده "بيان المقصود بالصيغ المذكورة، فإنه رَفْعٌ لتوهُّمِ دخولِ المخصوض تحت عموم الصيغة في فهم السامع، وليس بمراد الدخول تحتها، وإلاّ كان التخصيص نسخًا". (2) فاللفظ -عند الشاطبي- باقٍ على عمومه، ولكنه عموم مقيَّد بما قصده المتكلمٍ، أي أن العموم هنا مقصور على ما قصد المتكلم أن يَعُمَّه بخطابه، سواء كان عموما قياسيّا، أي من حيث الوضع اللغوي الإنفرادي للفظ، أو عمومًا استعماليّا. (3)
ويفهم من هذا أن رأي الشاطبي يشبه رأي أرباب الإشتراك في مسألة: هل للعموم في اللغة صيغة موضوعة له خاصة به تدلّ عليه أم لا؟ (4) من حيث إن العام مشترك بين الحقيقة اللغوية، والعرفية (الإستعمالية)، والشرعية، والذي يحدِّد المرادَ من هذه الثلاث بصيغة العموم هو السياق والقرائن، ومنها ما يُسمى عند الأصوليين بالمخصصات.
والخلاصة أن الفرق بين تفسير الشاطبي لما يُسمى بالتخصيص وتفسير جمهور الأصوليين له، أن التخصيص في رأي الشاطبي راجع إلى بيان وضع الصيغ العمومية في أصل الإستعمال العربي أو الشرعي، أما عند جمهور الأصوليين فإنه يرجع إلى بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص، فهو يرى أن التخصيص بيانٌ لوضع اللفظ، وهم يرون أنه بيان لخروج اللفظ عن وضعه. (5)
وقد كان دافع الشاطبي إلى تبني هذا التقسيم لصيغ العموم وتفسير التخصيص هو المحافظة على قوة الإحتجاج بكليات القرآن الكريم وعموماته بالقطع بدلالتها--------------------------------------------
(1) الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 213.
(2) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 214.
(3) انظر تفريق الشاطبي بين العموم القياسي والعموم الإستعمالي في: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 200 وما بعدها.
(4) انظر في هذه المسألة: الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص 221 وما بعدها.
(5) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 214.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)

على ما تشمله، (1) وإذا تحقق هذا لكليات القرآن الكريم وعموماته فسيتحقق للكليات والتعميمات الإستقرائية؛ لأن الاستقراء مما يثبت به العموم عنده.
10 - عدم تخصيص الرخص للعزائم: ومما عضد به ذلك أيضًا ما ذهب إليه من أن العمومات- التي هي عزائم- إِذَا رُفِعَ الإثمُ عن المخالف فيها لعذر من الأعذار لم يعدّ ذلك تخصيصًا طا، بمعنى أن الرُّخص لا تُعَدُّ طعنًا ولا نقضًا لعموم العزائم، فأحكام تلك العزائم متوجهة على عمومها من غير تخصيص، (2) أي أن تخلف بعض الجزئيات لعذر (وهو شبيه بتخلف بعض الجزئيات عن التعميم الإستقرائي لمانع) لا يُعَدُّ خرقًا لعموم العام، سواء كان العموم ناتجًا عن عموم لفظي أو استقرائي، إذ العموم -عند الشاطبي- يثبت بكلا الطريقين. (3)
والخلاصة أن القانون الذي يحكم علاقة الكليات بالجزئيات عند الشاطبي، هو أن تخلف آحاد الجزئيات عن مقتضى الكلي إذا كان لعارض أو مانع فإنه لا يكون قادحًا في ذلك الكلي؛ لأنه راجع إلى المحافظة على ذلك الكلي من جهة أخرى، أما إذا لم يكن لعارض أو مانع فإنه لا يصح شرعًا، ويكون تخلُّفه قادحًا في ذلك الكلي. (4)--------------------------------------------
(1) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 215 - 216.
(2) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 218.
(3) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 221.
(4) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 49.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)

‌‌المبحث الرابع
مجالات استخدام الشاطبي للإستقراء
استخدم الإمام الشاطبي المنهج الإستقرائي في الإستدلال لإثبات مسائل كثيرة جدا، أغلبها يتعلق بكليات الشريعة وقواعدها العامة. ومن العسير استقصاء كلّ المسائل التي استخدم الشاطبي فيها الاستقراء، خاصة وأنه -كما سبقت الإشارة- قد بنى كتابه الموافقات على منهج الإستدلال الإستقرائي، ولكن لما كانت هذه الدراسة تطبيقية في جانب منها، كان من اللازم استعراض جملة من تلك المجالات، وهي كالآتي:
أولًا - تعليل الأحكام الشرعية: ومن ذلك المسائل الآتية:
1 - إثبات كون الأحكام الشرعية معللة، وأن العلة الأساس في ذلك هي المصلحة، أي أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في الدنيا والآخرة، حيث يقول: "والمعتمد إنما هو أننا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي، ولا غيره". (1)
وواضح من قوله: "أنا استقرينا من الشريعة" أن الاستقراء هنا ناقص. والذي ينفي الشاطبي إمكانية النزاع فيه من قِبِل الرازي أو غيره ليس هو كون نتيجة الاستقراء الناقص قطعية بإطلاق، وإنما هو ثبوت كون الأحكام الشرعية معللة من غير شكّ.
وقد عمل الشاطبي -من أجل تحقيق هذا الاستقراء- على استقراء جانبين:
الأول: الأدلة التي نصت على تعليل الشريعة جملة، والثاني: تعاليل تفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة. (2)
2 - إثبات قاعدة: أن الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد، دون--------------------------------------------
(1) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 4.
(2) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 4 - 5.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)

الإلتفات إلى المعاني، والأصل في العادات الإلتفات إلى المعاني. (1)
ثانيًا - إثبات المقاصد الشرعية الكلية: ومن ذلك المسائل الآتية:
1 - إثبات كون القصد من وضع الشريعة هو المحافظة على الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. ومع أن الشاطبي لم يصرح بلفظ الاستقراء عند حديثه عن طريق ثبوتها، إلّا أن سياق الحديث يوجب ذلك لأمرين: الأول أنه في معرض الحديث عن أن ما ثبت بالاستقراء يفيد القطع، والتدليل على ذلك والتمثيل له، والثاني أن ما عَدَّهُ دليلًا على قطعية ما ذهب إليه من كون الشريعة إنما وُضِعت للمحافظة على الضروريات الخمس هو عين ما عرَّف به الاستقراء المعنوي من قَبْل، حيث يقول: " … وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل عُلِمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد … ". (2)
3 - إثبات قاعدة: أن الطاعة أو المعصية تعظم بحسب عِظَم المصلحة أو المفسدة الناشئة عنها، وأعظم المصالح جريان الضروريات الخمس، وأعظم المفاسد ما يَكِرُّ بالإخلال عليها، فقد ثبت بالاستقراء أن كلّ ما وُضِع له حَدٌّ أو وعيد في نفسه فهو راجع إلى ضروري. بخلاف ما كان راجعًا إلى حاجي أو تكميلي، فإنه لم يختص بوعيد في نفسه، ولا بحدٍّ معلوم يخصه. (3)
3 - حصر المصالح الشرعية في ثلاث مراتب: هي الضروريات، والحاجيات،
والتحسينيات. (4) وهي التي سماها في موطن آخر بالكليات الشرعية. (5)--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 2، ص 228.
(2) المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 26.
(3) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 2، ص 227.
(4) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 4، ص 76 - 77.
(5) انظر المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 20.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)

ثالثًا - إثبات قطعية أصول الدين وكلياته وما يرجع إليها: ومن ذلك المسائل الآتية:
1 - إثبات كون أصول الدين كلها قطعية، وأن ما كان منها ظنيا لا يمكن جعله أصلًا في الدين. (1)
2 - إثبات رجوع أصول الفقه إلى كليات الشريعة، حيث يقول: "إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية؛ والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي. بيان الأول [أي كونها راجعة إلى كليات الشريعة] ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع". (2)
3 - إثبات قطعية وجوب القواعد الخمس (الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج) (3). وينبني التنبيه هنا على أن الأمر الذي سعى الشاطبي إلى إثباته بالاستقراء ليس هو مجرد الوجوب، بل قطعيته إلى أن صارت هذه القواعد الخمس من المعلوم من الدين بالضرورة، وإلاّ فمجرد الوجوب ثابت ببعض الأدلة الجزئية، ولا حاجة فيه إلى الاستقراء.
4 - قطعية وجوب الصلاة وحرمة القتل أنموذجًا لتطبيق الاستقراء: من الأمثلة التي أشار فيها الشاطبي بشيء من التفصيل إلى كيفية تطبيق الاستقراء المعنوي، استدلاله على قطعية وجوب الصلاة، وتحريم القتل.
فني استدلاله على قطعية وجوب الصلاة، أشار إلى أن القطع بالوجوب يتأتى من استقراء الجوانب الآتية (4):
1 - الأدلة الموجبة للصلاة بالأمر بأدائها وإقامتها.
2 - الأدلة التي جاءت في مدح المقيمين لها.--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 21.
(2) المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 19.
(3) انظر المصدر السابق، مج 1، ج 1، ص 24 - 25.
(4) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 1، ج 1، ص 26.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)

3 - الأدلة التي جاءت في ذم التا كين لها.
4 - الأدلة التي جاءت في وجوب إقامتها على كلّ الأحوال وفي كلّ الظروف.
5 - الأدلة التي جاءت في قتال تاركها أو المعاند في تركها.
6 - الأدلة التي جاءت في قرنها بالإيمان.
وغير ذلك مما يوحي بأهميتها وفضلها.
وفي استدلاله على قطعية حرمة قتل النفس أشار إلى أن القطع بحرمته يتأتى من استقراء الجوانب الآتية (1):
1 - الأدلة التي جاءت في تحريم قتل النفس.
2 - الأدلة التي جاءت في وجوب القصاص من القاتل.
3 - الأدلة التي جاءت بالوعيد لمن قتلها.
4 - الأدلة التي جاءت في قرن قتلها بالشرك وبيان أن ذلك من الكبائر
5 - الأدلة التي جاءت في وجوب إطعام المضطر وسدَّ رمقه.
6 - الأدلة التي جاءت في وجوب الزكاة، وهي مساعدةٌ للفقراء والمحتاجين للمحافظة على نفوسهم.
7 - الأدلة التي جاءت في وجوب النفقة على من لا يقدر على إصلاح نفسه.
8 - الأدلة التي جاءت في الترخيص للمضطر في تناول الحرام لحفظ نفسه.
9 - الأدلة التي جاءت في إقامة الحكام والقضاة، وجعل حفظ النفوس واحدة من وظائفهم.
10 - ترتيب الأجناد لمحاربة من رام قتل النفس.
11 - وكل ما يمكن أن يكون خادمًا لحفظ النفس وجودًا أو عدما.--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق، الصفحة نفسها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)

رابعًا - مسائل تتعلق بالأمر والنهى: ومن ذلك المسائل الآتية:
1 - إثبات قاعدة: أن المطلوب الشرعي الذي يكون فيه الطبع الإنساني باعثًا على مقتضى الطلب وخادمًا له لا يلجأ الشارع عادة إلى تأكيده ووضع حدود له وترتيب عقوبات عليه، بخلاف ما كان على عكس ذلك. فقد قسم الشاطبي المطلوب الشرعي إلى ضربين: الأول ما كان شاهدُ الطبع خادمًا له ومعينًا عليه، بحيث يكون الطبع الإنساني باعثًا على مقتضى الطلب، ومن أمثلة ذلك الأكل، والشرب، والجماع، والبعد عن استعمال القاذورات وأكلها، وغير ذلك. وهذا النوع قد يكتفي الشارع في طلبه عادة بمقتضى الجبلة الطبعية، والعادات الجارية، فلا يؤكد طلبَه تأكيدَه لغيره، اكتفاءً بالوازع الباعث على الموافقة دون المخالفة.
والضرب الثاني: هو ما لم يكن شاهدُ الطبع خادمًا له ولا معينًا عليه، وإنما هو من باب التكاليف التي قد تجري على خلاف هوى الأنفس، ومثال ذلك العبادات، والجنايات. وهذا النوع قرره الشارع على مقتضاه من التأكيد في المؤكدات، والتخفيف في المخففات. ولذلك حَدَّ الشارع لهذا النوع حدودًا معلومة، ووضع له عقوبات معينة، إبلاغًا في الزجر عما تقتضيه الطباع. وما قيل في أنواع المطلوب الشرعي ينطبق تمامًا على المنهيات الشرعية. (1)
2 - إثبات قاعدة: أن "الأمر والنهي إذا تَوَارَدَا على متلازمين، فكان أحدهما مأمورًا به والآخر منهيًّا عنه عند فرض الإنفراد، وكان أحدهما في حُكم التَّبَعِ للآخر وجودًا أو عدمًا فإن المعتبر من الإقتضائين ما انصرف إلى جهة المتبوع، وأما ما انصرف إلى جهة التابع فملغي وساقط الإعتبار شرعًا". (2)
خامسًا - مسائل تتعلق بالعموم، ومن ذلك المسائل الآتية،
1 - إثبات العموم، حيث يرى الشاطبي أن العموم يثبت من طريقين:
الأول: جهة صيغ العموم المعروفة في كلام أهل الأصول.--------------------------------------------
(1) انظر الشاطبي: الموافقات، مج 2، ج 3، ص 99 - 102.
(2) المصدر السابق، مج 2، ج 3، ص 123.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)