Arabic source text

📘 আস-সাবাতু ওয়াশ-শুমূল ফিশ-শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (আবিদ আল-সুফিয়ানী)

📘 الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية (عابد السفياني)

📘 আস-সাবাতু ওয়াশ-শুমূল ফিশ-শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (আবিদ আল-সুফিয়ানী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
3 - أن طريقة كل منهما تقوم على الاستدلال بالقرآن والسنة والإِجماع وسواء كان استدلالاً موسعاً كاستدلال ابن القيم، أوعن طريق الاستقراء كاستدلال الشاطبي.
وهما في هذا يكمل أحدهما الآخر، فإن شئت أن تقوي استدلالات ابن القيم الجزئية باستقراء الشاطبي تحقق لك ذلك، إذ الاستقراء دليل كلي معتمد.
وإن شئت أن تقوي استقراء الشاطبي بالاستدلالات الكثيرة المتنوعة من الأيات والأحاديث التي ذكرها ابن القيم ظفرت باليقين وتحقق لك إجراء الاستقراء بطريقة أوسع مما نبه عليه الشاطبي.
4 - أنهما يذهبان إلى القول بتعليل الأحكام الشرعية وابتنائها على المصالح، ويريان أن ذلك من ألطف الفقه وأدقه، وأن ذلك هو قاعدة الاجتهاد.
5 - أنهما وسط بين المتعمقين في القياس .. والمنكرين له.
6 - أنهما يدركان إدراكاً عميقاً وجهة كل من الفريقين، ويختلفان في أن ابن القيم توسع في ذكر أدلة كل منهما، وأن الشاطبي كان أكثر التفاتاً لتحديد السبب الذي حمل الفريقين على ذلك بصورة عميقة وبيان شاف مع أنه لم يفرد القياس بدراسة خاصة.
7 - أن طريقتيهما في العرض والاستدلال والأسلوب بعيدتان عن الجدل والمصطلحات الفلسفية.
8 - أنهما حريصان كل الحرص على المحافظة على خصوصيات الألفاظ من جانب والمحافظة على اعتبار المعاني من الجانب الآخر، وذلك هو قاعدة الثبات والشمول في الشريعة.
9 - أن ما كتباه يعتبر تجديداً لمذهب السلف في القياس دون إفراط أو تفريط بحيث يتحقق الشمول وتسلم الأحكام من التغيير والتبديل، قال

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)

الإِمام ابن عبد البر وهو يحكي مذهب السلف في الاجتهاد والقياس على الأصول وبيَنَ أن المذموم هو: "القياس على غير أصل والقول في دين الله بالظن، وأما القياس على الأصول والحكم للشيء بحكم نظيره فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف بل كل من رُوي عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصاً لا يدفع هذا إلّا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام" (1) وهذا معنى ما قلته سابقاً من أن طريقة ابن القيم وطريقة الشاطبي وسط بين الصادين عن القياس والمتعمقين فيه، إضافة إلى بيان مذهب الصحابة من خلال بيان مذهب هذين الإمامين.
* * *--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم 2/ 77.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)

‌‌المبحث الثالث
تطبيقات على أركان القياس وبيان شرط التعليل بالحكمة
‌‌المطلب الأول
تطبيقات على أركان القياس
إن العمل بالقياس على هذا النحو يكفل لنا ثبات أحكام الشريعة التي ترتبط بالأحكام القياسية، فالحكم الناتج عن القياس ينبني على "الأصل" وهو النص، وعلى "حكمه" وهو ثمرة "النص" التي استخرجها المجتهد منه سواء بطريق "العلة" وهي الوصف الظاهر المنضبط، أو ما شابهها من الحكم (1)، فالأصل وحكمه ثابتان، لأن "النص" الذي هو الأصل ثابت لا يتغير ولا يتبدل، لأنه وُضح على الأبدية فهو معصوم، والثبات ناتج عن عصمته - وقد سبق - أن ذلك متحقق في الوحي، وأنه كذلك أبداً حتى لو تصورنا استمرار الحياة الدنيا وعدم انقطاعها و"حكمه" كذلك، لأنه مدلول النص، فالنص ومدلوله ثابتان ولا يتصور "نص" بغير مدلول ولا معنى لثبات النص إلّا إثبات مدلوله، هذا إذا كان مدلوله واحداً. أما إذا اتسع معناه وتعددت مدلولاته فهي ثابتة أيضاً، لأن ثباتها هنا هو علم المجتهد بشمول النص لها دون غيرها.
فكأن النص وعاءً، تارة يكون فيه معنى واحد فدلالة النص عليه ثابتة، وتارة يكون فيه أكثر من معنى، فيعلمها المجتهد وتكون ثابتة بحيث يتبين شمول هذا النص لهذه المعاني، فالأصل إذاً وما دل عليه ثابت.--------------------------------------------
(1) سيأتي إن شاء الله تفسير ذلك والاستدلال عليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)

أما "العلة" فهي ثابتة كذلك ودليل ثبوتها ظهورها وانضباطها، وهذا قدر متفق عليه في أوصاف "العلة" ومعنى ظهورها وانضباطها أي ثباتها وعدم اختلافها باختلاف الأشخاص وباختلاف البيئات والأحوال، فالنَّسَبُ يثبت بقيام فراش الزوجية أو الإِقرار، وهذا فيه معنى الظهور، وفيه أيضاً معنى الانضباط تماماً مثل كون "السكر" هو العلة لتحريم الخمر فهو أمر ظاهر في أن من شرب "المسكر" أصابه السكر عادة وكذلك هو ثابت لأنه متعلق بالخمر ذاتها وبكل مسكر، فهي إذاً علة ظاهرة ومنضبطة وهذا معنى ثباتها، ولذلك ربط الشارع الحكم بها، فعندنا إذاً ثلاثة أركان "أصل" و"حكم" و"علة الحكم" وقد ظهر لنا معنى الثبات في كل، وهذه هي أعظم أركان القياس فهو إذاً طريق يؤكد ثبات الأحكام المرتبطة به.
بقي أن ندرس أمرين مهمين قد يظنهما كثير من الدارسين منافيين لذلك.
الأول: كون "الحكمة" وهي الأمر المناسب الذي قصد الشارع إلى جلبه إن كان نفعاً أو دفعه إن كان مفسدة - أن هذه الحكمة إذا رُبط الحكم بها أدى ذلك إلى الاضطراب والتغير وهذا ينافي الثبات، وعليه فلا يجوز ربط الحكم بالحكمة مطلقاً (1).
والثاني: أن الركن الرابع من القياس وهو "الفرع" لا بد من إثبات صلاحيته ليكون محلًا لحكم الأصل وذلك لا يكون إلاّ عن طريق "العقل" وإذا دخل العقل هنا أصبح القياس حكماً عقلياً، وتد تقرر فيما سبق أن منهج الاستنباط منهج شرعي لا عقلي، فإما أن يكون - عقلياً - وهو ينافي الثبات (2)،--------------------------------------------
(1) سيأتي بيان كونه مذهباً لبعض الأصوليين.
(2) لأن العقل إذا استقل بالحكم - وهو قاصر وهذه هي طبيعة العقل البشري، قد يحكم بتغيير النص أو إبطاله وهذا ينافي الثبات، وانظر ما سبق في بيان أن دخول العقل فيما لم يُخلق له وهو إنشاء العقائد والأحكام يدل على تورطه فيما لا يقدر عليه وقد أدى بالبشرية إلى اختلاف وشر كثير مستطير ص 287 - 288.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)

وإما أن يكون شرعياً ولا منافاة حينئذ، ولكن لابد من تفسير لعمل العقل في القياس وهل إدراكه لكون الفرع محلاً صالحاً لنقل الحكم إليه يوجب أن يكون القياس حكماً عقلياً أم لا يوجب ذلك.
وبدراسة هذين الأمرين وبيانهما يكون الجواب وبالله التوفيق، ويتجلى لنا مفهوم الثبات والشمول من ناحية الأحكام القياسية.

المطلب الثاني
التعليل بالحكمة (1) وأثره على ثبات الأحكام وشمولها
تبين لنا كيفية دلالة القياس على الثبات، وذلك لأن كلًا من الأصل وحكمه ثابتان وعلة الحكم ثابتة لأنها ظاهرة منضبطة، أما الحكمة فقد وقع الاختلاف بين الأصوليين في جواز التعليل بها، ويرجع خلافهم إلى سبب جوهري وهو كون "لحكمة" تارة تظهر وتنضبط وتارة لا تظهر ولا تنضبط، فمن اشترط ظهورها وانضباطها - كما اشترط في العلة - لم يعلل بها والحال عنده أنها لا تنضبط ومن لم يشترط علل بها أيضاً واكتفى بتضمين الحكمة لجلب المصلحة ودفع المفسدة، وهناك رأي ثالث ارتبط بظهور الحكمة وانضباطها أو عدم ذلك فإن ظهرت وانضبطت علل بها وإن لم تظهر وتنضبط لم يعلل بها.
وهذه الآراء الثلاثة لها تأثيرات على معنى الثبات والشمول في الأحكام التي يجري فيها القياس.
ولبيان صلة كل رأي بما نحن فيه أقول: إن منع التعليل بها مؤد إلى المحافظة على ثبات الحكم إذ أنه لا يقع حينئذ اختلاف ولا تغيير إذا لم نربط الحكم بها - وفي هذا سد للتعليل بها سواء انضبطت أو لم تنضبط.--------------------------------------------
(1) الحكمة هي الأمر المناسب الذي تضمنه الوصف الظاهر، فالعلة في قصر الصلاة هي السفر، والسفر هو الوصف الظاهر المنضبط الذي رُبط به الحكم - وهو القصر - وحكمته هي وجود المشقة فيه غالباً، فإذا عمل المكلف بهذه الرخصة فإن الحكمة وهي جلب المصلحة ودفع المفسدة تتحقق له والمصلحة هي التيسير عليه، والمفسدة هي المشقة اللاحقة به، وسيأتي تفصيل مذاهب الأصوليين فيها إن شاء الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)

وأما جواز التعليل بها مطلقاً انضبطت أم لم تنضبط فهو مؤد إلى توسع مفهوم الشمول ولكن في تغيير واختلاف في حالة عدم الانضباط.
وأما المفصلون وهم الذين منعوا التعليل بها إذا لم تنضبط، وأجازوه إذا انضبطت، فهؤلاء حافظوا على الثبات والشمول معاً في توازن مطلوب.
فإذا ربطنا بها الحكم في حالة انضباطها أكدنا مفهوم الثبات وهذه نتيجة لإلزام "الحكمة" بشروط "العلة" وهنا تحقق السلامة من الاختلاف والاضطراب الذي هو خصيم الثبات.
وإذا ربطنا بها الحكم في هذه الحالة أيضاً تحقق مفهوم الشمول حيث لم نقتصر على اتباع العلل فقط بل اتبعنا الحكم بشرط الظهور والانضباط ومنعنا اتباعها في عدم الانضباط فتحقق لنا مفهوم الثبات في الموضع نفسه.
وهذا الذي أقوله هنا لم أسبق به النظر في أدلة الأقوال الثلاثة وأرجح بمجرد النظر إلى المحافظة على الثبات والشمول، بل هو نظر بعد جمع أدلة الأقوال الثلاثة وتبين رجحان مذهب المفصلين، وإنما قدمت ما قدمت لبيان وجه الربط بين موضوع التعليل بالحكمة وبين قضية البحث، وسيتأكد ذلك عند شرح المقصود من الحكمة وبيان المذاهب الثلاثة وأدلتها ومناقشتها وبيان الراجح منها ومناقشة بعض المحدثين فيما نسبه إلى بعض الأئمة الأصوليين.
فإليك بيان ذلك بعدما تبين لنا كيف يتحقق ارتباط الثبات والشمول بالقياص سلباً أو إيجاباً، وسيكون في مناقشة الأدلة على الطريقة الأصولية ما يؤكد الايجابية عند بيان الصواب أو يؤكد السلبية، فإلى بيان معنى الحكمة بالأمثلة مع عرض مذاهب الأصوليين، وذلك في فروع، وسنبين إن شاء الله أثر ذلك على الثبات والشمول.

‌‌الفرع الأول
• الرأي الأول: الجواز مطلقاً وهو اختيار الرازي والبيضاوي، استدلا بأن مقصد الشارع من إناطة الحكم بالوصف الظاهر إنما هو لاشتماله على جلب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)

مصلحة أو دفع مفسدة وهو المقصد من التشريع، وحينئذ فالاعتماد عليه أولى من الوصف الظاهر (1).
وعورض بأن الحكمة لا تظهر ولا تعرف في بعض المواطن ولذلك أناط الشارع الحكم بالوصف الظاهر المنضبط، وعند ذلك علمنا أن هذا هو المعتبر، وحتى إن تخلف الحكمة في بعض الأحيان لا يمنع اتباع الوصف الظاهر بالحكم، فالسفر وصف ظاهر يتبعه الحكم برخصة القصر حتى للملك المرفه الذي تحققنا أن المشقة لا تلحقه بسفره وكذلك الحمالين في شدة الحر قد تحققنا أن المشقة تلحقهم وأن الحكمة تحقق فيهم لكن لم يربط الشارع الحكم بها.

‌‌الفرع الثاني
• الرأي الثاني: عدم الجواز مطلقاً، ونسبه الآمدي للأكثرين (2).
واستدل أصحاب هذا المذهب.
1 - قالوا إنما جاز التعليل بالوصف الظاهر المنضبط لتعذر التعليل بالحكمة (3).
2 - أن الحكمة - وهي المصلحة أو المفسدة - متعلقة بالحاجات والأمور الباطنة، فلا يمكن الوقوف على مقاديرها لاختلاف الأشخاص والأحوال، ولذلك ربط الشارع الحكم بالوصف الظاهر المنضبط ولم يربطه بالحكمة لعدم إمكان ذلك.
وأجيب عنه: بأنه لو لم يمكن العلم بها لما أمكن العلم بالوصف الظاهر--------------------------------------------
(1) وقال الأسنوي كلام ابن الحاجب يقتضي موافقتهما، وحرر الأستاذ الشنقيطي في رسالته للدكتوراه (الوصف المناسب) مذهب ابن الحاجب كما بينه (العضد) وحاصله أن التعيل بالحكمة يجوز إن زال المانع وهو اضطرابها وخفائها، انظر 81 ونهاية السؤال 4/ 260 والمختصر مع حاشية السعد 2/ 213 - 214.
(2) الإِحكام للآمدي 3/ 186.
(3) المحصول القسم الثاني 2/ 333، وشرح تنقيح الفصول 406 الطبعة الأولى لشهاب الدين القرافي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)

فإن الوصف لايُعلم إلا إذا عُلمت ثم إنه يجوز التعليل به اتفاقاً وكذلك الحكمة.
فإذا ظن المجتهد ربط الحكم بهذا الوصف الظاهر المشتمل على جلب المصلحة أودرء المفسدة - وهي الحكمة - حصل الظن بمقدارها فيربط الحكم بالفرع لأن العمل بالظن واجب (1).
ويرد على هذا الجواب أن الحكمة لما لم تنضبط ربط الشارع الحكم بما ينضبط وهو الوصف الظاهر فيكون هو المعتبر وإن تخلفت الحكمة كما في مثال سفر الملك المرفه (2).
وأُورد عليه: أن الحكم رُبط بالوصف المشتمل على المشقة وهو السفر ولم يُربط بكونه سفراً فقط (3).
والجواب: أننا علمنا ابتداء أن الحكم إنما رُبط بكونه سفراً فقط، ثم عرفنا بعد ذلك - استنباطاً - أن حكمته هي المشقة غالباً.
وما ذكره الشلبي من قوله "مسألة السفر والقصر فيه التي جعلها مانعوا التعليل بالحكمة متكئاً لهم في الذهاب إلى الأوصاف وإهدار الحكم ليس فيها تعديه، ولم يجني المتكلمون فيها بعد طول الجدال فائدة، فلا عدى الحكم إلى غير المسافر ولا منع الملك المرفه" (4).
وهذه المناقشة لدليل المانعين لاتستقيم، لأنهم استدلوا بهذا المثال على إبطال التعليل بالحكمة وهو دليل لهم، على منع التعليل بها في حالة عدم الانضباط - كما هو في المثال السابق وهنا تتحقق الفائدة.--------------------------------------------
(1) المنهاج مع نهاية السؤال 4/ 262.
(2) الوصف المناسب ص 85.
(3) تعليل الأحكام 138 للدكتور محمد مصطفى شلبي طبعة 1401 هـ دار النهضة العربية - بيروت.
(4) تعليل الأحكام 143.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)

وأما على مذهب المؤلف - إذا اعتبر جواز التعليل بالحكمة مطلقاً فيلزمه التعدية إلى غير المسافر ويلزمه أيضاً منع الملك المرفه.

‌‌الفرع الثالث
• الرأي الثالث: التفصيل: يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة، وأما إذا كانت خفية مضطربة فلا وهو اختيار الآمدي.
واستدل: بأن الحكم إنما ربط بالوصف الظاهر لأنه مشتمل على حكمة خفية، وإننا أجمعنا على ذلك، فإذا عرفت الحكمة وكانت مساوية له كانت أولى بربط الحكم بها (1).
وأعترض عليه بأن إمكان ضبط الحكمة غير مسلم لرجوعها إلى جلب المصالح ودفع المفاسد، وهي مما تخفى وتضطرب فلا تكون منضبطة، وإن أمكن ذلك فلا يمكن إدراكه إلا بعسر ومشقة وحرج وهو مدفوع بقوله تعالى:
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
أما منع التعليل بها إذا لم تكن ظاهرة منضبطة فلعدم إمكان الوقوف عليها لاختلاف الأشخاص والأحوال، فيجب ربط الحكم بالوصف الظاهر الذي هو المظنة، وبذلك يُرفع الحرج أيضاً.
ومثاله الملك المرفه فإنه يقصر الصلاة وإن لم تتحقق المشقة في حقه (2)، والحمالون في البلاد الحارة لا يقصرون في الحضر مع أنهم يجدون أضعاف ما يجده المسافر الذي يقطعِ فرسخاً في كل يوم وسبب ذلك عدم إمكان ضبط المشقة فربطت بالمظنة وجوداً وعدماً.
وأورد عليه: أن الحرج وإن كان موجوداً في البحث عن الحكمة الخفية الا أن ذلك متحققاً عند البحث عنها لمعرفة الوصف الظاهر، بل هو أشق.--------------------------------------------
(1) الإِحكام للآمدي 3/ 186.
(2) سيأتي عند عرضي مذهب الشاطبي أنه يرى تحقق المشقة بالنسبة للملك المرفه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)

ورد بمنع التساوي في الحرج لأن معرفتها على ضابطها يسهل تحديدها، وأما إذا خلت عن الضابط فإن التعرف عليها فيه حرج شديد وممن رجح مذهب الآمدي الدكتور الشلبي حيث قال: "وقد أطال الآمدي في الاعتراض والجواب بما لا يخرج عن المناقشات في الأدلة السابقة ومن هذه المناقشة يتبين لنا رجحان مذهب المفصلين" (1).
ونسب إلى الإِمام الشاطبي القول بمذهب المجوزين مطلقاً وقد اعتمد في ذلك على نص الشاطبي في تعريف العلة حيث قال: "أما العلة فالمراد بها الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإِباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي فالمشقة علة في إباحة القصر، والفطر في السفر، والسفر هو السبب الموضوع سبباً للإِباحة، فعلى الجملة: العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة، منضبطة أو غير منضبطة وكذلك نقول في قوله عليه الصلاة والسلام "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فالغضب سبب، وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة، على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ولا مشاحة في الاصطلاح" (2).
وعلق عليه الشلبي بقوله: "فالناظر في كلامه يراه قد أطلق السبب على الأوصاف الظاهرة المنضبطة التي جعلها الأصوليون علة وعمم فيها حتى شملت الأسباب المشروعة لأحكام وضعية كالبيع الموضوع لانتقال الأملاك والأسباب الموضوعة لأحكام تكليفية كحصول النصاب لوجوب الزكاة، ونراه في العلة يقول: المراد بها الحكم والمصالح، ثم يقول: فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها والمفسدة نفسها، ولم يشترط فيها الظهور والانضباط كما شرطوا ثم يصرح بأن المسألة اصطلاح" (3).
ويُناقش الكاتب كما يلي:--------------------------------------------
(1) تعليل الأحكام 140.
(2) تعليل الأحكام 126.
(3) تعليل الأحكام 126.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)

أولاً: قوله أن الشاطبي صرح بأن المسألة اصطلاح، يشعر بغير مقصوده، لأن اصطلاحه إنما هو خاص بالتسمية وهو يطلق لفظ "السبب على معنى" العلة عند الأصوليين، ويسمي الحكمة عندهم علة أما التعليل بهما او بأحدهما فهذه مسألة أصولية تحتاج إلى تقييد شرعي.
ثانياً: قوله لم يشترط فيها الظهور والانضباط كما شرط الأصوليون، يريد الكاتب أن يقول أن الشاطبي لا يشترط الظهور والانضباط في التعليل بالحكمة وأن مذهبه هو مذهب القائلين بجواز التعليل بها مطلقاً، وعلل ذلك بقوله أنه لم يشترط لها شروطاً كما اشترطوا، وتابعه على هذا التفسير بعض الباحثين (1).
وبعد بيان نظرة المؤلف ومن تابعه انتقل إلى بيان مذهب الشاطبي من كتابه الموافقات وقد حاولت ما استطعت استقراء المواضع التي تكلم فيها الشاطبي عن الحكمة لكي أتعرف على مذهبه دون الاقتصار على النص الذي نقله الشلبي.
والمقصود من ذلك هو التأكيد على أن بعض الباحثين يتتبعون بعض نصوص الأئمة ويبنون عليها بعض آرائهم كما سيتبين لنا في هذا الموضع، وقد ذهب الكاتب إلى إطلاق المصلحة - وهي نوع من القياس - من ضوابطها، واستدل على ذلك بمجموعة نصوص لبعض الأئمة (2) منها هذا النص المنقول عن الإِمام الشاطبي، وقد خصصت له هذا الموضع لأنه مرتبط بالتعليل بالحكمة وسأبني عليه عند الحديث عن المصلحة ومناقشة موقف الكاتب منها ومن نصوص الأئمة وفتاواهم.
وإليك الأن تحقيق مذهب الإِمام الشاطبي.--------------------------------------------
(1) الشريعة الإِسلامية كمصدر للدستور ص 160.
(2) سيأتي معنا إن شاء الله تعالى بيان موقف الكاتب من نصوص الأئمة والفتاوى المنقولة عنهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)

‌‌الفرع الرابع
تحقيق مذهب الإِمام الشاطبي في التعليل بالحكمة
يرى الإِمام الشاطبي تسمية "العلة" - التي يعتبرها الأصوليون الوصف الظاهر المنضبط - سبباً، وعرفه "بأنه ما وضع شرعاً لحكم لحكمة يقتضيها ذلك الحكم" مثل السفر، فإنه سبب لمشروعية قصر الصلاة فيه.
ويرى تسمية "الحكمة" - التي يعتبرها الأصوليون - المناسبة التي اشتمل عليها الوصف الظاهر المنضبط - بالعلة، وهي عنده الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر والإِباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي.
فالسفر سبب في قصر الصلاة، والمشقة هي العلة التي شرع من أجلها القصر، وقال: "وقد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ولا مشاحة في الاصطلاح" (1).
فالعلة هي الحكمة التي هي المصلحة أو المفسدة، والإِمام الشاطبي يرى أن المصلحة والمفسدة لا يمكن أن تستقل العقول بإدراكها:
أولاً: لما تقرر أن العقل ليس بشارع، ولو أدرك المصلحة والمفسدة ولم يحتج إلى الأدلة الشرعية لكان مستقلاً في التشريع (2).--------------------------------------------
(1) وتارة يطلق لفظ العلة على ما يسميه سبباً، فقد اعتبر الغضب في الحديث "لا يقضي القاضي وهو غضبان" تارة سبباً فقال: "فالغضب سبب وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة" الموافقات 1/ 179، وتارة أُطلق على الغضب في الحديث بأنه علة فقال:" .. نظر -أي المجتهد- إلى علة منع القضاء فرآه الغضب وحكمته تشويش الذهن عن استيفاء الحجاج .. " 1/ 132.
وقد) شار الدكتور الربيعة إلى أن السبب عنده غير العلة والعلة غير السبب، وهذا إنما هو في الغالب، وإلا فهو يطلق على السبب علة كما مر آنفاً، وجواز إطلاق لفظ السبب على العلة موضع خلاف.
(2) انظر المقدمة الثالثة، الموافقات 1/ 13، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند الحديث عن المصلحة إن شاء الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)

ثانياً: أن المصالح والمفاسد مضطربة وضابطها هو عدم مخالفتها للشريعة، فدفع المشقة مثلاً بالنسبة للمسافر وغيره "تختلف بالقوة والضعف، وبحسب الأحوال وبحسب قوة العزائم وضعفها، وبحسب الأزمان وبحسب الأعمال، فليس سفر الإنسان راكباً مسيرة يوم وليلة في رفقة مأمونة وأرض مأمونة وعلى بطء وفي زمن الشتاء وقصر الأيام، كالسفر على الضد من ذلك في الفطر والقصر، وكذلك الصبر على شدائد السفر ومشاقه يختلف .. وكذلك الصبر على الجوع والعطش .. وكذلك المريض بالنسبة إلى الصوم والصلاة والجهاد وغيرها، واذا كان كذلك فليس للمشقة المعتبرة في التخفيفات ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس، ولذلك أقام الشرع في جملة منها السبب مقام العلة .. فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان وجود المشقة … " (1). فالعبرة بالمظنة إذا لا بمجرد الحكمة.
ثالثاً: صرح الشاطبي في موضع آخر بأن "المصالح في التكليف ظهر لنا من الشارع أنها على ضربين".
(أ) "ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإِجماع والنص والإِشارة والسبر والمناسبة وغيرها، وهذا القسم هو الظاهر الذي نعلل به ونقول إن شرعية الأحكام لأجله" (2).
(ب) "ما لا يمكن الوصول إلى معرفته بتلك المسالك المعهودة ولا يطلع عليه الا بالوحي، كالأحكام التي أخبر الشارع فيها أنها أسباب للخصب والسعة وقيام أبهة الإِسلام" - وضرب أمثلة أخرى - وقال: "وإذا كان معلوماً من الشريعة في مواطن كثيرة أن ثم مصالح أخرى غير ما يدرك المكلف لا يقدر على استنباطها ولا على التعدية بها في محل آخر، إذ لا يعرف كون المحل الآخر--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 213 - 214.
(2) المصدر السابق 2/ 130، وانظر 1/ 292، حيث قال: " … وتعرف العلة هنا بمسالكها في أصول الفقه".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)

-وهو الفرع - وجدت فيه تلك العلة البتة، لم يكن إلى اعتبارها في القياس سبيل فبقيت موقوفة على التعبد المحض، لأنه لم يظهر للأصل المعلل بها شبيه إلا ما دخل تحت الإِطلاق أو العموم المعلل، وإذ ذاك يكون أخذ الحكم المعلل بها متعبداً به، ومعنى التعبد به الوقوف عند ما حد الشارع فيه من غير زيادة ولا نقصان" (1).
ومقصود الشاطبي ظاهر من هذه النقول، وأذكر هنا مثالين تزيد المقصود وضوحاً:
الأول - قصر الصلاة في السفر للملك المترفه:
قرر المانعون للتعليل بالحكمة أن الشارع ربط الحكم وهو قصر الصلاة بالسفر وهو علة عندهم، ولا يشترط تحقق الحكمة.
والشاطبي - باصطلاحه الخاص - يذهب المذهب نفسه، فالسفر سبب وهو المظنة ولا عبرة بالحكمة التي هي المشقة لعدم انضباطها كما بين سابقاً، وأضيف هنا ما قاله في موضع آخر: من أن المشقة بالنسبة للملك ممكنة، قال إن "انتفاء المشقة بالنسبة إلى الملك المترفه غير متحقق، بل الظن بوجودها غالباً، غير أن المشقة تختلف باختلاف الناس ولا تنضبط، فنصب الشارع المظنة موضع الحكمة ضبطاً للقوانين الشرعية" (2)، وهذا النص - مثل النصوص السابقة يدل على أن الشاطبي يشترط للتعليل بالحكمة اتباع المظنة، أما اتباعها بغير شروط فليس في كلامه ما يدل عليه.
الثاني - مثال آخر:
قال الشاطبي: " .. كما جعل -أي الشارع- التقاء الختانين ضابطاً لمسبباته المعلومة، وإن لم يكن الماء عنه لأنه مظنة، وجعل الاحتلام مظنة حصول العقل القابل للتكليف لأنه غير منضبط في نفسه إلى أشياء من ذلك كثيرة" (3).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2/ 230.
(2) المصدر السابق 1/ 173.
(3) المصدر السابق 1/ 173.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)

فالسبب موجب لربط الحكم به سواء تحققت الحكمة أم لم تتحقق واسمع إليه يقول جواباً عن اعتراض أورد عليه، قال: "إن العامل -أي المتعاطي للسبب - قد تعاطى السبب الذي تنشأ عنه المفسدة أو تفوت به المصلحة وهو الشرب والإِيلاج المحرمان في نفس الأمر، وهما مظنتان للاختلاط وذهاب العقل، ولم يضع الشارع الحد بإزاء زوال العقل أو اختلاط الأنساب، بل بإزاء تعاطي أسبابه خاصة .. فالمولج والشارب قد تعاطيا السبب على كماله فلا بد من إيقاع مسببه وهو الحد، وكذلك سائر ما جرى هذا المجرى مما عُمل فيه بالسبب لكنه أعقم" (1).
فالشريعة وضعت الحكم بإزاء السبب ولم تضعه بإزاء الحكمة، وذلك لأن السبب هو المظنة المنضبطة، والحكمة - وهي المصلحة أو المفسدة - تختلف مقاديرها باختلاف الأشخاص والأحوال …
فإن أمكن معرفتها وربطها بمظنة منضبطة فما الحكم عند الإِمام الشاطبي: فالجواب: أن الأحكام عنده قسمان:
الأول: ما غلب عليه جهة التعبد.
الثاني: ما غلب عليه جهة الالتفات إلى المعاني.
فبالنسبة للأول قال الشاطبي رحمه الله: " .. علمنا من مقصد الشارع التفرقة بين العبادات والعادات وأنه غلب في باب العبادات جهة التعبد وفي باب العاديات جهة الالتفات إلى المعاني والعكس في البابين قليل .. " (2).
ثم قال: "وإذا ثبت هذا فمسلك النفي متمكن في العبادات وهو العمدة" (3) أي فلا نتعدى بالحكم محالها.
أما بالنسبة للثاني فقد قال: إذا كانت العلة معلومة منضبطة "وتعرف العلة--------------------------------------------
(1) 2/ 249 - 250.
(2) 2/ 293.
(3) 2/ 293.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)

هنا بمسالكها المعلومة في أصول الفقه فإذا تعينت علم أن مقصود الشارع ما اقتضته تلك العلل من الفعل أو عدمه، ومن التسبب أو عدمه، وإن كانت غير معلومة فلابد من التوقف عن القطع على الشارع أنه قصد كذا وكذا، إلّا أن التوقف هنا له وجهان من النظر" (1).
الوجه الأول: "أن لا نتعدى المنصوص عليه في ذلك الحكم المعين أو السبب المعين، لأن التعدي مع الجهل بالعلة تحكم من غير دليل، وضلال على غير سبيل .. فالتوقف هنا لعدم الدليل".
الوجه الثاني: "أن الأصل في الأحكام الموضوعة شرعاً أن لا يتعدى بها محالها حتى يعرف قصد الشارع لذلك التعدي، لأن عدم نصبه دليلًا على التعدي دليل على عدم التعدي، إذْ لو كان عند الشارع متعدياً لنصب عليه دليلاً ووضع له مسلكاً، ومسالك العلة معروفة … " (2).
فهذان الوجهان كلاهما متجه، والأول: يقتضي التوقف من غير جزم بأن التعدي غير مراد، ويقتضي إمكان أنه مراد فيبقى الأمر في قصد الشارع له بالنسبة للمجتهد محتملاً.
والثاني: يقتضي الجزم بنفي التعدي من غير توقف ويحكم علماً أو ظناً بأنه غير مقصود للشارع.
فإذا كان هذان الوجهان متجهين صار عمل المجتهد معهما كعمله عند تعارض الدليلين، والاحتياط هنا أولى (3).
وصرح الشاطبي بمثل هذا في موضع آخر فقال: " … فعلى هذا إذا--------------------------------------------
(1) 2/ 291.
(2) 2/ 292.
(3) 2/ 292، ولأن التعارض يتفاوت باعتبار المسائل والمجتهدين والأوقات بالنسبة للمجتهد الواحد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)

كانت العلة غير منضبطة ولم يوجد لها مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه، وكثير ما يرجع هنا إلى أصل الاحتياط فإنه ثابت معتبر" (1).
ومن الأمثلة التي تنضبط فيها الحكمة: قوله عليه السلام "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (2). فإذا "نظر -أي المجتهد- إلى علة منع القضاء فرآها الغضب وحكمته تشويش الذهن عن استيفاء الحجاج بين الخصوم، فألحق بالغضب الجوع والشبع المفرطين والوجع وغير ذلك مما فيه تشويش الذهن" (3).
والتعدية هنا بالحكمة بالمظنة المنضبطة التي عُلمت في الفرع، وهذا معنى قوله: "إذا كانت العلة غير منضبطة ولم يوجد لها مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه" فالشرط إذًا في التعليل بالحكمة أن يكون لها مظنة منضبطة وإلّا فالمحل محل اشتباه الاحتياط فيه معتبر.
والحاصل أن مذهب الإِمام الشاطبي يتضمن أموراً:
الأول: أن ما يسميه الأصوليون علة يسميه سبباً، وأن ما يسميه الأصوليون حكمة يسميه علة.
الثاني: أن الحكم -وهي المصالح والمفاسد- مختلفة المقادير ومتفاوتة والمعول عليه في إدراكها هوما عول عليه الشرع من اعتبار المظنة المنضبطة.
الثالث: أن من الحكم والمصالح التي تدخل تحت التعليل العام المطلق ما لا يصح ربط الحكم بها، لأنه لا يُعرف أن "الفرع" متضمن لها فلا يتعهد بها موضعها، ومقصود الشارع حينئذ الوقوف عندما حده من غير زيادة ولا نقصان.
الرابع: أن مسلك نفي التعدي متمكن في العبادات.--------------------------------------------
(1) 1/ 235.
(2) أخرجه البخاري عن أبي بكرة أنه قال: " .. سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان" كتاب الأحكام، فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13/ 136.
(3) 1/ 132.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)

الخامس: أن التوقف والاحتياط متمكن في العادات لأن العلة إذا لم يوجد لها مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه.
وبعد: فهذا هو مذهب الإِمام الشاطبي، وتعلق الشلبي وغيره بنص واحد من الموافقات لا يفيده شيئاً فيما قاله ونسبه إلى الشاطبي (1)، لأن النص الذي نقله ليس فيه إلا أن الشاطبي يعتبر العلة "هي المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة منضبطة أو غير منضبطة، وكذلك نقول في قوله عليه الصلاة والسلام "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فالغضب سبب وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة، على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ولا مشاحة في الاصطلاح" (2).
فإذا أردنا أن نأخذ من هذا النص أن الشاطبي يسمي الحكمة سواء انضبطت أو لم تنضبط "علة" فنعم، أما إن أردنا أن نقول أنه لا يشترط في التعليل بالحكمة كما اشترط بعض الأصوليين فذلك لا يدل النص عليه.
فقول الدكتور شلبي: "فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها والمفسدة نفسها ولم يشترط فيها الظهور والانضباط كما اشترطوا" غير مستقيم، لأن النص لا يفيد أن الشاطبي يعلل بمطلق الحكمة، ومعرفة مذهبه تكون بدراسة موقفه:--------------------------------------------
(1) يعتمد بعض الدارسين في نسبة الآراء إلى الأئمة على النظر الأول في نصوصهم دون جمعها ومقابلة بعضها ببعض والنظر فيها وتحقيق معانيها حتى يعرف قصد صاحبها، وهذا النظر الأول يشبه في خطورته تعامل الفرق الضالة مع نصوص الشرع بالنظر الأول.
ويتعلق هؤلاء الدارسين بنص واحد من أقوال الأئمة - عامها وخاصها مجملها ومفصلها محكمها ومتشابهها، مطلقها ومقيدها - وعادة يتعلقون بالمطلق والمتشابه والمجمل والعام، ويغفلون عما سوى ذلك، وفي هذا تكمن خطورة هذا المسلك، تماماً كما صنعت الفرق الضالة فإنها تعلقت بالعام دون الخاص، والمجمل دون المفصل والمتشابه دون المحكم والمطلق دون المقيد ولذلك نسبت إلى الشريعة ما ليس منها. الموافقات 4/ 114 - 115 - 116 - 117.
(2) انظر ما سبق ص 395.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)

1 - من شروط التعليل بالحكمة وهل يشترط انضباط المظنة أم لا؟
2 - من شرطه في اعتبار المصلحة دليلًا شرعيًا.
وقد تبين من مجموع نصوصه أن موقفه من التعليل بالحكمة غير ما فهمه الشلبي وأما المصلحة فسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله ..
فالحاصل أن التعليل بالحكمة مشروط بانضباط المظنة، فإذا انضبطت المظنة هنا كما انضبطت في ربط الشارع القصر بالسفر، والحد بالإيلاج أو شرب المسكر فيجوز حينئذ التعليل بها.

‌‌الفرع الخامس
بيان أثر ذلك على الثبات والشمول
إن الشمول يتحقق لنا في الأحكام القياسية لأنا لم نقتصر على ربط الحكم بالعلة فقط، ولكن ربطناه بالحكمة بشرطها المذكور، وهذا يجعل أداة القياس أقدر على تحقيق الشمول من مجرد ربطه بالوصف الظاهر وهنا ينبغي أن نأخذ بالعدل ونلاحظ عدم الاضطراب والاختلاف حتى لا نقع فيه، فإذا خرجت الحكمة عن الانضباط لم يمكن ربط الحكم بها حينئذ لأنها تؤدي إلى اختلاف الحكم واضطرابه وهو ينافي الثبات.
ولذلك لا بد من ملاحظة الثبات والشمول في آن واحد فلا نعلل بمطلق الحكمة .. ولا نمنع التعليل بها إذا انضبطت، وقد تبين من خلال تلك الدراسة والمناقشة أن مذهب المفصلين هو الصواب وأن مذهب الشاطبي تبع لمذهب المفصلين.
ونحن في هذا وذاك نعمل "الأصل" الثابت ونحافظ عليه، وأما إعماله والاستفادة منه فيكون بنقل حكمه إلى "الفرع" الذي عملنا مشابهته للأصل إما عن طريق "العلة" أو "الحكمة" بشرطها، وهنا نكون قد حققنا الاجتهاد وأدركنا شمولية الشريعة عن طريق أداة القياس، وهي إلحاق الفرع بالأصل ..
وجميع العادات والأحوال التي تمر بها البشرية متشابهة ولذلك تكاد تكون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)

محصورة من حيث إمكان تحديد أوجه الشبه بينها -حتى وإن لم يكن حصرها من حيث كونها جزئيات ووقائع- وإذا لحظنا المشابهة وهي أمر مسلم به لأن أفراد البشر يشتركون في طبيعة الإِنسان عقلاً وروحاً وجسدًا، ويشتركون في تفاعلهم مع هذا الكون من حولهم، ويتتابع عليهم -في الجملة- الليل والنهار والشمس والقمر وفصول السنة، ويقع عليهم تشابه كبير في متاجرهم ومصانعهم وفي تعاملهم مع غيرهم، وترد عليهم الأمراض المتشابهة، والأحزان المتماثلة، وأفراحهم متقاربة، نعم يختلفون بعد ذلك في المنهج الذي يلتزمون به .. ويبقى بعد ذلك وقوع التشابه في ذلك كله في الجملة، وهذا يعني أن جميع الوقائع والأحوال تأخذ من التشابه فيما يتصل من الأحداث والوقائع بحياة البشر في جميع تلك الأمور -وإن لم يمكن حصرها من حيث الجزئيات- إلّا أنه يمكن حصرها من حيث التشابه وهذا هو المقصود، فإذا كانت محصورة -وهي كذلك- أمكن ربط المتشابهات والمتماثلات بالأصل الشرعي المشابه لها، فتضيق تلك الدائرة التي يُظن أنها لا تنحصر أبداً لتصبح هي في ذاتها محصورة وذلك على مرحلتين:
الأولى: أن وقائع البشرية وأحداثها ترجع إلى طبيعتها المتشابهة في جميع أقطار الأرض، فهي على سعتها تضيق حتى يمكن جمع أطرافها وجزئياتها عن طريق رد المتماثلات إلى بعضها البعض، فإذا هي وقائع وأحداث يمكن حصرها.
الثانية: أخذ هذه الوقائع والأحداث وربطها بالأصول الشرعية كل حسب ما يشبهه.
ويتحقق لنا هذا الشمول ونحن محافظون على الثبات لأننا لم نعمل الأصل ونستفد منه بغير ضابط، بل لاحظنا الضابط الشرعي وحددناه من خلال التعرف على موقف الشرع منه، فوجدنا أن اتباع العلة والحكمة بشرطها هو الضابط فتمسكنا به، ولم نتعده إلى التعليل بمطلق الحكمة، والضوابط هي أداة الثبات كما يتبين ذلك من خلال موضوعات البحث جميعها، فأداة القياس الشرعي على الصورة التي قدمناها وهي الوسط بين مسلك المتوسعين والمانعين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)