Arabic source text

📘 আস-সাবাতু ওয়াশ-শুমূল ফিশ-শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (আবিদ আল-সুফিয়ানী)

📘 الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية (عابد السفياني)

📘 আস-সাবাতু ওয়াশ-শুমূল ফিশ-শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (আবিদ আল-সুফিয়ানী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لا تقف عند حد، وعلى كل وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة" (1).
ومع القطع بهذه الأمور وهي:
1 - أن الباطل له مسالك كثيرة.
2 - أن العقل لا يمكن أن يحصر طرقه ومسالكه، ولا الاستقراء.
3 - أنه يمكن أن تحدث مسالك للنظر جديدة لا عهد للسابقين بها (2).
مع العلم بذلك كله إلّا أنه لا بد من محاولة لتحديد أخطر مسالكهم والتحذير منها، ومن أشدها فساداً:
1 - البناء على غير أصل والجهل بمقاصد الشرع.
2 - عدم العلم بالعربية.
3 - اتباع العقل، وتحكيم الأقيسة الفاسدة (3).

‌‌المطلب الأول
البناء على غير أصل
وقع أهل الأهواء في هذا المسلك الفاسد لأنهم يجهلون مقاصد الشريعة، ولم يتلزموا منهج التلقي الذي علمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ورضيه لهم.
وكل من جهل مقاصد الشريعة وقواعد الدين وقع في هذا المسلك الذي اشتهر به أهل الأهواء.
وتقرير أحكام الشرع، والكلام في الدين لا يكون إلّا بأصل شرعي أو بالبناء عليه.--------------------------------------------
(1) الاعتصام 1/ 285.
(2) المصدر نفسه 1/ 223 - 224.
(3) الاعتصام 1/ 224 - 231 - 237 - 239.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)

وقد نقل الإِمام الشافعي الإِجماع على: أنه ليس لأحد كائناً من كان أن يقول إلّا بعلم (1).
قال: "ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول إلّا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإِجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها" (2).
وهذا أمر لا ينبغي لعاقل يحذر على دينه أن يستريب فيه، وإلاّ هلك مع الهالكين، وهل ضلت الفرق وأضلت إلّا بعد أن تركت هذا الأصل، وهذا هو الإِمام ابن عبد البر ينقل إجماع أئمة الأمصار قديماً وحديثاً ويؤكد ما قاله الإِمام الشافعي قال: " … الاجتهاد لا يكون إلّا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم وأنه لا يجتهد إلّا عالم بها ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف ولم يجز له أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصلِ ولا هو في معنى الأصل وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديماً وحديثاً فتدبر" (3).
وعلى ذلك فإن كل احتمال مبني على غير أصل غير معتبر فلا بد لكل قول من شاهد يشهد لأصله وإلاّ كان باطلاً، ومن هنا اعتبر العلماء كل من تكلم في القرآن برأيه فهو مذموم، "لأنه متقول على الله بغير برهان، فيرجع إلى الكذب على الله تعالى" (4).
والراسخ في العلم إنما يتكلم في القرآن ويبين مراد الله سبحانه وهو معتمد على الشواهد لا مجرد الاحتمالات، فلا يقول تحتمل الآية أن يكون الحكم كذا وكذا أو أن المعنى هو كذا وكذا (5)، ومن هذا النوع رد بعض العلماء الاستحسان--------------------------------------------
(1) انظر الإِجماع في الأم 7/ 273.
(2) الرسالة: مسألة رقم 1468.
(3) جامع بيان العلم وفضله 2/ 57.
(4) الموافقات 3/ 286.
(5) المصدر السابق 3/ 288.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)

على اعتبار أنه قول مبني على غير أصل، وقال الإِمام الشافعي من استحسن فقد شرع، ذلك أنه اعتبر الاستحسان قول بالهوى والتشهي (1).
وليس من البناء على الأصول ما يزعمه بعض المحدثين من الاستناد إلى ما يسمونه "بروح الشريعة" وقد ناقش الأستاذ المودودي رحمه الله بعض هؤلاء المتأثرين بالثقافة الغربية، حيث يستندون إلى حرية الرأي ويفسرون النصوص الإِسلامية على ذلك الأساس ثم يعلقون تفسيراتهم بمعان عامة يطلقون عليها "روح الشريعة". وقد قسم المودودي الأمر إلى قسمين:
الأول: ما يسميه روح الشريعة الحقيقي وروح الفقه التي ورثناه عن فقهاء السلف فهذه جديرة بالعناية، ولعله يقصد ما استندت إلى أصل معتبر من كتاب أو سنّة أو إجماع أو فهم للسلف، وهو كما قال.
الثاني: روح غريبة عن الإِسلام يؤتى بها من خارجه وتفسر نصوص الشريعة على ذلك الأساس الغريب، فهذه ترد وتُسْتقْبح لأنها مؤدية إلى نزع الربقة من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (2).
ويقول الغزالي في المستصفى: "نعلم قطعاً إجماع الأمة قبلهم (3) على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في الأدلة .. (4).--------------------------------------------
(1) ومن العلماء من علم أن القائلين به يعتبرونه اجتهاداً معتبراً لأنه مبني على أصل وهم بعد ذلك فريقان فريق وافق على التسمية .. وفريق آخر رفضها باعتبار أنها راجعة إلى الأدلة فلا تحتاج إلى تسمية خاصة. وانظر الاعتصام 2/ 136 - 137 - 138 - 139. ونظرية المصلحة 374 - 387.
(2) مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة 176، طبعة سنة 1397، دار القلم، الكويت. لأبي الأعلى المودودي.
(3) يعني بهم القائلين بالاستحسان على اعتبار أنه قول بالهوى والتشهي، وإيراد النص مفيد في الموضع وإن كان أصله في موضع آخر.
(4) 1/ 275.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)

وقال: "إن الصحابة أجمعوا على استحسان (1) منع الحكم بغير دليل ولا حجة، لأنهم مع كثرة وقائعهم تمسكوا بالظواهر والأشباه، وما قال واحد حكمت بكذا وكذا لأني أستحسنه، ولو قال ذلك لشددوا الإِنكار عليه، وقالوا من أنت حتى يكون استحسانك شرعاً وتكون شارعاً لنا .. " (2).
وهنا نشير إلى مسلك بعض الباحثين المحدثين حيث زعم بعضهم أن الصحابة كانوا يبنون على غير أصل (3). وما هذه النظرة من أمثال هؤلاء إلّا موافقة منهم لمذاهب أهل الأهواء .. وهي شبيهة بنظرات الذين يزعمون أنهم يتبعون روح الشريعة كما أشار المودودي وهم في الحقيقة يتبعون روح الثقافة الغربية (4).
والبناء على أصل شرعي نقله إلينا السلف من الصحابة والتابعين هو طريق عظيم للمحافظة على ثبات الشريعة، فإن اتباع ذلك الأصل الذي ثبتت شرعيته ضابط للاجتهاد عن أن يسلك تلك المسالك الفاسدة التي غُيّر بها الدين وأُدخل فيه ما ليس منه، وبه نميز بين النظر الصحيح والنظر الفاسد، وبه نزيّف تلك الآراء التي تنتسب إلى الشريعة وهي ليست منها لأن كل ما لم يُبْنَ على أصل معتبر كان حقه الإِلغاء لأنه حينئذ مجاف للشريعة، ومن ذلك رد قول المتبعين للمصالح الموهومة المناقضة للشريعة لأن كل ذلك مبني على شفا جرف هار ليس له سند إلّا الأهواء وتخرصات العقول .. ولذلك كان من أعظم سمات المنهج الأصولي عند أهل السنة الرد إلى أصل شرعي من نص أو قياس معتبر .. وهذا هو منهج الصحابة - رضوان الله عليهم -، كما نقل العلماء المعتبرون رحمهم الله الإِجماع على ذلك.--------------------------------------------
(1) الأولى أن يقول "إن الصحابة أجمعوا على منع الحكم بغير … ".
(2) المستصفى 1/ 278 - 279.
(3) ولهم في ذلك كلام يطول أكثره عند حديثهم عن المصلحة وسيأتي مناقشة شبههم بالتفصيل - إن شاء الله.
(4) سيأتي معنا مناققة بعض المتأثرين بآراء المستثرقين إن شاء الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)

والأصل الشرعي -كما هو ظاهر- لا يقتصر على أن يكون نصاً شرعياً بل ويكون معنى شهد له نص معين أو مجموعة نصوص كما سيأتي بيانه وهذا هو قاعدة الشمول فإن جميع الحوادث والوقائع التي تجد للناس إما أن تدخل تحت نص شرعي أو تحت معنى شرعي أو تحت أصل مستنبط منهما، والبناء على أصل شرعي يزيد شمول الشريعة عمقاً ووضوحاً عند تحقيقها في عالم الواقع، ذلك أن الأصل الشرعي المستنبط يأخذه المجتهدون في كل جيل ويهتدون به، فهو لهم ضابط عن الوقوع في التغيير والتبديل، كما أنه معلم لهم وقاعدة يبنون عليها، فلا يزداد هذا الأصل مع مر العصور وتعاقب أجيال هذه الأمة إلّا قوة في الثبات وعمقاً في الشمول، وبهذه المعالم يُحفظ جهد المجتهدين ويُبنى بعضه على بعض، ويدركون به شمول الشريعة من جانب ومن جانب آخر يحول بينهم وبين تغيير الأحكام والوقوع في الابتداع، ويربط أجيال هذه الأمة برباط متين من خلال توحيد وتنمية جهد المجتهدين، وهذه أكبر سمات فقهاء أهل السنّة، أما المنحرفون عن هذه الشريعة من أهل الأهواء والابتداع فقد بنوا على غير أصل شرعي، واتبعوا أهواء الأمم الكافرة وطوائفها، وفرقوا دينهم ومناهجهم وقطعوا ما بينهم وبين الجيل الأول، وغيروا الشريعة بعقائدهم وأحكامهم الفاسدة ولم يدركوا ثباتاً ولا شمولاً، فانصرفوا عن الشريعة إلى ما يخالفها يبتغون غير الله حكماً، ويلبسون على الأمة دينها، فليس لهذه الشريعة عندهم معالم ثابتة تميزها عن غيرها، ولم يكفهم أن نزّلها الله عليهم، بل اتبعوا عقولهم القاصرة أضلتهم العجمة وأفسدهم سوء الفهم وأهلكهم الزيغ والانحراف.

‌‌المطلب الثاني
الجهل بلغة العرب
تقدم الكلام في أن المجتهد لا بد أن يكون في فهم لغة العرب كالعربي .. بحيث يعلم لغة العرب، وكيفية خطابها، فلا يخرج اللفظ عما وضع له ..
وإن لم يكن كذلك لم يجز له النظر في الشريعة، بل عليه الرجوع إلى أئمة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)

العربية. فإن نطق بالصواب من حيث لم يعلمه فهو مخطئ آثم كما قال الشافعي في كتابه الرسالة (1).
وقد مر معنا بيان هذا الشرط والاستدلال عليه بما فيه الكفاية ونقتصر هنا على بيان أثر انعدامه على ثبات الأحكام بشيء من التفصيل باعتبار أن الجهل بها صفة من صفات أهل الأهواء ومسلك من مسالكهم.
وأول ما نبدأ به هنا ما أشار إليه الشاطبي في الاعتصام، من أن من أعظم الأسباب التي خرجت بها الفِرَقُ ووقعت بها الضلالات، وتغيرت بها معالم الشريعة في واقع الناس، هو وقوع الناس في العجمة، وتضييعهم للغة العرب .. ونظرهم في الشريعة وهم لا يملكون الآلة، فجاؤوا بالعجائب وقلبوا الشريعة ظهراً لبطن (2).
فإذا كانت الشريعة تأمر بالألفة والمحبة صارت تأمر عند هؤلاء أشباه الأعاجم بالفرقة والعداوة، واذا كانت تأمر بإصلاح ذات البين والكف عن الخوض في الباطل صارت عند هؤلاء على الضد من ذلك (3).
وما زال جهلهم بلغة العرب التي نزل القرآن بها يرمي بهم في أودية المهالك حتى ضلوا وأضلوا ..
وهذا وإن كان في أصل الاعتقاد إلّا أنه انجر إلى أحكام الشريعة.
وقد أحسن الإِمام الشاطبي عندما بين أصول الفرقة الناجية وهي أهل السنّة والجماعة فذكر من هذه الأصول: أنه لا يتكلم في القرآن والسنة إلّا من هو عربي اللسان (4). أما المنحرفون عن هذه الشريعة فيتكلمون فيها ولا يتبعون--------------------------------------------
(1) الرسالة: مسألة 178.
(2) الاعتصام 1/ 237.
(3) الموافقات 4/ 122 - 123.
(4) الاعتصام 2/ 297.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)

لغة العرب بل تقودهم مسالكهم الفاسدة وتحف بهم العجمة من كل جانب ومن أمثلة ذلك:
1 - قول من زعم أنه يجوز نكاح تسع من النساء بدليل قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} (1). لأنه جمع أربعاً إلى ثلاث إلى إثنتين فكانت تسْعاً.
والحق أن معنى الآية فانكحوا إن شئتم إثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً.
والقائل بنكاح التسع "لم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام العرب، وإن معنى الآية فانكحوا إن شئتم اثنتين اثنتين، أو ثلاثاً أو أربعاً أربعاً على التفصيل لا على ما قالوا" (2). ومثنى وثلاث ورباع ممنوع من الصرف على وزن فعال ومفعل، فثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة، ومثنى معدولة عن اثنتين اثنتين، فتقول جاء القوم ثلاث ثلاث أي ثلاثة ثلاثة، ومثنى أي اثنين اثنين (3).
قال ابن العربي المالكي مقصود الكلام ونظام المعنى فيه "فلكم نكاح أربع، فإن لم تعدلوا فثلاثة فإن لم تعدلوا فاثنتين، فإن لم تعدلوا فواحدة فنقل العاجز عن هذه الرتب إلى منتهى قدرته، وهي الواحدة من ابتداء الحل وهي الأربع ولو كان المراد تسع نسوة لكان تقدير الكلام فانكحوا تسع نسوة، فإن لم تعدلوا فواحدة وهذا من ركيك البيان الذي لا يليق بالقرآن" (4).
2 - قول من زعم أن الرجم ليس ممن قضى الله به لأنه ليس في كتاب الله. ففي الحديث الذي رواه عبيد الله أنه "سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فقال: أنشدك الله إلّا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي قال: قل،--------------------------------------------
(1) سورة النساء: آية 3.
(2) المصدر نفسه 2/ 302.
(3) شرح ابن عقيل 3/ 325 - 326 الطبعة السادسة عشر - دار الفكر 1394 هـ.
(4) أحكام القرآن 1/ 313 - وانظر تفسير ابن كثير 1/ 450 - 451 وفيه نقل الأدلة من الأحاديث على منع الزيادة على أربع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)

قال: إن ابني هذا كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها" (1).
وقي هذا الحديث دلالة على أن الرجم ممن قضى الله به لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لأقضين بينكما بكتاب الله" ومثله قوله تعالى:
{كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ} (2).
أي حكمه وفرضه الذي شرعه لكم وألزمكم به فلا تخرجوا عن حدوده وأمره الذي أمركم به، ولا تقربوا ما حرم عليكم (3).
ولكن العجمة أهلكت هؤلاء فزعموا أن الرجم ليس في كتاب الله فلا يعتبر من شريعته، ولو علموا معنى الأقضين بينكم بكتاب الله" لما انحرفوا في تغيير هذه الشريعة وهي شريعة "الرجم" (4) ولعلموا أن الله لما أرسل جبريل إلى محمد عليهما السلام أرسله بالوحي، فكما أن الكتاب وحي من الله وقضاء فكذلك السنّة وحي من الله وقضاء على ما بيناه فيما سبق (5).--------------------------------------------
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 12/ 136 - 137 باب الاعتراف بالزنا. ومعنى "إن ابني هذا كان عسيفاً" أي أجيراً. المصدر نفسه 12/ 138.
(2) سورة النساء: آية 24.
(3) تفسير ابن كثير 1/ 475، وجامع البيان 5/ 9.
(4) الاعتصام 2/ 315، وقد ذكر الشاطبي هذا المثال لبيان كيف أهلكت العجمة من ظن بنفسه القدرة على الاستدلال وهو يجهل لغة العرب، وهو كما قال، وأضيف أن هؤلاء هلكوا مهالك شتى منها ما ذكره الشاطبي ومنها أنهم لم ينظروا في السنة العملية لرسول الله وصحابته من بعده، فخالفوا الإِجماع وردوا المحكم من النصوص الآمرة باتباع الرسول وتعلقوا بالمتشابه فضلوا وأضلوا.
(5) انظر ما سبق ص 30 - 32.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)

3 - قول من زعم أن شحم الخنزير حلال، لأن القرآن حرم اللحم دون الشحم: ولو سأل عن لغة العرب لعلم أن اللحم يطلق على الشحم (1)، فإذا حرم القرآن لحم الخنزير فقد حرم شحمه، بخلاف الشحم فإنه لا يطلق على اللحم (2).
قال ابن العربي المالكي "وقد شغفت المبتدعة بأن تقول: فما بال شحمه بأي شيء حرم؟ وهم أعاجم لا يعلمون أنه من قال لحماً فقد قال شحماً، ومن قال شحماً فلم يقل لحماً … " (3). فالعجمة وهي عدم التمرس بلغة العرب وعدم الرجوع إلى أئمتها هو من الأسباب التي أدت إلى تغيير الأحكام كما هو واضح من هذا المثال.
ثم ذكر الشاطبي أمثلة أخرى متفرقة وعلق على بعضها بقوله: "فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه وتعالى وسنّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والصحابة رضوان الله عليهم براء من ذلك، لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلّم. فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية - إن أراد أن يكون من أهل الاجتهاد فهو -إن شاء الله- داخل في سوادهم الأعظم، كائن على ما كانوا عليه، فانتظم في سلك الناجية" (4).
وقد استند الشاطبي على ما حرره الإِمام الشافعي في الرسالة حيث قال: " … وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها لا يذهب منه شيء عليها ولا يطلب عند غيرها. ولا يعلمه إلّا من قَبِلَهُ عنها، ولا يشركها فيه إلا من--------------------------------------------
(1) تقول العرب رجل لحيم إذا كان سميناً - مجمل اللغة 804.
(2) الاعتصام 2/ 302 - 303.
(3) أحكام القرآن 1/ 54.
(4) يقصد في سلك الفرقة الناجية وهي التي تكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضوان الله عليهم -. الاعتصام 2/ 304. ومع هذا الشرط شروط أخرى ستأتي الإِشارة إليها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)

اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها، وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله" (1).
وقد علق عليه الشاطبي بقوله: "هذا ما قال ولا يخالف فيه أحد، فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد أن ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي به أُدّيت، وأن لا يُحَسِّنْ ظنه بنفسه قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه يستحق النظر، وأن لا يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من أهلها، فإذا ثبت على هذه الوصاة كان - إن شاء الله - موافقاً لما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام" (2).
وما زل أهل الأهواء - وفارقوا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - إلّا بتركهم لهذه الوصاة، فلم يطلبوا لغة العرب من عند أهلها العالمين بها، ولم يتبعوا معهود العرب في لسانهم، وحسّنوا الظن بأنفسهم، وأوقعوها في المسائل المشكلة فقالوا في الشريعة برأيهم لا بلسانها، فضلوا وأضلوا … وخالفوا المسلمات في العقائد والأحكام .. وخالفوا مواطن الإِجماع من حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها ولا يعد خلاف أهلها خلافاً "وما استدلوا عليه من الأحكام الفروعية أو الأصولية فهو عين البدعة إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى" (3).
إذا ثبت هذا فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولًا وفروعاً أن يراعي ذلك، ويتق الله في نفسه وفي غيره، ولا يتكلم في الشريعة إلّا وقد تحقق من هذا الشرط مع الشروط الأخرى فإن لم يستطع فعليه بأخذ العلم عن الصحابة وأئمة السلف.
وحينئذ لن يتكلم في الشريعة أحد برأيه وإنما سيتكلم فيها بلسانها .. فقد--------------------------------------------
(1) الرسالة: مسألة 143.
(2) الاعتصام 2/ 300 - 301.
(3) المصدر السابق 1/ 238.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)

وضعت هذه الشريعة على الدوام والثبات .. والتزم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اقتداء به - منهجاً للاستنباط منها يحفظ مقاصدها ويعرّف الناس بها ويحافظ على ثباتها، ويحول بين الناس وبين الإِحداث فيها وتغيرها.
ونختم هذا الموضع بذكر نصيحة الإِمام الشافعي للمسلمين عامة - نتبعها ما ذكرناه من وصاة الشاطبي تأكيداً وإعانة على الخير وإيصاداً لأبواب الشبه التي أصابت كثيراً من الناس بسبب غفلتهم عن تلك النصيحة، يقول الإِمام الشافعي: "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها.
فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة: نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه، وترك موضع حظه، وكان يجمع مع النصيحة لهم قياماً بإيضاح حق وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير" (1).

‌‌المطلب الثالث
الاعتماد على "العقلى واتباع المتشابه"
هذا من أكبر الأسباب التي أدت إلى الإِحداث في الشريعة وتغيير أحكامها، فأدخل فيها ما يضادها، وأخرج منها ما هو من صلبها فلا أدرك المتبعون لعقولهم و"المتشابه" لا ثباتها ولا شمولها، وخالفوا عن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تابعهم على ذلك من فقهاء أهل السنة الذين يعتقدون أن الحاكم بإطلاق هو الله سبحانه، أما العقل فهو محكوم بالشريعة، فالمشرع واحد وهو الله، وكل ما سواه مخلوق في مقام العبودية وقد سبق تقرير هذا المعنى.--------------------------------------------
(1) الرسالة: مسألة رقم 170 - 171.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)

وقد مجد الشيخ محمد عبده العقل فقال: إن على الإِنسان أن يتبع عقله حتى يدرك بالبراهين الصحيحة الحق، ثم يرجع بعد ذلك إلى الوحي فإن وجده موافقاً فليحمد الله، ويلزم التصديق والتسليم بدون فحص فيما تكنه الألفاظ إلا فيما يتعلق بالأعمال على قدر الطاقة.
وإن لم يجده موافقاً فليتبع حكم العقل، ولا يبحث عن مراد الله ولا رسوله لأنه لا يعلم مراد الله ورسوله إلّا الله ورسوله، وليقل: "آمناً به كل من عند ربنا" (1).
فالعقل إذاً هو المعول عليه ابتداء ثم بعد ذلك نرجع إلى الوحي فإن وافق قلنا الحمد لله، وإن لم يوافق اكتفينا بالقول "كل من عند ربنا" وآمنا في الوقت نفسه بحكم العقل المخالف للوحي.
وهذا القول ظاهره خلاب، وإذا تحققت منه لم تجده شيئاً. ذلك أن العقل من خلق الله ولا شك وقد كرم الله به الإِنسان عن الحيوان .. إلّا أنه مع هذه المنزلة التي منحه الله إياها، قد جعله الله محكوماً بحكم الوحي، فجعل للوحي--------------------------------------------
(1) وقارن بما سبق تجد هذا الكلام شديد الشبه بكلام المعتزلة ص 193، بل يزيد عليه شراً كما حقق ذلك الدكتور سليمان دنيا حيث يقول مقارناً بين مسلك المعتزلة ومسلك الشيخ محمد عبده الذي نقلته في المتن أن مناط التكليف عند المعتزلة هو العقل ويبقى للنصوص عندهم حق استنباط الأحكام منها ما دام العقل لا يعارضها "وهذا الحق ضائع تماماً بالنسبة للمنهج الذي ذكره الشيخ محمد عبده لأنه لا ينظر إلى النصوص إلا في نهاية المطاف كما صرح بذلك الشيخ محمد عبده نفسه في النص السابق فإن وجدها مطابقة لما أثبته العقل حمد الله، وإن وجدها غالفة، آمن بأنها من عند الله، من غير أن يكون لها أية دلالة على معنى محدد، ومعنى الإِيمان بها في هذه الحال، أن المؤمن لا يلتزم حيالها بأمر من الأمور، وما أيسر هذا على الفيلسوف إن كان ذلك ينجيه من وصمة الخروج على الأديان والتنكر لها .. " الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين، المقدمة 58 - 59 - 62 تقديم وتحقيق الدكتور سليمان دنيا دار إحياء الكتب العربية - الطبعة الأولى 1337 هـ، وقد وفق فضيلته في اختيار هذا العنوان لكتابه هذا أعظم توفيق، وقد أحسن في تتبع نصوص الشيخ محمد عبده، الدالة على مسلكه في الاستدلال والتي تحدد موقفه من العقل وكشف تناقضها. انظر 2/ 719 هامش رقم واحد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)

منزلة أعظم من منزلة العقل، فمن أراد أن يحترم عقله ويحافظ على المنزلة التي منحها الله له فليتبع الشرع ويحاكم عقله إليه.
فالله سبحانه عندما خلق لإبن آدم عقله كرمه بحيث جعله محكوماً بأمر الله، وجاءت الرسل صلوات الله وسلامه عليها بهذه البديهية .. وحَكّمت الوحي على أنفسها وعقولها ودعت الناس لذلك، فإن يكن العقل من آثار الله -أي من مخلوقاته- والوحي هو كلام الله، فذلك حق وصدق.
وعلينا بعد ذلك أن ننظر لنعرف أيهما أعلى مرتبة، الوحي أم العقل، ومن الحاكم؛ وحينئذ سيكون الجواب أن الوحي أعظم مرتبة وأنه حاكم على العقل وإذا أدى العقل مهمته وهو تحاكمه إلى الوحي لن يكون هناك تعارض بته، لأن العقل المتعبد بالوحي لا يمكن أن يعارضه.
ولقد أحسن فضيلة الأستاذ الدكتور سليمان دنيا حيث قال مناقشاً للشيخ محمد عبده في تحديده لمهمة العقل: قال: "وعندي أن الشيخ محمد عبده إذا كان لم ينقص العقل حقه فهو قد جاوز به حده" (1). وهذه المجاوزة هي تقديم البرهان العقلي على النص الشرعي، فإذا وافق النص الإِلهي العقل قلنا الحمد لله، وإن خالفه النص الإِلهي، حكمنا بحكم العقل، ولا يعط النص أكثر من قوله: "إنك من عند الله" (2). ويقول فضيلته: "ذلكم هو كل ما في الأمر، أما النصوص الإِلهية وما تنطوي عليه من آراء فأمرها دائر بين: أن تكون موافقة إلى ما تأدت إليه هذه البراهين (أي العقلية) أو أن تكون مخالفة لها، والأمر في كلتا الحالتين سهل يسير في نظر الشيخ محمد عبده، فإنها إن كانت موافقة، فقد كفى الله المؤمنين القتال، وإن كانت مخالفة فلا قتال أيضاً، لأنه يكتفي بأن يقول آمنت بما جاءت به إلى جانب الإِيمان بما تأدت إليه البراهين" (3) وينكر عليه الدكتور سليمان دنيا هذا التناقض فيما زعمه من الإِيمان بما أدت إليه البراهين--------------------------------------------
(1) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين: المقدمة 9.
(2) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين: المقدمة 58.
(3) المصدر نفسه: المقدمة 59.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

من جهة وبما جاء من عند الله في حالة التعارض. فيقول: "ولا يخدعنا قول الشيخ محمد عبده فليطرق عن التأويل ويقول آمنا به كل من عند ربنا فإن ذلك إيمان بألفاظ جوفاء لا معنى لها، ما دام قد آمن من طريق آرائه بآراء تعارض هذه الألفاظ معارضة تامة" (1).
وعلى أمثال هذه الشبه اعتمد مذهب العقلانيين في العصر الحديث، اتباعاً لمسالك الفرق المنحرفة، وانتشرت المذاهب المخالفة لشريعة الإِسلام (2).
ولا يقال ما وجه الربط بين العقيدة والشريعة في هذا الجانب لأنا نقول: إن العقل إذا اتُّخذَ طريقاً لمخالفة العقيدة بالتأويل فإن الأمر سهل على أصحابه أنْ يتخذوه طريقاً لمخالفة الشريعة بالتأويل، وهؤلاء لا يحتاجون أكثر من أن يقول أن هذا الأمر مصلحة فيتبعونه ويدخلون تحت أذيال التأويل باتباع المتشابهة ويردون ما توجبه النصوص وما تقرر في الإِجماع، والنتيجة واحدة وهي تقديم آرائهم على أحكام الشريعة، كما قدموها على ما جاءت به العقيدة، بل الأمر أخطر من ذلك كما يصوره فضيلة الدكتور سليمان دنيا حيث يقول: "ثم إن لمنهج الشيخ محمد عبده جانباً آخر، له خطورته أيضاً، ذلك أنه طريق تفريق للأمة لا طريق تجميع، ذلك أنه إذا اعتمد كل إنسان على نفسه وعقله فقط فقلما ينتهي واحد إلى مثل ما ينتهي إليه الآخر، وهؤلاء هم الفلاسفة، لأن كل واحد منهم يعول على نفسه وعقله فقط، نجدهم في الغالب متفرقين قلما يلتقون على شيء واحد من كل الوجوه" (3).
وسأذكر بعض التطبيقات التي اعتمدت على نتائج العقل البشري والتي يزعم أصحابها أنهم يريدون تحقيق المصلحة. وسيظهر لنا - بعد دراسة هذه--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: 60.
(2) انظر المقصود بالعقلانية ص 188 ومثل هذا المذهب المستشرقون ومن تأثر بهم وانظر كتاب موقف المستشرقين ومن تابعهم من الثبات والشمول.
(3) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين المقدمة 64، وانظر فصل العقلانية من كتاب مذاهب فكرية معاصرة 500.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

التطبيقات - خطورة هذا المسلك وآثاره السيئة في هذا العصر على إبعاد الشريعة الإِسلامية عن التطبيق وإقامة الحياة المعاصرة على أحكام القوانين الوضعية.
ونختار هنا إحدى الفتاوى في مجال النظام الاقتصادي، فقد أفتى الشيخ محمد عبده بمشروعية ما سُمي "بصناديق التوفير"، واعتمد هو ومن تابعه على هذه الفتوى على أن الربا المحرم هو ما كان أضعافاً مضاعفة، وتعلقوا بقوله تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1).
فالمحرم عندهم هو ما كان أضعافاً مضاعفة، أما الفائدة المحددة بعشرة في المئة أو بأقل فليست من الربا المحرم (2).
وقد أصبحت هذه الفتوى قاعدة للاتجاه العصراني وبسببها استحوذت النظرة الغربية على مفهوم الاقتصاد الإِسلامي، وعليها وعلى أمثالها من الشبه انتشر النظام الربوي.
وبتمجيد النظر العقلي، وتقديم حكم العقل على حكم الشرع، والمحاولات المستمرة لمقاربة أحكام الشريعة الإِسلامية للأحكام الغربية طلباً للتوفيق بينها، والتماساً للشبه لكي يتم هذا التقارب .. تحقق لأرباب القوانين الوضعية ما أرادوا حيث جعلوها حاكمة على الشريعة وحاولوا جاهدين تطويع الشريعة لقبولها تحت اسم المصلحة واتباع حكم العقل.
وفي الحق أن التزام منهج النظر الإِسلامي الصحيح مانع قوي من تسرب آثار الفكر الغربي إلى أحكام الشريعة الإِسلامية .. كما أنه مانع قوي من وقوع أمثال هذه الفتوى، فالربا محرم بنصوص الكتاب والسنة وهذه مسلمة بديهية--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران: آية 130.
(2) تفسير القرآن الحكيم الشهير بالمنار 4/ 123 - 124 - تأليف محمد رشيد رضا دار المعرفة بيروت، الطبعة الثانية، وقد تضمن هذا الكتاب أكثر آراء محمد عبده.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

طيلة أربعة عشر قرناً … وقد كان منهج النظر الإِسلامي الذي لم يتسلط عليه العقل الفاسد حارساً لهذا الحكم، فالإِجماع منعقد على حرمة الربا قليله وكثيره، وعقول العلماء مذعنة أمام هذا الحكم الشرعي، ولم يستطع حتى زعماء الاعتزال - الذين مجدوا العقل - أن يذهبوا هذا المذهب، ولكن التطرف في تقديم العقل على الشرع - وتغطية ذلك بكثير من الشبه، هو الذي فتح الباب على مصراعيه لهيمنة الفكر الأوروبي والنظام الغربي على الاقتصاد ومناهجه، حتى احتاج الأمر إلى الدعوة إلى صحوة تنهض بالاقتصاد الإِسلامي تنتشله من أحكام القوانين الوضعية وترده إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وما زالت هذه الصحوة تشكو من أمثال هذه الفتاوى ومن آثار المسلك العقلي المخالف للنصوص .. الذي به غُيرت الأحكام وبُدّلت، ووُضِعتْ مواضعها أحكام لم تشهد الشريعة بصحتها.
وقد انتقل إلينا هذا المسلك الفاسد من آثار الفلسفة اليونانية على أيدي المعتزلة ومن حذا حذوهم - ومن آثار الفكر الأوروبي الحديث ذي الأصول اليونانية (1) - واتبع أصحابه "المتشابه" فضلوا وأضلوا.
ولننظر الآن في مسألة أخذ الفائدة الربوية، ونتتبع أصلها - مع العلم أن الربا محرم في شرائع الرسل السابقين صلوات الله وسلامه عليهم لقوله تعالى عن أهل الكتاب:
{وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} (2).
وقد بدأ تحليله على أيدي طواغيت الفكر في أوروبا في مواجهة رجال الدين النصراني الذين كانوا يحرمون الربا، فقد استخدم المرابون "الفائدة" ..--------------------------------------------
(1) قارن بين مسلك المعتزلة ومن تبعهم وقد سبق ذكره وبين مسلك هؤلاء انظر ص: 161 - 187 إلى 188، 192 - 202.
(2) سورة النساء: آية 161. وانظر تحريمه على الأمم وكيف احتال على تحليله اليهود وغيرهم - الربا وأثره 29 - 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

فمعجم اكسفورد عرف الربا بقوله: "هو مزاولة إقراض المال بمعدلات فائدة فاحشة وخاصة بفائدة أعلى من المسموح به قانوناً" (1).
والعقل هو العدة الوحيدة التي يلجأ إليها أساطين الفكر الأوروبي إذا أرادوا أن يقتحموا ما بقي لديهم من القيم الدينية (2).
وبهذه العدة وحدها حاول القائلون بجواز الفائدة أن يزعزعوا أهم أركان الاقتصاد الإِسلامي .. وقد وقف في وجه هذا التيار كثير من العلماء .. وخاصة ما تحققه الدراسات في الاقتصاد الإِسلامي في الآونة الأخيرة.
فهذا المؤتمر الثاني للمصرف الإِسلامي تتضمن قراراته في الفقرة الأولى: "أن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو من الربا المحرم شرعاً" (3).
وأما عن شبهة القائلين بحل هذه الفائدة فقد تكفل بالجواب عنها أحد البحوث المقدمة لهذا المؤتمر ..
وحاصل الجواب: أن الآية تصور لنا حالة من حالات الربا في الجاهلية .. وهي أن المرابي يقول للمدين اما أن تؤدي وإما أن تربي .. وكلما حل الأجل .. قال له ذلك فتتضاعف الفائدة .. فهذه هي الأضعاف المضاعفة (4).
وأما النظر في حل الفائدة التي لا تتضاعف فيرجع به إلى مثل قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) الموسوعة الاقتصادية 264 كتاب الربا وأثره على المجتمع الإِنساني 67، للدكتور الأشقر - دار الدعوة.
(2) انظر كتاب موقف المستشرقين .. من ثبات الشريعة وشمولها دراسةً وتطبيقاً.
(3) الربا وأثره على المجتمع الإِنساني 167.
(4) الجامع لأحكام القرآن 4/ 202.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1).
وإلى مثل قوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (2).
ولم يقل سبحانه إلّا إذا كانت الفائدة غير مضاعفة، فالآية نص في أن الزائد على رأس المال ربا وإن كان فلساً واحداً (3)، وهذه الآيات الدالة على تحريم الربا قليله وكثيره دلت في الوقت نفسه على تعطيل المفهوم في قوله تعالى:
{لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (4).
وهنا نحاول أن نتلمس الأدلة على السبب الذي قلنا أنه الحامل على هذه الفتوى وذلك لكي نزيل الشبهة القائلة بأن هذا اجتهاد والمجتهد مأجور صاحبه وإن أخطأ .. ونربط في الوقت نفسه بين هذا الذي تقرر في هذا الموضع وبين ما قدمناه سابقاً من أن التزام منهج النظر الإِسلامي مانع من تغيير الأحكام وتسليط العقل عليها بالتأويل والتحويف، واتباع المتشابه والإِعراض عن المحكم.
ونبدأ في بيان ذلك فنقول إن الحكم الذي ثبت الإِجماع عليه معصوم وثابت إلى يوم القيامة ولا يجوز النظر فيه بتة، وأن مخالفته مسلك فاسد .. وإن من يحق له الاجتهاد الشرعي لا يجوز له أن ينظر في مسألة قد تم الإِجماع عليها (5).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة: آية 278.
(2) سورة البقرة: آية 278.
(3) الربا وأثره على المجتمع الإِنساني 69 - 70.
(4) سورة آل عمران: آية 130. والاعتصام 1/ 185.
(5) سيأتي معنا إن شاء الله فصل مستقل في بيان عصمة الإِجماع وبيان أثر ذلك على الثبات والشمول.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

ولا يتحقق من أحد مخالفة. مثل هذا الإِجماع إلّا أن يوصف بوصفين:
الأول: أنه مجاف للمنهج الإِسلامي الصحيح في الاستدلال، متبع لمسالك النظر المخالف للشرع.
الثاني: أنه طاعن فيما استنبطه العلماء ونقلوه لمن بعدهم جيلاً بعد جيل، واصف له بالخطأ زعاماً أن الحق معه هو.
الثالث: أن الاجتراء على مثل هذا المسلك لا يكون إلا ممن اتبع المتشابه وترك المحكم وهذا هو شأن الزائغين الذين حذر الله منهم (1).
هذا في منهج النظر .. أما مسألتنا التطبيقية فقد نقل العلماء الثقات الإِجماع عليها، ولم يفرقوا بين الربا قليله وكثيره في التحريم (2).
ونؤكد بعد هذا العرض التطبيقي أن تغيير الأحكام الإِسلامية وتقديم غيرها عليها من أحكام القوانين الوضعية .. ومحاولة التلبيس على العوام بدعوى جواز الاجتهاد .. حتى اهتز مفهوم الثبات وأصبحت دعوى المعاصرة والإِصلاح مطية لزعزعة ثبات الشريعة .. إن هذا كله إنما جاء بسبب اتباع مسالك غربية في النظر من مثل ما ذكرناه من تمجيد العقل واتباعه ومحاكمة الوحي إليه.
والحق أن أمثال هذه الفتاوى لم ينتجها الاجتهاد الشرعي .. وأن الاجتهاد الشرعي بضوابطه التي قدمنا وبسلامته من هذه المسالك الفاسدة هو السند الحقيقي للحفاظ على ثبات الأحكام الشرعية ووضع سد مانع بين شريعة الإِسلام وأهواء الذين لا يعلمون، وينبغي أن نبذل الجهد المستطاع لكشف--------------------------------------------
(1) انظر الاعتصام 1/ 51، 53 - 54 - 99 - 100 - 238 - 239. ومما يدل على محافظة العلماء على هذه الشريعة ما قاله الإِمام الشافعي في كتابه الرسالة: " .. قلنا أما ما كان نص كتاب بين أو سنة مُجْتَمعٍ عليها فالعذر فيها مقطوع ولا يسع الشك في واحد منهما، ومن امتنع من قبوله استتيب" مسألة 1259.
(2) انظر المغني 4/ 3 وانظر الرد على شبهة المعارضين للإِجماع في الربا وأثره على المجتمع 55 وما بعدها والمغني 4/ 3 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

المسالك الفاسدة التي انتشرت قديماً وحديثاً في الفكر الإِسلامي لنقطع الطريق على الغزو الفكري الحديث بما يحمله من عقائد وأنظمة (1).
وعلى هذا الأساس نفسه تمكنت العلمانية - فخالفت في الأصول والفروع - وحكمت بأهوائها على أحكام الشريعة الإِسلامية في أكثر الفروع بالإِبطال مثل أحكام الجنايات "وحكم شرب الخمر" و"الزنى" و"الربا" و"الردة" و"أكثر الأحكام التي تخص المرأة من الحجاب والاختلاط والإِرث" و"الأحكام العامة التي تخص الدولة وسياسة الحروب" .. وغير هذه الأمثلة كثير.
حتى حكمت - باسم المصلحة - على الشريعة الإِسلامية بالإِبطال إلا في بعض المواطن مثل ما يسمونه "بالأحوال الشخصية". ونادى بهذا المذهب كثير ممن ينتسبون إلى الإِسلام، واجتمع على نصرته أعداء الشريعة الإِسلامية وهم في كل ذلك يزعمون أن الإِسلام مجد العقل، وله حق العمل بالمصالح بعد التعرف--------------------------------------------
(1) حرص الأوروبيون دعاة العلمانية "اللادينية" على نصر هذا المسلك ودعمه بكل نفيس يقول كرومر في تقريره السنوي عام 1905 في الفقرة (7) التي كتبها بعنوان "الشيخ محمد عبده: قال وهو يتحدث عن الشيخ وأتباعه: " … وفكرتهم الأساسية تقوم على إصلاح النظم الإِسلامية المختلفة دون إخلال بالقواعد الأساسية للعقيدة الإِسلامية، فهم وطنيون حقاً بمعنى أنهم راغبون في ترقية مصالح مواطنيهم وإخوانهم في الدين، ولكنهم غير متأثرين بدعوة الجامعة الإِسلامية ويتضمن برنامجهم - إن كنت قد فهمته حق الفهم - التعاون مع الأوروبيين لا معارضتهم في إدخال الحضارة الغربية إلى بلادهم". - الإِسلام والحضارة الغربية 78 - 79، وقد أثبت البحث العلمي أنه لم تسلم القواعد الإِسلامية للعقيدة الإِسلامية، انظر رسالة الدكتوراه: عقيدة الشيخ محمد عبده عرض ونقد، جامعة أم القرى مخطوط، ولم تسلم النظم الإِسلامية كما ظهر لنا في هذا الموضع، وانظر رسالة ماجستير العلمانية نشأتها وتطورها 575 - 576 - 577 - 578 - 579 للدكتور سفر الحوالي - طبعة جامعة أم القرى - الطبعة الأولى 1402 هـ. ورسالة ماجستير بعنوان: مفهوم تجديد الدين 242 - 243. بسطامي سعيد - الطبعة الأولى 1405 هـ - دار الدعوة - الكويت.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)