وهؤلاء الذين لا يعلمون لا نعجب أن يُخيّل إليهم أن هذه الشريعة لا يمكن تحديدها، بل يمكن أن يدخل فيها كل شيء، ولو علم هؤلاء طبيعة البشرية وأدركوا تلك الأحوال التي ذكرتها لما تخيلوا ما تخيلوه.
إن تخيّل المصالح وبدون ضابط من الشريعة يمنع تحقق العبودية ويوقع في الشبهات، إن العبرة ليست بتحقق جزء من الخير في جانب ما - ردة فعل لجانب آخر - في نظام من الأنظمة كلا، وإنما العبرة في تحقيق ذلك النظام لمهمة الخلافة في الأرض وسلامته من الفساد كله، وأبرز معالم الخلافة في الأرض التي أمر الله بها هي:
1 - تحقيق العبادة لله وحده بلا شريك.
2 - تحقيق وحدة الجنس البشري بإقامة الأمة الواحدة.
3 - تعمير الأرض وإقامة العدل الرباني فيها.
فهل يمكن أن يحقق هذا غير الشريعة الإِسلامية، كلا، إن البشرية حينئذ ستدرك وتعيش في الوقت نفسه وحدة المنشأ والمنهج والمصير، وستسقط تلك الأنظمة التي تتراءى فيها بعض المصالح، وسيعلم المنحرفون عن الشريعة الإِسلامية أن العقل لا يستقل بإدراك المصالح، ولو أمكنه لأخرج الوثنيين عن وثنيتهم، والشيوعيين عن إفكهم وظلمهم وإلحادهم، والرأسماليين عن إعراضهم عن العدل الرباني في الأرض، وعن صدهم عن سبيل كثيراً، ولأخرج اليهود من قوميتهم وحقدهم وكفرهم، ولأخرج الفرق الضالة قديماً وحديثًا عن تناقضها واختلافها ولحقق في النهاية إقامة الأمة الواحدة والعدل الرباني في الأرض، وهؤلاء وأولئك عقلاء بل وفيهم حكماء، فأين عقولهم من تحديد المصالح ودفع المفاسد.
إن هذه الشريعة جاءت لتحكم "العقل" البشري وتحقق للناس كافة جميع مصالحهم وتحول بينهم وبين أهواء عقولهم، فكيف ينقلب الأمر ليتحكم العقل المحدود بالزمان والمكان، المتصف بالبشرية والضعف وقصور العلم في هذه الشريعة التي لا يحدها زمان ولا مكان، وهي التي لم يسطّر فيها الأولون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
ولا الآخرون سطرًا واحداً بل هي وحي يوحى تنزيل من حكيم حميد، ولذلك فهي ليست إقليمية ولا محلية ولا زمانية كلا، بل أنزلها الله لتكون حجته على عقول عباده من الأولين والآخرين والعرب والعجم .. ومن ثم كانت حاكمة على كل شيء، تفرق بين المصالح الموهومة المتخيلة، والمصالح الحقيقية الشرعية، فما حكمت بأنه مصلحة فهو كذلك علمه من علمه وجهله من جهله، وما حكمت بأنه مفسدة فهو كذلك علمه من علمه وجهله من جهله، وبهذا الإدراك لطبيعة هذه الشريعة - ومن قبل ذلك - لحقيقة الإِيمان تجعل المؤمن وغير المؤمن يشعر بتلك السعة، حتى ليخيل لغير المؤمن أنها يمكن أن يدخل فيها كل شيء فلا يمكن تحديدها، ويضل الله من يشاء ويهدي من يشاء، يضل بذلك الذين لا يعلمون، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا ..
وبعد أن علمنا بتوفيق من الله سبحانه حقيقة الثبات والشمول، وكيف اتسعا ليحققا لنا في النهاية - بفضل من الله - حسن العبودية له وتعمير الأرض بمنهج الله الذي لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلّا شملها بحكمه في جمال وكمال واستقامة وطهر، ننتقل بعد ذلك لمعالجة فكرة خرجت عن هذه القاعدة وخَيّل لأصحابها مفهوم الشمول بما فيه من سعة أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، وإنما عند هؤلاء مفهوم الثبات واختلت ضوابطه، وحسّنوا الظن بالعقل البشري في مجال إدراك المصالح، وقذموا حكمه على حكم الشرع، إما بإخراج بعض أفراد النص وإما بإيقافه مطلقاً، وقد استندوا إلى شبه كثيرة، وسأعرض أفهامهم وأناقش أعظم شبههم مؤكدًا في الوقت نفسه على تعميق مفهوم الثبات والشمول .. والله الموفق والمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
المبحث الخامس
القول بتغير (1) بعضر الأحكام بتغير الزمان عرض ونقد - مع دراسة تطبيقية
توطئة:
يكثر الكلام عند بعض الباحثين على أن هناك قاعدة شرعية إسمها "تغير الأحكام بتغير الزمان" ويقصدون بعض (2) الأحكام المتصلة بالمعاملات دون العبادات، والتغير أوجبه عندهم تغير المصالح والأعراف والعادات.
فالأحكام الشرعية المتصلة بمعاملات الناس وعاداتهم وأعرافهم جاءت لتحقق مصالح معينة، وهذه المصالح تتغير في كثير من الأحيان بسبب تغير الزمان، وحينئذ ينبغي -كما يرى أصحاب هذا الرأي- أن تتغير تلك الأحكام ما دام قد تغيرت مصالحها، ومن هنا وضعوا تلك المقالة وسموها قاعدة.
وفي هذا الفصل نحدد موضع النزاع بيننا وبينهم ونحرره وخاصة أنه شديد الالتباس، واهتم بعد ذلك بتصوير رأي المخالفين وذكر مستندهم ومناقشتهم مع تتبع كثير من التطبيقات التي هي موضع النزاع وبيان وجه الصواب في تفسيرها، وبذلك أصل إلى تحديد حجم هذه المقالة وما فيها من--------------------------------------------
(1) "تغيّر الشيء عن حاله تحوّل وغيّره حوّله وبدّله كأنه جعله غير ما كان" اللسان - مادة "غير" 5/ 40.
(2) انظر تقييد ما ورد من الإِطلاق في هذه المقالة، وقد حرر ذلك الأستاذ: علي أحمد غلام الندوي في رسالته للماجستير "القواعد الفقهية وأثرها في الفقه الإِسلامي" مخطوط جامعة أم القرى ص 55. وقد تبين أن هذا الإِطلاق غير صحيح ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
حق أو باطل، وسأحاول الوصول إلى المقصود دون إغراق البحث بالتفصيلات التي لا حاجة لنا بها.
المطلب الأول
تحرير موضع النزاع
المقصود "بالتغير" في الحكم الشرعي هو انتقاله من حالة كونه مشروعاً فيصبع ممنوعًا، أو ممنوعاً فيصبح مشروعاً باختلاف درجات المشروعية والمنع.
فهذه حادثة حكمها الشرعي المنصوص عليه أو المستنبط كذا، ثم تصبح في زمن آخر تحت حكم مخالف للحكم الأول، هذا هو جملة ما يصوره البحث عند المطلقين لتلك القاعدة أو المقيدين لها (1).
وإلى هنا يبقى كثير من اللبس في تحرير موضع النزاع، أكشف عنه بإضافة أمر مهم جداً ألا وهو النظر في تلك الحادثة التي تغير حكمها هل هي في الحالين سواء؛ هل الحادثة التي أخذت الحكم الأول ثم أخذت الحكم الثاني هي هي بالخصائص نفسها وبجميع الملامح والاعتبارات والحيثيات أم أنها تختلف في خصائصها .. من حالة إلى حالة؟.
وبالجواب عن هذا السؤال ينكشف لنا اللبس الذي أحاط بهذه القضية حتى كثر فيها القول وتشعب ..
إن تلك الحادثة التي تغيّر حكمها إما أن تكون هي هي عند تغيّر الحكم بجميع خصائصها والحيثيات التي تكتنفها، وإما أن تختلف في بعض خصائصها وحيثياتها.
فإن كانت الأولى فنحن ننازع أشد المنازعة في تغيّر حكمها لأن ذلك--------------------------------------------
(1) انظر محاولة لتحديد معنى "التغيّر" لغة وشرعًا والفرق بينه وبين النسخ في رسالة الماجستير "الفقه والقضاء وأولوا الأمر ودورهم التطبيقي لقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان" إعداد محمد راشد علي - كلية الشريعة والقانون - بالقاهرة ص 8 - 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
هو النسخ والتبديل المنهي عنهما كما سيأتي بيانه، وإن كانت الثانية فليست في موضع النزاع، لأنها حينئذ حادثتان متميزتان من حيث خصائصهما والاعتبارات التي تحفهما وحادثتان لهما حكمان ليس غريباً ولا عجيباً، ولا يقال له تغيّر ولا تبدل.
فإذا خرجت الثانية عن موضع البحث رجعنا لدراسة الأولى، وهي أساس القول ومحل النزاع والدعوى التي عنون لها أصحابها بقولهم: "تغيّر بعض الأحكام بتغير الزمان" ومقصدهم حادثة وواقعة لها حكم منصوص عليه أو مستنبط تغير حكمها في وقت آخر والحادثة هي الحادثة بجميع خصائصها واعتباراتها ..
فإن قيل كلا لا يتغير حكمها إن لم تتغير خصائصها واعتباراتها، قلت: فإذا تغيرت خصائصها واعتباراتها أصبحت حادثتين لا حادثة واحدة وهذه لا ينازع في اختلاف حكمهما أحد البتة.
ونرجع مرة أخرى لمحل النزاع وننظر في أدلة القائلين بالتغير بعد تصوير مذهبهم ..
وإنما قدمت بهذه المقدمة رجاء أن تُحدد نقطة البحث ويمسك القارئ القضية من أول خيط فيها، ونضرب مثالًا يوضح المقصود، فأقول: قتل زيد خالداً عمداً عدواناً فحكم هذه الحادثة أن زيداً عليه القصاص إن لم يعفوا أولياء الدم، تكررت هذه الحادثة بين رجلين آخرين بالصورة نفسها في أي عصر من العصور، يكون حينئذ الحكم هو القصاص إن لم يعفوا أولياء الدم.
فها هنا حادثتان بخصائص واحدة تحفهما اعتبارات واحدة أخذت حكماً واحداً، ولا سبيل لتغييره أبداً.
خذ الحادثة بطرفيها القاتل والمقتول وافرض وقوعها مرة أخرى لكن بدون عمد ولا عدوان، بل خطأ، يختلف الحكم حينئذ فلا قصاص بل دية مسلمة، ولكن الحادثتين ها هنا مختلفتان فاختلف حكمهما، في الأولى قصاص إن لم يعفوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)
أولياء الدم، وفي الثانية لا قصاص بل دية مسلمة إلى أولياء الدم إلّا أن يصدقوا. فلا عجب إذن أن يكون لحادثتين تختلف خصائصهما حكمان مختلفان، وإن كانت الصورة بادئ ذي بدء تبدوا واحدة (1).
وهذه ليست في محل النزاع قطعاً، لأنه لا ينازع أحد فيها على الإطلاق، فحادثتان - وإن كانتا في الصورة واحدة - لكنهما في الجوهر مختلفتان - طبيعي أن يختلف حكمهما.
ونعود مرة أخرى لتحديد موضع النزاع فأقول: إن تغير حكم الحادثة إذا تغير جوهرها وأصبح لها خصائص مغايرة لطبيعتها الأولى أمر طبيعي لا ينبغي أن ينازع فيه أحد.
ويبقى النزاع في تغير حكم الحادثة التي لم يتغير جوهرها ولا شيء من خصائصها وحيثياتها.
نقول هذا ونؤكد عليه لأن هناك خلطًا بين هاتين القضيتين لا يمكن أن نَخْلص من آثاره السلبية إلّا أن ندخل في دراستنا لهذه المسألة من هذا المدخل وحينئذ نستطيع أن نفرّق بين حكم الحادثة الواحدة ذات الخصائص والحيثيات الواحدة، وإن مرت عليها عصور متتابعة - ونجزم بأن حكمها الأول في العصر الأول ينبغي أن يكون هو حكمها نفسه في العصور الأخرى، لأن شيئاً من خصائصها وحيثياتها لم يتغير، وإذا أردنا أن نغيّر حكمها من المشروعية إلى المنع علمنا أنه لا بد لنا من القول بالنسخ، والنسخ ليس لأحد من البشر، وإنما الذي ينسخ الأحكام هو الشارع، وقد انقطع بعد انقطاع الوحي، وبهذا نستطيع أن نفرق بين هذه الصورة - وبين الصورة الأخرى وهي انتقال الحادثة في الزمن--------------------------------------------
(1) اخترت هذا المثال لوضوحه وأدائه المقصود وستأتي أمثلة كثيرة متصلة بأبواب كثيرة في الفقه الإِسلامي، عند مناقشة أدلة القائلين بالتغيير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)
الأول - لتصبح ذات خصائص أخرى تختلف عن خصائصها الأولى وهذه يختلف حكمها ويتغير لأن الأولى تعتبر حادثة مستقلة لها حكم خاص وذلك مثل حكم المؤلفة قلوبهم، وهم نفر من الناس لم يستقر الإِيمان في قلوبهم، جعلت الشريعة لهم حق في مال الصدقة، يتألفهم الإِمام به، ليثبتوا على الإِسلام فَيُسْلِمْ من ورائهم ويسْلَمْ المسلمون من فتنتهم وشرهم، وهذا المعنى لا يخاف منه إلّا عند ضعف الإِسلام وحاجته لنصرتهم ومؤالفتهم، فالنص يوجب إذاً إعطاء هؤلاء المؤلفة لهذا المعنى، فيأتي الإِمام ليطبق هذا المعنى فيجد أمامه حالتين:
الأولى: حالة ضعف الإِسلام، وقوم يحتاجون لهذا التأليف.
الثانية: حالة قوة الإِسلام، وقوم يزعمون أنهم من المؤلفة قلوبهم.
فيطلق حكم الله على الحالة الأولى فيعطيهم سهمهم، ويطبق حكم الله على الحالة الثانية فلا يعطيهم لأنهم ليسوا ممن أمر الله بإعطائهم، وهذا ما يسميه العلماء تحقيق المناط (1).
فهما إذاً حادثتان لكل حادثة حالة خاصة تحتاج إلى حكم خاص ثابت لها لا يتغير، وحادثتان لها حكمان كما قلنا ليس غريباً ولا عجيباً، وكلا الحكمين من الشرع.
ومن خلال هذا التحليل ينكشف لنا خطأ من أراد أن يفرق بين التغيير والنسخ (2)، حيث جعل النسخ حق الشارع، وقد انقطع بانقطاع الوحي، وعلل ذلك بأنه قد يكون النسخ إلى غير بدل، وأما التغيير فيكون إلى بدل، وفرق آخر وهو أن النسخ يمكن أن يكون في جوانب متعددة في الشريعة، وأما التغيير فمحصور في بعض الجوانب كالمعاملات ونحوها، وذلك لأن التغيير هنا--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 232.
(2) رسالة "تغير الأحكام بتغير الزمان" 18 - 24 - 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)
يكون سببه تغيّر المصالح والأعراف والعادات، فإذا انقطع النسخ لا ينقطع التغيير.
وبمراجعة ما تقدم ذكره يتبين أن هذا التفريق لا ينبني عليه فقه ولا يحمل شيئاً من الصحة.
وندلل على ذلك بما يلي إضافة لما ذكرته آنفاً:
1 - أن التغير عند المؤلف هو التبديل والتحويل (1)، والنسخ هو التبديل، أي تبديل الحكم الأول بحكم آخر، فالمشروع يُجعل ممنوعاً والممنوع مشروعاً، أو نسخه مطلقاً إلى غير بدل، وهذا تغيير لصفته الشرعية، فبعد أن كان شرعاً صار غير ذلك، فمن جهة المعنى الأصلي لهما لا تجد كبير فرق بينهما.
وقد جعل المؤلف التغيير مضمونه "عبارة عن ترك الحكم الأول إلى الحكم الثاني" (2).
2 - ما سبق وقد ذكرته من أن تغير خصائص الحادثة لتغير الأزمنة إنما هو عبارة عن تجدد حادثة أخرى غير الحادثة السابقة، وحادثتان لهما حكمان ليس غريباً ولا عجيباً كما أسلفت ولا يسمى ذلك نسخاً ولا تغييراً.
أما أنه لا يسمى نسخاً فظاهر ذلك أن النسخ هو رفع حكم الحادثة نفسها أما إلى بدل - والحادثة هي الحادثة - وأما إلى غير بدل.
وأما أنه لا يسمى تغييراً في الحكم فظاهر أيضاً لأن حكم تلك الحادثة نفسها لم يتغيّر كما قلنا في مشروعية إعطاء المؤلفة قلوبهم، وإنما الذي تغيّر هو طبيعة الحادثة، لتصبح حادثة جديدة لها حكم جديد، ولا يقال هنا تغيّر في--------------------------------------------
(1) تغير الأحكام بتغير الزمان 10.
(2) تغيّر الأحكام بتغيّر الزمان 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)
الحكم، وإنما يقال تغيّر في طبيعة الحادثة، لتصبح حادثة جديدة، فالمجموع حادثتان مختلفتان فيكون لهما حكمان مختلفان.
ولم يبق سوى هاتين الصورتين:
• إما أن تكون الحادثة هي هي مع اختلاف الأزمان فلا يمكن تغيّر حكمها إلّا بالقول بالنسخ ولا سبيل إلى ذلك.
• وإما أن تكون الحادثة في الزمن الجديد غير الحادثة في الزمن القديم واختلاف حكمهما حينئذ لايقال له نسخ ولا تغيير، وهنا يتضح ما قلته أن مقابلة النسخ بالتغيير لا ينبني عليه فقه، والقول بأن النسخ قد انقطع والتغيير لم ينقطع لأن هناك فروقًا بينهما ليس صحيحاً.
ومن هنا يتبين موضع النزاع وهو الصورة الأولى والتغيير فيها هو النسخ والتبديل المنهي عنهما.
وأما الصورة الثانية فليست في موضع النزاع ولا ينبغي أن تقترب منه.
وبهذا يتضح لنا السبيل ونحن ندرس هذه المسألة الخطيرة في الدين .. ونستطيع أن نعلم السبب في عدم التفات فقهاء السلف إلى أمثال هذه المقالة، التي أسماها بعض الباحثين "قاعدة"، ذلك أنهم من الفقه والبصيرة، بحيث لا يلتفتون إلى القول بالتغيير، لأنه لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يكون نسخاً وتبديلًا وهذا ليس لأحد من البشر، وإما أن لا يكون تغيراً ولا نسخاً ولا تبديلًا، وإنما هو اختلاف وقائع وتحقيق مناط، ومن هنا نبدأ مناقشة هذه المقالة، لنتعرف على صحة القول بتغيّر الأحكام بتغيّر الزمان، وننظر هل هو قاعدة شرعية، وما هو موقف فقهاء الصحابة وفقهاء السلف منها ونقدم لذلك بذكر أسباب التغيير عند هؤلاء الباحثين، ثم بعد ذلك نفصّل القول في تصوير حقيقة هذه المقالة، ونعتمد في ذلك على أهم الكتب التي انتصرت لها، ثم نناقش ذلك ونتبعه بمناقشة بعض الباحثين فيما نسبوه إلى الإِمامين الجليلين ابن القيم والشاطبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)
المطلب الثاني
أسباب التغير وتصوير مذهب المخالفين
التغيير عندهم سببه تغيّر المصالح والأعراف (1) والعوائد (2)
وقبل أن أتحدث عن صلاحية هذه الأسباب لتغيّر الأحكام يحسن بي أن أصور مذهب المخالفين ..--------------------------------------------
(1) جاء في اللسان: " .. العرف والعارفة والمعروف واحد ضد النكر، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير. (اللسان مادة "عرف" 9/ 239).
وكل ذلك يوحي بأن معنى العرف هو كل ما تعرفه النفوس من الخير وتتابع عليه ومنه قوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ .. }.
وقريب من المعنى اللغوي ما قصده الفقهاء - في الجملة - حيث تدور تعريفاتهم لمعنى "العرف" حول ما اطمانت إليه النفوس وألفته عن طريق الاستعمال الشائع المتكرر قولًا أو فعلاً. ومن أمثلة ذلك: اشتراط المسلمين بعض الشروط في البيع، واستصناعهم الثياب - وتعاملهم بذلك، ووقف بعض المنقولات وقبض بعضهم نصف الصداق قبل العقد، واعتياد بعضهم كشف رؤوسهم كأهل المغرب، ونحو ذلك. انظر في ذلك العرف والعادة في رأي الفقهاء، عرض نظرية في التشريع الإِسلامي بقلم أستاذي في قسم الدراسات الشرعية أحمد فهمي أبو سنة - مخطوط بدار الكتب المصرية، 2864/ 1949.
(2) والعادة: الديدن، فكل ما استمر عليه الإنسان ودأب يسمى عادة، وجمعها عادات وعوائد. اللسان مادة "عود" 3/ 316 - 317. والعادة في عرف الفقهاء يشترط فيها التكرار في الحدوث، قولًا أو فعلًا، صدر من الفرد أو الجماعة سببه مكتسب أو غير مكتسب، مثل حرارة الإقليم وبرودته، فإن لهما أثراً في العادة على إسراع البلوغ وإبطاؤه، وطبيعة الأرض فإنه يترتب عليها عادة اشتغال الناس بالتجارة بنوع من الأموال، وقد ذكر د. أحمد فهمي تعاريف كثيرة اختار منها أشملها لمقصود الفقهاء فإن الفقهاء قصدوا من بحث العرف والعادة جعلهما قاعدة تُبنى عليها الأحكام العملية. انظر 10 - 11 - 12. ولذلك اشترط في تعريفها حدوث التكرار في القول أو الفعل من الفرد أو الجماعة بسبب مُكتَسب أو غير مُكتَسب وقد يسمى غير ذلك عادة أو عرفاً والمقصود هنا النظر فيما يكون قاعدة للحكم الفقهي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)
تصوير مذهب المخالفين:
يرى بعض الباحثين المحدثين أن الصحابة عللوا الأحكام سواء بالعلل المستنبطة أو المنصوص عليها، وعملوا بالمصلحة والحكمة - وهي ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر، ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة وكان من نتيجة تعليلهم هذا أن غيّروا بعض الأحكام تبعاً لتغيّر المعنى الذي لأجله شُرع الحكم وفي هذا رد على من منع تبدل الأحكام بتبدل المصالح، ووقف عند المنصوص، وإن أصبح لا يحصل المقصود منه أو لحق الناس من أجله الحرج والمشقة.
والسر في ذلك - والله أعلم - أن أصحاب رسول الله نظروا إلى الشريعة في مجموعها، ملاحظين مبادئها العامة، وقواعدها الشاملة كلها في آن واحد، فلم يجمدوا، وأما هؤلاء المانعون (1) فنظروا إلى النصوص الجزئية مفككة كأن كل واحد منها جاء بشرع أبدي لا يتغير، ولكن الأمر الذي لا يغفل عنه هنا، هو أن المتتبع لمسالكهم في هذا التغير يجدهم لم يندفعوا فيه بمجرد ما يلوح أنه مصلحة، بل كانوا يجعلون الأصل هو مادل عليه النص، وأنه الذي يجب التمسك به، كما يؤخذ ذلك من عباراتهم: "كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله"، أو "كيف نفعل ذلك مع أن النص يفيد كذا" الخ .. ولا يعدلون عن هذا الأصل إلّا إذا دعت حاجة ملحة، ولا يسلمون التغير إلّا بعد تقليب الأمر على وجوهه، والموازنة بين مصالحه ومفاسده حتى إذا ما بان لهم الراجح عملوا به والله أعلم" (2).
والأحكام - فيما سوى العبادات - تتغير بتغير المصالح والأزمان (3)، ويقول في موضع آخر: "وشيء جديد لم يظهر في تعليل القرآن وهو أن من--------------------------------------------
(1) يقصد والله أعلم من يخالفه فيما قرره سواء نفاة التعليل أو القائلين به الذين يشترطون شروطاً معينة للعمل بالمصلحة فإن كان هذا مراده، فإن كلامه هذا لا يستقيم إذ أن الذين يعملون بالمصلحة ويلتزمون بضوابطها الشرعية لا ينظرون إلى النصوص مفككة، بل ينظرون لها جملة ويتعرفون على عللها ومقاصدها.
(2) تعليل الأحكام 71.
(3) المرجع نفسه 56 - 64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)
الأحكام ما يدور مع المصلحة ويتبدل بتبدلها، والسبب في ذلك - على ما يظهرِ والله أعلم - أن هذا النوع من الأحكام مفوض لرأي الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره إماماً للمسلمين … " (1).
ثم يتحدث عن هذا التبدّل فيقول أنه تبدل في التطبيق فقط، فالرسول صلى الله عليه وسلم فُوض إليه الحكم في كثير من الأشياء "وخاصة ما يتعلق بالهيئة الاجتماعية كالمعاملات والعادات وما شابههما حسبما يراه ملائماً للمصلحة، وهو مع ذلك لم يخرج عن كونه شرعاً أصله محكم لا يتبدّل، والذي يتبدل فيه إنما
هو التطبيق فقط … " (2).
وقال في موضع آخر تحت عنوان تبذل الأحكام بتبدل المصالح: نتيجة البحث: "عُلم مما سبق موقف المصلحة من النص، وأنها إذا تعارضت معه في أبواب المعاملات والعادات التي تتغير مصالحها أُخذ بها، وليس هذا إهداراً للنص بمجرد الرأي بل هو عمل بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبارها، وأما إذا كانت المصلحة المستفادة من النص لا تتغير فلا يترك النص أصلاً، وأنه لا يتصور تعارض بينهما فضلًا عن أن يترك النص بها … " (3).
ثم استدل على إثبات مراده هنا بأن هذا هو مذهب الصحابة وذكر لذلك تطبيقات من فروعهم أراد بها إثبات هذه النسبة، واستدل بوقائع كثيرة وقرر مستنبطاً منها ما يلي:
1 - "ولقد وجدنا أصحاب رسول الله يعارضون أمره بما يترتب عليه من ضرر يلحق المسلمين بسببه فيقرهم على ذلك صلى الله عليه وسلم" (4).
2 - "أن من الأحكام ما يدور مع المصالح ويتبدل بتبدلها، ومن أنكر--------------------------------------------
(1) المرجع نفسه 34.
(2) المرجع نفسه 34.
(3) المرجع نفسه 322.
(4) المرجع السابق 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)
ذلك فقد خالف إجماع الصحابة" ويقصد إجماعهم على تغير الأحكام تبعاً لتغير المصالح (1).
3 - قال عن عمر رضي الله عنه: "فقد منعهم -أي أهل الذمة من العمل -أي في الذبح للمسلمين - مع نص الكتاب على حل ذبائحهم" (2). ويقصد أن عمراً أوقف العمل بنص الآية.
ومع أنه يصف الصحابة بمعارضة الرسول صلى الله عليه وسلم … إلّا أنه يفسر مقصوده فيقول: "والذي نقصده هو إثبات أنهم -أي الصحابة- فعلوا شيئاً لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعاً لاقتضاء المصلحة، ولا يليق بهم أن يخالفوا فعل رسول الله إلّا إذا علموا أن هذا مقصد الشريعة، ففعلهم هذا عين الموافقة، ولكنا سميناه مخالفة في موطن محاجة الخصم الذي لو سلّم معنا هذا المبدأ "مبدأ التعليل وإن بعض الأحكام يتبع المصلحة لما أطلقنا لفظ المخالفة على شيء من فعلهم" (3).
5 - " .. أن من تتبع أحوال الصحابة الذين هم القدوة في كل شيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير لواحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه، ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن" (4).
وقد جاء كلامه هذا في معرض الرد على من اشترط إرجاع المصلحة إلى أصل معين ليشهد لها مبيناً أن هذا أمر مخترع لم ينقل عن أحد من الصحابة (5).
6 - " … ولكن الواقع الذي لا ينكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عملوا بالمصلحة في أبواب المعاملات وما يتعلق بالنظام الاجتماعي، وإن كانت--------------------------------------------
(1) المرجع السابق 37 - 38.
(2) المرجع السابق 43.
(3) المرجع السابق 61.
(4) المرجع السابق 293.
(5) المرجع السابق 293.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)
في مقابلة النصوص، واشتهر ذلك عنهم في وقائع كثيرة وهم في ذلك لم يكونوا جناة على الشريعة كيف وهم الذين أقامهم الله حراساً عليها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعهم في ذلك التابعون وتابعوهم ثم الأئمة من ورائهم".
"فإن قيل إن ما وقع من ذلك لم يصح النص فيه عند الصحابي ولا الإِمام أو صح ولكنه رآه غير حتم، أو كان حتماً ولكن المخالفة راجعة إلى وصف منفك، قلنا مجرد احتمالات ممكنة، وليس كل ما ورد من هذا النوع يمكن تخريجه على هذه الوجوه وتلك الدعوى لا تسلم إلّا إذا صحبها استقراء وحصر لذلك، وهو لم يوجد بعد" (1).
ويفهم المؤلف بعد ذلك كله أن المصلحة دليل كباقي الأدلة، فهو لا يتصور وجود مصلحة ملغية في هذا الباب "لأن المصلحة -كما يقول هو- إذا ثبت كونها دليلاً شرعياً في الجملة -كما سنثبته بالأدلة في البحث الآتي - كانت كباقي الأدلة الأخرى، في أن مجرد المعارضة لا يسوغ تسمية الدليل بالملغي .. " (2).
وحاصل ما في هذه النصوص أن المؤلف يقرر الآتي:
أولاً: أن الصحابة عللوا الأحكام وعملوا بالمصلحة والحكمة ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة، وكانوا يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن، مع اضطراب في تقرير هذه القضية عنده ستأتي الإِشارة إليه.
ثانياً: أن الصحابة عملوا بالمصلحة في أبواب المعاملات وما يتعلق بالنظام--------------------------------------------
(1) المرجع السابق 302، ظاهر من مخهج المؤلف أن كتابه - تعليل الأحكام - مبني على ما نقله عن الصحابة من تطبيقات، وهو يظن أن الأمثلة التي جمعها تدل على مقصوده، ويطالب مخالفه في دعواه أن يستقرأ هذه الأمثلة ويخرجها على غير تفسيره هو، وهذا ما أسال الله عليه العون والتوفيق .. وإذا خرجت التفسيرات عن تفسيره بالأدلة الواضحة سقط كل ما بناه عليها والله المستعان.
(2) المرجع السابق 282.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)
الاجتماعي وإن كانت في مقابلة النصوص، وهذا يدل على أن المصلحة دليل كباقي الأدلة الأخرى.
ثالثاً: أن من المصالح ما يتغير بتغير الزمان ولذلك فإن الصحابة بدلوا بعض الأحكام لتبدل الزمان والمصالح، وتارة يقول أن هذا التبديل إنما هو في التطبيق، ويستدل على ذلك بوقائع متفرقة، ويرى مخالفة النص بهذه المصلحة لأنه قد ثبت حجية المصلحة كدليل شرعي بمجموع نصوص.
رابعاً: يعتبر هذا المنهج - الذي فهمه من تلك التطبيقات - هو المنهج الحق وأن الأصوليين حادوا عنه واشترطوا شروطاً لم يثبت عليها دليل.
ومما تنبغي الإشارة إليه أن الاعتماد على تصوير هذا المذهب من هذا الكتاب خاصة سببه أن هذا الكتاب يعتبر عمدة في الانتصار لهذا الرأي ومنه يغترف أولئك الباحثون الذين جاءوا من بعده، وستكون المناقشة في المطلب الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن حسب الترتيب الآتي (1) والله المستعان.
المطلب الثالث
مناقشة القول بأن الصحابة عملوا بالمصلحة والحكمة ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة بل اتبعوا وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول، وأنهم منعوا العمل ببعض الأحكام، وخالفوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث غيروا بعض الأحكام لتغير المصالح واشتهر ذلك بينهم فكان إجماعاً:--------------------------------------------
(1) ولذلك فإني أعتبر هذه المطالب رداً وتفنيداً لشبهة تغير الأحكام سواء وردت في الكتاب المذكور أو في غيره من الكتب، وإنما تتبعتها كما جاءت فيه لأنه استوعب أكثر الشبه التي يمكن أن تروّج لقضية التغيير والتبديل، وقد بناها على القول باتباع المصالح، ونحن نحتاج إلى بيان مدى خطورة ترك ضوابط المصلحة من الناحية التطبيقية، ليكون في ذلك عبرة لكل من يتحدث عن الإِسلام ويعمل له، فكثيراً ما ضل قوم وهم يزعمون أنهم يتبعون المصلحة، ولا بد من استيعابه ومتابعة الشبه وتصحيح نقول بعض الباحثين عن الأئمة التي لم تصحح في بحوث أخرى، ولو اقتضى ذلك نوعاً من التطويل .. والله المستعان ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)
1 - منع عمر رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم: قال الدكتور مصطفى شلبي: "أحكام وردت مطلقة أو معللة بعلة فلما بحثوها وجدوا تلك العلل قد زالت، أو ما شرع له الحكم قد تغير، فغيروا الأحكام تبعاً لذلك .. من ذلك: حكم المؤلفة قلوبهم شرع الله إعطائهم من الزكاة وأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال الله كثيراً، وقال في بعض المواضع: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ تأليفاً لقلبه" هؤلاء المؤلفة قلوبهم منهم من كان مسلماً ضعيف الإِيمان ومنهم من كان على دينه، أعطاهم ليقوي إيمان الأول، ويحبب الثاني في الإِسلام، مضى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، ثم حدث في زمن أى بكر رضي الله عنه ما رواه الجصاص في تفسيره عن ابن سيرين عن عبيدة قال: جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تعطيناها فأقطعها إياهما، وكتب لهما عليهما كتاباً فأشهد، وليس في القوم عمر، فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما، فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله ثم تفل فيه فمحاه!، فتذمرا وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإِسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإِسلام، اذهبا فاجهدا جهدكما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما … ! فترك أبو بكر الإِنكار عليه" (1).
قال الدكتور: "وهذا دليل على أن من الأحكام ما يدور مع المصالح ويتبدل بتبدلها ومن أنكر ذلك فقد خالف إجماع الصحابة الذي كثيراً ما يحتج به، وقد اعترف بكون إجماعهم حجة كل من قال بحجية الإِجماع.
مناقشته: نسلم أن إجماع الصحابة حجة، ونخالف في تفسير النص المنقول عن عمر بهذا التفسير، والاستنتاج السابق من المستدل غير صحيح.
والدليل على ذلك أن الآية الواردة في المؤلفة قلوبهم والتي أمرت بإعطائهم تتضمن حكمين في آن واحد وهما:--------------------------------------------
(1) تعليل الأحكام 37 - 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)
الأول: أن المؤلفة قلوبهم يعطون من بيت المال.
الثاني: وهو ضده أن غير المؤلفة قلوبهم لا يعطون.
فعاد الأمر إلى تحديد من هم المؤلفة؟ .. والمؤلفة: هم أولئك الذين يكون الإِسلام بحاجة إليهم لأنهم زعماء في قومهم فإذا أسلموا أسلم من ورائهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس فقد كانا من زعماء تميم فإذا أسلم أمثال هؤلاء تقوى الإِسلام بمن ورائهم.
ولعله يدخل في هذا المعنى ما أشار إليه المستدل من أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل وغيره أحب إليه منه حتى لا يضعف أو يُفتن ويكل الآخرين إلى إيمانهم.
فالأول من معنى التأليف لتقوية الإِسلام .. والثاني من معنى التأليف لمنع الفتنة أو الضعف.
وإذا وقفنا عند القصة المذكورة نجد أن التأليف لتقوية الإِسلام غير متحقق، فالإِسلام حينئذ كثير، وهذا معنى قول عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإِسلام يومئذ قليل، أما أنتما اليوم فتريدان أن نتألفكما والإِسلام كثير، فأنتما لستما من المؤلفة قلوبهم اليوم وإن كنتم منهم من قبل، وهذا من عمر هو الفقه، وهو ما يسميه الأصوليون "بتحقيق المناط" (1).
فإذا أراد الفقيه أن يطبق النص على حادثة حقق مناطها سواء أكان الفقيه صحابياً أو غير صحابي، فإذا وجد أنها تدخل في حكم النص أعطاها حكمه، وإلّا منعها من الدخول تحته، وهذا ما فعله عمر رضي الله عنه ..
فقد حقق في شأن الرجلين، وشأن الإِسلام فعلم أنهما ليسا من المؤلفة قلوبهم، فمنعهم من الدخول تحت الآية ولم يعطهم ..
والنص الوارد في القرآن هو هو لم يُبدل ولم يُغيّر، فمن أعطى المؤلفة قلوبهم كما فعل رسول الله، أو ظنهم مؤلفة كما فعل أبو بكر فقد أعمل الآية ..
ومن منعهم لأنهم غير مؤلفة فقد أعمل الآية، ولا تغيير ولا تبديل.--------------------------------------------
(1) انظر بيانه فيما سبق ص 232.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)
ومناط الآية ثابت إلى يوم القيامة، وهو: إعطاء المؤلفة قلوبهم ومنع غير المؤلفة، والتطبيق بحسب الواقعة والحال فأين التبديل والتغيير للحكم، بل أين الإِجماع على ذلك؟
فهذا المثال لا يثبت من دعوى المؤلف شيئاً، وهو مثال يكثر الباحثون من استعماله على الدعوى نفسها ..
وأضرب مثالاً آخر يوضح المقصود ولا أحد يخالف فيه إن شاء الله، فأقول: لو أن إنساناً وقف مالاً على الفقراء من طلبة العلم في مسجد معين وجعل لكل منهم قسماً محدداً، ثم إن الناظر أعطى الفقراء ومنع غير الفقراء فهل يعتبر مغيّراً لشرط الواقف ومطلبه، كلا.
ثم لو أن بعض هؤلاء الفقراء أصبح غنياً فارتفع عنه وصف الفقر، فلم يعطه الناظر شيئاً هل يعتبر قد غير من شرط الواقف أو مطلبه شيئاً؟ كلا.
ثم إن هؤلاء الذين ارتفع وصف الفقر عنهم، لو أنه عاد لهم، ثم عاد الناظر، فأعطاهم أفلا يكون ذلك عملاً بشرط الواقف وقصده؟
إن عمل عمر رضي الله عنه لا يعدو هذه الصورة، ولم يغير ولم يبدّل.
إذا عُلم ذلك فلا يجوز لمسلم أن يقول أن عمراً أوقف حكم الآية، ولا أنه ألغاه فالحكم هو الحكم، وعمر هو عمر الوقّاف عند كتاب الله رضي الله عنه وأرضاه ..
2 - استدل على دعوى تغيّر الأحكام بتغير الزمان فقال: "مثال آخر: أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء الخروج إلى المساجد للصلاة كما رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات" (1).--------------------------------------------
(1) سنن داود رقم 533، ومعنى تفلة أي غير متطيبة، وتفلة بفتح المثناة وكسر الفاء، وامرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح" فتح الباري 2/ 349.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)
هذا ما كان في زمن رسول الله، ثم حدث بعد ذلك أن تغيرت حالة النساء وأحدثن ما لم يكن في عصر النبوة، حتى قالت عائشة رضي الله عنها ما رواه أبو داود: "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل" قال: "فقد رأت أن ما حدث يقتضي تغيّر الحكم السابق حينما كان الصلاح عاماً والقلوب عامرة بالإِيمان، ولم يوجد الدخل في بعض النفوس فلو استمر الحكم مع تغير الحال لأدى إلى مفسدة عظيمة تزيد على ما يجلبه الخروج من المصلحة من تعليم الدين وإدراك فضل الجماعة ..
ثم ذكر محاورة بين عبد الله بن عمر وابن له رواها أبو داود: قال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل" فقال ابن له والله لا نأذن لهن فيتخذنه دغلًا والله لا نأذن لهن!! فسبه وغضب، وقال: "أقول قال رسول الله: ائذنوا لهن وتقول: لا تأذن لهن" (1).
قال المؤلف: "ولا غرابة في موقف ابن عمر هذا فذلك موقفه غالباً إزاء النصوص فلم يكن من أهل المعاني عكس والده رضي الله عنه، وذاك ابنه قد سلك مسلك جده من اعتبار المعاني التي شرعت لها الأحكام فيشرح لوالده السبب مع قسمه بالله، فهل ترى أنه يقسم مرتين وهو يسمع قول رسول الله ويرى غضب والده عليه وسبه له من أجل المخالفة من غير فائدة؟ لا شيء إلّا أنه دين الله والمحافظة عليه بدفع المفاسد عنه.
فماذا يقول نفاة التعليل في هذا الموقف؟ لعلهم يتعلقون بأذيال ابن عمر!!! ويقولون مقالته وقد رأوا فساد الأخلاق عم كل مكان وتهتك النساء فاق كل حد وتنطع الشبان بلغ الغاية" (2) ..
مناقشته: نسلم مع المؤلف الرد على نفاة التعليل ونعمل بالقياس والمصلحة التي شهد الشرع لها، ونسلم معه السعي للمحافظة على دين الله بدفع المفاسد عنه، ونخالفه في تحديد الطريق الذي يوصل إلى ذلك، وبيانه:--------------------------------------------
(1) سنن أبي داود رقم 536، وتعليل الأحكام 38 - 39.
(2) رسالة تعليل الأحكام 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)
1 - أن درء المفاسد مطلب شرعي وذلك للمحافظة على الدين، ولكن من أين نعلم أن هذا مفسدة؟ والجواب: من الشارع لأنه كما تقدم لا يستقل العقل بدرك المصلحة والمفسدة، فإذا قلنا هذا مفسدة فلا بد من شهادة الشرع لا نقول، وكذلك إذا قلنا أنه مصلحة.
2 - موقف ابن عبد الله عمر يدل على أن الخروج إذا ترتب عليه مفسدة يمنع، وهذا لم يدركه بالعقل، بل شهد له الشرع.
وهذه الشهادة موجودة في النص نفسه، ألا ترى إلى اشتراط رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم منع النساء من الخروج - خروجهن غير متزينات حيث قال: "ولكن ليخرجن تفلات" فإذا لم يتحقق الشرط وهو الخروج تفلات لا يؤذن لهن لأنهم لم يلتزمن به.
فمن منع من الخروج علم أن الخروج غير تفلات مفسدة بالنص ..
فالقول إذاً بأن هذا مفسدة ليس اعتماداً على العقل وإنما هو بشهادة الشرع ..
فلا يقال: "فقد رأيت أن ما حدث يقتضي تغير الحكم السابق" لأن الحكم السابق هو: عدم جواز منع النساء من الخروج إلى المساجد إذا خرجن نفلات وأما إذا لم يخرجن كذلك فقد تركن العمل بالشرط الذي يجيز الخروج لهن فيمنعن، وهذا حكم ثابت لم يتغير ولن يتغير إلى يوم القيامة ..
بقي تحقيق المناط هل هذه المرأة تفلة فتخرج أو غير تفلة فلا تخرج .. وهذا وإن تغير فليس هو الحكم .. وإذا تبين هذا سقطت دعوى المؤلف وغيره ممن يعتمد على هذه الآثار في القول بتغير الأحكام بتغير الزمان ..
بقي أن نشير هنا إلى خطأ المؤلف في تصويره لمذهب ابن عمر رضي الله عنهما حيث قال: "فماذا يقول نفاة التعليل في هذا الموقف، لعلهم يتعلقون بأذيال ابن عمر ويقولون مقالته" وهذا الكلام لا ينبغي أن يقال في حق أحد من
الصحابة، بل الواجب على كل مسلم التأدب معهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)