2 - ومن ذلك أنه لما نزل قوله تعالى:
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} (1)
قال بعض الكفار فقد عبدت الملائكة وعبد المسيح فنزل:
{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} (2)
فقد فهم العرب من مقتضى اللفظ العموم وبادرت أفهامهم إليه، واعتبروا اللفظ بما وضع له في الأصل، وفهمهم هذا معتبر، كيف والقرآن قد نزل بلسانهم (3).
وأجاب الشاطبي بجوابين:
أحدهما مختصر والآخر مفصل، وأكتفي هنا بالأول وحاصله:
أن العموم الاستعمالي لا يفهم إلا باعتبار المقصد الشرعي فمن فهم مقصد الشارع أدرك العموم الاستعمالي، وكذلك يحتاج إلى إدراك المقصد الاستعمالي العربي، والعرب في إدراك مقصد العربية شرع سواء (4)، وأما إدراك المقصد الشرعي فالتفاوت فيه حاصل، فليس قديم العهد بالإِسلام كجديد العهد به، ولا الدارس والمشتغل به كغيره ولا المبتدئ فيه كالمنتهي والتفاوت حاصل بين المؤمنين: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (5).--------------------------------------------
(1) سورة الأنبياء: آية 98.
(2) سورة الأنبياء: آية 101.
(3) الموافقات 3/ 173 - 174.
(4) يقصد الشاطبي العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، أما غيرهم ممن لم تكن العربية سليقة لهم فهم متفاوتون في معرفة مقاصدها، ولذلك فإن الشاطبي يشترط في المجتهد أن يدرك مقاصد العربية ومقاصد الشريعة وهذا يقتضي أن يدرك العربي معنى اللفظ وإلا احتاج إلى من يدله على معناه كما ورد في الأمثلة السابقة.
(5) انظر ما سبق 218.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
فإذا توقف بعض الصحابة كما في الأمثلة السابقة وغيرها، فلأن إدراك المقصد الشرعي يتفاوت الصحابة فيه فمن خفي عليه ذلك المقصد ثم علمه زال الإشكال، فعدم إدراك بعض الصحابة فيه للعموم الاستعمالي سببه عدم إدراك المقصد الشرعي، كما أن من لم يعرف القصد الاستعمالي العربي لم يدرك العموم الاستعمالي وحينئذ يحمل اللفظ على أصل الوضع.
وليس في هذا دلالة على أن اللفظ ليس له إلا وضع واحد، بل له وضع استعمالي فمن لم يعرفه اعتمد الوضع الأصلي.
وقد بين الشاطبي عدم إدراك المقصد الشرعي عند بعض الصحابة في الآية الأولى، وعدم إدراك المعترض من الكفار موقع الآية بل جهل مقصد السياق فإن الخطاب فيها لقريش وكانوا يعبدون ما لا يعقل، وقوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ … } الآية إشارة إلى ما لا يعقل، فلا يدخل فيه المسيح ولا الملائكة، فنزل بيانًا لجهل المعترض قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ .... } فالمسيح والملائكة لم يدخلوا في المعنى الذي من أجله نزلت هذه الآية، فإنها نزلت خطابًا لقريش وما كانوا يعبدون المسيح ولا الملائكة، فالعموم الوارد في الآية عموم استعمالي لم يدخل فيه الملائكة ولا المسيح (1).
"وبالجملة فجوابهم بيان لعمومات تلك النصوص كيف وقعت في الشريعة وأن ثم قصدًا آخر سوى القصد العربي لا بد من تحصيله، وبه يحصل فهمها وعلى طريقه يجري سائر العمومات وإذ ذاك لا يكون ثم تخصيص بمنفصل البتة واطردت العمومات قواعد صادقة العموم" (2).
• الاعتراض الثالث: وهو وارد على جواب الاعتراض الثاني وأذكره هنا مستقلًا لِيُمكِن إيضاحه:--------------------------------------------
(1) الموافقات 3/ 177، درء تعارض العقل والنقل 7/ 58.
(2) الموافقات 3/ 177 - 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
وحاصله: أن ما في الجواب من أن بعض الصحابة لم يدركوا المقصد الشرعي، يعارضه أن منهم من أدرك المقاصد الشرعية كما أدركها كثير من العلماء من بعدهم وحملوا اللفظ أيضًا على عمومه في أصل الوضع مع أن السياق على خلافه، ومن أمثلة ذلك:
1 - قصة عمر مع بعض أصحابه حيث رآهم يتوسعون في الِإنفاق فقال لهم: أين تذهب بكم هذه الآية: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} الآية وسياق الآية يقتضي أنها إنما نزلت في الكفار الذين رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة ولذلك قال: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} ثم قال:
{فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ … } (1).
فالآية غير لائقة بحالة المؤمنين، ومع ذلك فقد أخذها عمر مستندًا في ترك الإسراف مطلقًا.
2 - ومنها قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (2).
نزلت فيمن ارتد عن الإِسلام بدليل قوله تعالى بعد ذلك:
{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (3).
ثم إن عامة العلماء استدلوا بها على كون الإِجماع حجة وأن مخالفه عاص وعلى أن الابتداع في الدين مذموم" (4).--------------------------------------------
(1) سورة الأحقاف: آية 20.
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ}.
(2) سورة النساء: آية 115.
(3) سورة النساء: آية 116.
(4) الموافقات 3/ 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
وغير هذين المثالين كثير وهي مبنية على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهي مسألة مختلف فيها، وحاصل البحث أن أحد القولين هو الأصح ولا فائدة زائدة (1).
وأجاب الشاطبي عن هذا بأحد جوابين:
الأول: إن هذا ليس من مسألة البحث، وهو فقه حسن يعرفه الراسخون في العلم، فإن الله ذكر المؤمنين بأحسن أعمالهم وذكر الكافرين بأسوء أعمالهم ليكون العبد بين الخوف والرجاء فيرى أحسن أفعال المؤمنين فيقتدي بها، ويرى أفعال الكافرين فيحذر منها، وليس هذا من قبيل الصيغ العمومية، بل من قبيل حمل ذلك محمل الداخل تحت العموم اللفظي.
والثاني: إن هذا بيان "فقه الجزئيات من الكليات العامة لا أن المقصود التخصيص بل بيان جهة العموم" (2).
وبهذا الجواب يتقرر عند الإِمام الشاطبي أن العموم الاستعمالي وضع ثان غير الوضع الأصلي، ويعرفه من عرف مقاصد العربية ومقاصد الشريعة وعلى ذلك فالعمومات صادقة العموم وهي حقيقة لا مجاز وليس هناك تخصيص بمنفصل، وهذا هو موقف الصحابة والسلف من عمومات الكتاب والسنة، يبينونها وهم ينظرون إلى مقاصد الشارع فيها، ولا يقتصرون على أصل الوضع، ولا يرون ذلك البيان إخراجًا من أصل اللفظ.
ويزيد الشاطبي هذه المسألة إيضاحًا: فيقول: إن التخصيص بالمتصل--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 3/ 181. وأشار الشاطبي إلى أن في المسألة قولين -وهو ما ذكره الأصوليون- وانظر بحث الدكتور محمد العروسي "مسألة تخصيص العام بالسبب" طبعة سنة 1403 هـ -المطبعة العربية الحديثة- القاهرة. تجد فيه أن العبرة بعموم اللفظ ولا خلاف على هذه القاعدة، وما ينقل من الخلاف فإنما هو في تحقيق المناط وفي هذا البحث وضع -جزاه الله خيراً- الأمور في نصابها وأزال الإشكال الوارد على هذه القاعدة.
(2) الموافقات 3/ 181.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
سواء بالاستثناء كقولك: "عشرة إلا ثلاثة" فإنه مرادف لقولك سبعة، أو بالصفة وأشباه ذلك: "ليس في الحقيقة بإخراج الشيء بل هو بيان لقصد المتكلم في عموم اللفظ".
ويستشهد بقول سيبويه: "زيد الأحمر عند من لا يعرفه كزيد وحده عند من يعرفه" (1)، ولا تخصيص لا لفظًا ولا قصدًا، وأما أنه ليس بمجاز: فذلك لحصول الفرق عند العرب بين قول القائل: "ما رأيت أسدًا يفترس الأبطال" وقول القائل: "ما رأيت رجلًا شجاعًا" فالأول مجاز والثاني (2) حقيقة.
والشاطبي في هذا الاستدلال يعتمد على أمرين:
الأول: الرجوع إلى أهل العربية في هذا الاعتبار. الثاني: اعتبار المقصد الشرعي.
أما ما يصوره العقل في مناحي الكلام فلا يعتمده طريقًا لإِثبات مقصوده هنا (3).
أما التخصيص بالمنفصل عنده فليس هو التخصيص الذي يذهب إليه الأصوليون، بل هو بيان للمقصود من عموم الصيغ في أصل الاستعمال العربي أو الشرعي، وما ذكره الأصوليون يرجع إلى بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص.
وفرق بين قوله أن التخصيص بيان لوضع اللفظ، وبين قولهم أنه بيان لخروج اللفظ عن وضعه.
والفرق بينهما كما يصوره الشاطبي كالفرق بين البيان عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه، وبين البيان الذي سبق عقب الحقيقة لبيان أن المراد المجاز كقولك: "رأيت أسدًا يفترس الأبطال".--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 3/ 181.
(2) المصدر السابق 3/ 182.
(3) المصدر السابق 3/ 182
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
فالأول: بيان المراد من اللفظ المشترك ومثله التخصيص بالمنفصل عند الشاطبي الذي هو عبارة عن بيان المقصود من عموم الصيغ.
والثاني: بيان أن المراد من اللفظ المجاز لا الحقيقة ومثله عند الأصوليين التخصيص الذي هو بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص.
وأما الاعتراضات الأخرى فنذكرها ثم نجيب عنها، وهي:
الفرع الثالث
اعتراضات أخرى وجوابها
1 - إن الخلاف إنما يكون حقيقيًا بين الجمهور القائلين بأن العام حقيقة بعد التخصيص ومن ثم يكون حجة وبين القائلين بأنه مجاز فيكون محتملاً فلا يكون حجة وهو رأي ضعيف والخلاف فيه كذلك، فلا يحتاج من الشاطبي إلى كل هذا الجهد كما يرى الأستاذ دراز رحمه الله.
2 - يقترح أن يعتمد الشاطبي رأي الجمهور وينصره ويرد على المخالف فيقرر أن العام حقيقة فيما قصد ويبقى بعد التخصيص كذلك.
3 - إن حاصل مذهب الشاطبي أن العام حجة بعد التخصيص ولا يسميه تخصيصًا بل يسميه بيانًا والجمهور يسمونه تخصيصًا وما شنع به على الأصوليين لا معنى له، لأنه يتفق معهم في نهاية الطريق، فإن لزم على رأيهم التساهل بالعمومات وانتفاء جوامع الكلم فكذلك على رأيه لأنه يحتاج إلى مبين والمبين يحتاج إلى فهم لمقاصد العربية ومقاصد الشريعة (1).
واقترح ترتيب مذهب الشاطبي على النحو التالي وذلك بأن يقرن الشاطبي رحمه الله مذهبه مع مذهب الجمهور للرد على من نفى الحجية بدعوى--------------------------------------------
(1) الموافقات 3/ 291 تعليق دراز، وانظر ما قاله الدكتور أديب الصالح تفسير النصوص 2/ 115، الطبعة الثالثة 1404 هـ المكتب الإِسلامي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
المجاز، وهذا الرأي وإن كان ضعيفًا إلّا أنه يوهن الاستدلال بالعمومات، وإن الجوامع لا تكون كذلك إلا إذا كان المعنى محددًا محررًا وهذا لا يتحقق على رأي القائل بالمجاز لأن المجاز محتمل (1).
ونؤيد مطلب الأستاذ دراز بادئ ذي بدء ونتمنى تحقيقه، لأن تجميع الطاقة العلمية وإبعاد الخلاف عن مسائل الدين أمر مطلوب محبوب، ولكن هل يمكن للشاطبي أن يسير مع طريقة المتكلمين حذو القذة بالقذة، وقبل أن نعرض لطريقتهم -وهم القائلون بالظنية وقد اختلفوا بعد ذلك في حجية العام- نشير إلى الجواب عن اعتراضات الأستاذ دراز واقتراحاته بما يناسب هذا الموضع ونسجل الجواب في النقاط الآتية:
1 - إن منهج الشاطبي في دراسة العموم يختلف تمام الاختلاف عن مسلك المتكلمين ومن تابعهم، والخلاف جوهري، يشبه الخلاف بين مسلك المتكلمين ومنهج السلف في الاستدلال، ومن الفوارق بينهما ما يلي:
(أ) مسلك المتكلمين مسلك تجريدي عقلي، ومسلك الشاطبي مبني على طبيعة هذه الشريعة، فهي شريعة ذات مقاصد نزلت بلسان عربي مبين، فالعبرة بالاستعمال والمقاصد، وعمدة الشاطبي راسخة حيث اعتمد على لغة العرب (2) وهي الحجة البينة في مثل هذه المسألة.
(ب) إن الشاطبي تابع السلف الذين من شأنهم تقوية الأدلة كما تبين لنا عند الحديث عن إفادة الشريعة للعلم، والمتكلمون تابعوا مسلكهم في تضعيف الأدلة ووصفها بالظنية (3).
2 - إن الإِمام الشاطبي اعتمد في رد القول بتضعيف العموم والقول بالمخصصات على حقيقة قول الجمهور، فإنهم كما أشار دراز وهو يذكر قول الغزالي لا يدخلون في العموم ما لا يخطر ببال المتكلم وإن البيان للعام لا يسمى--------------------------------------------
(1) الموافقات 3/ 291 - 292 بتعليق دراز.
(2) انظر ما قاله الأستاذ دراز هامش الموافقات 3/ 271 بتحقيقه.
(3) انظر ما سبق ص 183 - 188.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
تخصيصًا إلا تجوزًا (1)، فكيف ينتصر الشاطبي لمسلك المتكلمين وهو يعلم أن ما ذهب إليه هو منهج السلف وعليه تدل اللغة وهو بيان في الحقيقة لا تخصيص حتى عند مخالفيه، وإنما قالوا بتضعيف العمومات وأدخلوا المخصصات عليها ثم اختلفوا في حجيتها بعد تضعيفها بسبب التزامهم طرقًا في الاستدلال ليست مثل الطريق الذي سلكه الإِمام الشاطبي، فكيف ينصرهم على مثل هذا.
والحقيقة -التي سنذب عنها إن شاء الله بالبينة الظاهرة أن الخلاف بين منهج الشاطبي الذي تابع فيه منهج السلف في الاستدلال وبين مسلك المتكلمين يشبه الخلاف بين علماء الكلام وعلماء السلف، وفي هذا التنبيه كفاية في هذا الموضع. وسيأتي له زيادة بيان وتأكيد في المطلب الثاني، وهو عرض طريقة المتكلمين ومناقشتها.
المطلب الثاني
طريقة المتكلمين ومناقشتها
الفرع الأول
ذكر طريقة المتكلمين (2)
وهم جمهور المتكلمين من أتباع المذاهب الثلاثة: المالكية والشافعية والحنابلة، وبعض الحنفية (3).--------------------------------------------
(1) انظر قول الغزالي وتعليق دراز عليه بما يساعد الشاطبي هامش الموافقات 3/ 272.
(2) اقتصرت هنا على عرض طريقة المتكلمين لأنها منسوبة إلى جمهور الأصوليين من ناحية، ومقابلة لطريقة الشاطبي من ناحية أخرى، وأما طريقة الحنفية وهي القول بأن دلالات عمومات القرآن والسّنة قطعية فتعتبر مساعدة لطريقة الشاطبي من جهة القطع بالعمومات.
(3) التوضيح وشرحه التلويح 1/ 38 وما بعدها، وكشف الأسرار 1/ 304، وحاشية البناني 1/ 413 وما بعدها، ومُسَلم الثبوت 1/ 264 - 265، وشرح الكوكب المنير 1/ 114. وانظر رسالة الدكتوراه للدكتور علي عباس الحكمي "تخصيص العام" 35، وهناك بعض الملاحظات التي يمكن أن ترد على بعض ما قرره في الاستدلال لمذهب المتكلمين وفي نسبة قولهم إلى مذهب الإِمام الشافعي وسيأتي ذكر بعضها في الهامش الذي بعد هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
قالوا: إن دلالة العمومات القرآنية والسنّية ظنية (1)، واستدلوا: "بأن--------------------------------------------
(1) تبين فيما سبق من البحث أن مصطلح "الظنية" عند المتكلمين حادث، ومن هنا لا وجه لنسبته إلى أئمة أهل السنة كمالك وأحمد والشافعي، وقد درج كثير من الأصوليين على نسبة مفردات مسلك المتكلمين إلى هؤلاء الأئمة، من ذلك ما نحن فيه فقد قالوا إن الإِمام الشافعي يقول بظنية العمومات -مع أن بعض الشافعية نقلوا عن إمامهم القول بالقطيعة "تخصيص العام" 37. ومع ذلك فقد اعتمد الذين خالفوا في هذا على دليلين اثنين:
الأول: أن من أعلام المذهب من لم يصحح هذه النسبة، تخصيص العام 37.
الثاني: أن ذلك مخالف لمنهج الشافعي في الاستنباط، فقد عرف عنه حمل ظواهر القرآن على مقتضى أخبار الآحاد، وهي ظنية الثبوت ولا يصح حمل العمومات على هذه الأخبار مع القول بقطعيتها، تخصيص العام 37.
والجواب عن الأول: أن النسبة إن لم يصححها أحد أعلام المذهب فقد ذكرها الأبياري شارح كتاب البرهان لإمام الحرمين وحكاه إمام الحرمين في أول كتابه المذكور ونقله أيضًا الأصفهاني شارح المحصول وذكر الماوردي نحوه أيضًا "تخصيص العام" 37.
الثاني: أن القول بالقطعية لا ينافي منهج الإِمام الشافعي، لأنه قرر في "الرسالة" تثبيت خبر الواحد. وانظر ما سبق ص 164 - 166، نعم ينافي مسلك المتكلمين لأن أخبار الآحاد لا تفيد العلم عندهم، وهذا هو الفارق بين منهج الإِمام الشافعي وطريقة المتكلمين، وما يفرضه بعض الباحثين من أن أخبار الآحاد ظنية عند الشافعي ومالك وأحمد، فرض غير صحيح بل ثبت فيما سبق أن أئمة السلف يستدلون بها على العقيدة ص 144، ومع هذا يأتي هؤلاء الباحثون وينسبون إليهم القول بظنية العمومات ويلزمونهم بطريقة المتكلمين، وهذا في الحقيقة إقحام لمسلك المتكلمين على أصول أئمة السلف، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك وأقحموا مسلك المتكلمين على أصول الصحابة - رضوان الله عليهم - على فرض أن الصحابة يقولون بظنية أخبار الآحاد ويأخذون هذه النسبة مسلمة بلا برهان، مع أن البرهان العلمي قام على ضدها كما بينه الإِمام الشافعي والأشعري وابن تيمية وابن القيم وغيرهم ممن نقل مذاهب الصحابة والأئمة. انظر ما سبق ص 167 ويبنون على هذه النسبة أن الصحابة يقولون بأن العمومات ظنية، تخصيص العام 43، وفي الحق أن الصحابة لا هم قائلون بهذا ولا بذاك وأن المسلك الذي فرضت به طريقة المتكلمين على أصول الصحابة رضي الله عنهم مسلك لم تثبت له حجة، فلا ثبت أنهم يقولون بأن أخبار الآحاد ظنية ولا ثبت ذلك عن أحد من السلف ومن ثم فإن ما رتب على هذا الذي ليس بثابت يكون غير ثابت أيضًا. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
العام قد كثر تخصيصه، وشاع قصره على بعض أفراده، حتى أصبح قولهم "ما من عام إلا وقد خصص" بمنزلة المثل، فنتج عن ذلك احتمال التخصيص في كل عام ولو لم يظهر ما يخصصه، وحيث قام احتمال التخصيص، وإرادة البعض انتفى القطع واليقين لأن القطع لا يثبت مع الاحتمال" (1).
وقد آثرت نقل الدليل -الذي ليس لهم غيره- بنصه حتى يكون ذلك أحكم وأوضح وأثبت في بيان حجتهم.
وبعد ذلك أعرض منهج الحنفية والشاطبي وابن تيمية في مناقشتها.
الفرع الثاني
مناقشة الحنفية والإِمام الشاطبي والإِمام ابن تيمية لطريقة المتكلمين
يتكون دليل المتكلمين من مقدمتين:
الأولى: وجود احتمال يمنع من قطعية دلالة العام.
الثانية: أن هذا الاحتمال ناشئ من وقوع التخصيص وكثرته حتى أصبح قولهم: "ما من عام إلّا وقد خصص" بمنزلة المثل.
والحنفية والشاطبي يردون هذا الاستدلال كل حسب طريقته، ويتفقون تارة في طريقة الجواب وسنبين ذلك، ويختلفون تارة أخرى، والمهم أنهم جميعًا بتساعدون على رد طريقة المتكلمين.
فالحنفية يردون المقدمتين معًا: وذلك أن الاحتمال المعتبر عندهم--------------------------------------------
= وراجع ما سبق عند نقل الاتفاق على أن خبر الواحد يحتج به في العقيدة ص 167 ولو تحرر كثير من الباحثين من مسلك المتكلمين في البحث والدراسة لتحرروا حينئذ من الفرضيات العقلية والاحتمالات التي لا دليل عليها وسلموا من إقحام مسلك المتكلمين على منهج الصحابة والأئمة.
(1) "تخصيص العام" رسالة دكتوراه 38، وقد ذكر المؤلف أن هذا هو دليلهم الوحيد. وانظر المصادر الأصولية السابقة: التوضيح وشرحه 1/ 38، كشف الأسرار 1/ 304، حاشية البناني 1/ 413، مُسلَّم الثبوت 1/ 264 - 265، شرح الكوكب المنير 1/ 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
هو الاحتمال الناشىِء عن دليل، وهذا الاحتمال الذي أُسست عليه طريقة المتكلمين ليس ناشئاً عن دليل فلا عبرة به (1).
وقد أجاب القائلون بالظنية بأن هذا الاحتمال ناشئ عن دليل هو وقوعٍ التخصيص وكثرته "فالاحتمال الناشئ عن هذه الكثرة إذا لم يكن راجحاً -لعدم ظهور القرينة الخاصة- فلا أقل من أن يكون احتمالًا مرجوحًا لجواز وجود القرينة مع خفائها وإذا وجد الاحتمال انتفى القطع" (2).
وجوابهم هو من معنى المقدمة الثانية، وهي التي ردها الحنفية أيضًا وكذلك الشاطبي، فقد خالفوهم في مثلهم المشهور "ما من عام إلّا وقد خصص" فهذه ليست مسلمة عند الحنفية، وليست مسلمة أيضًا عند الشاطبي وقد عارضها شيخ الإِسلام ابن تيمية أشد المعارضة:
قال الإِمام الشاطبي: ردًا على القائلين بالاستدلال بالعمومات على تحسين الظن لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم قال: "وفي هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية وتضعيف الاستناد إليها وربما نقلوا في الحجة لهذا الموضع عن ابن عباس أنه قال: ليس في القرآن عام إلا مخصص إلّا قوله تعالى:
{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3).
وجميع ذلك مخالف لكلام العرب ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التي فهموها تحقيقًا بحسب. قصد العرب في اللسان وبحسب قصد الشارع في موارد الأحكام" (4).--------------------------------------------
(1) التلويح 1/ 39 - وتخصيص العام 39.
(2) التحرير مع شرحه التيسير 1/ 269 وتخصيص العام 40، وستكون هناك مقارنة أذكرها إن شاء الله بين مسلك المتكلمين في نفي القطعية مطلقًا عن الأدلة -وقد سبق- وبين هذا الموضع.
(3) سورة الحجرات: آية 16.
(4) الموافقات 3/ 184.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
"وما نقل عن ابن عباس إن ثبت من طريق صحيح فيحتمل التأويل" (1).
ولعل في صحته نظر، ولو صح لاعتمده بعض من انتصر لطريقة المتكلمين، ولكنه لم يثبت، وأما قول الإِمام الشاطبي أنه إن ثبت فيحتمل التأويل -لا يعني ثبوته- بل هو من المجادلة بالحسنى، ولعل التأويل الذي تطلع إليه الشاطبي يشبه ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية -وهو يتعجب أشد العجب من هذه المقالة "ما من عام إلا وخصص" فيعتذر لمن نصرها بأنهم يقصدون "ما من عام فيه لفظ" كل شيء "إلا وخصص إلا كلمة أو كلمات" (2) أما العمومات الأخرى التي ليس فيها لفظ "كل شيء" فإن ابن تيمية يرى أن قولهم فيها أنها مخصصة إلا قوله تعالى: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، أنه من أكذب الكلام وأفسده وإن أطلقه بعض السادات المتفقهة (3) ومن ثم فإن ابن تيمية يعارض في تضعيف العمومات (4)، ويتابع السلف كما تابعهم الشاطبي ويعتبر العمومات المسندة المجردة عن قبول التخصيص تكاد تكون قاطعة في شمولها بل قد تكون قاطعة (5).
الفرع الثالث
مناقشة ابن تيمية لطريقة المتكلمين ومقارنتها بمذهب الشاطبي
وقبل أن أذكر جواب شيخ الإِسلام عن طريقة المتكلمين أذكر أوجه الشبه بين منهج الإِمام الشاطبي والإِمام ابن تيمية في عدة نقاط:
1 - أنهما يشتركان في القول بقطعية العمومات.
2 - أن ابن تيمية يعتبر أن مذهب الجمهور: أن الخاص المتأخر عن--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 3/ 184.
(2) مجموع الفتاوى الكبرى 6/ 441.
(3) مجموع الفتاوى الكبرى 6/ 442.
(4) المصدر السابق 6/ 441.
(5) المصدر السابق 6/ 431.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
العام يقضي على العام باعتباره تفسيرًا له فيتبين أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام (1) ويرجح مذهب الجمهور في موضع آخر فيقول: إن "التخصيص فرع على ثبوت عموم اللفظ، ومن هنا يغلط كثير من الغالطين يعتقدون أن اللفظ عام، ثم يعتقدون أنه قد خص منه ولو أمعنوا النظر لعلموا من أول الأمر أن الذي أخرجوه لم يكن اللفظ شاملاً له … " (2).
وهذا هو مذهب الشاطبي بعينه، فما يرد على العام إنما هو تفسير وهو مذهب الجمهور كما حكاه ابن تيمية.
ومن مجموع هذه النقول يتبين لنا مذهب الجمهور وهو أن ما يلحق بالعمومات إنما هو في الحقيقة تفسير لا تخصيص.
3 - أن ابن تيمية يعارض أشد المعارضة "مثل" المتكلمين الذي بنوا عليه طريقتهم وهو قولهم: "ما من عام إلا وقد خصص" والشاطبي يعتبره -كما اعتبره الإِمام ابن تيمية- معارضًا لجميع الكتب التي أنزلها الله ولسائر كلام الأمم (3).
4 - أن العموم اللفظي على هذا التفسير والعموم المعنوي هما طريقان لإثبات حكم الأشياء الكثيرة والقضاء بالكلية العامة كما يقول ابن تيمية ولذلك دافع عنهما ورد قول من ضعفهما وأجاب عما استدلوا به (4)، وذلك صنيع الشاطبي في الموافقات كما سبق بيانه.
وبعد معرفة أوجه الشبه أذكر جواب شيخ الإِسلام -كما أورده في الجزء السادس من الفتاوي الكبرى ويمكن تقسيمه إلى قسمين:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 35/ 215.
(2) المصدر السابق 6/ 443.
(3) المصدر السابق 6/ 442.
(4) المصدر السابق 6/ 440.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
الأول: أجاب فيه عن قول القائلين أن العموم وإن ثبتت به الحجة لكنه ضعيف.
الثاني: مناقشة قولهم أن أكثر العمومات مخصوصة، ويمكن أن أقسم جوابه إلى فقرات.
(أ) مناقشة قولهم بتضعيف العمومات:
أجاب عن قولهم "إن العموم يحتج به على ضعف في دلالته لأن العمومات أكثرها مخصوصة وأنه ما من عموم محفوظ إلا كلمة أو كلمات" (1).
أجاب بقوله: "هذا سؤال لا توجيه له، فإن هذا القدر الذي ذكرته لا يخلو: إما أن يكون مانعًا من الاستدلال بالعموم أو لا يكون، فإن كان مانعًا فهو مذهب منكري العموم من الواقفية والمخصصة، وهو مذهب سخيف لم يُنتسب إليه، وإن لم يكن مانعًا من الاستدلال فهذا كلام ضائع غايته أن يقال: دلالة العموم أضعف من غيره من الظواهر وهذا لا يُقر، فإنه ما لم يقم الدليل المخصص وجب العمل بالعام" (2).
(ب) مناقشة قولهم أن أكثر العمومات مخصوصة:
وأجاب عن الثاني بقوله: " .. من الذي سلم أن أكثر العمومات مخصوصة؟ أم من الذي يقول ما من عموم إلّا وقد خص إلّا قوله:
{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3).
فإن هذا الكلام وإن كان قد يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين في أصول الفقه فإنه من أكذب الكلام وأفسده.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 6/ 441.
(2) المصدر السابق 6/ 442.
(3) سورة الحجرات: آية 16.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
والظن بمن قاله أولًا أنه إنما عني أن العموم من لفظ "كل شيء" مخصوص إلا مواضع قليلة كما في قوله:
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} (1).
{وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} (2).
{فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} (3).
وإلا فأي عاقل يدعي هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب والسنّة وفي سائر كتب الله وكلام أنبيائه وسائر كلام الأمم عربهم وعجمهم.
وأنت إذا قرأت القرآن من أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة لا مخصوصة سواء عنيت عموم الجمع لأفراده أو عموم الكل لأجزائه أو عموم الكل لجزئياته" (4). ثم ذكر رحمه الله أمثلة كثيرة تدل على ذلك مع أنه باب واسع كما قال، ومن هذه الأمثلة ما يلي:
1 - قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (5).
عموم يشمل جميع العالمين فليس أحد من العالمين إلّا والله ربه.
2 - {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (6).
فهل في يوم الدين شيء لا يملكه الله؟--------------------------------------------
(1) سورة الأحقاف: آية 25.
(2) سورة النمل: آية 23.
(3) سورة الأنعام: آية 44.
(4) المصدر السابق: 6/ 442.
(5) سورة الفاتحة: آية 2.
(6) سورة الفاتحة: آية 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
3 - {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (1).
فهل في هذين الصنفين من لا يجتنب حاله التي كان بها مغضوبًا عليه أو ضالًا؟
4 - {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (2).
الآية .. فهل أحد من المتقين لم يهتد بالقرآن؟
5 - {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} (3).
هل في هذا الذي أنزله الله على رسله عليهم السلام ما لم يؤمن به المؤمنون لا عمومًا ولا خصوصًا؟
6 - {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (4).
فهل خرج هذا العموم أحد من المتقين فلم يدخل في الهدى في الدنيا
ولم يكن من أهل الفلاح في الآخرة؛
7 - {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (5).
فهل في الناس من لم يخلقهم الله لعبادته حتى يخرجوا من هذا العموم الوارد في الآية؟--------------------------------------------
(1) سورة الفاتحة: آية 7.
(2) سورة البقرة: آيتى 2 - 3.
(3) سورة البقرة: آية 4.
(4) سورة البقرة: آية 5.
(5) سورة البقرة: آية 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
وهناك أمثلة أخرى ذكرها شيخ الإِسلام (1)، وهذه العمومات الكثيرة استخرجها من آيات معدودة من سورة الفاتحة وأول سورة البقرة ثم قال: "فالذي يقول بعد هذا: ما من عام إلا وقد خص إلا كذا وكذا، إما في غاية الجهل وإما في غاية التقصير في العبارة، فإن الذي أظنه أنه إنما عني "من الكلمات التي تعم كل شيء، مع أن هذا الكلام ليس بمستقيم، وإن فسر بهذا، لكنه أساء في التعبير أيضًا، فإن الكلمة العامة ليس معناها أنها تعم كل شيء وإنما المقصود أن تعم ما دلت عليه أي ما وضع اللفظ له وما من لفظ في الغالب إلا وهو أخض مما هو فوقه في العموم وأعم مما هو دونه في العموم والجميع يكون عامًا" (2).
وهذا هو العموم الاستعمالي الذي بينه الشاطبي وهو يوضح معنى قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (3).
وكما نص الشاطبي على أن قولهم "ما من عام إلا وقد خص" مناف لكلام العرب فكذلك نص ابن تيمية حيث قال: "ثم عامة كلام العرب وسائر الأمم إنما هو أسماء عامة" (4).
وهذا الأخير هو من معنى ما أجاب به الحنفية -عن طريقة المتكلمين- حيث قالوا إن الألفاظ العامة -في كلام العرب- لو قلنا إنها تحتمل التخصيص بدون قرينة لارتفع الأمان عن اللغة فلا يستقيم ما يفهمه الناس من خطاب الشرع -وعامة خطابه عمومات- ولما استقام قول السيد كل عبد لي فهو حر، فاحتمال التخصيص مؤد إلى التلبيس (5).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 6/ 442 - 443.
(2) المصدر السابق 6/ 445.
(3) انظر ص 322 وقد احتاج أكثر الأصوليين إلى تخصيصه بالحس، وعلى طريقة ابن تيمية والشاطبي لا نحتاج إلى القول بالتخصيص.
(4) المصدر السابق 6/ 445
(5) تخصيص العام 42، وانظر التحرير وشرحه 1/ 268.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
هذا ما يسر الله لي تحريره من أجوبة العلماء الذين ناقشوا طريقة المتكلمين وقد تبين من أجوبتهم أنها تدل على علم راسخ يدعمه البرهان الشرعي والعلم بلغة العرب، ومنهجهم في الاستدلال منهج متميز يبتعد عن الإِطلاقات والاحتمالات المجردة عن الأدلة وعن الفرضيات التي لا برهان عليها، وأسلوبهم في الأداء تطبيقي على مفردات الآيات ومفردات اللغة وسهل ميسر للفهم ومجاف لأسلوب المتكلمين العقلي التجريدي وسنؤكد على ذلك بعد قليل.
وبهذا يتبين لنا أن رفع القطعية عن العمومات الشرعية لا موجب له، مع أنه مخالف لكلام العرب ومؤد إلى التلبيس ومخالفة السلف كما صرح به الشاطبي (1)، وقولهم ما من عام إلا وخصص لا يصح، فلم يبق عندهم إلّا القول بكثرة تخصيص العمومات وهذا -إن سلمناه- لا يوجب المصير إلى مقالتهم، لأن وجود هذه الكثرة يقابلها وجود كثرة مثلها في عمومات لم تخصص، فما الذي رجح اعتبار إحدى الكثرتين، فيبقى الأمر كما قال الحنفية وإلا ارتفع الأمان عن اللغة ووقع التلبيس، أما إذا اعتبرنا منهج الإِمام الشاطبي وابن تيمية ونصرناه فإن ذلك أقوى في إسقاط طريقة المتكلمين، ذلك لأن طريقتهم مبنية على التجريد العقلي، والتجريد اللغوي وإغفال المقاصد اللغوية والشرعية، وقبل أن نذكر جواب الإِمام الشاطبي أذكر الدليل على ما قلته آنفًا -من أنهم اتبعوا التجريد العقلي والتجريد اللغوي .. وذلك يُعرف بتحليل طريقة المتكلمين وبيان الفرق بينهما وبين طريقة الشاطبي.
الفرع الرابع
تحليل طريقة المتكلمين وبيان الفرق بينها وبين طريقة السلف كما يمثلها الشاطبي
ونبدأ بتحليل موضعين اثنين:
الأول: تحليل جوابهم عن اعتراض الحنفية عليهم بأن مقتضى قولهم ما من عام إلا وخصص مؤد إلى التلبيس ورفع الأمان عن اللغة.--------------------------------------------
(1) الموافقات 3/ 184.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
الثاني: تعلقهم حين الاستدلال بالوضع اللغوي دون الالتفات إلى مقصد الشرع واستعماله.
وسيكون تحليل هذين الموضعين في سياق متتابع الفقرات دون الفصل بينهما، اللهم إلا ببيان لمميزات طريقة الشاطبي وابن تيمية لأن الأمور تعرف بأضدادها.
وأبدأ بتحليل ما أجاب به المتكلمون عن قول الأحناف: "إن القول بالتخصيص للعمومات بدون قرينة يؤدي إلى رفع الأمان عن اللغة"، حيث اجابوا بقولهم: إن القرينة وإن لم تكن موجودة لكنها خافية علينا، وخفاؤها وفقدها لا يدل على انعدامها فلا يلزم من ذلك التلبيس ولا رفع الأمان عن اللغة، لأنا في الحقيقة عولنا على قرينة -في قولنا بالتخصيص للعمومات ومن ثم وصفها بالظنية- والقرينة موجودة وإن خفيت علينا وفقدناه (1).
وهذا تجريد عقلي محض، فكأنهم يقولون الأدلة العامة على الظنية لأنها تحتمل التخصيص، فإذا قلنا: لا بد من قرينة وهي مفقودة، قالوا وإن كانت مفقودة لكنها لم تنعدم.
وقارن بين هذه الطريقة في الاستدلال وبين طريقة المعتزلة ومن تابعهم من المتكلمين عند الاستدلال على بدعتهم من أن الأدلة النقلية ظنية، فقد استدلوا -كما ذكرنا سابقًا- بأن وجود المعارض العقلي قد أوجب ذلك، فإذا ثبت عندهم فقدان المعارض العقلي لم يقولوا أيضًا بأن الأدلة النقلية تفيد العلم، بل قالوا إنه وإن فُقِد لكنه لم ينعدم، فتبقى الظنية ملازمة للأدلة النقلية.
القائلون بظنية العمومات يدّعون بأن القرينة التي أدت إلى احتمال التخصيص منعت القول بالقطعية، وإن فقدنا القرينة لم تثبت القطعية لأن القرينة موجودة وإن فقدت.--------------------------------------------
(1) التحرير وشرحه 1/ 268، تخصيص العام 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
والقائلون بظنية الأدلة النقلية يقولون إن المعارض العقلي أدى إلى منع القول بإفادتها العلم، وإن فقدناه لم تفد العلم أيضًا، لأنه يُحتمل وجود المعارض.
احتمال وجود القرينة وإن فُقدت ينبني عليه القول بظنية العمومات الشرعية.
احتمال وجود المعارض العقلي وإن فُقد ينبني عليه القول بظنية الأدلة الشرعية (1). فهل ترى بينهما من فارق!؟
وبعد هذا نستطيع أن ندرك بعمق منهج الإِمام الشاطبي لأن الأمور تعرف بأضدادها.
يرفض الإِمام الشاطبي جعل العقل حكمًا في تحديد القطعية في العمومات بناء على منهجه العام في الاستدلال كما أوضحه في المقدمات، فالعقل ليس له أن يقرر ابتداء حكمًا من الأحكام ولا أن يتقدم بين يدي الأدلة الشرعية، فهو محكوم لا حاكم يسرحه الشرع كما يشاء (2).
أمر آخر مهم جدًا وهو أن طريقة الاستدلال على القضايا الشرعية طريقة شرعية أيضًا تأخذ طبيعة هذه الشريعة، فإذا أنزلت هذه الشريعة المباركة للإفهام (3) فطريقة الاستدلال ينبغي أن تكون كذلك، وإذا خوطب بها الأميون واعتبر في خطابها الجمهور فينبغي أن تكون طريقة الاستدلال كذلك (4)، ومن هنا ابتعد الإِمام الشاطبي عن مسلك المتكلمين في أصول الفقه، وابتع طريقًا--------------------------------------------
(1) انظر الجواب عن بدعتهم هذه وتفنيد شبههم ص 195.
(2) انظر ما سبق ص 286.
(3) الموافقات من مقاصد الشريعة الإِفهام 4/ 44.
(4) قد نحتاج في رد طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة إلى استعمال مصطلحاتهم وتفنيدها وذلك لا بأس به، ويستعمل بقدر الحاجة، أما جعله أصلًا في منهج تفكيرنا وأسلوب كتابتنا -كما غلب على طريقة المتكلمين في أصول الدين وأصول الفقه- كما شهد بذلك الغزالي - انظر ص 194 فذلك مناف لطبيعة هذه الشريعة في البيان، انظر الموافقات - المقدمة السادسة 1/ 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)