وبعد الحديث عن حكم الاجتهاد وحكمته وأنواعه وأهم شروطه وضوابطه وبيان أثر ذلك على ثبات الأحكام وشمولها يتبين لنا أنه لا يمكن أن يتحقق شمول في عالم الناس بغير اجتهاد، كما أنه لا يمكن أن يتحقق ثبات واستقرار للأحكام بدون ضوابط لهذا الاجتهاد، وعليه فإن الذي يجب المصير إليه هو القول بأن الاجتهاد فريضة محكمة وسنة متبعة وهو ممكن -من حيث تحقق الملكة والبناء على ما ورثه لنا العلماء المعتبرون في علم الشريعة وعلم العربية، وإن تعذر جمع الأدلة الشرعية جملة لم يتعذر على المخلصين من أهل العلم جمع الأدلة المطلوبة في المسألة التي يراد بيان حكم الله فيها، وإن لم يتمكن أحدهم من ذلك لم تعجز طائفة منهم عن جمعها ومعرفة مقاصد الشارع منها، وليس وراء ذلك إلا القول بتعطيل أحكام الشريعة وإيقاف الاستنباط وهذه جهالة لا يرتضيها لنفسه عاقل.
ولكي لا يقال أن هناك أدعياء كثيرين للاجتهاد -نقول أن الاجتهاد لا بد له من الملكة، ولا يقبل من كل أحد الدخول فيه ما لم تتوفر له، وعلى طلبة العلم أن يبذلوا ما يستطيعون -ولا يدخرون من وسعهم شيئًا لعل الله أن يجعل منهم في مستقبل الأيام من تتحقق فيهم الملكة فيكونون هم الصف الثاني الذي يقوم بهذه المهمة، ومن العلماء المخلصين اليوم من تحققت فيه الملكة فهؤلاء هم أهل الاجتهاد اليوم، أما نحن طلبة العلم فعلينا بذل الجهد وتكفينا المتابعة لأئمة الصحابة والتابعين ومن يتبعهم بإحسان، وفيما ورثوه من العلم كفاية لمن أراد أن يقوم بمهمة التعليم والبيان والدعوة إلى الله، وليختص أهل الاجتهاد بالنظر في المسائل الجديدة، وأيضًا فإن الاجتهاد له ضوابطه التي تفرق بين الصحيح منه والفاسد وتميز بين الذين يتبعون الحق والذين يقعون في آثار المسالك الفاسدة.
ومسيرة الاجتهاد كمسيرة الجهاد والدعوة تحتاج من الصادقين إلى حراسة ولا يمكن أن تُعطل المسيرة لأن أناسًا يخاف من شرهم عليها، فإن هذه المشكلة علاجها معلوم وهو اليقظة التامة لحفظ المسيرة وحراستها من المسالك الفاسدة والآراء الشاذة وكشف زيف المبطلين والمنحرفين وهذا ممكن والحمد لله، ولا تزال طائفة قائمة بالحق، فلتستمر إذًا عملية الاجتهاد، ولتستمر عملية الحراسة وليقم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
الصادقون على الجهاد بقدر طاقتهم ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وحينئذ يتحقق وعد الله ونصره بتوفيقه سبحانه وتعود هذه الأمة إلى ما كانت عليه وتحمل رسالتها كما يريد الله لها.
وينبغي أن لا يتضجر الباحثون من كشف الباطل وتميز الحق ولا يملوا ولا يضعفوا لأنهم في واقع الأمر منقسمون إلى ناصر للحق ومدافع عنه، وآخر هو عرضة للنقد -الذي يكون في بعض الأحيان شديدًا لأنه يكشف عن انحرافات خطيرة. نعم لا يتضجر مخلط كتب بقلمه وصاح بعقيرته ثم يقول لم يُقال عني كذا أو كذا ولم ينتقدني فلان أو فلان، لأنا نقول أن من يريد أن لا يصيبه شيء من ذلك فليكف قلمه ولسانه عن الكلام في الدين لأن هذا الدين ليس ملكه، وأولياؤه الصادقون لا بد كاشفون كل فساد بمشيئة الله وعونه، فمن تكلم بغير علم فليتحمل نتيجة عمله وقوله، ونحن لا نريد ممن يتكلم عن الدين أكثر من الرجوع إلى مواطن الإِجماع والوقوف عند المحكم والبعد عن المتشابه والحيطة في الاستدلال والسلامة من الشذوذ وعدم مخالفة ما علم من الدين عقيدة وشريعة، وأن يميز نفسه عن آثار الفرق الضالة قديمًا والغزو الفكري الذي تمثله المذاهب المعاصرة حديثًا، وهذه النصيحة نقدمها للباحثين ونلتزم بها -وخاصة بعد أن تبين لكل بصير ما تؤدي إليه مخالفة هذا الطريق من مخاطر على الكاتب ومن يكتب لهم، وينبغي لكل صادق مع نفسه أن يدعو إليها، لأن ذلك هو الطريق الأعظم للمحافظة على هذه الأمة وإصلاح أمرها وتصحيح العلم الذي يُقدّم إليها، والانتصار للحق المتمثل في الكتاب والسنة والذي حققه في عالم الواقع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضوان الله عليهم -، ويكفينا ويكفي كل باحث عن الحق ومنتصر له أن يتابعهم ويقتفي آثارهم في التعلم والتعليم والاستنباط والاستدلال، والحذر من ترك الاتباع والوقوع في الابتداع، وهو الطريق الأعظم لجمع شتات هذه الأمة، يقول الدكتور سليمان دنيا مبينًا ذلك: وقد كان هدف الرسول صلى الله عليه وسلم من قوله في وصف الفرقة الناجية: "الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي" "أن يجمع شمل هذه الأمة في مستقبلها كما اجتمعت في ماضيها فيكون لها كيان ديني موحد يكون شعارها وعنوانها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
ومبعث فخرها ومناط قوتها لا أن يكون كل واحد منها فرقة برأسه يخالف الآخرين ويخالفه الآخرون" (1).
فمن أبى واستكبر عن المتابعة على هذا المنهج -بعد ما تبين له الهدى- فإنما يريد أن يلبس على هذه الأمة أمر دينها ويتبع غير سبيل المؤمنين فلا بد أن يلقى جزاءه ولو بعد حين.
وهذا هو واقع المخالفين عن هذا المنهج قديمًا وحديثًا فيه العبرة لمن أراد أن يعتبر، ونكتفي في هذا المقام بذكر دليل مشهور معلوم عند جميع الباحثين ذلك هو ما كتبه علماء الفرق الضالة -مخالفين هذا المنهج- وقد خلّطوا في أمر العقيدة والشريعة ونشروا أفكار الأمم الضالة داخل هذه الأمة فلم يتلبّثوا إلا قليلًا حتى قيض الله لدينه من يذب عنه ويكشف انحرافاتهم، بعد أن مزقتهم فرقًا وأحزابًا وسلط الله عليهم علماء السنة يردون عليهم بدعهم ويصفونهم بالضلالة كما يستحقون، وهذه كتب السنة من تراجم وعقيدة وأصول وفقه وحديث قد امتلأت بكلام أهل السنة فيهم يحذرون الأمة منهم، فلم يبق لهم والعياذ بالله إلّا الذم بعد أن صالوا وجالوا "ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" .. فليتق الله كل صاحب قلم في دينه وفي هذه الأمة "والعاقبة للتقوى".
* * *--------------------------------------------
(1) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين: المقدمة 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
الفصل الثاني
العموم وقضية الثبات والشمول
توطئة:
يأتي هذا الفصل بعد أن تحدثت عن الاجتهاد وحكمه وحكمته وكيف يستطيع الناظر أن يتحقق من الملكة ليستنبط بعد ذلك الأحكام من هذه الشريعة الربانية، وفي هذا الفصل بيان لحقيقة العمومات الواردة فيها وكيفية إفادتها الشمول ليتمكن المجتهد من البناء عليها وتعميم حكم النص على جميع ما يشمله، ويدرك منزلة العمومات الشرعية، لتقوي عنده قاعدة الشمول وتستقر قاعدة الثبات، وبهذا يتحقق الإِعجاز التشريعي الذي يتسق مع الإِعجاز الكوني.
ويضم هذا الفصل من المباحث ما يبين ذلك إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
المبحث الأول
مقارنة بين الإِعجاز الكوني والإِعجاز التشريعي وبيان سماته
تبين مما سبق أن "الشريعة الإِسلامية" موصوفة بالكمال والثبات والشمول، وهذه ألفاظ أتراب يأخذ بعضها بحجز بعض، فإن قلت كمالها يقتضي ثباتها وشمولها فقد صدقت، لأنها لا تكون كاملة إلّا وهي ثابتة شاملة، لأن عدم الثبات نقص وعدم الشمول كذلك.
وإن قلت ثباتها يقتضي كمالها وشمولها فقد صدقت، لأن ثباتها اقتضى -في مراد الله- أنها لازمة للبشر كافة على جميع العصور، ولا تكون كذلك إلا وهي كاملة شاملة لأن ذلك مقتضى الرحمة والحكمة والعدل الرباني تفضلًا منه سبحانه ونعمة.
وإن قلت شمولها يقتضي ثباتها وكمالها فقد صدقت، لأنها لا تكون شاملة إلّا أن تكون ثابتة ما بقي تكليف وعمل في الأرض، وإلّا لم يتحقق الشمول إذا انقطع الثبات، وكذلك لا تكون شاملة إلّا إذا كملت فلا يلحقها نقص أبدًا.
فالكمال والثبات والشمول مقطوع به، وهو قمة الإِعجاز التشريعي (1)--------------------------------------------
(1) الطرق لهداية القلب البشري للاستسلام لشريعة الله كثيرة جدًا، فقد يهتدي إنسان بمجرد التفكير في آيات كونية أو آيات تشريعية ومع ذلك فإن الأصل في هداية القلب البشري إلى الله هو ما كان بالفطرة ألصق وبمعهود الأميين أقرب، وبالاطلاع على الكون أيسر، لأنه يمكن أن يقرأه كل أحد في كل حال حتى الذين لا يطلعون على أسرار التشريع وهم أكثر البشر، ولذلك اعتمد الرسل عليهم السلام على هذا الأصل القرآني في تصحيح العقيدة وهو قاعدة الدعوة ما بقيت البشرية في حاجة إلى التصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
وهو متواكب مع إعجاز الخلق لما نرى من الآيات الكونية، بل هو كما تبين فيما سبق مطبوع بطابع الإِعجاز الخلقي للكون، فالإعجاز التشريعي -الذي يعجز عن الإتيان بمثله أو بشيء منه البشر أجمعون- هو صادر عن إرادة الله في إنزال القرآن - الذي هو كلامه سبحانه - والإعجاز في خلق الكون وآياته ما علمنا منها وما لم نعلم - الذي يعجز عن خلق شيء منه البشر أجمعون - هو صادر أيضًا عن إرادته سبحانه حيث يقول للشيء كن فيكون، ولذلك كان سمة الإِعجاز في الموضعين واحدة حيث طبع بطابع الكمال والثبات والشمول.
ولذلك فإن هذين الإعجازين لا ينقطعان، أما الإِعجاز الكوني فكما قال سبحانه:
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (1).
وأول صفاته ضخامته وتعدد مواضعه وكثرة خصائصه وتنوع أشكاله وعمق دلالته - يقابل ذلك كله ضعف طاقات الإِنسان في جميع عصوره - حتى في عصرنا الحاضر - وهذا جعل الإِنسان لا يستطيع أن يتملى هذا الإِعجاز ويكشف عن جميع مجالته ومظاهره وخصائصه دفعة واحدة في جيل واحد فضلًا أن يدرك عمقه، وفي ذلك رحمة بالإنسان لكي يدرك في كل عصر من دلالة هذا الإِعجاز ما يحمله على تصحيح عقيدته في الله واتباع منهجه، وهو في جميع العصور واجد لا محالة من خصائص هذا الإِعجاز ودلالته بحيث يفكر في حق الله عليه فلا يعدم ما يطلع عليه من خصائص الإِعجاز ودلالته ولا يمل من ذلك لأن مواضعه متعددة وأشكاله متنوعة.
ومن الإِعجاز في تدبيره سبحانه لأمر هذا الكون أن جعل الإِعجاز التشريعي متواكباً مع الإِعجاز الكوني، فيجد المتدبر لهذا القرآن حديثًا مفصلًا عن الكون وآياته -بحيث ينكشف له من خصائص الإِعجاز وعمق دلالته وتعدد مواضعه وتنوع أشكاله- ما يدل على أن هذه الشريعة التي جاء بها القرآن--------------------------------------------
(1) سورة فصلت: آية 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
هي من عند خالق هذا الكون فيطمئن لها حينئذ ويسكن إليها - وقد استولى على عقله وقلبه ذلك الإِعجاز في الخلق والتدبير، فيدرك بعمق دلالة الإِعجاز التشريعي، ذلك أن القرآن -بحديثه عن الإِعجاز الكوني بذلك الوضوح الذي يزيده إشراقًا إبداع الصنعة المحسوسة -قد يسر للعقل البشري والقلب الإِنساني تلقي وتفهم مظاهر الإِعجاز التشريعي، ولذلك كانت البداية في الخلق والأمر ببيان الإِعجاز الكوني فيأتي حينئذ الإِعجاز التشريعي ليستوي القلب البشري على الطاعة المختارة التي يتمثل فيها الرضى والطمأنينة لحكم الله الذي حفته مظاهر الإِعجاز من كل مكان، وهناك يتفاوت المؤمنون في إيمانهم وذلك لتفاوتهم في إدراك مظاهر الإِعجاز والإِبداع في الخلق والأمر.
ولا يزال هذان الإِعجازان الكوني والقرآني متواكبين إلى يوم القيامة وما زال التحدي بهما لقادة البشرية اليوم من الحكماء والعلماء والمشرعين - قائمًا فإن التحدي لم يكن لكفار قريش فقط، وما زال أهل الحق يعرضون هذا التحدي على أئمة البشرية اليوم في أوروبا وأمريكا وروسيا وغيرها من الأمم إن كانوا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا الإِعجاز الكوني أو التشريعي أو بشيء منه، وما هم بمستطيعين وما ينبغي لهم ومازال هذا قائمًا في هذا القرن وما بعده من القرون أمام جميع الجاهليات في الأرض:
{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (1).
ولنبدأ بتلمس خيوط الإِعجاز التشريعي -زيادة توثق في الإِيمان وبيانًا لعلاقة الإِعجاز الكوني به، وكشفًا عن حقيقة الثبات والشمول.
لا عجب أن تتشاكل طبيعة هذين الإِعجازين فالله صاحب الخلق والأمر وإنّ من أبرز ملامح هذه المشاكلة ما يلي:
1 - الكون خلقه الله وقدر فيه طاقاته، فبقدر ما يتعامل الإِنسان معها بقدر ما يستخرج منها، فالماء طاقة مقدرة في الأرض، إذا استخرجها الإِنسان--------------------------------------------
(1) سورة طه: آية 50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
فإنما استخرج طاقة كامنة يسر الله له استخراجها ولكنها ليست خلقاً جديدًا مستأنفًا في الأرض:
{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} (1).
وفي هذه الآية دلالة على أن الله جعل في هذه الأرض جميع ما تحتاجه البشرية من الطاقات وكل جيل يستخرج منها ما يطيق حسب قدراته ونشاطه ومبلغه من العلم، وكذلك هذه الشريعة، جاءت نصوص الوحي بها متضمنة معاني لا حصر لها، فقد جعلها الله شاملة لما يشاء أن يعلّمه للبشر في جميع أجياله، وكل جيل يعلم منها ما يحتاج إليه في جميع شؤونه، فيستخرج منهاجًا يحكم حياته كلها، فيحفظ له هذا المنهج عقيدة صحيحة -فيسلم من التخلف العقيدي وهو الارتكاس إلى الجاهليات البشرية -ويحفظ حياته الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية فتتحقق حينئذ العبادة في هذه الأرض وهي المهمة التي خلق الله الإنسان من أجلها.
يأتي كل جيل ليرتبط بهذه الشريعة، ويجد علماؤه فيها كل ما يحتاجه في تلك الأمور -وليس شيئًا من ذلك قد أنزل إنزالاً جديدًا مستأنفاً، كلا، وإنما هو متضمن في هذه الشريعة، تماماً كما هو الشأن في هذا الكون فيقف كل جيل ليجد ما يحتاجه من الطاقات في هذا الكون مدخرًا له، ويجد المنهج الصحيح الذي يحكم له جزئيات حياته مدخرًا له في هذه الشريعة فيعلم أن له رباً خلق له كوناً يعيش فيه ليستخرج طاقاته، وإلهاً أنزل له شريعة ليستخرج منها ما يبصره بالمنهج الصحيح، وهذه أول ملامح تلك المشاكلة بين الإِعجاز الكوني والإِعجاز التشريعي.
2 - إن هذا الكون لا تضاد فيه ولا تناقض بل هو صنعة محكمة مبدعة--------------------------------------------
(1) سورة فصلت: الآيتين 9، 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
وهذا هو الإِعجاز الذي يقابله إعجاز تشريعي حيث أنزل الله شريعته لا تضاد فيها ولا تناقض ولا اضطراب بل هي قول محكم.
وملامح هذه المشاكلة تظهر في مثل قوله تعالى: عن بيان امتناع هذا الكون عن الفساد والاضطراب:
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (1).
نعم لو كان في السماء والأرض آلهة إلّا الله لاقتضى ذلك أن تتعدد الإرادات في تدبير هذا الكون فهذا يسير القمر إلى جهة وآخر يأمره بضدها وهذا يريد الشمس جارية وذاك يريدها ساكنة، وحينئذ يقع الفساد، فلا يمكن أن تتعدد الألهة -وكل إله يستحق الألوهية- كلا لو كان كذلك لفسدت السموات والأرض.
وشريعة الله التي هي كلامه المعجز ووحيه إلى نبيه لا يمكن أن تتعارض ولذلك قال تعالى:
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (2).
نعم لو كان القرآن من عند غير الله لوجدنا فيه ذلك الاختلاف، فلما لم نجد قطعنا حينئذ أنه من عند الله، مثل سلامة الكون من الفساد دلنا ذلك على أنه من خلق الله، وهذا وذاك هو سند الثبات في هذا الكون وفي هذه الشريعة إلى أن تقوم الساعة فيقدر الله حينئذ ما يشاء، والثبات هو من أهم معالم الإِعجاز التشريعي والإِعجاز الكوني.
3 - من مظاهر الإِعجاز في الكون أنك تجده متجددًا معطاء بفضل من الله، والإنسان يستثمر ذلك العطاء، وكلما اتجه الإنسان إلى الاستثمار الصحيح--------------------------------------------
(1) سورة الأنبياء: آية 22.
(2) سورة النساء: آية 82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
وجد خيرًا كثيرًا بإذن الله، وفي هذا الكون طاقات كلية ثابتة يستخرج منها الإِنسان -عن طريق الاستثمار الصحيح- طاقات جزئية لا حصر لها، ولذلك يختلف البشر في إمكان الحصول على ذلك ما بين مستكثر ومستقل، وقد حمّل الله الإِنسان هذا الجهد ليكابد الحياة ويعمل ويُعمر الأرض فتتحقق العبادة بإقامة الخلافة فيها.
والإِنسان في كل ذلك ليس خالقًا ولا منشئًا حتى وإن اكتشف، لأن أصل الخلقة لله سواء في الكون أو الإِنسان، وجهد الإِنسان إنما هو اكتشاف لِما يسره الله له حسب السنن الربانية.
وكذلك هذه الشريعة -التي هي وحي من الله- جعلها سبحانه متضمنة لكليات تشريعية تحفها جزئيات تشريعية كذلك، ثم كلف الأمة المتبعة لهذه الشريعة أن تجهد جهدها في إقامة فرض الكفاية وهو التعلم، وتهيئة طائفة منها لتقوم بمهمة التعليم والاجتهاد وذلك كله فرض كفاية، وعلى الأمة العمل لإقامته، وهؤلاء المجتهدون يستثمرون تلك الكليات التشريعية، وقد علموا منها ومن تلك الجزئيات كيف يتم الاستثمار وتتحقق مقاصد الشريعة، وحينئذ يتحقق لكل جيل عن طريق -المجتهدين- الحكم في مسائل لا يمكن حصرها البتة، وهذا هو غاية الاستثمار للكليات التشريعية (1)، وهذا الاستثمار اكتشاف لحكم الله، وليس إنشاء ولا تشريعًا تمامًا كما تبيّن لنا في الإِعجاز الكوني، ذلك أنَّ اللهَ وحده هو الخالق والمشرع والآمر سبحانه لا إله إلّا هو.
4 - من مظاهر الإِعجاز الكوني أنك تجد شجرة واحدة -وهي آية من آيات الله - تتفرع عن أصلها فروع كثيرة جدًا، وتجد أيضًا أنواعًا كثيرة من--------------------------------------------
(1) نتحدث هنا عن الوضع السوي الذي خلق الله الإنسان له، وإلّا فإن هناك أجيالًا تنحرف عن مقصد الإِعجازين الكوني والتشريعي فلا هي استثمرت طاقات الكون، ولا هي اتبعت الشريعة، وهذه الحالة السيئة مرت بأجيال كثيرة جدًا من أجيال البشرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
المخلوقات -كالهواء والماء والبذر والتربة .. - تجتمع لتخرج -بإذن الله- الزرع بجميع أجناسه، الذي يصلح لسد كثير من حاجات الإِنسان.
وإنك لتجد هذه الملامح في الإِعجاز التشريعي:
فمثلًا إذا تأملت في العموم اللفظي وجدته كأصل الشجرة الواحدة تقوم عليها تلك الفروع المتكاثرة، فاللفظ العام يشتمل في دلالته على فروع كثيرة، أصله لفظ واحد وفروعه لا تنحصر.
وإذا نظرت في مثال آخر وهو العموم المعنوي وجدت جزئيات من الشريعة قد اجتمعت من كل مكان على معنى واحد، فأصبح هذا المعنى جنسًا ينتج لنا أحكامًا خاصة بمسائل كثيرة بل يصبح مثل العموم اللفظي، فهناك لفظ عام تبنى عليه فروع شتى، وهنا جزئيات كثيرة يخرج منها أصل واحد يُحكم به على جزئيات لا تنحصر، فهل رأيت مثل هذا الإِعجاز، شجرة واحدة في الأصل تنمو فروعها وتتكاثر، وجزئيات متناثرة -من تراب وماء وهواء وبذور- تجتمع لتخرج بإذن الله شجرة ذات فروع كثيرة، عمومات لفظية -هي عمدة الشريعة- يتفرع عن كل واحد منها فروع لا تنحصر، وجزئيات كثيرة يتفرع عنها فروع كثيرة جدًا تشابهها في الحكم -عن طريق القياس الشرعي- وهذه الجزئيات تجتمع مرة أخرى لتنتج العموم المعنوي فيحكم به على فروع لا تنحصر.
هكذا في دورة تشريعية معجزة لا أجد لها شبيهًا إلا تلك الدورة الفلكية أو دورة الزروع والثمار المعجزة في الخلقة، التي تظنها قد تقف فينقطع عطاؤها، فكلما طاف بك طائف من شك أبصرتها تنطلق في دورة جديدة تبدد تلك الشكوك، هذه دورة الإِعجاز الكوني الذي يقول الله عنها متحديًا البشر في جميع العصور:
{هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (1).--------------------------------------------
(1) سورة لقمان: آية 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
وهذه هي دورة الإِعجاز التشريعي الذي يقول الله عنها متحديًا كذلك:
{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (1).
أقول -والله أعلم بمراده- إن هذه الشريعة وهي كلام الله لا تنفد أبدًا -مهما قدر الله أن يخلق من الأجيال على هذه الأرض وسيجد فيها كل جيل ما يحتاجه يستنبطه منها علماؤه- فلا تنفد أبدًا، بل ينفد البحر دون أن ينفد منها شيء (2).
وأقتصر على ما في الوسع من تبيين الملامح التي تظهر بين الإعجازين الكوني والتشريعي لعل فيه الكفاية في بيان حقيقة الإِعجاز التشريعي، وأنتقل بعده إلى دراسة موضوع العموميين اللفظي والمعنوي وهما من سمات ذلك الإِعجاز.
* * *--------------------------------------------
(1) سورة الكهف: آية 109.
(2) قارن بين هذا وبين ما أشرت إليه عند بيان صلة المعنى الاصطلاحي للشريعة بالمعنى اللغوي فقد قلت هناك أن العرب لا تسمي مورد الماء "شريعة" حتى يكون الماء عدًّا لا انقطاع فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
المبحث الثاني
العموم اللفظي
العموم هو الشمول، تقول العرب عم الرجل قومه بالعطية إذا شملهم (1) وعموم الشريعة شمولها، بحيث يدخل في حكمها ما لا حصر له من الوقائع والحوادث في جميع نواحي الحياة البشرية، فكما أن عموم التكليف للبشر أجمعين -وهم غير محصورين- فكذلك العموم هنا يشمل كل ما يحتاجه الناس في عموم الأحوال والأزمان والأمكنة بلا حصر (2)، ونصوص الشريعة أكثرها--------------------------------------------
(1) لسان العرب - مادة "عم".
(2) من تعريفات العام أنه "لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر" ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} النساء: 11، فلفظ "الأولاد" الوارد في الآية عام يشمل كل ولد كبيرًا أو صغيراً ذكرًا أو أنثى مسلمًا أو كافرًا، ثم ورد النص بمنع القاتل والكافر.
ومثله ما ورد في الحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فإنه عام في كل امرأة. انظر تخصيص العالم 11 - 13. وهذه الأمثلة والتعريف أوردته للبيان فقط، وقد اتفقت طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية على أمور منها: أن دلالة العام على أصل معناه قطعية، وأن ما قامت القرينة على نفي إرادة الخصوص منه فهو قطعي في شموله لجميع الأفراد، واختلفوا فيما سوى ذلك. انظر تخصيص العام 35، وسيكون منهجي في البحث هو البناء على ما ورد من تحريرات لطريقة المتكلملين وطريقة الحنفية لأن البناء على المادة العلمية الموثقة والمسلمة يوفر الجهد للمضي بالبحث في هذه القضايا إلى مسائل جديدة، ونقل المادة العلمية شيء وتحليلها شيء آخر، ولذلك فإني لا أضيف جديدًا في عرض تلك الطريقتين، أما تحليل موقفهما وأدلتهما فهذا هو الذي سأهتم به مع إضافة =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
عمومات منها ما ورد في القرآن ومنها ما ورد في السنة وهي من أكبر قواعد الشمول في الشريعة (1)، لأنها من جهة تعتبر جوامع مختصرة يدخل تحتها ما لا يمكن حصره من الجزئيات والوقائع التي تجد في حياة البشرية، ومن جهة أخرى تمثل ثبات الشريعة لأنها عمدتها ولأنها حجة على كل حال عند السلف الصالح يقطعون بعموماتها بحسب فهم المقصد العربي في اللسان وبحسب مقاصد الشارع في موارد الأحكام.
وفي هذا المبحث بيان لحجيتها وقوتها (2) والجواب عما يعارض ذلك وقد اختلف منهج الأصوليين في دراسة العمومات، وأدى هذا الاختلاف إلى الاختلاف في قوة شمولها فمنهم من ضعفها وجعلها ظنية وهم المتكلمون ومنهم من قواها فجعلها قطعية وهو منهج الحنفية والشاطبي وابن تيمية (3)، مع أن هؤلاء وهؤلاء يستدلون بها وتتقارب وجهات النظر عندهم إذا أخذوا في الاستدلال، لأن طريقة المتكلمين تنزع -كعادتها- إلى البحث التجريدي ---------------------------------------------
= عرض الآراء الأخرى للأصوليين المعتبرين: أمثال الإِمام الشاطبي والإمام ابن تيمية، وخاصة وأن أكثر الباحثين لم يفطنوا لطريقة الشاطبي وابن تيمية، ولعل سبب ذلك يرجع إلى غلبة مسلك المتكلمين على أصول الفقه وحصر البحث الأصولي في طريقة المتكلمين والحنفية ويقتضي البحث أمرًا آخر وهو مقابلة طريقة المتكلمين بطريقة الشاطبي وابن تيمية، وسيكون كلام الشاطبي هو الأصل لأنه مفصل، أما الأحناف فلأنهم يساعدون الشاطبي وابن تيمية من جهة .. فقد اخترت عرض أجوبتهم عن أدلة المتكلمين فقط، وسيكون العرض مناسبًا لطبيعة هذا الكتاب.
(1) وهناك "القياس" فإن ما ورد من الجزئيات هو في الحقيقة عام لأنه يصلح أن يقاس عليه غيره بشرطه وسيأتي بيان ذلك، ومنه قياس المصلحة، وهناك العموم المعنوي وسيأتي إن شاء الله.
(2) هناك من يرى أنه وإن كان حجة إلّا أنه حجة ضعيفة وسيأتي الجواب عن ذلك حين عرض المذاهب.
(3) هناك فوارق مهمة بين منهج الأحناف من جهة ومنهج الشاطبي وابن تيمية في تخصيصها بعد تقويتها فالحنفية لا تخصصها بالأحاد والشاطبي وابن تيمية يخصصونها بما ثبت مطلقًا على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
وقد غلبت عليهم حتى في أصول الفقه فإذا أخذوا في العمل -والتطبيق- تخففوا من آثار مسلكهم في البحث ولذلك سأهتم اهتماماً شديدًا ببيان الفوارق في منهج النظر بين أصحاب المذهبين وستحظى "طريقة المتكلمين" بتحليل يبرز حقيقتها وحجمها العلمي مع بيان السبب الذي حملهم عليها، ولن أقف عند طريقة المتكلمين ومقابلتها بطريقة الحنفية، بل سأنقل البحث إلى ضم طريقة الشاطبي وطريقة ابن تيمية وأقارن بينهما لعل في ذلك تجديدًا لطريقة السلف الصالح، ومظنة ذلك في نقول هذين الإِمامين كما سيأتي بيانه.
وإن مما يساعد إلى الوصول إلى نتيجة صحيحة أن نعلم أن مسألتنا التي وقع عليها الاختلاف مسألة شرعية، لا هي عقلية تجريدية ولا هي لغوية صرفة، وجميع الدارسين -المفروض فيهم- أن يكونوا متعبدين باتباع المقاصد الشرعية والمقاصد العرِبية في فهم لغة العرب، لأنه ليس عندنا عقلاً محضًا نتبعه، ولا لفظًا مجرداً نحتكم إليه، وإنما العبرة بمجموع اللفظ والمعنى تسوقه المقاصد اللغوية وتحكمه المقاصد الشرعية.
المطلب الأول
الفرع الأول
طريقة الإِمام الشاطبي
يعتمد الإِمام الشاطبي رحمه الله في دراسته لموضوع "العموم" على منهج متميز يلتزم فيه بمقاصد العربية -وهي الجارية في كلام العرب في التعميم (1)، وبمقاصد الشرع مبتعدًا عما يصوره العقل في مناحي الكلام (2)، فلا هو يتبع البحث اللغوي التجريدي، ولا البحث العقلي التجريدي كذلك.
يقدم الشاطبي العموم الاستعمالي على عموم الصيغة، وإن كانت في أصل وضعها على خلاف المقاصد الاستعمالية، ذلك لأنه لا يعتبر ما تدل عليه--------------------------------------------
(1) الموافقات 3/ 173.
(2) المصدر نفسه 3/ 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
الصيغة في أصل وضعها عند الإِطلاق (1)، بل يعتمد المقاصد الاستعمالية التي تقضي العوائد بالقصد إليها، وهو لا ينكر أن يكون للصيغة وضع أصلي، بل ذلك مسلم عنده، ولكنه يعتمد على قاعدة معلومة عند أهل العربية وهي: "أن الأصل الاستعمالي إذا عارض الأصل القياسي كان الحكم للاستعمالي" (2).
فما تدل عليه الصيغة في أصل وضعها عند الإِطلاق قياسي، وما تدل عليه بحسب المقاصد الاستعمالية التي يقصد إليها المتكلم في العادة استعمالي، والاستعمالي مقدم على القياسي، ولذلك اعتبرت العرب مقتضيات الأحوال التي هي ملاك البيان يدل على ذلك:
إن العربي قد يستعمل لفظ عموم يشمل في أصل الوضع نفسه وغيره، ومقتضى الحال أنه لا يريد نفسه ولا أنه داخل في العموم وهذا هو الوضع الاستعمالي (3). قال ابن خروف (4):
لو أن رجلًا حلف ليضربن جميع من في الدار وهو معهم فيها فضربهم ولم يضرب نفسه لكان صادقًا.--------------------------------------------
(1) قسم دلالة الصيغ على العموم إلى قسمين:
الأول: باعتبار ما تدل عليه الصيغة في أصل وضعها على الإِطلاق، وهذه الصيغ تارة تطلقها العرب وتقصد بها تعميم ما تدل عليه في أصل الوضع، فإذا أرادت ذلك فلا إشكال.
والثاني: إطلاق تلك الصيغ بحسب المقاصد الاستعمالية التي يدل عليها معنى الكلام خاصة، وهذا هو الذي تقدمه العرب على الوضع الإفرادي.
والأول معتبر ما لم يعارضه الثاني، وكلابها إنما يعرف بما يدل عليه مقتضى الحال.
المصدر السابق 3/ 171.
(2) المصدر السابق 3/ 171.
(3) المصدر السابق 3/ 171.
(4) هو علي بن محمد بن علي بن محمد الأندلسي النحوي أقام بحلب ومات سنة 609 هـ تقريبًا وفيات الأعيان 1/ 433.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
ولو قال: اتهم الأمير كل من في المدينة فضربهم، لم يدخل الأمير في التهمة والضرب.
قال: فكذلك قوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (1) فإن صفاته سبحانه لا تدخل تحت الإِخبار الوارد في هذه الآية، وكل ما وقع الإِخبار به من نحو هذا لا تدخل فيه صفاته تعالى، وهذا معلوم من وضع اللسان فإن العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه (2). ومثله قوله تعالى:
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (3).
لم يقصد أنها تدمر السموات والأرضين والجبال .. وإنما المعنى أنها تدمر كل شيء مما مرت عليه ومما شأنها أنها تؤثر عليه في الجملة ولذلك قال:
{فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} (4).
يؤكد ذلك أنه لا يصح عند أهل العربية الاستثناء في مثل قول الرجل: "من دخل داري أكرمته إلا نفسي" أو "أكرمت الناس إلّا نفسي" أو"قاتلت الكفار إلا من لم ألق منهم" وإنما يصح الاستثناء لغير المتكلم من الداخلين أو المكرمين أو المقاتلين الذين يلاقيهم وهو الذي يتوهم دخوله إذا لم يستثن.
"هذا كلام العرب في التعميم فهو إذًا الجاري في عمومات الشرع" (5).--------------------------------------------
(1) {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام: 102].
(2) الموافقات 3/ 172.
(3) سورءة الأحقاف: آية 25.
(4) سورة الأحقاف: آية 25 - والآية تدل على أن المساكن لم تدمر فالعموم إذًا عموم استعمالي.
(5) الموافقات 3/ 172 - 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
وعلى هذا فلا نحتاج إلى التخصيص هنا لا بالعقل (1)، ولا بالحس (2)، ولا بالمنفصل ولا بالمتصل، وذلك لأن المجموع -من لفظ العام وما لحقه من المنفصل عنه أو المتصل به من ألفاظ- هو الدال على مقصود المتكلم، ومقصده يعرف بالطريقة التي بينها الشاطبي من كلام العرب، وإذا كان المجموع هو الدال -وقد استقر التشريع بعد انقطاع الوحي- فتحصل عندنا العام وما اتصل به من الكلام وما انفصل عنه، فإن دلالته تعرف من المقاصد الاستعمالية وليس هناك إخراج لشيء، وإنما هو بيان لقصد المتكلم من عموم اللفظ لكي لا يتوهم السامع منه غير ما ذكر، فاللفظ المتصل بالعام لا يخصص من محصول الحكم شيئًا لا لفظًا ولا قصدًا، وكذلك المنفصل ليس تخصيصًا حقيقيًا، وإنما هو بيان لمقصود المتكلم من عموم الصيغة (3) وذلك يعرف من مقصد الشارع، ومقصد الشارع يعرف من مجموع نصوصه وهو وضع واحد لا متعدد، ولا تخصيص فيه لا في اللفظ ولا في الإِرادة، فالحاصل: أن ما يلحق بصيغ العموم سواء كان متصلًا أو منفصلًا إنما هو بيان لوضع الصيغ في أصل الاستعمال فهو تفسير أشبه البيان الذي يأتي عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه (4).
وفائدة هذا البحث عند الإِمام الشاطبي كما يلي:
1 - أن عمومات القرآن والسنة -وهي عمدة الشريعة- حجة على--------------------------------------------
(1) كما صنع أكثر الأصوليين حيث خصصوا آية: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} بالعقل لأنهم أدخلوا ذات الباري في العموم ثم أخرجوها بالعقل، والعموم عند الشاطبي هنا عموم استعمالي حسب المقصد اللغوي والشرعي، فلا نحتاج على هذه الطريقة إلى إخراجها إذ أنها لم تدخل أصلًا. انظر من كتب الأصول الإِحكام للآمدي 2/ 282، سورة الأحقاف: آية 25.
(2) كما صنع أكثر الأصوليين في آية {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} فقالوا الحس هنا أخرج السماوات والأرض والمياه. انظر الإِحكام للآمدي 2/ 282.
(3) الموافقات 3/ 181 - 182.
(4) المصدر السابق 3/ 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
تحقيق النظر والقطع بالحكم، وذلك هو الموافق لكلام العرب -الذي نزل القرآن به- وموافق "لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التي فهموها تحقيقًا بحسب قصد العرب من اللسان وبحسب قصد الشارع من موارد الأحكام" (1).
2 - أن هذه العمومات حجة أيضًا بعد التخصيص (2).
3 - السلامة من جميع الإِشكالات والشناعات التي وقع فيها بعض الأصوليين (3).
وبعد أن تعرفنا على مذهب الإِمام الشاطبي أنتقل إلى ذكر الاعتراضات التي يمكن أن ترد عليه وهي قسمان، منها ما ذكره هو وأجاب عنه، ومنها ما ذكره غيره وأجيب عنه هنا -إن شاء الله تعالى- وذلك في الفرع الثاني والثالث.
الفرع الثاني
الاعتراضات التي ذكرها وأجاب عنها
* الاعتراض الأول: إذا ثبت أن حالة الوضع تقتضي إطلاق اللفظ على جميع ما هو موضع له، فإن حالة الاستعمال والتركيب وهي الحالة الثانية لا تخرج عن أحد اعتبارين:
(أ) ما أن تبقى دلالة اللفظ على ما هي عليه، فهو حينئذ الوضع الإفرادي وهذا مقتضاه.
(ب) إذا لم تبق دلالته على ما هي عليه فهو الوضع الاستعمالي الذي خصص الوضع الإِفرادي، وهذا التخصيص لا بد له من مخصص عقلي أونقلي، وهو مذهب الأصوليين وعلى ذلك فلنكتفي بما قرره الأصوليون ولا داعي للقول بالعموم الاستعمالي.--------------------------------------------
(1) المصدر نفسه 3/ 183 - 184.
(2) المصدر نفسه 3/ 183 - 184.
(3) انظر اختلاف القائلين بالعموم في صحة الاحتجاج به بعد التخصيص - الأحكام للآمدي 2/ 232.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
وأجاب الشاطبي عن هذا بجواب حاصله: أن التخصيص غير وارد وذلك أن اللفظ إذا بقيت دلالته فلا تخصيص وهذا ظاهر.
وإذا لم تبق دلالته على أصل الوضع الإِفرادي فذلك سببه كما ورد في الاعتراض وقوع الوضع الاستعمالي، وهذا الوضع الاستعمالي ذو أصالة مستقلة عن الوضع الإِفرادي، بل هو شبيه بالحقيقة العرفية القابلة للحقيقة اللغوية، فمقابلة الوضع الإِفرادي للاستعمالي كمقابلة الحقيقة اللغوية للعرفية، فهما وضعان حقيقان لا مجازيان وعليه فإن العموم الاستعمالي وضع حقيقي لا مجازي.
والدليل على ذلك هو ما ثبت في الأصول العربية من أن اللفظ العربي له أصالتان قياسية واستعمالية، والاستعمالية أصالة أخرى غير ما للفظ في أصل الوضع، وعلى هذا فإن "الاستعمالي" وضع ثان وليس تخصيصًا للوضع الأول.
• الاعتراض الثاني: أن "الاستعمالي" لا يؤثر في دلالة اللفظ حال الإِفراد، ولا يصير وضعًا ثانيًا، بل هو باق على أصله ثم يأتي التخصيص بمتصل أو بمنفصل بعد ذلك.
والدليل على صحة هذا الاعتراض: أن العرب تفهم التعميم من ورود اللفظ العام في سياق الاستعمال حتى يأتي مخصص له، مع أن هناك من الأمثلة ما دل السياق فيها على خلاف ما فهموا، والأمثلة تبين المقصود ومنها:
1 - فهمهم لقوله تعالى:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (1).
فقال الصحابة: أينا لم يلبس إيمانه بظلم، فقال عليه الصلاة والسلام: "إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: "إن الشرك لظلم عظيم".--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام: آية 82.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)