شرعياً واضحًا يتميز فيه عن أهل الأهواء مطلقًا سواء من الفرق الضالة أو من تأثر بهم (1).
فلا عجب إذًا أن يجانب طريقة المتكلمين في دراسة العموم … وحاصل ما عنده -وقد سبق- أن العام وبيانه أصبح بين أيدينا عند انقطاع الوحي، فمجموعهما هو الدليل، وهذا المجموع من العام وبيانه هو عبارة عن مجموع المقصد اللغوي والشرعي، ولا دخل لما يصوره العقل في مناحي الكلام ومن هنا لا حاجة لنا بطريقة المتكلمين في التعلق بالاحتمال المبني على وجود القرينة -التي إن فُقدت ما عُدمت- كما يقولون، فما يرد على العام إنما هو تفسير لبيان المقصود منه، وهو في اللغة وفي الشرع موضوع وضعًا استعماليًا وهو مقدم على الوضع الإِفرادي، هذا هو الجاري في كلام العرب، والرجوع في هذا إليهم لا إلى العقل وما يصوره.
فالشاطبي -مراعاة لمنهج الشريعة في الإِفهام- ينزل مباشرة إلى الواقع الاستعمالي سواء في كلام العرب أم في خطاب الشارع، فيجد ذلك كله، وضعًا إفراديًا يقابله وضع استعمالي، فالمقصود عند العرب هو الاستعمالي فَلْيُعْتبر إذًا ولا حاجة لغيره، وكذلك في خطاب الشارع نجد مجموع اللفظ العام وتفسيره فلنأخذهما معًا فيكون التفسير بيانًا -نظير البيان الذي يأتي عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه- وإذا كان كذلك فلا حاجة لتوهين العمومات الشرعية فلا نصفها بأنها ظنيات ونستدل بها على تحسين الظن وعدم القطع، كلا بل هي قطعية والقول بغير ذلك "مخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته (أي القرآن) التي فهموها تحقيقًا بحسب قصد العرب في اللسان وبحسب قصد الشارع في موارد الأحكام.
وأيضًا فمن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث بجوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا على وجه هو أبلغ ما يكون وأقرب ما يمكن في التحصيل، ورأس هذه--------------------------------------------
(1) يبرز ذلك أشد ما يبرز في المقدمات وكتاب الاجتهاد من الموافقات وكتابه الاعتصام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
الجوامع في التعبير العمومات، فإذا فرض أنها ليست بموجودة في القرآن جوامع بل على وجه تفتقر فيه إلى مخصصات ومقيدات وأمور أخر فقد خرجت تلك العمومات عن أن تكون جوامع مختصرة" (1).
وطريقة المتكلمين تأثرت بالفلسفة التجريدية -كما بينا سابقًا- فهي طريقة مجافية لمقصد الشريعة ومنهجها في الاستدلال، ولذلك وقعوا في كثرة الاحتمالات وأوقعوا الأدلة الشرعية معهم في ذلك ووصفوها بالظنية، وكان جل علمهم موسوم بالجدل العقلي -كما هو شأنهم في دراسة العقيدة- وابتعدوا كثيرًا عن الواقع العملي -ولذلك بقيت بينهم وبين عوام المسلمين فجوة ضخمة وما زالت- ولما كان البحث في أصول الفقه لا بد من أن تكون له ثمرة تطبيقه غُلب المتكلمون على طبيعتهم فما استطاعوا أن يخرجوا منها إلّا بعسر شديد تلحظ أثره في أن كثيرًا من مسائل الأصول لا ينبني عليها عمل (2) وإن كثر عليها الخلاف، والمسائل التي خرجت عن طبيعتهم هي المسائل التي تبنى عليها آثار تطبيقه مثل مسائل العموم، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يدخلوا إلا عن طريق التجريد العقلي، فلما تنزلوا إلى واقع التطبيق كان منهجهم قريبًا من منهج الإِمام الشاطبي، لأن الواقع العملي مغاير في طبيعته للواقع الفلسفي التجريدي -ولو أن المتكلمين ابتعدوا عن التصورات العقلية التجريدية ونزلوا إلى الواقع العملي التطبيقي لسلموا من كثير من الفساد- ويكفيني دليل واحد صرح به الغزالي في المستصفى: ذلك قوله إن إطلاق التخصيص تجوز قال الشيخ أبو زهرة "ومهما يكن اختلاف الفقهاء في مدى المخصصات وقوتها فإنهم يقررون أن التخصيص ليس إخراجًا لبعض أفراد العام من الحكم بعد أن دخلوا فيه بل يقررون أن التخصيص هو بيان إرادة الشارع بعض أفراد العام ابتداء، وأن--------------------------------------------
(1) الموافقات 3/ 184.
(2) انظر المقدمة الخامسة من الموافقات بعنوان "كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي .. " 1/ 18.
وهناك من المسائل المذكورة في الأصول ما هو عارية وليس من صلب العلم. انظر المقدمة الرابعة 1/ 17 - 18 وسبب ذلك غلبة مسلك المتكلمين على أصول الفقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
الأفراد التي لا تشملها الأحكام المقترنة بلفظ العام لم تدخل في ضمن العام بالنسبة لهذه الأحكام، فقد نصت كتب الأصول شافعية كانت أو حنفية أو مالكية على أن التخصيص هو قصر العام على بعض أفراده بالإِرادة الأولى، فيكون المخصص مبينًا لإِرادة الخصوص، ولقد ذكر الغزالي أن تسمية الأدلة مخصصة تجوز، إذ التخصيص على التحقيق بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص" (1). ولذلك لم ير الشاطبي أن هذا التخصيص موجود في الشريعة، لأنه لا إخراج من الصيغة في الحقيقة، بل الإِرادة -أي الوضع الاستعمالي الشرعي- استخدم اللفظ العام وأطلقه على بعض أفراده، وهذا الاستعمالي مقدم على الوضع الأول، فما يقوله الأصوليون من أن المخصص قصر العام على بعض أفراده إنما هو تَجوَّز، ولذلك يعتبر الشاطبي هذا -الذي يسميه الأصوليون تخصيصاً- يعتبره بينًا وتفسيرًا، يدلنا على الوضع الاستعمالي -أي ما أراده الشرع- وفي الحقيقة ليس هناك تخصيص في محصول الحكم لا لفظًا ولا قصدًا كما قرره في الموافقات (2) وهذا الذي قاله هو الذي تؤول إليه طريقة المتكلمين والحنفية أيضًا عندما ينزلون إلى واقع العمل التطبيقي كما بين الشيخ أبو زهرة، وشهد به الغزالي.
ومن عظمْ فقه الإِمام الشاطبي أن التفت إلى هذه الحقيقة فقال: "فإن قيل: أفيكون تأصيل أهل الأصول كله باطلًا أم لا؟ فإن كان باطلًا لزم أن يكون ما أجمعوا عليه من ذلك خطأ، والأمة لا تجتمع على الخطأ، وإن كان صوابًا -وهو الذي يقتضيه إجماعهم- فكل ما يعارضه خطأ، فإذا كل ما تقدم بيانه خطأ.
فالجواب: إن إجماعهم أولًا غير ثابت على شرطه، ولو سلم أنه ثابت لم يلزم منه إبطال ما تقدم، لأنهم إنما اعتبروا صيغ العموم بحسب ما تدل عليه في الوضع الإِفرادي، ولم يعتبروا حالة الوضع الاستعمالي حتى إذا أخذوا في--------------------------------------------
(1) أصول الفقه 130، وقارن مع ما حكاه شيخ الإِسلام عن الجمهور انظر ص 301.
(2) الموافقات 3/ 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
الاستدلال على الأحكام رجعوا إلى اعتباره كل على اعتبار رآه أو تأويل ارتضاه، فالذي تقدم بيانه مستنبط من اعتبارهم الصيغ في الاستعمال بلا خلاف بيننا وبينهم إلا ما يفهم عنهم من لا يحيط علمًا بمقاصدهم ولا يجود محصول كلامهم .. وبالله التوفيق" (1).
فكأن الإِمام الشاطبي يريد أن يصحح لكثير من الأصوليين طريقة الاستدلال ولذلك تجنب رحمه الله طريقة التجريد العقلي واللغوي، واعتبر المقصدين اللغوي والشرعي وقدمهما على الوضع الإِفرادي واستند في ذلك كله إلى ركن ركين (2)، ولو دخل الأصوليون من هذا المدخل لسلموا من الوقوع في شناعات خطيرة، ولا يسلمهم من ذلك أنهم إذا أخذوا في الاستدلال على الأحكام رجعوا إلى اعتبار الوضع الاستعمالي لأن تلك المحظورات والشناعات يؤدي إليها مسلكهم الأول من ذلك ما قاله الشاطبي واعتمده الشيخ أبو زهرة (3) "فإن قيل: حاصل ما مر أنه بحث في عبارة والمعنى متفق عليه ومثله لا ينبني عليه حكم، فالجواب: أن لا، بل هو بحث فيما ينبني عليه أحكام، منها أنهم اختلفوا في العام إذا خص هل يبقى حجة أم لا (4) وهي من المسائل الخطيرة في الدين، فإن الخلاف فيها في ظاهر الأمر شنيع لأن غالب الأدلة الشرعية وعمدتها هي العمومات فإذا عُدت من المسائل المُختلفِ فيها بناء على ما قالوه أيضًا من أن جميع العمومات أو غالبها مخصص صار معظم الشريعة مختلفًا فيها هل هو حجة أم لا، ومثل ذلك يلقى في المطلقات فانظر فيه، فإذا عرضت المسألة على هذا--------------------------------------------
(1) الموافقات 3/ 183.
(2) انظر أدلته من كلام العرب ومقاصد الشريعة وكلام السلف ص 321 - 322 وهذا ما نصره عليه شيخ الإِسلام ابن تيمية ص 337.
(3) أصول الفقه 127.
(4) انظر أراء المخالفين: الأحكام للآمدي 2/ 232، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي 213، وتخصيص العام 97 - 103، وقد ذكر ثمانية مذاهب في حكم العام بعد التخصيص هل يبقى حجة أم لا؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
الأصل المذكور (أي) على ما قرره الإِمام الشاطبي لم يبق الإِشكال لمحظور وصارت العمومات حجة على كل قول.
ولقد أدى إشكال هذا الموضع (أي طريقة المتكلمين في الاستدلال) إلى شناعة أخرى وهي أن عمومات القرآن ليس فيها ما هو معتد به في حقيقة العموم وإن قيل بأنه حجة بعد التخصيص، وفيه ما يقتضي إبطال الكليات القرآنية وإسقاط الاستدلال به جملة إلا بجهة من التساهل وتحسين الظن لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم (1)، وفي هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية وتضعيف الاستناد إليها" (2).
فالإمام الشاطبي يعتبر الأصل الاستعمالي الشرعي ابتداء .. ولذلك سلم مذهبه من هذه الشناعات، والمتكلمون وقعوا في التجريد العقلي والتعلق بالاحتمالات والتأثر بأصول الكلام في وصف دلالة الألفاظ الشرعية بالظنية ولزمهم من الشناعات ما لزمهم.
وعلى طريقتهم في إغفال واقع الاستعمال الشرعي -الذي هو الحجة المعتبرة في فهم إرادة الشارع- أغفلوا واقع الاستعمال العربي - الذي--------------------------------------------
(1) قارن ما أدى إليه القول بالظنية، كما صور الإِمام الشاطبي - وبين ما نقلته عن المعتزلة وقاضيهم عبد الجبار حيث قالوا بظنية الأدلة القرآنية والسنّة وليس الاحتجاج عندهم بها على أصولهم وإنما الاحتجاج بالعقل، ويأخذونها على جهة تحسين الظن كما قالوا … وهو ما يؤدي إليه القول بظنية العمومات ولعلك بذلك تلحظ مدى سيطرة علم الكلام على أصول الفقه، وقارن بما سبق في أكثر من موضع ص 193 - 195 وفي هذا جواب عما استغربه الأستاذان الفاضلان عبد الله دراز وأديب الصالح من قول الشاطبي "إن ذلك توهين للعمومات وإبطال للكليات القرآنية". انظر ما سبق ص 331 وانظر مذكرة أصول الفقه للشنقيطي 58 - 59 - 60 حيث بين أن هناك من يقول بأن العام مجاز بعد التخصيص ثم بين فضيلته كيف يكون المجاز محتملًا وأنه يصح نفيه، ومثل هذا لا يحتج به، وقد أنكر ذلك فضيلته وبين الصواب فيه، فانظر هذه الشناعة وهي واحدة مما حذر منها الإِمام الشاطبي.
(2) الموافقات 3/ 183 - 184.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
هو الحجة المعتبرة في فهم مقاصد العرب من كلامها - فجعلوا العام المخصص مجازاً واعتبروا أصل اللغة وأغفلوا عرف الشارع واستعماله، وعلى طريقة الشاطبي أغفلوا المقصد الاستعمالي العربي، إذ لو اعتبروه لعلموا أنه وضع استعمالي معتبر عند العرب ومقدم على الأصل القياسي الذي هو أصل الوضع، ولكنهم أغفلوا ذلك وذهبوا إلى القول بالمجاز -والمجاز محتمل- وقالوا: إن القائلين بأنه حقيقة لا يستقيم قولهم إلا إذا أرادوا بذلك أنه حقيقة في عرف الشارع واستعماله ثم قالوا: "والكلام ليس فيه وإنما هو في اللفظ من حيث وضع اللغة" (1) واللفظ الواحد لا يكون حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى معنى واحد في استعمال واحد (2)، وهنا يتبين لنا بوضوح الفرق بين طريقة المتكلمين وطريقة الشاطبي، فالمتكلمون أغفلوا المقصدين الشرعي واللغوي، ووقعوا في مقابل ذلك في التجريد العقلي واللغوي، وطريقة الإِمام الشاطبي اعتمدت المقصدين الشرعي واللغوي، وبعدت عن التجريد العقلي واللغوي، فليس هناك وضع واحد أو استعمال واحد وإنما هما وضعان، وضع إفرادي ووضع استعمالي، والثاني مقدم على الأول -وقد ذكرت الحجة لذلك فيما سبق- والبحث محكوم بعد ذلك بمقصد الشارع واستعماله وليس نظراً مجرداً في وضع اللفظ وإن خالف المقصد الاستعمالي في اللغة والشرع.
وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نحدد معالم منهج الإِمام الشاطبي مع الإشارة إلى ما يضاده عند التكلمين:
1 - إن منهج الإِمام الشاطبي منهج شرعي راعى فيه المقصد الاستعمالي الشرعي، ومنهج لغوي راعى فيه المقصد الاستعمالي في كلام العرب، وأما طريقة المتكلمين فعلى الضد من ذلك أغفلت المقصد الاستعمالي الشرعي والمقصد الاستعمالي اللغوي، والبحث في العموم يقوم على اعتبار المقصدين لأنه بحث لغوي من جانب وشرعي من جانب آخر، فقاعدة الشاطبي في بحثه أسلم وأحكم وأشمل، بخلاف طريقة المتكلمين.--------------------------------------------
(1) تخصيص العام 96.
(2) المرجع السابق 96.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
2 - تحرر الإِمام الشاطبي من مسلك أهل الكلام في المنهج والأسلوب فلا هو يتبع العقل وما يصوره، ولا يغفل الواقع التطبيقي العملي وما يقتضيه، بخلاف مسلك أهل الكلام فقد غلبت عليهم طبيعتهم حتى في أصول الفقه (1) فاتبعوا "العقل" وما يصوره وأغفلوا الواقع الاستعمالي لهذه الشريعة وللغة العرب وما يترتب عليه.
ولهذا الفرق بين الطريقتين - ولما مر ذكره من الأدلة المباشرة يعتبر منهج الإِمام الشاطبي منهج أصيل متميز مستند إلى منهج السلف في الاستدلال تحوطه الأدلة البينة من حيث الاستعمال الشرعي والاستعمال اللغوي، وهو منهج يأخذ طبيعته من طبيعة هذه الشريعة من حيث الإِفهام ومن حيث الاحتجاج.
3 - تحرر الإِمام الشاطبي من القول بأن العمومات عند السلف ظنية الدلالة لأنهم مخصصون لها بأخبار الآحاد وهي ظنية الدلالة فلو كانت العمومات قطعية لما خصصها السلف بأخبار الآحاد. وقد سبق بيان أن ما نسبه المتكلمون إليهم لا برهان عليه (2). ولعله من أعظم الشبه التي حملت المتكلمين في أصول الفقه على قولهم بظنية العمومات.
وقد تحرر الشاطبي من ذلك كله فلم يتبع هذا الفرض الذي لا صحة له وتحرر من جانب آخر من مذهب الحنفية، فإنه وإن وافقهم في القول بقطعية العمومات إلا أنه يرى أن العام وبيانه دليل واحد ووضع واحد استعمالي يدل على مقصد الشارع، ولا يجعلهما متقابلين بحيث نحتاج إلى التخصيص بالمنفصل أوالمتصل ثم نقع في مقالة المتكلمين أو مقالة الحنفية، ولأن كانت طريقة المتكلمين قد أوجبت على العمومات الشرعية وصف الظنية، فإن الحنفية قد حجزوا أخبار الآحاد - مع صحتها وعدم شذوذها وعلتها - عن تخصيص--------------------------------------------
(1) انظر كلام الغزالي عنهم ص 194.
(2) أثبت فيما سبق ص 167 أن افتراض أن الصحابة قائلون بظنية أخبار الآحاد فرض لا برهان عليه بل الحجة على خلافه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
العمومات باعتبار أنها قطعية وأخبار الآحاد ظنية، ولا يخصصون بها العمومات والحالة هذه.
وكما لم نسلم للمتكلمين القول بظنية العمومات فكذلك لا نسلم للحنفية منع هذه الأخبار من تفسير العام وبيانه، وكما أن ما فرضه المتكلمون من نسبة الظنية إلى الصحابة في العام وبيانه نسبة لا برهان عليها، فكذلك ما فرضه الحنفية من ظنية تلك الأخبار فرض لا صحة له، وقد تبين بالدليل الشرعي والنقل المتفق عليه من لدن الصحابة والتابعين أن أخبار الآحاد على تلك الصفة يصح بها الاستدلال على العقيدة ويزاد بها على القرآن وتكون تفسيراً وبياناً للعمومات (1).
فيتحصل لنا من هذه الدراسة:
1 - إن عمدة الشريعة العمومات وهي صادقة العموم قطع السلف بذلك تحقيقاً لما فهموه حسب المقصد اللغوي والمقصد الشرعي.
2 - إن ما ثبت من الدليل الشرعي متواتراً أوآحاداً يصح الاستدلال به على تفسير العمومات وبيانها، كما يصح الاستدلال به على إضافة السنّة لحكم جديد وإن كان زيادة على ما جاء به القرآن، ويصح الاستدلال بها -أيضاً- على العقيدة، سواء وصفه هؤلاء أوأولئك بالظنية أو القطعية (2).--------------------------------------------
(1) انظر نقل الاتفاق على إثبات هذه العقيدة ص 167.
(2) انظر ما قاله الشيخ عبدالرزاق عفيفي تعليقاً على دراسة الآمدي لحجية أخبار الآحاد - وقد تعجب من الاحتمالات الكثيرة وإدخال مسائل الأصول في الظنيات مع أن الفرض أن تكون قطعية. انظر هامش ص 71 من الجزء الثاني من الأحكام، وقال 2/ 50 هامش رقم واحد "أحكام الشريعة أصولًا وفروعاً عقيدة وعملاً كل منها يصح إثباته والاستدلال عليه بأنواع الأدلة متواترة وآحاداً قطعية وظنية فمن علم حكماً عقيدة أو عملاً من دليل قطعي أو ظني وجب عليه اعتقاده في درجته والعمل بمقتضاه ولا يسعه الغاؤه والإعراض عنه وحسابه على الله لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ولا يتركها سدى فيما بلغها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
3 - إن العمومات حجة ثابتة تحقيقاً قبل التخصيص وبعده.
وهذه من أعظم قواعد الثبات والشمول، فالشريعة عمدتها هذه العمومات الصادقة التي قطع بها السلف .. فهي علم ثابت راسخ الأركان هوقوام الكليات الشرعية منها يستخرج المجتهد -عن طريق الاجتهاد- الأحكام الشرعية وهي معلومة للأمة بل هي أساس الشريعة فهي حجة ثابتة -قبل التخصيص وبعده- وعنها يتفرع شمول الشريعة لأن العموم هو الشمول، وينبني على قاعدة راسخة ثابتة - لا على ظن واحتمال ومجاز .. فتنطلق مهمة الاجتهاد من تلك القاعدة - وطرق الاجتهاد كثيرة كما سيأتي معنا - وذلك بإعمال تلك العمومات واستخراج الجزئيات غير المتناهية منها - إضافة لما ورد من الأحكام الجزئية في الشريعة -فتكون تلك الكليات- التي هي العمومات - هي المعين الذي لا ينضب والبحر الذي لا ينفد يغترف منه المجتهدون ما تحتاجه الأمة من الأحكام فلا ينقطع الاجتهاد ولا ينفد البحر (1)، وإن عملية الاجتهاد كما تحدثنا عنها وكما سنتحدث عنها عند عرض أهم طرق الاجتهاد الأخرى هي الكفيلة باستخراج تلك الكنوز التي اشتملت عليها تلك العمومات سواء عن طريق استخراج النص مباشرة .. أو عن طريق قياس العلة أو عن طريق قياس المصلحة، فالاجتهاد بجميع أنواعه تنقيح المناط أو تخريجه أوتحقيقه هوعمل المجتهدين الذي به يتحقق الشمول في واقع الناس ويستقر على تلك القواعد الصادقة العموم التي تقوم بها الحجة وتثبت بها الأحكام كما هو منهج السلف الصالح بالقطع بعموماتها تحقيقاً، وبيان تلك العمومات بكل ما ثبت في الشريعة.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر ما بينه سابقاً من وجه الإِعجاز في العمومات ودلالتها على الشمول والثبات ص 310.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
المبحث الثالث
العموم (1) المعنوي
العموم المعنوي صنو العموم اللفظي، ودلالتهما على الشمول متشابهة وقد أشرت إلى أن "المعنوي" هو ما دلت مجموعة جزئيات تم استقرائها من مواضع كثيرة في الشريعة على معنى واحد فيجري حينئذ مجرى العموم المستفاد من الصيغ، وقد بينت وجه الإِعجاز التشريعي في ذلك (2).
وإفادته الشمول تكون بالاستدلال به على كل نازلة تَعنْ يمكن أن يدخلها المجتهد تحت عموم المعنى الذي استقرءه من الشريعة دون أن يحتاج إلى صيغة خاصة (3).
وقد عمل السلف الصالح به في مواضع كثيرة نقتصر منها على ذكر موضعين اثنين:
الأول: رفع الحرج.
الثاني: سد الذريعة.
الأول: أصل رفع الحرج:
وهو"كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أوالمال حالًا--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 314.
(2) انظر ما سبق ص 316.
(3) الموافقات 3/ 192.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
أو مآلا" (1) ورفعه إما بمنعه قبل وقوعه أو بإزالته بعد وقوعه (2).
وأدلة هذا الأصل مبثوثة في الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة، من ذلك ما ورد في سورة المائدة:
{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (3).
ومنها ما ورد في سورة الحج:
{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} (4).
ومنها آيات التيسير والتخفيف والرحمة:
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (5).
وقوله تعالى لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام:
{وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} (6).
واليسرى هي الحنفية السمحة أي الشرائع الموافقة لحاجات البشر، ومنها قوله تعالى:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (7).--------------------------------------------
(1) رفع الحرج في الشريعة الإِسلامية ضوابطه وتطبيقاته للدكتور صالح بن حميد، 1401 هـ جامعة أم القرى ص 49.
(2) المرجع السابق 51.
(3) سورة المائدة: آية 6.
(4) سورة الحج: آية 78.
(5) سورة البقرة: آية 185.
(6) سورة الأعلى: آية 8.
(7) سورة البقرة: آية 286.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
وقد جاءت السنّة المطهرة ببيان أمور ثلاثة هامة تدل على رفع الحرج وهي:
1 - بيان يسر هذا الدين وسماحته ورفع الحرج عنه (1).
2 - في خشيته صلى الله عليه وسلم أن يكون قد شق على أمته (2).
3 - في أمر الصحابة بالتخفيف ونهيهم عن التعمق والتشديد وإنكار ذلك (3).
وهذه تدل جميعها على أن رفع الحرج أصل مقطوع به (4)، يقول الإِمام الشاطبي وهو يستدل على العموم المعنوي "وإذا فرضنا أن رفع الحرج في الدين مثلاً مفقود فيه صيغة عموم فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج، كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء والصلاة قاعدًا عند مشقة القيام والقصر والفطر في السفر والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل والتأليم، وإباحة الميتة وغيرها عند خوف التلف الذي هو أعظم المشقات، والصلاة إلى أي جهة كانت لعسر استخراج القبلة، والمسح على الجبائر والخفين لمشقة النزع ولرفع الضرر، والعفو في الصيام عما يعسر الاحتراز منه من المفطرات كغبار الطريق ونحوه إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج، فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء فكأنه عموم لفظي" (5) أي يحكم به المجتهد على كل نازلة تعن له من غير اعتبار بقياس أو غيره من دليل خاص.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق 82.
(2) المرجع السابق 89.
(3) المرجع السابق 90.
(4) المرجع السابق 107، وقد ذكر المؤلف من الأدلة الجزئية وبين معانيها ونقل ما قاله السلف من الصحابة والتابعين في ما يقارب خمسين صحيفة، وكل ذلك يؤكد هذا المعنى -وهو رفع الحرج- ويجعله أصلاً شرعياً في الاستدلال.
(5) الموافقات 3/ 189.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
الثاني: قاعدة سد الذريعة (1):
ذكر الامام ابن القيم تسعة وتسعين دليلاً على هذه القاعدة (2)، وبين الإِمام الشاطبي اتفاق الأئمة والسلف على أصل سد الذريعة (3)، وإليك بعض الأدلة على وجوب سدها نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
1 - قول النبي صلى الله عليه وسلم حين أشار إليه بعض أصحابه بقتل المنافقين الذين ظهر نفاقهم قال: "أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" فالقتل لهؤلاء مصلحة شرعية، وحصول التهمة هذه بعد قتلهم مفسدة تزيد على تلك المصلحة بكثير، فمنع من المصلحة سداً لذريعة الفساد (4).
2 - قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها "لولا قومك حديث عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم" فالمصلحة ظاهرة وهي رد البيت إلى قواعده التي أمر الله أن تبنى عليها، والمفسدة هي ارتداد الداخلين في الإِسلام الذين هم حديث عهد بكفرِ، فكانت المفسدة أعظم من المصلحة فمنعت مع أنها مشروعة في الأصل سداً لذريعة الفساد (5).
3 - قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (6)--------------------------------------------
(1) الذريعة هي الوسيلة، فالتوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة ممنوع، وكما يجب منع الذريعة يجب فتحها إذا أدت إلى مصلحة وتكره وتباح وتندب، فوسيلة الواجب واجبة، ووسيلة الحرم محرمة. انظر نظرية المصلحة 200 - 201.
(2) انظر أعلام الوقعين 3 من 177 - 205.
(3) 3/ 193، والخلاف بينهم إنما هو في تحقيق مناط هذه القاعدة في بعض الجزئيات. انظر نظرية المصلحة في الفقه الإِسلامي 266.
(4) انظر أعلام الوقعين 3/ 179 - 180، الموافقات 2/ 265.
(5) نظرية المصلحة 220.
(6) سورة الأنعام: آية 108.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
فمنع الله من هذا الفعل - مع مافيه من المصلحة - وذلك لتحقق مفسدة أكبر وهي سب المشركين لله تعالى (1).
4 - "وحرم عليه الصلاة والسلام الخلوة بالمرأة الأجنبية، وأن تسافر مع غير محرم ونهى عن بناء المساجد على القبور وعن الصلاة إليها وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" (2) وحرم نكاح ما فوق الأربع لقوله تعالى:
{ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (3)
وحرمت خطبة المعتدة تصريحاً ونكاحها، وحرم على المرأة في عدة الوفاة الطيب والزينة وسائر دواعي النكاح وكذلك الطيب وعقد النكاح للمحرم ونهى عن البيع والسلف، وعن هدية المديان وعن ميراث القاتل … " (4) .. وكل ذلك سداً لذريعة الفساد، وهناك جزئيات كثيرة جداً كلها اجتمعت على إفادة معنى السد، فكان منها العموم المعنوي.
وقد استدل السلف بهذا الأصل على أمور أخرى مثل تركهم الأضحية مع القدرة عليها مخافة أن يظن الناس أنها واجبة - وقد سبق - (5) وإتمام عثمان الصلاة بالناس في الحج - مع أن القصر سنة - مخافة أن يظن الأعراب أن صلاة الظهر والعصر ركعتان، وسلم له الصحابة فِى عذره، وفي هذا دليل على أن معنى السد أصل شرعي عما به الصحابة في وقائع لم يكن لها حكم خاص، بل إنما حكموا به عن طريق العموم المعنوي (6)، وبهذه الأمثلة التطبيقية يتبين لنا أن المجتهد يحكم بالعموم اللفظي على ما يشمله من الأفراد، ويحكم بمجموع--------------------------------------------
(1) الموافقات 2/ 265.
(2) أعلام الموقعين 3/ 182.
(3) سورة النساء: آية 3.
(4) الموافقات 2/ 267.
(5) انظر ما سبق ص 122.
(6) الموافقات 3/ 189 - 190.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
الجزئيات - التي تُنْتِجُ معنى عاماً في الشريعة - وهو العموم المعنوي على كل مسألة تعن يمكن أن تدخل تحت ذلك العموم، ولا يحتاج إلى نص خاص أو قياس، وهذان العمومان - كما سبق - من القوة والحجية بمكان بحيث يسندان خصائص الإِعجاز التشريعي التي سبق ذكرها وهي الكمال والشمول والثبات، ويتصل بهذا الموضع الذي نحن فيه مسألة أصولية تتعلق بالعمومات وهي العمل بها قبل العلم بالمخصص وقد ذكر الدكتور الحكمي هذه المسألة في رسالته "تخصيص العام" وتوصل إلى نتيجة -مرضية- بعد أن ذكر مذهبين للأصوليين الأول يوجب البحث عن المخصص، والثاني يوجب العمل بالعام إلى أن يظهر المخصص ثم قال: "ويظهر لي أيضاً أنه بالرغم من اشتهار الخلاف في هذه المسألة وتدوينها في كتب الأصول إلا أن وجوب التروي في الحكم والفتيا والبحث عن الأدلة المُحْتَملْ وجودها والنظر فيها .. والموازنة بينها قبل العمل أوإصدار الحكم والفتيا قدر متفق عليه بين الجميع" (1) بقي أن ننتقل إلى الخطوة الثانية وهي إلى متى يبحث عن المخصص وما هو القدر الواجب للتروي، والجواب يعرف بما ورد من المذاهب في هذه المسألة وهي في جملتها تدل على أن هذا الوقت قدره يسير لا يعدوا قدر الوقت الذي يبحث فيه الرجل عن متاع بيته بين أمتعة كثيرة وهذا مذهب الجمهور (2)، والمذهب الثاني: أن يطلع على أقوال من سبقه إذا كانت المسألة اجتهادية فالعادة أن يظهر له المخصص إن كان فيها مخصص فإن لم يظهر علم بعد ذلك أنه لا وجود له، إذ لو كان موجوداً لظهر ولم يخف على المتنازعين في تلك المسألة (3) وقد رجح الغزالي الأول وذكره الدكتور الحكمي وهذان القولان قريبان (4) من بعضهما وأضيف مذهب الشاطبي--------------------------------------------
(1) 83 وانظر عرض المذهبين وأدلتهما من 77 إلى 83.
(2) المرجع السابق 84.
(3) المرجع السابق 84.
(4) باعتبار أن الطريقة التي اتبعها أصحاب المذهب الثاني ومنهم القاضي الباقلاني ممكنة ولا يترتب عليها ضرر، لأن الوقت المتعين حينئذ هو جمع أطراف النزاع وأدلة المسألة وهذا قدر ضروري لا بد منه حتى ينظر المجتهد في المسألة وأدلتها وأقوال السلف فيها، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
وهو يرتبط بالعموم المعنوي وقد سبق قريباً - قال: "العمومات إذا اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال - وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل - والدليل على ذلك الاستقراء فإن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في مواضع كثيرة ولم تستثن منه موضعاً ولا حالاً فعده علماء الملة أصلاً مطرداً وعموماً مرجوعاً إليه من غير استثناء ولا طلب مخصص ولا احتشام من إلزام الحكم به ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام" (1). "وعلى الجملة فكل أصل تكرر تقريره وتأكد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه … فأما إن لم يكن العموم مكرراً ولا مؤكداً ولا منتشراً في أبواب الفقه فالتمسك بمجرده فيه نظر فلابد من البحث عما يعارضه أو يخصصه" (2).
فهما إذاً صنفان عند الإِمام الشاطبي وليس صنفاً واحداً كما هو عند الأصوليين:
الأول: العمومات التي تكررت وتأكدت وانتشرت، فهذه يعمل بها لأنا تبينا أنها على عمومها.
الثاني: العمومات التي ليست على تلك الحالة، وهذه لا بد من النظر في بيانها، فإن وجد وإلاحملناها على عمومها (3)، ولعل مدة البحث - عنده وإن لم ينص على ذلك - لا تخرج عما ذكرته من أقوال الأصوليين.
وبهذا نعلم أن هذه العمومات اللفظية والمعنوية هي عمدة الشريعة، وأن--------------------------------------------
= بقي قوله إن المجتهد بعد ذلك يقطع بعدم وجود المخصص إن لى يظهر له وهذه التي خالفه فيها الغزالي وتبعه الحكمي 85 - 86 والمهم هنا أن القولين متقاربان من حيث مدة البحث والله أعلم.
(1) الموافقات 3/ 193 - 194.
(2) المصدر نفسه 3/ 194.
(3) وهو مذهب ابن تيمية - مجموع الفتاوى الكبرى 29/ 166.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
موقف السلف الصالح منها هو القطع بعموماتها تحقيقاً حسب مافهموه من مقصد الشارع ومقصد العرب من كلامها وأن بيان هذه العمومات -عندهم- يصح، بكل ما ثبت عن الشارع، وأن ما بينه الإِمام الشاطبي والإِمام ابن تيمية هوالحق الذي ينبغي المصير إليه، ونسلم حينئذ من جميع الشناعات والآراء الضعيِفة ويتأكد لنا الثبات والشمول، ونلمس آثار الإِعجاز التشريعي ويتيسر لنا فهمه بعيداً عن الإِغراق في التجريد العقلي وما يترتب عليه، ومن المفيد هنا أن نقول أن تقوية العمومات - وإبعادها عن التضعيف وعن القول بالمجاز ونفي الحجة - وكذلك الاستفادة من أخبار الآحاد لبيان هذه العمومات، كل ذلك يقوي الثبات والشمول ويوضحهما ويجعلهما متوازيين متناسقين وذلك إنما هو سبب اتباع الأمر الأول الذي كان عليه سلف الأمة في القرون المفضلة والبعد عن آثار علم الكلام وكلما رجعنا إلى الأصول الأولى واتبعنا الإِسناد العالي كلما اتضح لنا أمر هذا الدين عقيدة وشريعة .. وبالله التوفيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
الفصل الثالث
القياس وقضية الثبات والشمول
توطئة:
المقصود من هذا الفصل بيان أثر العمل بالقياس (1) على إدراك ثبات الثريعة وشمولها، وقد علمنا فيما سبق أن المجتهد إما أن يدرك العموم اللفظي فيستفيد منه قوة في الدلالة على شموله لأفراد لايمكن أن تحصر، أو يدرك العموم المعنوي فيستفيد منه الحكم على جزئيات غير متناهية بقدر ما يعمل هذه العمومات ويرجع إليها دائماً.--------------------------------------------
(1) تعريفه لغة: القياس تقدير شيء على مثال شيء آخر وتسويته به، تقول: قست الثوب بالذراع إذا قدرته به، ويقال فلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه، إرشاد الفحول 198. تعريفه اصطلاحاً: للقياس تعريفات كثيرة منها: أنه "مساواة فرع لأصل لاشتراكهما في علة حكم شرعي لا تدرك بمجرد اللغة" تيسير التحرير 3/ 264. مثال ذلك: أن الشرع حرم الخمر لأنها مسكرة، فالخمر هي الأصل وحرمتها هي حكم الأصل، وعلة التحريم هي الإسكار.
فإذا نظر المجتهد فيما يشاكلها في علة الحرمة كالنبيذ مثلاً أو أي سائل فوجد أن علة التحريم وهو الإسكار موجودة فيه، فإنه يعتبر النبيذ فرعاً للخمر الذي هو الأصل ثم ينقل له حكم الأصل الذي هو الحرمة فيكون بذلك أعطى واقعة لا نص فيها - وهي شرب النبيذ - حكم واقعة منصوص على حكمها - وهي الخمر - لأنه استبان له اشتراكهما في العلة التي من أجلها حرمت الخمر ألا وهي الإِسكار فهذا هو القياس الشرعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
وهنا نتحدث عن دلالة العمل "بالقياس" وهي تسير بنا - كما سنرى - في الطريق نفسه والحمد لله مؤكدة له ومقوية لأساسه.
ولأن القياس - مختلف في العمل به بين فقهاء الأمة فهم ما بين معتدل في العمل به، أو صاحب إفراط أو تفريط فيه.
ولكي ندرك كيفية دلالته على الثبات والشمول لا بد من أن نبين حجيته، ونساعد من جهة أخرى في تجلية بعض الشبه الواردة عليه، ولذلك سنحاول أن نجدد في طريقة إثبات القياس على منكريه، ونختار لهذا السبيل دراسة طريقة ابن القيم والشاطبي، وفيها من سهولة الأسلوب وقوة الحجة والاعتدال بين المتوسعين في القياس والصادين عنه ما يجعلها جديرة بهذا الموضع دون غيرها من الطرق التي سلكها القياسيون، إضافة إلى أن هذه الأخيرة مُسْتَوْعبة في كتب الباحثين.
ومن تمام البحث في هذا الموضع أن نقارن بين طريقة ابن القيم والشاطبي ونتعرف على وجه ارتباطها بمذهب الصحابة - رضوان الله عليهم -، وكل ذلك بما يناسب موضوع الثبات والشمول .. وبالله التوفيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
المبحث الأول
طريقة الإِمام ابن القيم (1)
شرح الإِمام ابن القيم كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي أرسله إلى أبي موسى الأشعري في كتابه أعلام الموقعين:
ومما ورد فيه قوله رضي الله عنه: "ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق … " (2).
وأوضح ابن القيم أن هذا الكتاب مما اعتمد عليه القائلون بالقياس، وقالوا أنه لم ينكره أحد من الصحابة بل كانوا متفقين عليه، والقياس أحد أصول الشريعة ولا يستغني عنه فقيه (3).
وقد ابتدأ ابن القيم قبل ذلك في بيان الفرق بين الرأي المحمود والرأي المذموم، ثم قسم القياس إلى صحيح - وهو العدل والميزان (4) - وإلى فاسد،--------------------------------------------
(1) سيأتي زيادة بيان للأسباب التي اخترت من أجلها عرض طريقة ابن القيم والشاطبي مع ملاحظة أن الترتيب في العرض حسب الوفاة.
(2) قال ابن القيم: "وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه" المصدر السابق 1/ 86.
(3) المصدر السابق 1/ 30.
(4) يرى ابن القيم أن تسمية القياس بالميزان أولى، مع موافقته على أنه قد ورد به الكتاب والسنة وعليه إجماع الصحابة 1/ 86 أعلام الموقعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)