ولا بأس بأن نتذكر بعض المعالم البارزة في منهج الإِمام الشاطبي والتي أشرت إليها من قبل ومنها:
1 - إدراكه العميق لحاكمية هذه الشريعة وثباتها وشمولها وأنها قطعية.
2 - إدراكه لخطورة مسلك المبتدعة وأنه مؤد إلى رفع الضوابط الشرعية وتحكيم العقل والهوى في الشريعة ومن ثم مؤد إلى تبديلها وتغيرها كلها أو بعضها.
وأضيف هنا ما يكشف حقيقة ما نسب إليه، وأبدأ بنقل النص نفسه الذي اعتمده "صاحب رسالة تغير الأحكام" مع الإشارة إلى موضع آخر من كتاب الموافقات ولا بد من نقل النص كاملًا مع ما فيه من طول (1):
يقول الإِمام الشاطبي في معرض حديثه عن بعض معالم منهج التربية الإِسلامية وعن حقيقة الاجتهاد الخاص بالعلماء، والعام لجميع المكلفين:
"إن المشروعات المكية - وهي الأولية كانت في غالب الأحوال مطلقة غير مقيدة وجارية على ما تقتضيه مجاري العادات عند أرباب العقول، وعلى ما تحكمه قضايا مكارم الأخلاق من التلبس من كل ما هو معروف في محاسن العادات، والتباعد عن كل ما هو منكر في محاسن العادات، فيما سوى ما العقل معزول عن تقريره جملة من حدود الصلوات وما أشبهها، فكان أكثر ذلك موكولًا إلى أنظار المكلفين في تلك العادات، ومصروفًا إلى اجتهادهم، ليأخذ كل بما لَاقَ به وما قدر عليه من تلك المحاسن الكليات، وما استطاع من تلك المكارم في التوجه بها للواحد المعبود من إقامة الصلوات فرضها ونفلها، حسبما بينه الكتاب والسنة، وإنفاق الأموال في إعانة المحتاجين، ومواساة الفقراء والمساكين، من غير تقدير مقرر في الشريعة، وصلة الأرحام قربت أو بعدت على حسب ما تستحسنه العقول السليمة في ذلك الترتيب ومراعاة حقوق الجوار، وحقوق الملة الجامعة بين الأقارب والأجانب، وإصلاح ذات البين بالنسبة إلى جميع الخلق، والدفع--------------------------------------------
(1) لأن ذلك ضروري لتصحيح ما نسبه الباحث إلى الشاطبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)
بالتي هي أحسن، وما أشبه ذلك من المشروعات المطلقة التي لم ينص على تقييدها بعد، وكذلك الأمر فيما نهى عنه من المنكرات، والفواحش على مراتبها في القبيح فإنهم كانوا مثابرين على مجانبتها مثابرتهم على التلبس بالمحاسن، فكان المسلمون في تلك الأحيان آخذين فيها بأقصى مجهودهم، وعاملين على مقتضاها بغاية موجودهم، وهكذا بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبعد وفاته، في زمان التابعين، إلّا أن خطة الإِسلام لما اتسعت ودخل الناس في دين الله أفواجًا ربما وقعت بينهم مشاحات في المعاملات، ومطالبات بأقصى ما يِحَقُّ لهم في مقطع الحق، أو عرضت لهم خصوصيات ضرورات تقتضي أحكامًا خاصة، أو بدت من بعضهم فلتأت في مخالفة المشروعات وارتكاب الممنوعات، فاحتاجوا عند ذلك إلى حدود تقتضيها تلك العوارض الطارئة، ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات، وتقييدات تفصل لهم بين الواجبات والمندوبات، والمحرمات والمكروهات، إذ كان أكثرها جزئيات لا تستقل بإدراكها العقول السليمة فضلًا عن غيرها، كما لم تستقل بأصول العبادات وتفاصيل التقربات ولا سيما حين دخل في الإِسلام من لم يكن لعقله ذلك النفوذ من عربي أو غيره أو من كان على عادة في الجاهلية وضرى على استحسانها فَرِيقُهُ ومال إليها طَبْعهُ، وهي في نفسها على غير ذلك، وكذلك الأمور التي كان لها في عادات الجاهلية جريان لمصالح رأوها، وقد شابها مفاسد مثلها أو أكثر، هذا إلى ما أمر الله به من فرض الجهاد حين قووا على عدوهم، وطلبوا بدمائهم الخلق إلى الملة الحنيفية، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنزل الله تعالى ما يبين لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان، تارة بالقرآن، وتارة بالسنة، فتفصلت تلك المجملات المكية، وتبينت تلك المجملات، وقيدت تلك المطلقات، وخصصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات، ليكون ذلك الباقي المحكم قانونًا مطردًا وأصلًا مستنًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليكون ذلك تمامًا لتلك الكليات المقدمة، وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلًا من الله ونعمه، فالأصول الأولى باقية لم تتبدل ولم تنسخ، لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها، وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)
وهذا كله ظاهر لمن نظر في الأحكام المكية مع الأحكام المدنية فإن الأحكام المكية مبنية على الإِنصاف من النفس وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى حقوق الله أو حقوق الآدميين.
وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات والرخص والتخفيفات، وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات فإن الكليات كانت مقررة محكمة بمكة، وما أشبه ذلك، مع بقاء الكليات المكية على حالها وذلك يؤتي بها في السور المدنيات تقريرًا وتأكيدًا فكملت جملة الشريعة والحمد لله بالأمرين وتمت واسطتها بالطرفين، فقال الله تعالى عند ذلك: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} وإنما عُنيَ الفقهاء بتقرير الحدود والأحكام الجزئيات التي هي مظان التنازع والمشاحة، والأخذ بالحظوظ الخاصة، والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة، وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط للفصل بين ما أحل الله وما حرم، حتى لا يتجاوزوا ما أحل إلى ما حرم الله فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة حين صار التشاحّ ربما أدى إلى مقاربة الحد الفاصل، فهم يزعونهم عن مداخلة الحمى، وإذا زل أحدهم يُبين له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية آخذين بحجزهم، تارة بالشدة وتارة باللين" (1).
ويشتمل هذا النص على المعاني الآتية:
1 - المشروعات المكية غير محددة، لكي يجتهد المكلفون ويأخذ كل بما يليق به من المقدار الذي يستطيعه، وقد كان الصحابة يثابرون عليها ويبلغون بها غاية مجهودهم.
2 - أنه لمّا اتسعت خطة الإِسلام ودخل فيه الناس أفواجًا ووقعت منهم بعض المخالفات لبعض المشروعات وارتكاب بعض المنهيات، ولاحت بينهم--------------------------------------------
(1) الموافقات 4/ 155 - 154 - 156.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)
المشاحات والخصومات، انتقل منهج التربية الإِسلامية - المتمثل في الكتاب والسنة - إلى مراعاة هذه الوقائع الجديدة، ونزلت أحكام الشريعة بما يفض الخصومات، ويفصل أحكام المكروهات والمحرمات والمندوبات والواجبات.
3 - أن الفقهاء عنوا أشد العناية بهذه المرتبة، وهي التي تليق بالجمهور فاستنبطوا الأحكام الجزئية الخاصة بها، وقاموا بحماية الحد الفاصل بين الحلال والحرام، وأمَّا ما يخص الأخلاق والارتفاع إلى المنازل العالية فيها، وبذل غاية الجهد في تحقيقها والمحافظة عليها، فقد تركه الفقهاء رحمهم الله لجهد المكلف لأنه في أكثر الأحيان يستقل بمعرفته وتطبيقه، ومتروك لجهده الذاتي وقوة إيمانه ولا تلزمه الشريعة بالمراتب العالية، إلّا أن يلتزمها بنفسه .. وهذه مراتب الإحسان التي حققها الصحابة، وتابعهم فيها أئمة الهدى من التابعين وتابعيهم ومن اقتدى بهم فيها، وبهذا النوع اهتم الزهاد والعباد من أهل العلم، من أمثال مالك وأحمد وغيرهم كثير من العلماء ومن اقتدى بهم (1)، وهذه المراتب هي ما يسميه الشاطبي العزائم المكيات، وهذه هي التي ثبت عليها الصحابة - رضوان الله عليهم - وأولو العزم ممن اقتدى بهم من بعدهم، ولم تزحزحهم عنها الرخص المدنيات، واستمروا في بذل الجهد على التمام (2).--------------------------------------------
(1) وهذا الذي لم يفهمه أعداء الإِسلام أو فهموه واستمرؤا المعاندة والمكابرة حتى قالوا إنّ الفترة التي عاشها الصحابة - وهم الجيل الأول - لم تتكرر، والجواب أنها تكررت من ناحية النوع لا من ناحية الكم، وأما من ناحية الكم فإنه لا يتصور أن تكون حالة الأمن في المجتمع الإِسلامي وحالة الكثرة الكاثرة من الأفواج المتدفقة إلى الإِسلام مثل حالة البدء في بناء المجتمع الإِسلامي وحالة القلة التي كانت تتفاعل مع منهج التربية بجميع كيانها العقلي ثم النفسي والروحي والجسدي، ومع هذا فإن هذه الشريعة وإن طلبت من الناس أن يرتفعوا إلى منازلهم - وألزمت من التزم بالقدر الذي التزمه - لكنها لم تلزمهم ابتداءً بتحقيق ذلك المطلوب، ولا يعني أنها خيرتهم في العمل بالشريعة، كلا، وإنما المقصود أنها ألزمتهم بتطبيق الشريعة جملة وتفصيلًا في حياتهم الخاصة والعامة وهذه مرتبة الإِسلام والإِيمان، ولم تلزمهم بمرتبة الإحسان التي هي مرتبة الصحابة رضوان الله عليهم بل ندبتهم إليها وحببتها لهم.
(2) 4/ 156 - 157.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
هذا هو مقصود الإِمام الشاطبي الذي أدرك بعمق حقيقة منهج التربية الذي دعت إليه هذه الشريعة، وحددت جميع معالمه بما اشتملت عليه من أحكام، والذي واكبت فيه القدرات الفذة للنفس البشرية التي بلغت الذروة في اقامة الحق والإِحسان، وواكبت فيه أيضًا في المرحلة المدنية طبيعة النفس البشرية، وهي وإن لم تلزمها بمراتب الإحسان إلّا أنها لم تقبل منها تضييع الحق والإِعراض عنه.
وهذا كلام محكم دقيق تلوح منه معالم منهج التربية الإِسلامية ممتزج بأصول الفقه وهذا ليس فيه أن الكليات ثابتة والجزئيات متغيرة كما فهم بعض الباحثين، بل في النص المنقول ما هو صريح بثبات النوعين، حيث يقول الإِمام الشاطبي عن المرحلة المدنية التي تبعت المرحلة المكية " … فتفصلت تلك المجملات المكية وتبينت تلك المجملات وقيدت تلك المطلقات وخصصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات ليكون ذلك الباقي المحكم قانونًا مطردًا وأصلًا مستنًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وليكون ذلك تمامًا لتلك الكليات المتقدمة وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلًا من الله ونعمة … " (1).
فالمجموع من الكلي والجزئي، محفوظ ثابت، وقانون مطرد في جميع العصور والأزمان، والمدني مبني على الكليات المكية المتقدمة ومتمم له.
بقي أن ننظر في السبب الذي حمل الباحث على أن يستنتج ذلك المعنى الفاسد فنجد ذلك يرجع إلى عدم فهمه لقول الإِمام الشاطبي: " … وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات … " (2).
فنقل النص من معنى صحيح إلى معنى فاسد، والمعنى الصحيح كما قدمت آنفًا، أن من أسباب تفصيل الأحكام الجزئية في المدينة هو حدوث وقائع لم تكن فيما تقدم - في المرحلة المكية - وقد علل الشاطبي ذلك تعليلًا حسنًا.--------------------------------------------
(1) 4/ 155.
(2) 4/ 155.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)
والمعنى الفاسد الذي استنتجه الباحث هو كما قال: "إن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة لمكة … " (1)، وأنها تخالفها من حيث الثبات (2).
ودخل عليه الفساد من أوجه عدة منها:
1 - عدم ملاحظته للمعنى الجلي الذي يدل عليه كلام الشاطبي ومنه:
(1) أن الأحكام الكلية بمكة والجزئية بالمدينة أصبحت بعد انقطاع الوحي قانونًا مطردًا وأصلًا ثابتًا إلى يوم القيامة (3).
(ب) أن الأحكام المدنية الجزئية إنما جاءت لتكون تمامًا لتلك الكليات المكية المتقدمة (4).
2 - عدم ضبطه لمعنى النص وذلك لزيادته فيه عبارة أخلت بالمعنى المقصود عند الشاطبي، فالنص الذي في الموافقات هو: "وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم" وبالمقارنة مع استنتاج الباحث يتبين أنه أدخل فيه معنى زائد وهو قوله: "وقائع غير الكليات المقررة بمكة" وخطأه يعرف بأن نفرق بين ارتباط الأحكام المدنية بالكليات المكية، وبين عدم تنزل الأحكام المدنية على وقائع مكية، وذلك يعرف بالوجهين الثالث والرابع.
3 - عدم فهمه لمقصود الإِمام الشاطبي من التفريق بين المكي والمدني في هذا الموضع ومقصوده أمران:
(أ) أن أحوال الصحابة - رضوان الله عليهم - في مكة من حيث قلة العدد وانشغالهم الكامل بإقامة الحق، وكونهم قاعدة الحق الذي أشرف الرسول صلى الله عليه وسلم على تربيتها بنفسه، وكونهم في أعلى المنازل عبادة وجهادًا، وكونهم مطاردين معذبين، يتوقد إيمانهم ويتوهج، وهم في--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 522.
(2) انظر ما سبق ص 522.
(3) الموافقات 4/ 155.
(4) الموافقات 4/ 154.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
ذات الوقت متحابون متآلفون لم يخالطهم مخلط ولا منافق فكانت أمورهم حينئذ تجري على الصلاح والتوفيق، والأخذ بالعزائم والإِيثار والصبر، فلم يكن بينهم ما يتقضى نزول الأحكام الخاصة لفض المنازعات والخصومات، لأن وقائعها لم تكن في الغالب في المرحلة المكية، ثم كانت بعد في المرحلة المدنية.
(ب) أن هذا لا يعني أن ما نزل بالمدينة لم يكن له صلة بالكليات المكية، كلًا ومما يؤكد ارتباط ما بينهما ما ذكر الشاطبي مفصلًا من أن الأحكام التي نزلت بالمدينة ترجع إلى الأصول المكية (1).
وتفسير كونها مرتبطة بتلك الأصول مع أنها لم تكن لها وقائع بين الصحابة يسير جدًّا والحمد لله، فالمنازعات والخصومات التي نزلت بخصوصها أحكام في المدينة مرتبطة بالكليات المكية وإن لم توجد بين الصحابة بالمرحلة المكية، وارتباطها يظهر من أن المنازعات والخصومات فيها ظلم واعتداء ولا شك، فنزلت لها تفصيلات مدنية، وأصلها في مكة موجود وذلك في الكليات التي تنهي عن الظلم والبغي والعدوان. ومن هنا تكون مرتبطة بالكليات المكية، وتكون غير واقعة بين الصحابة في المرحلة المكية، ومن هنا يصح قول الشاطبي: "وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات"، ومن هنا نعلم مقصده رحمه الله، وتبين لنا أنه لم يفرق في الثبات بين ما نزل بمكة وما أنزل بالمدينة، أي بين الكليات والجزئيات ولا بين ما يدخله الاجتهاد الخاص، ولا بين ما يدخله الاجتهاد العام.
4 - عدم فهمه لقول الشاطبي: " … فالأصول الأول باقية لم تتبدل ولم تنسخ لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها، وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات" (2).--------------------------------------------
(1) انظر الموافقات 4/ 155.
(2) 4/ 155.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)
فليس فيه ما يدل على أن الجزئيات يقع عليها التغير بعد انقطاع الوحي، وحاصل ما فيه أن النسخ وقع بالمدينة ولم يقع بمكة.
أما بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا نسخ ولا تغيير لا في الكليات ولا في الجزئيات .. وإليك ما قاله الإِمام الشاطبي وقد سبق:
يقول رحمه الله وهو يتحدث عن أوصاف الشريعة: "الثبوت من غير زوال فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا، ولا تخصيصًا لعمومها، ولا تقيدًا لإطلاقها ولا رفعًا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع وما كان شرطًا فهو أبدًا شرط، وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدل ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (1).
وبهذا يتبين الصبح لكل ذي عينين، لنعلم بعد ذلك أن ما نُسب إلى هذين الإِمامين الجليلين الشاطبي وابن القيم ليس بشيء وإن إلصاق ما يسمى "بقاعدة تغير بعض الأحكام بتغير الزمان" بهما لا دليل عليه بل شُبه على هذين الباحثين كما شُبه على غيرهما، ودعوى اتباع المصالح أو الأعراف أو العوائد لا تصلح لتأسيس هذه "القاعدة" المحدثة، ولا بد أن يعلم جميع الخلق علماؤهم وعوامهم أن جميع الأحكام التي جاءت بها هذه الشريعة لا زوال لها ولا تبدل ولا تغير في جميع العصور والأزمان.
وإنّ في هذه الشريعة المباركة منهجًا أصيلًا يحدد موقفها من إصلاح المجتمعات البشرية، وجميع ما فيها من انحرافات كلية أو جزئية - سواء انتشرت هذه الانحرافات تحت دعوى اتباع المصالح، أو اتباع العادات والأعراف.
ونختم هذه الدراسة ببيان موقف الشريعة من إصلاح عادات البشرية وأعرافها، وكيف حددت للناس طريق التعرف على المصالح الحقيقية.--------------------------------------------
(1) 1/ 41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)
المطلب العاشر
موقف الشريعة من العادات والأعراف والمصالح
إن من الأعراف والعوائد ما يحتاجه الإِنسان بسبب ما يحيط به من بحار أو أنهار وما تحت يده من معادن .. وما يحتاجه من الصنائع والمتاجر، وقد سبق ذكر بعض الأمثلة كاستصناع الثياب ووقف بعض المنقولات .. ونحو ذلك ..
ومنها ما لا يحتاجه بل صار عرفًا وعادة بسبب شهوة منحرفة وشبهة مغرضة كبدعة المولد التي خلفها الحكم الشيعي الفاطمي في مصر، وما ورثه الأبناء عن الآباء من عقائد الجاهلية.
{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (1).
والعرف والعادة لهما من القوة في نفوس الناس حتى أن الأنبياء والمصلحين ليجدون من العنت والمشقة والجهد والصعاب، في طريق تصحيح الاعتقاد والعادات ما يثقل كواهلهم ويجعلهم يصابرون ويرابطون حتى يكرمهم الله بالتثبيت ويعينهم على أداء مهمتهم.
ولقد جاء الإِسلام ليصحح للناس عوائدهم ما يتصل منها بالعقيدة - مثل ما اعتادوه من عبادة الأصنام والنجوم والأولياء، وما اعتادوه من التشريع من دون الله أو ما يتصل منها بالأعمال كشرب الخمر، والتطفيف في المكيال والميزان والتبايع بالربا، وزواج الأخدان، والتناصر على الظلم، والتفاخر بالقوميات، ونحو ذلك، من عادات الجاهلية.
وهذه العادات وما شابهها أبطلها الإِسلام وأبدل المؤمنين به خيرًا منها، وألزمهم بمحاربتها ومقتها والبراءة منها.
وهناك عادات أخرى عند الأمم، يأتي الإِسلام ويصلحها ويزينها ويطهرها من القصد الفاسد ويدخلها في نظامه التشريعي بعد أن يقوم بذلك كله، فتصبح--------------------------------------------
(1) سورة الزخرف: آية 23.
انظر العرف والعادة 15، وانظر أصول الفقه للشيخ أبو زهرة 216.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)
لها مكانة جديدة وقصدًا صالحًا، كعادة الكرم والشجاعة، فإذ انظرت لها في الإِسلام وجدتها تحمل معاني جديدة وصفات بديعة وطبيعة مستقلة حتى لكأنها ليست هي تلك العادة الموجودة عند الأمم الأخرى وإن كانت تأخذ الصورة نفسها، ولأن الانحراف والاستقامة والضلال والهدى يعتوران البشرية فلا ينقطع أحدهما، بل تارة يغلب هذا، وتارة يغلب ذلك - بقدر ما يبذله البشر من جهد نحو الاستقامة والهدى، أو بقدر ما ينحدرون فيه من الانحراف والضلال، فإن هذه العادات وتلك الأعراف التي تعيشها الأمم يعتورها الضلال والهدى والانحراف والاستقامة أيضًا ومن ثم كان للإِسلام موقفه المحدد منها تمامًا كما كان موقفه منها أول مرة، فيكون هو الحاكم عليها يبطل منها ما يبطل، ويقبل منها ما يقبل حسب منهجه ومفاهيمه ومقاصده ولذلك تجد الأعراف والعادات تخضع عند الفقهاء رحمهم الله تعالى لميزان الشريعة فما قبلته الشريعة حسب مفاهيمها ومقاصدها فهو عادة حسنة وعرف حسن، وما أبطلته فهو عادة قبيحة وعرف قبيح، تمامًا كما نقول فيما يظنه الناس مصلحة، فنقول هذه مصلحة لأن الشريعة حكمت بذلك، وهذه ليست مصلحة لأن الشريعة حكمت بأنها مفسدة، وهذا هو القدر المشترك بين المصالح والعادات والأعراف، وهو شديد الإتصال بقضية البحث، فإن أكثر الناس - وتابعهم على ذلك بعض الباحثين - قد حكموا ما يرونه مصالح وما درجوا عليه من العادات والأعراف، فجعلوها حجة على الشريعة، فغيروا منها ما غيّروا، وزعموا بذلك أنهم يطلبون الإِصلاح والتوفيق، والمصالح، ويتبعون العادات والأعراف، وما علموا أنهم بذلك ينحرفون عن الحق ويتنكبون طريق هذه الشريعة، ولو استقاموا عليها لنبذوا تلك الانحرافات العقائدية والعملية التي سموها عادات وأعرافًا ومصالح فإن الشريعة لم تُسلّم بدعوى الخلق أن هذه مصلحة أو عرف حسن أو عادة طيبة، بل وضعت الضوابط لتلك الأعراف والعادات التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات فقبلت منها ما قبلت وأبطلت منها ما أبطلت، ووجهتها في القبول والإبطال تحقيق معنى العبادة لله وحده، وإلزام الناس بالحق، وتكليفهم بإقامة العدل الرباني في الأرض، وعلى ذلك ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأبطل عادات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)
الجاهلية وأعرافها التي نشأوا عليها، من عبادة غير الله، كعبادة الأصنام، والتشريع من دون الله، وغير ذلك من أحكام وعادات الجاهلية كالتبايع بالربا، ولعب الميسر، والتبني وزواج الأخدان، ونحو ذلك، فلما استقام أصحابه - رضوان الله عليهم - على الحق ولم تعد تتحكم فيهم العادات والأعراف الجاهلية، كانت وجهتهم هذه الشريعة بأحكامها العامة والخاصة، إليها يتحاكمون وبها يوقنون، فأخضعوا مجتمعهم بجميع ما يجدّ فيه من أعراف وعادات - نتيجة إلتقائهم بالأمم الأخرى لهذه الشريعة، وعلموا أنها هي المصلحة والعدل، ولم يمنعهم من ذلك انتشار تلك الأعراف والعادات وتأصلها في الأمم الأخرى، بل أقاموا الملة دون التفاتٍ إلى ذلك، وهذا هو منهجهم القويم في نشر الإِسلام وتحكيم الشريعة، ولهم في رسول الله قدوة حسنة، وفي صاحبه وخليفته أبي بكر رضي الله عنه من بعده، فإنه قد أقام الملة ولم يلتفت إلى العوارض الطارئة، كما قال الإِمام الشاطبي في الاعتصام (1)، وذلك منهم جهاد محمود وسنّة متبعة، لو استمسك بها المسلمون من بعدهم لاستقام أمر الدين وصلح حال الخلق، وقد حفظ سيرة الراشدين فقهاء الأمة المعتبرون من السلف الصالح، حيث حكموا الشريعة على الأعراف والعادات، فاشترطوا لقبول العادة الجارية بين الخلق والأعراف المتمكنة فيهم عدم مخالفتها لأحكام الشريعة الإِسلامية، ولا عليهم بعد ذلك من اجتماع الخلق على عرف أو عادة، فإن العبرة ليست بما يقرره المخلوقون (2)، بل العبرة بما يقرره خالقهم، ولم يعتبر الفقهاء ما يراه الخلق مصلحة أو عرفًا حسنًا أو عادة مقبولة إذا كانت تعارض حكمًا من أحكام الشريعة، ولم يضرهم ويفت في عضدهم غلبة تلك الأعراف أو العادات، كما لم يفت في عضد أبي بكر رضي الله عنه غلبة أهل الردة وما أرادوا إقراره من--------------------------------------------
(1) الاعتصام 2/ 356.
(2) بل العبرة بما تقرره هذه الشريعة، ومن العجب أن كثيرًا من الناس يريدون من هذه الشريعة شمولًا يناسب انحرافاتهم، ويطلبون منها أحكامًا تناسب أصولهم العقائدية ومقاصدهم المنحرفة، والشريعة لم ينزلها الله لذلك وإنما أنزلها كما قلنا من قبل ليختارها الناس ويسلّموا لنهجها الرباني لا ليشترطوا عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)
الباطل وتغيير بعض أحكام الشريعة بدعوى تغير الحال بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجيء زمن آخر وهوعهد أبي بكر رضي الله عنه، بل اجتهد أبو بكر ما استطاع في إقامة الملة وحفظ أحكام الشريعة، ولم يقبل من أهل الردة تغيير حكم من أحكامها ولا الامتناع عنه حتى ولو كان عقالًا كانوا يلتزمون بتقديمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كانوا يعتبرونه دينًا ولم يعتبر الخليفة الراشد أبو بكر رضي الله عنه العوارض الطارئة، من ارتداد العرب واجتماع الروم على حدود الجزيرة، ومشورة بعض المجتهدين حيث ظن أن المصلحة في ترك قتال بعض العرب - الذين أرادوا تغيير بعض أحكام الشريعة وامتنعوا عن الالتزام بها، لم يعتبر أبو بكر رضي الله عنه شيئًا من ذلك البتة (1) بل صبر رضي الله عنه على إقامة الملة والمحافظة على أحكام الشريعة وعدم التفريط في حكم منها، حتى اجتمعت معه على الحق القلوب، ونصر الله به هذه الشريعة، ولم يجد المغيرون لبعض أحكامها والممتنعون عن ذلك طريقًا إلى تحقيق مقاصدهم، وقد استن الفقهاء من السلف بهذا الفقه العظيم من أبي بكر رضي الله عنه وحافظوا على أحكام الشريعة، وهذا الذي ينبغي أن يصير إليه علماء المسلمين في العصر الحاضر، فيحكّموا الشريعة على عادات وأعراف الجاهلية الحديثة المتمثلة في أفكار وعقائد ومذاهب فكرية وقوانين وضعية مخالفة للشريعة الإِسلامية، صدرها إلينا الغزو الفكري الحديث فما قبلته الشريعة فهو الحق (2)، وما أبطلته فهو الباطل ولو اجتمع عليه عقلاء الأمم وحكماؤها، إنّ على علماء المسلمين أن يعلموا علم اليقين أن هذه الشريعة إنما جاءت لتصحح للبشرية كافةً جميع ما عرفته وتعودته من مفاهيم وعقائد وأحكام وأخلاق، جاءت لتفرق بين الحق والباطل، والإِسلام والجاهلية، والمصلحة والمفسدة، والمعروف والمنكر، هذه مهمتها، وهذه هي مهمة العلماء القائمين بحقها:--------------------------------------------
(1) الاعتصام 2/ 356، 357.
(2) ويصبح حينئذ من الشريعة لا باعتبار أنه حكم وضعي بشري بل بإعتبار أنه من الشريعة لأنها أقرته واعتبرته ولم ترده وإلّا لم يكن له شرعية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)
{وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (1).
وبهذا الحق الذي تدعوا إليه هذه الشريعة والذي إلتزمه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون من السلف الصالح تسقط تلك الاعتبارات الزائفة والأفكار الدخيلة فلا عبرة بمبدأ ولا عقيدة ولا مذهب ولا عرف ولا عادة تخالف هذه الشريعة، ولو ظنه أهل الأرض بعقولهم المجردة خيرًا ومصلحة، ولا يقال أن أهل الأرض لا يمكن أن تفوتهم المصلحة والخير، لأنا نقول قد فاتهم ذلك، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب" (2) فهؤلاء جملة العرب والعجم ولم تسعفهم عقولهم بمعرفة المصلحة والخير، بل كانوا على ضلالة وبدع وانحراف في العقيدة والأحكام والأخلاق، ولم ينج من ذلك إلّا من كان لهم مصدر رباني يستقون منه ويرجعون إليه، ولا يقال أن من بعدهم من الأمم أعقل منهم، بل الناس في ملكة العقل مشتركون، ولم يمنع العقل البشرى في هذا العصر سقوط أكثر البشرية في جاهليات أقبح وأشنع من جاهلية العرب والعجم قبل الرسالة، إن العقل البشري لا يمكن أن يستقل بإدراك مصلحته ومن ثم لا يمكن أن يحدد منهج الحياة الطيبة المستقيمة، وإن فيما تقرر في ثنايا هذا البحث من أن الله سبحانه هو الذي ينزل العقائد والأحكام، وهو أعلم بمصلحة خلقه، والخلق لا يعلمون إلّا ما علمهم الله (3)، وأنه ليس لأحد كائنًا من كان لا أمة ولا هيئة ولا كبير ولا صغير أن يعارض حكمًا من أحكام الشريعة، ولا أن يقدم عليه عرفًا أو عادة أو ما يزعم أنه مصلحة، لا في العقيدة ولا في الشريعة، وتستوي في ذلك أحكام الصلاة والجهاد، والأموال والدماء، وأحكام العلاقات الداخلية--------------------------------------------
(1) سورة الأحزاب: آية 4.
(2) رواه مسلم عن عياض بن حمار، في كتاب الجنة باب الصفات التي يُعْرفُ بها في الدنيا أهل الجنة 4/ 197، وأحمد في المسند 4/ 162.
(3) حتى في عالم المادة فقد جعل الله لها أسبابًا ودلهم عليها في كل زمن حسب قدراتهم، وما يحتاجون إليه، وأما أمر عقيدتهم وشريعتهم فقد أكده بإرسال الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام وأنزل الشريعة الخاتمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)
والخارجية، العام منها والخاص، والرسل والعلماء والأمم أمام ذلك كله ملزمون بالخضوع والانقياد والطاعة والإِذعان، وإلا فهو الهلاك والفساد والضلال والانحراف، لا تنجي منه عقول العقلاء ولا حكمة الحكماء، وقد حقق الرسل واتباعهم تلك العقيدة فأقاموا العدل الرباني في الأرض واستقاموا على الطريقة المثلى، وبقدر ما انحرف الناس عن ذلك المنهج والطريق بقدر ما أصابهم من الفتنة والانحراف والفساد، ذلك أن مصدر الخير والسعادة والفلاح هو تلك الشريعة، وجعلها الحكم الأول والأخير على كل شيء، وأما العقول البشرية فهي مصدر الاضطراب والحيرة والشقاء والانحراف، وواقع البشرية - التي منحها الله نعمة العقل - خير شاهد قديمًا وحديثًا في كل فترة انحرف فيها العقل عن أحكام هذه الشريعة المصدر الرباني للهدى والعدل. وكون العقل وحده لم يأت للبشرية - في مجال العقيدة والأحكام - بخير، وكون الشريعة هي الخير كله، لك ذلك لا يمكن أن يتغير مفهومه وينقلب مهما تغيرت الأزمان والأمكنة، ومن هنا فإن نتاج العقل البشري الذي لا يلتزم بالشريعة لا يصلح معارضًا لأحكامها، ولا يُقدم عليها، وهذه عقيدة بينة لا يجوز لأحد أن يخالفها، ومن هنا تسقط تلك الشبهة العريضة من أن أحكام المعاملات والنظام الاجتماعي قد تتغير لتغير مصالحها ومن ثم لا بأس بتبديلها (1).
والجواب الذي يقطع دابر هذه الشبهة، وقد سبق ما يكفي في ذلك - هو أن تغير الأحوال والأزمنة لم تغفله الشريعة بل وضعت له أحكامًا تخصه كما قلنا، فاختلاف الأزمنة التي تأتي على المسلمين فترة القوة، وفترة الضعف، جعل الله لكل زمن حكم يخصه في حال القوة، وكذلك في حالة المجاعة والحاجة وفي حال الاكتفاء، أمر في الأولى بعدم قطع السارق، وفي الثانية بالقطع، وهكذا ولا تعني مراعاة الشريعة للأزمان والأحوال والقدرات أنها تركت تحديد المصلحة وتشريع الحكم للعقل البشري، كلا فإنها لم تترك ذلك له لا في العبادات ولا في المعاملات ولا فيما يسميه بعض المحدثين النظام الاجتماعي، ولا وجه للتفريق--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 459 - 460.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 539)
بين هذه الأحكام أو تلك، لأن ضابط شرعية المصلحة إما أن يكون حكم الشرع، أو حكم العقل أو مجموعهما، فإن كان حكم الشرع، راجعنا إلى الحق الذي جاء به الإِسلام وعمل به الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون.
وإن كان هو العقل - فلا وجه للتفريق بين مصلحة ومصلحة وبين جانب من الشريعة وجانب آخر، فلعل العقل يغير أحكامها جميعًا فتكون الحجة له حينئذ والعقول متفاوتة فمنها ما سيحكم بتغير أحكام المعاملات، وبعض العقول يغير العبادات وهكذا، وإذا جاز إبطال حد واحد جاز إبطال سائر الحدود كما قال الشاطبي - وقد سبق (1).
فإن قيل علمنا التفريق بين ما يمكن تغيره وما لا يمكن - من فعل الصحابة - رضوان الله عليهم - وفعلهم حجة، فالجواب أن هذا لم يثبت وفيما فصلته من البيان كفاية في إظهار الحق إن شاء الله.
وإِمّا أن يكون حكم الشرع والعقل، وهنا نقول إِمّا أن يتفقا وِإمّا أن يختلفا، فإن اتفقا فالحكم للشرع، والعقل تابع كما تقرر من قبل (2). ومما يدل عليه هنا ويؤكده الحالة الثانية، وهي إن اختلفا فإما أن يقدم الشرع وهو الأول، وإما أن يقدم العقل وهو باطل، وإن قدم فلا وجه للتفريق بين جانب من الشريعة وجانب آخر ولا مصلحة ومصلحة كما قلنا آنفًا، فلزم على قاعدة تغير الأحكام بتغير المصالح ما لزم من المفاسد، وبهذا يتبين أن هذه المقالة لا تقبلها الشريعة، لأنها تقتضي فيما تقتضي - أن نحكم بتغير حكم الحادثة الواحدة إذا زعم العقل أن مصلحتها تغيرت، فمثلًا لو حكم العقل بزعمه أن حكم قطع يد السارق - إذا تحققت شروط القطع - لم يعد يحقق - المصلحة كما كان يحققها في العصور الماضية، وعليه فيجب تغيير هذا الحكم، فإن هذا التغيير وإن دخل في معنى تلك القاعدة على ما قدمناه آنفًا إلّا أنه لايقول به مسلم عامي فضلًا أن يكون معنى شرعي يجوز نسبته إلى الفقهاء.--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 420.
(2) انظر ما سبق ص 286/ 420.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)
إن تغيِّرَ الفتوى إذا تغيّرَ تحقيقُ المناط لكي تنتظم كلُّ واقعةٍ تحت حكمها الشرعي، لا صلة له البتة بتغيّر أحكام الشريعة بزعم تغيّر المصالح بتغير الأزمنة، ومن هنا فإن الفقه الإِسلامي يتجدَّد ولا يجْمُدْ، حيث يأخذ كل واقعة بخصوصها فيدخلها تحت حكمها الشرعي حسب تحقق مناطها، فإن جاء زمن آخر تجددت تلك الواقعة على صورة أخرى وتغيّر تحقيق مناطها، وُضِعت تحت حكمها الخاص بها وهكذا، وإذا جاءت واقعة جديدة نُظر في حكمها الخاص بها حسب تحقق مناطها وهكذا، ولكل واقعة حكم، والاختلاف في الأحكام في الزمن الواحد وفي جميع الأزمان إنما هو اختلاف وقائع واختلاف تحقيق المناط، ولكل واقعة بحسب تحقق مناطها حكم ثابت يحقق المصلحة في جميع الأزمان إلا أن يتغير تحقيق المناط، أي تتغير الواقعة فَيُدْخلُها الفقهُ حينئذ تحت حكم يخصها، وسيأتي الحديث عن الفقه بين الجمود والتجديد في الفصل التالي والله المستعان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 541)
الفصل الخامس
مواطن الإِجماع ومواطن الخلاف وقضية الثبات والشمول
توطئة:
إن المنهج الرباني المتمثل في هذه "الشريعة" قد أخرج خير أمة للناس، من أهم خصائصها الإِيمان بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر ..
والأمر بالمعروف لا يكون إلّا بعد معرفته، وكذلك النهي عن المنكر، وقد يسّر الله سبحانه لهذه الأمة طريق التعرف على ذلك، وجعل فيها ربانيين يعْلَمُون الحق وبه يعدلون، وهؤلاء هم قادتها المجتهدون من أهل العلم والبصيرة في الدين، القائمون بالعدل في تربية الأمة وحملها على الحق وبذل الجهد للحيلولة بينها وبين الشرك والشك والشقاق والنفاق والبدع وسوء الأخلاق، وهؤلاء هم ورثة الأنبياء، اكتسبوا هذه الوراثة بعملهم وعلمهم، وقد وفقهم الله لذلك - وعلم منهم صحة الاعتقاد وسلامة النية وصدق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم فجعل لهم عند الأمة مكانة طيبة ومنزلة عالية، فكان منهم أئمة الصحابة، وأئمة التابعين، وأئمة تابعي التابعين، ثم في كل جيل بعدهم أئمة هم محل القدوة، ومنهم تعرف الأمة حكم الله، حيث هم الأدلاء عليه، الذين يستنبطونه من المنهج الرباني، ويعرّفون الناس به، وهؤلاء الأئمة في كل جيل هم صفوته المختارة، وبهم يتم العقد والحل فيها، وهم أهل الاجتهاد، وبهم ينعقد الإِجماع.
و"الأمة" الخيّرة ترتبط بهؤلاء ارتباطًا وثيقًا، يشده ويقويه إدراكها العميق أن هؤلاء هم أهل الجهاد والعلم والبصيرة، فقد علمت الأمة مكانتهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 543)
لا بالأقوال ولا بكثرة الأموال، وإنما علمت مواطن جهادهم، وقوة صبرهم، ومواقفهم الثابتة في نصرة الحق، حتى قدموه على الأموال والأولاد، وعلى زينة الحياة الدنيا، فصبروا وصابروا ورابطوا، فأخذوا مكانتهم في الأمة لا رغبة منهم بل رغبة منها فهي التي حرصت عليهم، وجعلتهم في المقدمة تقتدي بهم وتنصرهم، وتعلم علم اليقين -كما علمها الله- أن هذه الصفوة من كل جيل لا يمكن أن تجتمع على طلب غرض من أغراض الدنيا، ولا على اتباع هوى وتفريط في الحق، لأن الله علم منها الصدق فجعل لها تلك المنزلة، فهي خلاصة منهج التربية المنبثق من تلك الشريعة، فلا يتصور أن يخالفوها مجتمعين، ومن ثم عصم الله جماعتهم من الخطأ وأيقنت الأمة بذلك فانقادت لما أجمعوا عليه وعلمت أنه حكم الله وشرعه.
هذه هي طبيعة الأمة الخيرة وهذه هي منزلة المجتهدين، وذلك هو الطريق الذي توصلوا به إلى تلك المنزلة، وبه تم الارتباط الوثيق بينهم وبين الأمة، وهذه التوطئة مع ما فيها من إيجاز تعرفنا بحقيقة الإِجماع، ومعناه اللغوي والشرعي مواكب لما قدمته آنفًا، فهو في اللغة مصدر أجمع يجمع إجماعًا فهو مجمع، وجمع أمره عزم عليه، وأجمع القوم على كذا أي اتفقوا (1).
وفي الاصطلاح الشرعي: "اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على أي أمر كان" (2) وفيه دلالة على أنهم إن اتفقوا كان ذلك منهم إجماعًا، وإن--------------------------------------------
(1) انظر مادة "جمع" في اللسان 8/ 57.
(2) جمع الجوامع مع حاشية البناني 2/ 276، وعرفه البيضاوي بقوله "هو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من الأمور" 2/ 273، وصححه الأسنوي 2/ 275. والمراد بالاتفاق ما يشمل القولي والفعلي، وأهل الحل والعقد المقصود بهم أهل الاجتهاد، وقيد "مجتهد" يدخل المسائل الاجتهادية وحينئذ لا بد من مستند لها كما سيأتي بيانه، وقوله "بعد وفاة الرسول" لكون الإِجماع ليس بحجة في عهده إذ هو المرجع والعصمة ثابتة له، والمراد بلفظ "عصر" أي زمان كان، وتركه البيضاوي لوضوحه والتصريح به أنسب في التعريف كما قال في التلويح والقصود بقوله "على أي أمر كان" أي على أي حكم اتفق المجتهدون عليه. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 544)
اختلفوا لم يكن إجماعًا، وهم في الحالين هم تلك الصفوة المختارة التي تحدثنا عنها ولا غرابة في وقوع التفاوت بينهم في الفهم، لأنهم يعملون من واقع الأرض من خلال الجهد البشري الملتزم بمنهج الله، الموقن به والمحافظ عليه، والجهد البشري يتفاوت في قوته وكماله، وضعفه ونقصه، فيبلغ أشده من الكمال والصفاء والوضوح فيكون حينئذ التعرف الكامل على حكم الله من هؤلاء المجتهدين والقطع بذلك في صورة جماعية، تتفق على استنباط ذلك الحكم من الشريعة لتلك الواقعة المطلوب معرفة حكمها، ولهذا الجهد منزلته في الشريعة وسيأتي الحديث عنها، وتارة يضعف الجهد وينقص فلا يبلغ أشده من الكمال والصفاء والوضوح، وذلك لأسباب بشرية منها ما يرجع إلى تفاوت إدراك المجتهدين، ومنها ما يرجع إلى طبيعة الحادثة التي يُراد بيان حكم الله فيها، فتكون من الخفاء والالتباس بحيث يختلف المجتهدون في تحديد حقيقته: فيقع بين المجتهدين الاختلاف في بيان حكمها الشرعي، ومن ثم فإن الشريعة جعلت لهذا الجهد منزلة دون المنزلة السابقة وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله، وجهد هؤلاء المجتهدين - سواء حالة اجتماعهم واتفاقهم أو حالة عدم اتفاقهم - هو خلاصة أفهامهم الشرعية التي تكون منها الفقه الإِسلامي، فما اتفقوا عليه دخل في الإِجماع، وما سوى ذلك دخل في الاجتهادات المختلف فيها.
وبهذا الاعتبار ندرس منزلة كل منهما ونتعرف على كيفية تحقق الثبات والشمول فيهما والله الموفق.
* * *--------------------------------------------
= والمناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي ظاهرة، إذ أن المجتهدين يعزمون أمرهم على طلب الحق، فإذا اتفقوا على أمر كان ذلك منهم إجماعًا عليه، وقد ذكرت هذا الشرح للإِيضاح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)
المبحث الأول
كيفية تحقق الثبات والشمول في الحكم المجمع عليه
إن الأدلة الشرعية تفيد إثبات عصمة الإِجماع من علماء الأمة المجتهدين، والعصمة تقتضي الثبات هذا الحكم المفرد كما اقتضت الثبات لجملة الشريعة كلياتها وجزئياتها كما سبق تقريره (1).
ويفيد الشمول من ناحيتين:
النَّاحية الأولى: وكما سبق أن قلنا أن الثبات هو قاعدة الشمول.
والناحية الثانية: أن هذا الحكم المجمع عليه عبارة عن عمل اجتهادي من علماء الأمة سنده -كما سيأتي- إما النص أو المصلحة الشرعية، وهو نوع من الاجتهاد ينبني عليه إلحاق الوقائع الجديدة بأحكام الشريعة الإِسلامية وذلك بطريق قوي هو الإِجماع.
فالاجماع إذن هو جهد المجتهدين، يبذلونه لكي يكشفوا عن حكم الله، ويستندون على سند معين، ويتحصلون في النهاية على اتفاق يعقدون عليه العزم لتقرير حكم الواقعة التي يُراد معرفة حكمها، فتأخذ حكمها الخاص بحسب مناطها فيشملها حكم الشريعة، ويتحقق الثبات لهذا الحكم ذلك لأنه اجتمع عليه علماء الأمة وهم معصومون شرعًا، والعصمة لهم هي عصمة لاجتهادهم، فالحكم معصوم حينئذ والعصمة تقتضي الثبات، لأن مقتضاه أن هذا الحكم هو الحق والحق ثابت، وهذا معنى تحقق الثبات والشمول في هذا القسم.--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 546)