Arabic source text

📘 আস-সাবাতু ওয়াশ-শুমূল ফিশ-শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (আবিদ আল-সুফিয়ানী)

📘 الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية (عابد السفياني)

📘 আস-সাবাতু ওয়াশ-শুমূল ফিশ-শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (আবিদ আল-সুফিয়ানী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
(ب) أن المصلحة المعتبرة هي المشابهة للمصالح المتفق عليها أو المنصوص عليها، ونسبه للإِمام الشافعي وجمهور الحنفية.
(ج) أن المصلحة المعتبرة هي التي لا تصادم نصاً ولا إجماعاً تحققت المُشَابَهةُ أم لم تتحقق، قربت من مورد النصوص أو بعدت، ونسبه للإِمام مالك.
(د) المصلحة معتبرة على الإِطلاق مرسلة أو غير مرسلة في المعاملات وما شابهها حتى وإن عارضت نصاً أو إجماعاً متى ما كانت راجحة!!!
قال: "وهناك مذهب رابع خلاصته أن المصالح يعمل بها مطلقاً مرسلة أو غير مرسلة، ويعني بها التي عارضت نصاً أو إجماعاً متى كانت راجحة لكن في صنف من الأحكام "المعاملات وما شابهها" أما العبادات والمقدرات فلا وزن للمصلحة فيها وهو رأي نجم الدين الطوفي الحنبلي وجماعة من العلماء لم يصرحوا به قولاً ولكن فتواهم تؤيد ذلك عملاً" (1).
وقد حاول مناقشة الأصوليين - ما عدا رأي الطوفي فإنه مر عليه سريعاً وبنى له مسألة أخرى نصره بها كما يظن - (2) وليس المقصود هنا مناقشته فيما نسبه إلى الأصوليين فمثل هذه البحوث لا تكفي فيها ورقيات كما صنع هو (3)، وكذلك لا تكفي فيها ما قد أسجله هنا من ملاحظات، ذلك أن نسبة المذاهب إلى الأصوليين تحتاج إلط بحوث متخصصة في هذا الموضوع، وأكتفي هنا بالرد عليه فيما نسبه إلى فقهاء الصحابة -كما صنعت سابقاً- مع بيان اضطرابه وتفنيد خطئِه في تفريقه بين مذهب الصحابة والأصوليين مع مناقشته خاصة فيما نسبه إلى الشاطبي وحاول الرد عليه انتصاراً للطوفي.--------------------------------------------
(1) تعليل الأحكام 292 - 293 - 294 - 295.
(2) تعليل الأحكام 295 - 296.
(3) تعليل الأحكام 292 - 296.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)

أما نسبة مذاهب الأصوليين إلى كتبهم وتحرير موقفهم من المصلحة فذلك لا يحتاج مني إلى بحث - فلقد حُرر تحريراً حسناً وأكتفي بما حرره أستاذي الدكتور حسين حامد حسان وأبني عليه (1). ومن ذلك قوله: "كل ضروب الاجتهاد المستندة إلى أصل اعتبار المصالح في الأحكام تعتبر استدلالاً بالنصوص الشرعية وليس فيهاعمل بمصلحة مجردة ولا ترك لنص من نصوص الشريعة" (2).
ويقول: وقد "أبطلنا دعوى أن مالكاً يقدم رعاية المصلحة على النص أو يترك بها خبر الأحاد، وأثبتنا أن جميع الفتاوى التي نُسبت إليه واتخذت دليلاً على هذه الدعوى غير مفيدة في هذا المطلوب وبينا أسباب ذلك" (3).
"أثبتنا أن المصلحة التي لا تشهد النصوص الشرعية لنوعها ولا لجنسها بالاعتبار مصلحة مردودة باتفاق … وهي المصلحة الغريبة التي حكى الغزالي والشاطبي الإِجماع على عدم الأخذ بها .. وقلنا أن المصلحة التي يقول بها الطوفي لا تختلف عن هذا النوع من المصالح المردودة إلّا في أن الطوفي يقدمها على النص والإِجماع" (4).
وقد حاول محمد شلبي الانتصار له - مع أن الطوفي إنما اتبع المصالح المردودة وحاول تقديمها على النص والإِجماع، وقد أثبت العلماء المعتبرون قديماً وحديثاً مخالفته لسائر الأئمة وشذوذه عن الإِجماع.
ومن عجب أن ترى صاحب تعليل الأحكام يحاول أن يسند رأي الطوفي--------------------------------------------
(1) انظر نظرية المصلحة، وانظر ضوابط المصلحة للأستاذ البوطي. وهما بحثان متخصصان في موضوع المصلحة.
(2) نظرية المصلحة 807.
(3) المرجع نفسه 807.
(4) المرجع نفسه 808 وراجع إن شئت ما ذكره من التفاصيل والأدلة في كل موضع من هذه المواضع تجد أنه حرر نسبة المذاهب إلى أصحابها وضبطها ورد على المخالفين أمثال الطوفي الذي يحاول د. شلبي الانتصار له.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)

بقوله: " … وهو رأي نجم الدين الطوفي الحنبلي وجماعة من العلماء لم يصرحوا به قولاً ولكن فتواهم تؤيد ذلك عملاً" (1).
وأنت ترى أنه لم يصرح بأسمائهم ولا بفتاويهم - مع أنه كثيراً ما مجد بحثه هذا واعتبره تجديداً في علم الأصول ودعى فيه إلى مراجعة ما كتبه الأصوليون بعد أن وصفهم بما يُكْره وستأتي الإِشارة إلى ذلك ..
فأين هذه الجماعة من العلماء الذين وافقوا الطوفي أهي جماعة الصحابة التي ينسب إلى فقهائها معارضة الرسول ومخالفته، والتي ينسب إلى فقهائها تبديل بعض الأحكام بسبب اتباع المصالح!!!
أم أن هذه الجماعة من الأصوليين. وقد زعم الطوفي بأن رأيه الذي قال به لم يسبقه إليه أحد قبله!!
أمّا بعد الطوفي فلم يلق هذا الرأي إلّا النقد والرد وبيان أن صاحبه خرق الإِجماع وتولى غير سبيل المؤمنين، حتى أن بعض الباحثين في هذا العصر فندوه وبينوا أنه رأي ساقط لا عبرة به، وقد أشرت إلى ذلك من قبل (2).
ثم جاء آخرون فأعجبهم هذا الشذوذ عن الإِجماع وظنوه علماً معتبراً فاتبعوه - وما علموا أن فائدة الإِجماع هو القطع في المسألة فلا تعد تحتاج إلى بحث وخاصة وقد تقرر هذا الإِجماع في قرون متطاولة - فلما تبعوه أخذوا بنتصرون له مزينين له بشبه متكاثرة، بل ذهبوا إلى أكثر مما ذهب إليه الطوفي، فإنه شهد على نفسه بنفسه أنه لم يُسْبق إلى هذا الرأي، ومعنى هذا أنك إذا بحثت لتجد من ينصره قبله فلن تجد أحداً.
ومع ذلك فقد حاول بعض الباحثين نصرته ببعض النقول والتطبيقات التي سبقت الطوفي -كما صنع صاحب رسالة تعليل الأحكام- فإنه قال بتبدل الأحكام في المعاملات وما شابهها لأنها بزعمه تتبع المصلحة، وأن ذلك هو إجماع--------------------------------------------
(1) 293.
(2) انظر هامش ص 413 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)

الصحابة، مع أن هذا هو رأي الطوفي - الذي يزعم أنه لم يُسبق له، فأين تجد عليه إجماعاً.
وقد تتبعت أبرز تطبيقاته (1) وأثبت أنه إنما يتعلق بشبه لا بدليل وأن الصحابة لم يغيروا ولم يبدلوا، ولم يتبعوا مجرد المصلحة، ووجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول، فإذا أضفت هذا مع ما قرره الباحثون من أن أحداً من الأئمة لا يقدم رعاية المصلحة على النص وبقي الطوفي على زعمه وخروجه عن الإِجماع واتباعه غير سبيل المؤمنين وسقطت محاولة الشلبي وغيره من الباحثين الذين بذلوا جهداً جباراً لإِحياء سقطة الطوفي (2) وجعلها ديناً يتبع، يريد صاحب رسالة التعليل أن يستمسك به ويخالف عليه علماء الأصول المعتبرين.

‌‌المطلب الخامس
مناقشته في رده لضوابط المصلحة عند الأصولين
قال: "والأصول في نظري غالبها بحوث نظرية جاءت وليدة الزمن، اضطر إلى وضعها أتباع المذاهب المقلدون ضبطاً لمذاهب أئمتهم ودفاعاً عنها في مجالس المناظرات فجاءت ملتوية حسبما يُوجه إليها من الطعون والاعتراضات" (3).
ويقارن بين طريقة الصحابة والأصوليين فيقول:
" .. إن الصحابة رضي الله عنهم عللوا بالمصالح ابتداء من غير تقييد بأصل معين يردون إليه الحوادث، وهؤلاء -أي الأصوليين- عنوا عناية تامة--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 460 - 461 من الرد على محمد شلبي في التطبيقات التي ذكرها.
(2) بل زاد صاحب رسالة التعليل ص 370 الطين بلة، وزعم أن المصلحة تقدم على النص ويترك بها جميع أفراده، وتقدم على الإِجماع، وتعطل النص ولا تنسخه، وهذا المذهب أقبح من مذهب الطوفي، انظر مقارنة بينهما في نظرية المصلحة 111 - 113.
(3) رسالة التعليل 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)

بالبحث عن الأصول المعينة بل كانوا يبحثون عن علل تلك الأصول لأجل القياس عليها ما وقع وما لم يقع وشتان بين الأمرين" (1).
ثم أخذ في ذكر السبب الذي يراه تفسيراً لاعتماد الأصوليين على أصل معين:
فقال: " .. هذا - في نظري - هو سر عناية الأصوليين بالرد إلى أصل معين في تعليلهم، فعلوا ذلك ليدفعوا عن أنفسهم تهمة التشريع بالهوى أولاً، وليوفروا على ذلك الفقه التقديري أحكامه ثانياً، وليأمنوا الخطأ في الاستنباط والتخريج ثالثاً، كما قال إمام الحرمين: "إنه لم يصح عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبط المصالح التي تنتهض عللًا للأحكام، ولا إطلاق تعليق الحكم بكل مصلحة تظهر للناظر وذي رأي، فمسالك الضبط النظر في مواقع الأحكام مع البحث عن معانيها، فإذا لاحت وسلمت تبين أنه معنى متلقى من أصول الشريعة وليس حائداً عن المآخذ المضبوطة، فهذا هو المسلك الحق في درك وقوع المعنى في ضبط الشرع، ولهذا رد الحذاق (يعني من الأصوليين) إلى أصل معين، فإن صاحبه يأمن وقوعه في مصلحة لا يناط حكم الشارع بمثلها" (2) ويعتبر الشلبي أن كلام الجويني اعتذار عن منهج الحذاق من الأصوليين يمكن أن يقبله هو مع أنه لا يسلّم ولا يرجع عما وصف الأصوليين به، فالخطأ متحقق فيما فعلوه من طلب الأوصاف الظاهرة واتباعها، وطلب أصل معين يردون إليه العمل بالمصلحة، يقول مناقشاً القائلين باشتراط رد المصلحة إلى أصل معين: "وَيرُدُ على هؤلاء أن الأدلة قامت على اعتبار المصلحة وإن لم تستند إلى أصل معين، فدعوى قيام الدليل على انتفاء العمل بها بناء على عدم الدليل الدال على اعتبارها مجرد كلام لا يسنده برهان، (وكلامه هذا مع الأصوليين) وأما مسألة الضبط التي قالوا، فاحتياط يُسلم لهم لو كان له ركن يعتمد عليه، أما وأنه أمر مخترع لم ينقل لنا عن أحد من الصحابة الذين هم القدوة في كل شيء بعد--------------------------------------------
(1) رسالة التعليل 151.
(2) رسالة التعليل 153 - البرهان 710 - 715 - 742.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)

رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ير لواحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل واستثارة معنى، ثم بناء الواقعة عليه، ولكنهم يخوضون في وجه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن" (1).
وبناء عليه فإنه يرى أن اعتماد الضبط أمر مخترع لم ينقل عن أحد من الصحابة فلا حرج عليه في رده.
ويعتبر أن الأصوليين جافوا منهج الصحابة وسعوا إلى ضبط منهج الاستدلال رغبة منهم في هذه الأمور:
1 - ليدفعوا عنهم تهمة التشريع بالهوى.
2 - ليأمنوا الخطأ في الاستنباط.
3 - ليأمنوا الخطأ في التخريج.
هذا هو الذي يسعى المؤلف إلى إثباته - رفع ضوابط المصلحة واتباع وجوه الرأي دون إلتفات إلى الأصول كانت أو لم تكن.
وفيما ذكرناه من منهج أهل السنة في الاستدلال - عند مفردات المسائل الأصولية التي تحدثت عنها فيه كفاية لنقض هذه الدعوى.
ولننتقل نقلة أخرى نصحح فيها نصوص أهل العلم التي تعجل المؤلف في نقلها وفهمها، كما صححنا نقله عن الإِمام الشاطبي عند دراسة موضوع القياس.
فنقول - وبالله التوفيق - إن النص الذي نقله عن الجويني قد عزله عن بقية النصوص التي وردت في كتاب البرهان، وأمر آخر وهو أنه نقل هذا النص نقلاً غير صحيح واجتهد في تصحيح النسخة التي نقل عنها ..
وإليك النص كما جاء في "البرهان" مع الاكتفاء بالإِحالة على بقية نصوص الكتاب التي تسنده:--------------------------------------------
(1) رسالة تعليل الأحكام 293.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)

قال الجويني: "فإنه لم يصح عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبط المصالح التي تنهض عللاً للأحكام، ولا إطلاق تعليق الحكم بكل مصلحة تظهر للناظر وذي رأي، فمسلك الضبط: النظر في مواقع الأحكام مع البحث عن معانيها، فإذا لاحت وسلمت تبين أنه معنى متلقى من أصول الشريعة، وليس حايداً عن المآخذ المضبوطة.
فهذا هو المسلك الحق في درك وقوع المعنى في ضبط الشرع، ولهذا رد الحذاق (الاستدلال الذي لا يستند) إلى أصل، فإن صاحبه لا يأمن وقوعه في مصلحة لا يناط حكم الشرع بمثلها" (1).
والسبب الذي أوقع المؤلف في الخطأ، أنه حذف من كلام الجويني قوله: "فإن صاحبه لا يأمن من وقوعه .. " حذف كلمة "لا" ليصبح الكلام: "فإن صاحبه يأمن وقوعه في مصلحة لا يناط حكم الشارع بمثلها".
وأقول أن النص الذي نقله - مع أنه اجتهد فيه كما أشار هو (2) إلّا أنه مع ذلك لا يدل له على ما أراد، وإليك تحليل نص البرهان سواء بقراءة محققه الأستاذ عبد العظيم الذيب، أو بقراءة صاحب كتاب تعليل الأحكام وذلك في النقاط التالية:
1 - أن القراءة واحدة ما عدا حذف كلمة "لا" أو عدم حذفها.
2 - أن النص ورد فيه صراحة أن الصحابة لا يتبعون كل مصلحة تظهر للناظر ولا يطلقون ذلك، وليس عندهم ضبط للمصالح يمنع من اتباع كل--------------------------------------------
(1) مسألة رقم 787، وقارن بين هذا النص وبين ما ورد في مسألة رقم 760، 715 ومنه قوله عن الصحابة: "وقد أوضحنا بالنقل المتواتر عنهم أنهم كانوا يقدمون ويثبتون الأحكام على وجوه الرأي واعتبار المسكوت عنه بالمنصوص" وهذا كلام صريح في أنه يعتقد أن الصحابة يبنون اجتهاداتهم على الأصول الشرعية، ترى لو أن المؤلف تروى في فهم النص ومراجعة النصوص الأخرى هل ينسب إلى الصحابة - رضوان الله عليهم - تلك المقالة.
(2) رسالة تعليل الأحكام 153.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)

مصلحة تظهر لذي رأي إلا اتباعهم لمواقع الأحكام ومعانيها، فإذا لاح لهم المعنى وسلم عن المعارضة تبين أنه متلقى من أصول الشريعة، وليس حائداً عن المآخذ المضبوطة.
وهذا الذي نقول إن النص دل عليه هو نص كلام الجويني في موضع قريب من هذا فقد قال عن الصحابة: "أنهم كانوا يتلقون معاني ومصالح من موارد الشريعة يعتمدونها في الوقائع التي لا نصوص فيها، فإذا ظنوها، ولم يناقض رأيهم فيها أصل من أصول الشريعة أجروها" (1).
3 - أن الزيادة التي بين المعكوفين قد وردت في نسخة أخرى كما أشار المحقق، وهي تفيد المعنى السابق آنفاً وكذلك النص الذي نقله "شلبي"، فما أورد المحقق يفيد أن الحذاق من الأصوليين ردوا الاستدلال الذي لا يستند إلى أصل، وذلك لأن صاحبه لا يأمن وقوعه في الخطأ، وكذلك النص الآخر يفيد المعنى نفسه وهو أن الحذاق ردوا إلى أصل معين لأن صاحبه يأمن وقوعه في الخطأ.
وهذا معنى ما قلته آنفاً أن المعنى متسق على كلتا القراءتين، والنصوص الأخرى تؤكد ذلك كما أسلفت، ولا نكتفي بما نقلناه، من البرهان، بل نشير إلى ما نقله صاحب تعليل الأحكام في كتابه حيث نقل كلام الجويني من أن الصحابة "كانوا يرسلون الأحكام ويعلقونها في مجالس الاستشوار بالمصالح الكلية" (2) ويقصد الجويني بالمصالح الكلية الشريعة التي دلت عليها النصوص، فلا بد من البناء على أصل شرعي إذاً ..
ومن هنا نعلم فساد قول المؤلف: "بقي أن يقال أن الصحابة رضي الله عنهم عللوا بالمصالح ابتداء من غير تقييد بأصل معين يردون إليه الحوادث، وهؤلاء (يعني الأصوليين) عنوا عناية تامة بالبحث عن الأصول المعينة، بل كانوا--------------------------------------------
(1) البرهان: مسألة 760.
(2) تعليل الأحكام 152.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)

يبحثون عن علل تلك الأصول لأجل القياس عليها ما وقع وما لم يقع، وشتان ما بين الأمرين" (1).
وهذا كله منه إنكار على الأصوليين الرد إلى أصل معين، ورغبة منه في تفسير هذا الأمر الذي يتعجب منه (2) ويعتبره -كما مر معنا قوله من قبل- أمراً مخترعاً لا حرج عليه في رده.
بقي أن نفسر السبب الذي حمله على الاعتماد على كلام الجويني ظناً منه أنه يساعده على مسلكه الفاسد، وعنده ندرك سبب الاضطراب الذي يظهر من مجموع نصوصه.
فنقول إن الإِمام ابن الجويني وهو يعرض منهج الإِمام الشافعي في الاستدلال بالمصالح، نسب إليه أنه يقول: "من سبر أحوال الصحابة رضي الله عنهم وهم القدوة والأسوة في النظر لم يكن لواحد منهم في مجالس الاستشوار تمهيد أصل واستثارة معنى، ثم بناء الواقعة عليه، ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير إلتفات إلى الأصول، كانت أو لم تكن" (3).
فأخذ الدكتور شلبي هذا النص وعزاه لإبن الجويني (4).
وهذا يفسر اضطرابه، وفيما مضى كفاية للرد عليه ولا بأس أن نشير هنا إلى أن ما نسبه ابن الجويني إلى الشافعي يخالف المشهور عنه في كتابة الرسالة فإنه شديد الضبط لعملية الاجتهاد بحيث تكون اعتماداً على نص أو معناه (5)، فكيف ينسب إليه مثل هذا.--------------------------------------------
(1) تعليل الأحكام 151.
(2) تعليل الأحكام 153.
(3) البرهان: مسألة رقم 1134.
(4) انظر تعليل الأحكام 151.
(5) الرسالة 70. وانظر نظرية المصلحة 307 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)

على أنه قد ثبت أنه ليس أحداً من الأئمة يعارض النصوص بالمصلحة، ويبنيها على غير أصل (1).
والصحابة هم أشد حرصاً منهم ومحافظة على مقصود الشارع، والأئمة مدركون لذلك، وملتزمون به (2).
قال الدكتور حسين حامد مبيناً مقصد الجويني: "قوله أن أحداً من الصحابة لم يكن يعمد إلى تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه يعني - والله أعلم - الأصل الذي يدل على الحكم نصاً، أو المعنى الجزئي الذي يشهد النص لعينه لا مطلق الأصل والمعنى، وإلّا فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفتون على الأصول التي شهدت لجنس المصلحة التي يستندون إليها في الفتوى بمصلحة جزئية، وإن كانوا لا يذكرون هذه الأصول، وذلك لمعرفة الصحابة، وقد تذوقوا الشريعة، بمثل هذه الأصول، فالذي يقصده إمام الحرمين أن الصحابة ما كانوا يذكرون الأصل الذي يدل لفظاً على الحكم، وما كانوا يلجأون إلى بيان مصلحة جزئية من نوع المصلحة التي يفتون بها وإنما كانوا يكتفون بالمصلحة الكلية" (3).
وهذا التفسير حسن، فمن استحسنه فذاك، ومن لم يستحسنه فليعد على عبارة الجويني بالتصحيح، لأن المعنى الذي ذُكر آنفاً لا يخالف فيه أحد، ولا يقبل المراجعة، إذ هو المعلوم من فقه الصحابة والأئمة.
وقد أحسن أئمة السلف، لما ضبطوا أصولهم في الاستدلال وميزوها عن مسالك أهل الأهواء، ونحن نذكر ببعض البدهيات التي كانوا يجتمعون عليها لنرد مقالة الدكتور "شلبي" التي اعتدى فيها على الأصوليين، من ذلك:--------------------------------------------
(1) نظرية المصلحة 607.
(2) انظر ما سبق البناء على غير أصل 266 - 384.
(3) نظرية المصلحة 356 - 357.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)

1 - ألّا يقدم بين يدي الله ورسوله، وأن العبرة بما دلت عليه النصوص ولا عبرة بما يخالفها من رأي ومصلحة.
2 - إذا لم يوجد نص في المسألة اتبع المجتهد المعنى الشرعي ورده إلى الأصول الشرعية، وأن من رد إلى غير أصل فقد اتبع الهوى.
3 - أن العقل ليس بشارع، وأن الرأي الذي يعارض الشريعة مذموم بالإِجماع ولو زعم له الناس أنه المصلحة والمنفعة.
4 - وأن ترك هذا المنهج الذي نقله الأئمة من الصحابة والتابعين وحكوا عليها الإِجماع - رمى في عماية واتباع لغير سبيل المؤمنين (1).
ولذلك لما انحرفت عنه الفرق الضالة (2)، ضلت وأضلت وهلكت، فلم تبق في يديها شريعة ثابتة ولا شاملة، وإنما استحوذت عليها الأهواء فكانت هي بضاعتها فورثتها لمن بعدهم ممن اتبع ضلالتهم.
ومن علم حال الفرق - كيف هلكت وأهلكت - وعلم أن سبب ذلك هو اتباع مسلك في الاستدلال لا قرار له ولا ضابط من الشرع، علم خطورة عبارة صاحب "تعليل الأحكام" فيما ينسبه إلى الصحابة، وعلم عظم خطئه، أيضاً في استغرابه على الأصوليين اتباعهم للأصول المعلومة، وردهم المصلحة إليها، مبتعدين عن الوقوع في التشريع بالهوى، سالمين من الخطأ في الاستنباط.
ومن عجب أن يرى أن صنيع الأصوليين هذا حدث يستحق التنبيه والنقد، وأن صنيعه وصنيع الطوفي يستحق الإِشادة والمدح، وأنه هو الطريق لتحقيق شمول الشريعة.--------------------------------------------
(1) انظر موقف الأصوليين العتبرين من المسالك الفاسدة ص 265 وما بعدها.
(2) أما المعتزلة فقد اتبعت العقل فضاعت في أودية الضلال .. وأما الخوارج فقد اتبعت بعض الظواهر دون أن تعرضها على الآيات والأحاديث الأخرى فضاعت في أودية الضلال أيضاً، والمرجئة كذلك، وهكذا في بقية الفرق كالصوفية فقد اتبعت الكشف والرؤى فهلكت في وحدة الوجود وسقوط التكاليف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)

والحق أن رفع ضوابط منهج الاستدلال - سواء ما يخص المصلحة أو غيرها - عمل جد خطير، ولا يهوّن من خطورته الخوف من أخطاء بعض الأصوليين الذين غرقوا في الجدل، وابتاع مسائل لا يبنى عليها عمل (1)، ولا الخوف من القائلين بمنع التعليل ونفي القياس، ولا الرغبة في أن تكون الشريعة شاملة لجميع المدنيات (2) ولا أي شيء آخر.
ذلك أن معالجة المسائل الشرعية ينبغي أن تضبط بمنهج متوازن وأن الأطراف المذمومة لا سبيل إلى الخروج عن أخطائها إلّا بإلتزام منهج وسط هو منهج أهل السنة في الاستدلال، ومن أبرز معالمه:
1 - أنه الطريق إلى المحافظة على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
2 - أنه الطريق المحقق في عالم الواقع ثبات الشريعة وشمولها.
3 - أن فيه الجواب الشافي عن الآراء التي ترفض القياس.
4 - أن فيه الجواب الشافي عن الآراء التي تتبع المصالح التي تعارض النص والإِجماع وتقول بتبديل الأحكام وتغييرها.
5 - أن فيه السلامة من الوقوع في مسالك الفرق الضالة أو التأثر بها في التفكير والاستنباط (3).
وهذا المنهج هو الذي نحتاج إلى التعرف عليه، والتعريف به وردّ ما يخالفه لأنه هو الطريق الوسط الذي يحفظ لنا تلك المعالم.
وإن هذا الذي نقول به وندعوا إليه، ليس فيه حجراً على من يريد التصحيح لما تضمنته كتب الأصول من أخطاء، لأنا نقول أن ذلك واجب ومتعين، وقد بينت في هذه الرسالة أن هناك من الأمور ما يحتاج إلى تصحيح،--------------------------------------------
(1) الموافقات 1/ 17.
(2) انظر قوله في رسالة التعليل 12.
(3) انظر ما سبق من كشف مسالكهم الفاسدة. ص 183 - 265.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)

واخترت في ذلك سبيل السلف الأول في تلك الأمور التي درستها (1)، ولكن الذي أنبه عليه هنا أن حاجتنا لتصحيح أصول الفقه حتى نميّز أصول أهل السنة عن أصول أهل الأهواء لا تعني أننا سنخبط خبط عشواء، ونقول أن الجدل غلب على أصول الفقه فلننصرف عن الضوابط ونتبع المصالح والآراء التي لا تشهد لها الشريعة بالقبول، كلّا، لأن أصول الفقه عند أهل السنة هو الأداة التي يحفظ بها العقل المسلم من الأهواء، ولذلك ضلت الفرق لما حادت عن أصول أهل السنة في ذلك واتبعت المسالك الفاسدة، ولا سبيل إلى سلامة الهدف - الذي هو تصحيح مسار أصول الفقه وإخراجه من آثار أهل الأهواء وطبيعتهم في الجدل ومخالفة السنة، لا سبيل إلى ذلك إلّا بالرجوع إلى الأمر الأول الذي كان قبل نشوء الأهواء، وفيه من الصحة والسلامة وحسن الأداء ووضوح الغاية واتباع السنة الخير الكثير، وقد وسع والحمد لله من قبلنا في أمورهم جميعاً فليسعنا ما وسعهم، ولنستمر في بيانه والبناء عليه دون أن نضل عنه.
فمن طلب هذا الهدف وجب على كل أحد معونته، وقد حاولت أن أذكّر بأصول أهل السنة في الاستدلال في كل موضع بحسبه، وفي ذلك رد تطبيقي على مقالة صاحب كتاب "تعليل الأحكام" ومن سلك مسلكه، وطلَبِهِ التصحيح - بزعْمِهِ - ليرفع الضوابط وينشر المسالك الفاسدة، ويحيي الآراء الشاذة - متخذاً من الجدل الذي غلب على أصول الفقه - سلماً يصل بها إلى مبتغاه، فهذا لن نقبل منه هذه الوسيلة ولن ننخدع بهذه الغاية، فإنه لا بد من صدق الغاية وسلامة الوسيلة.--------------------------------------------
(1) ومن الأمور التي تحتاج إلى دراسة وتصحيح التأكيد على عزل آثار الاعتزال عن أصول الفقه، لأن هؤلاء لهم أصول خاصة في تلقي العقيدة، وقد أحاطوا بها أصول الفقه من كل جانب، فلا بد من تمييز أصول السنة عن أصول البدعة، ابتداء من نقض أصولهم في وجوب النظر العقلي وتحكيمه في العقيدة والشريعة وانتهاء بطريقة الكتابة وأسلوب الأداء والبناء في كل ذلك على منهج الجيل الأول الذي وقع في مخالقه أهلُ الأهواء وتميزوا عنه فلا بد إذاً من التميز عنهم والحذر من آثارهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)

‌‌المطلب السادس
مناقشة اعتباره المصلحة دليلاً مستقلاً
يقول المؤلف: "إن المصلحة إذا ثبت كونها دليلاً شرعياً في الجملة -كما سنثبته بالأدلة في البحث الآتي- كانت كباقي الأدلة الأخرى .. " (1).
أدلّته:
1 - أن القرآن دل على اعتبار المصالح مطلقاً .. من ذلك قوله تعالى:
{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (2).
فهي كما قال العز بن عبدالسلام أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها، والزجر عن المفاسد بأسرها، فإن اللام والألف في الألفاظ الواردة فيها للعموم والاستغراق (3) ..
2 - وقوله لرسول صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (4).
" .. ومن الرحمة الأذن لهم على لسانه صلى الله عليه وسلم في جلب المصالح ودفع المفاسد عنهم، ومعلوم أن للناس مصالح تتجدد بتجدد الأيام، فلو وقف الاعتبار على المنصوص فقط لوقع الناس في الحرج الشديد، وهو مناف للرحمة لأنه نقمة .. " (5).
ثم استدل بأدلة أخرى - من مثل التطبيقات التي سبق ذكرها - ليقرر أن--------------------------------------------
(1) رسالة التعليل: 282.
(2) سورة النحل: آية 90.
(3) المرجع السابق: 287.
(4) سورة الأنبياء: آية 107.
(5) رسالة التعليل: 288.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)

الصحابة كانوا يفتون بالمصلحة في مقابلة بعض النصوص ولم ينكر أحد منهم ذلك فكان إجماعاً (1).
3 - دليل عقلي: حاصله أن الشارع راعى مصالح الخلق في المعاش فكيف لا يراعي لذلك في الأحكام الشرعية، إذ هي بالمراعاة أولى، فوجب القول بأن الشارع راعى المصلحة في الأحكام الشرعية، فحينئذ لا يجوز إهمالها بوجه من الوجوه.
وإذا تتبعنا مقاصد الشارع في جلب المصالح ودرء المفاسد، قطعنا بأن المصلحة لا يجوز إهمالها، والمفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها نص ولا إجماع ولا قياس خاص.
ومثل ذلك - ولله المثل الأعلى - كمن عاشر إنساناً من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم عنه مايحبه وما يكرهه، في كل ورد وصدر، ثم جاءته قضية فيها مصلحة أو مفسدة لا يعرف فيها قوله: "فإنه يعرفه بمجموع ما عهد من طريقته وأَلِفَهُ من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة، هذه الأدلة مجتمعة تنادي باعتبار المصلحة منصوصاً عليها أو غير منصوص، وليس لنفاة المصالح هنا متمسك .. " (2).
المناقشة: نسلم معه القول بأن نفاة العمل بالمصالح الشرعية مخطئون، ونسلم معه أن الشارع جاء بمصالح العباد، وأن هذا أمر مقطوع به، ونخالفه في تحديد الطريق الذي يوصل إلى المصلحة الشرعية ..
فأقول: إن الشارع كما جاء بمصالح العباد، جاء بالطريق الذي يدلنا على ذلك، فجعل النصوص محققة للمصلحة ابتداء، وذلك لأنها هي رحمة للعالمين، فإن القرآن هدى ورحمة، فلو لم تحقق نصوصه المصلحة فكيف يكون هدى ورحمة.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق: 290.
(2) المرجع السابق: 290 - 291.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 500)

وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فلو لم تكن أحاديثه تحقق المصلحة والرحمة، فكيف يكون هو رحمة للعالمين، ومن ثم فإن أدلة المؤلف - وهي أدلة القائلين بالمصالح المرسلة - تدل دلالة قاطعة على أن هذه النصوص من الكتاب والسنة هي الهدى والرحمة والمصلحة.
ألم يقل المؤلف أن الله أقام للناس مصالحهم في معاشهم، وهذا يقتضي أن يقيم لهم مصالحهم في الأحكام الشرعية؟ فكيف يتصور بعد ذلك أن النص يمكن أن لا يحقق المصلحة، ما دام أن الأحكام الشرعية تحقق المصالح في اعتقادنا وأن هذه النصوص من الكتاب والسنة هدى ورحمة فإذا لم تحقق المصلحة للناس فمن يحققها!!
فالمصالح إذن جاءت بها الشريعة، والطريق للتعرف عليها جاءت ببيانه الشريعة أيضًا، ألم يبين الله لنا أن كتابه هو الصراط المستقيم، وأن سنة نبيه هي البيان له، وأن من اتبع هذا النبي عليه الصلاة والسلام هُدِي إلى ذلك الصراط المستقيم.
أفلا يقتضي هذا اتباع نصوصه ورفض الأهواء وعدم تحكيم العقول المخالفة لمقتضى تلك النصوص.
كيف وقد جاءت هذه الشريعة بذم الأهواء، وذم التقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم … وجعلت المفارق للإِجماع المشاق للرسول صلى الله عليه وسلم متبعًا غير سبيل المؤمنين … أفلا يكفي كل ذلك للقطع بأن الهدى والخير والمصلحة والرحمة في اتباع هذه النصوص، فكيف تنكص أقلام هؤلاء الكتاب على أعقابها ثم يقولون أن المصلحة تقدم على النص، أو لم يكفهم إقرارهم أن الشريعة جاءت لإِقامة المصالح وأنها هدى ورحمة، فكيف يطلبون مصلحة فيما يخالفها ..
وإذا قالوا: إن الوقوف عند المنصوص لا يكفي فإن هناك وقائع جديدة، قيل لهم هذا لا يعذركم في تقديم المصلحة على النص، لم لم تصنعوا صنيع الصحابة والتابعين والمجتهدين من بعدهم، لم يرجعوا إلى النصوص فيستشهدونها على ما ظنوه مصلحة، فإن شهدت قبلوا شهادتها راضين، أليست

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 501)

شهادة من شريعة الرحمة والعدل، وإن لم تشهد بل ردتها، فلم لا يرضون بحكمها، أليست هي شهادة من شريعة الرحمة والعدل.
ألم يقولوا: إن معاشرتك للإِنسان الفاضل الحكيم يدلك على مقصوده إذا جاءت واقعة جديدة وظننت أن هناك مصلحة ألا ترجع إلى استشهاد طريقته وعادته وِإلْفِه فإن شهد لك أقدمت ولم يشهد أحجمت.
أفلا يرجعون إلى نصوص الشرع يستشهدونها فيما ظنوه مصلحة، فإن شهدت النصوص بالموافقة شهدوا وقبلوا، وإن شهدت بالرد شهدوا وردوا ..
- وهذا هو المنهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون وأئمة الاجتهاد وأجمعت عليه العلماء - فإن صنعوا ذلك تحقق لهم إدخال الوقائع المستجدة تحت نصوص الشارع وتحقق لهم شمول هذه الشريعة، والتزموا بمنهج الحق في الاستنباط وتركوا عقولهم وما تزينه لهم من الأهواء والشبهات ..
وها هنا شبه متولدة عن الشبه السابقة، فإن المقدمين للمصلحة على النص - بطريق البيان والتخصيص كما يفعل الطوفي، أو بتعطيله كما يفعل الشلبي - إذا احتدم النقاش قالوا: تقدم المصلحة إذ كيف تهدرون الأدلة المبيحة للعمل بالمصلحة وهي في مجموعها تفيد القطع (1).
وإني لشديد العجب أن يرى أمثال هؤلاء الكتاب أن تقديم مصلحة - ظنوا أنها مصلحة - سببه عندهم هو أن الأدلة دلت على اعتبار المصالح، وأن هذا يبرر لهم تقديمها على النص.
وما علموا أن الاستدلال لم يتم لهم، وإلّا فكيف علموا أن المصلحة هذه قد دخلت في المصالح التي دلت الأدلة على اعتبارها، هل قال الشارع اعتبرت المصالح التي تدركها عقولكم بدون شهادتي لها، أم قال إن النصوص جاءت بالمصالح فانظروا كيف تتعرفون عليها من طريق هذه النصوص.--------------------------------------------
(1) قال صاحب رسالة التعليل: " … أم يمنعون العمل بها وهو إهدار للأدلة المبيحة للعمل بالمصلحة وهي في مجموعها تفيد قطعًا" 370.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 502)

ثم إن الأمر أسهل من ذلك كله، أفلا يلتفتون إلى أمر آخر، يقولون كيف نهدر الأدلة المبيحة للعمل بالمصلحة؟ أفلا يقولون كيف نهدر الأدلة التي أوجبت اتباع النصوص وجعلته دينًا وحذرت من سواه.
أفلا يعلمون أنَّه كتابْ أنزل من لدن حكيم عليم، وبيانه من رسول كريم رحيم بوحي من الله، يحدد الخير والمصلحة ويرسم طريق السعادة، ويفصل بين الحق والباطل، ويكشف تزين الشيطان وشبهه للخلق - حيث يدعوهم إلى الفساد باسم المصلحة، وإلى الشرك باسم اتباع الأباء والأجداد، فما ترك الوحي شيئًا من شبه الشيطان إلا وكشفه، ثم يقال: إن المصلحة يمكن أن تكون في غيره، عجيبة من عجائب الفكر، وضلالة بينة حملها وزرها الطوفي وتَبِعَهُ عليها من تَبِعَهُ وذلك كله دليل على قصر العقل البشري وإن من ظن بنفسه أنه سيأتي بعلم جديد يخالف به الإِجماع، فإنما يحكم على نفسه بالوقوع في الآراء الساقطة ويذهب يخبط في عماية، ونسأل الله العافية والسلامة ..

‌‌المطلب السابع
عدم فهم بعض الباحثين لمعنى "التعبد" في الشريعة ومناقشته فيما نقله عن الشاطبي
يعتبر صاحب تعليل الأحكام أن الشارع قصد بالعبادات - التي كلف بها الناس - الامتثال ولا دخل لاعتبار المصالح فيها.
وأما المعاملات: فإنه نظر إليها أولًا من جهة تحصيل المصالح للأنام وهو الأصل فيها .. ثم أخذ في الاستدلال على التقسيم بثلاثة أدلة وهي:
1 - الاستقراء: فقد وجدنا أحكام المعاملات تحفظ على الناس مصالحهم وتدور معها حيث دارت، فترى الشيء الواحد يحرم في حال ويباح في حال أخرى كالدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة ويباح في القرض (1).--------------------------------------------
(1) تعليل الأحكام 296، وقد أخذه من الموافقات 2/ 225 بدون أن ينسب إليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 503)

2 - "أن الشارع توسع في بيان العلل والمصالح في تشريع هذا النوع، عكس العبادات، وهذا تنبيه منه سبحانه إلى أننا نسلك هذا الطريق ونسير بمعاملاتنا في وادي المصالح ولا نجمد على المنصوص الذي ربما ورد لمصلحة خاصة، وبطائفة خاصة وبإقليم خاص، وفي زمن خاص، وحاشا لشريعة الخلود أن تلزم الناس بهذا الأصر والأغلال التي صرحت في غير موضع بأنه رفع عنهم (1).
3 - "إنّ أرباب العقل في زمن الفترات قد اعتبروا المصالح في كثير من العادات فلما جاءت الشريعة أقرت منها الشيء الكثير وعدلت ما انتابته عوامل متنازعة من الإِصلاح والإِفساد، ولم تبطل إلّا ما كان منشؤه هوى النفوس وطغيان الشهوات وأما عبادتهم فقد ضلت فيها عقولهم، ولهذا هدمت الشريعة غالبها إلّا ما نقل لهم من شريعة الخليل عليه السلام.
بعد اتفاق العلماء على هذا القدر، اختلفت أنظارهم في أمر وراء هذا هو اعتبار التعبد فيها أوْلا، فمنهم من يخرج بها عن التعبد ويجعل الميزان الصحيح هو المصالح فقط، بيْدَ أنه لا يدعي خروجها عن التشريع، بل يعترف أنه ماض فيها، ولكن من هذا الطريق حسبما أرشدنا الشارع اجمالًا وتفصيلًا، ويرى فريق آخر أن التعبد له نصيب في هذا النوع لا يليق بالمكلف إهداره، فإذا ظهر التعبد في شيء وجب التسليم به والوقوف مع النصوص … استند هذا الفريق في مدعاه "وهو أن المعاملات ملاحظ فيها التعبد التي أمور منها":
ثم أخذ في ذكرها ومناقشتها ..
وقبل ذكر هذه الأدلة ومناقشتها نحصّل ما يريد قوله من كلامه السابق، وهو كما يلي:
1 - أن العبادات قصد بها في الشرع - أولًا وآخرًا - الامتثال ولا دخل لاعتبار المصالح فيها.--------------------------------------------
(1) تعليل الأحكام 296 - 297 - وقارن مع الموافقات 2/ 225 - مع أنه بنى عليه معنى غريب لم يذهب إليه الشاطبي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 504)

2 - أن المعاملات قصد بها في الشرع تحصيل المصالح أولًا، وهو الأصل فيها.
3 - أن العلماء اتفقوا على هذا القدر واختلفوا فمنهم:
(أ) "من يخرج بها عن التعبد ويجعل الميزان الصحيح هو المصالح فقط .. ".
(ب) "ويرى فريق آخر أن التعبد له نصيب .. فإذا ظهر التعبد في شيء وجب التسليم به والوقوف مع المنصوص".
وقبل أن أفصّل القول في ذكر أدلته ومناقشتها أقول أن حاصل ما ذكر في ست صفحات هو نقل عن كتاب الموافقات (1) للإِمام الشاطبي قسمه إلى أقسام:
قسم استدل به على أن المعاملات الأصل فيها اتباع المصالح، وذكر الأدلة كما هي من الموافقات، وقسم استدل به على أن المعاملات ملاحظ فيها معنى التعبد - منكرًا لهذا الرأي - وقد ذكر أدلة الشاطبي وناقشها (2).
وفي كل ذلك لم ينسب شيئًا من ذلك إلى الإِمام الشاطبي لا في القسم الأول الذي استند عليه، ولا في الثاني الذي ناقشه.
وأجمل ملاحظاتي على ترتيبه لهذا الذي نقله مع بيان مقصود الإِمام الشاطبي.
1 - أنه قال إنّ قصد الشارع أولًا وآخرًا في العبادات الامتثال ولا دخل لاعتبار المصالح فيها.
ونضيف إلى ذلك أن الشريعة جاءت لمصالح العباد سواء ما يسمى--------------------------------------------
(1) انظر تعليل الأحكام 296 - 297 - 298 - 299 - 300 - 301، وقارن مع الموافقات 2/ 222 - 223 - 224 - 225 - 226 - 227 - 228 - 229 - 230.
(2) تعليل الأحكام 297 وقارن مع الموافقات 2/ 228 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 505)