بقي أن نذكر الطريق المفيد لإِثبات الإِجماع، فقد دلت الأحاديث على ذلك منها: ما أخرجه الحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بألفاظ متقاربة منها "لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدًا .. " ومنها "لن يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا .... " (1).
ورواه ابن أبي عاصم بلفظ: "ما كان الله ليجمع هذه الأمة على الضلالة أبدًا .... " (2).
وأخرج الحاكم حديث ابن عباس ولفظه: "لا يجمع الله أمتي أو قال هذه الأمة على الضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة" (3).
وقد أخذ العلماء من هذه الأحاديث أن هذه الأمة لا تضل عن الصواب، ولا تجتمع على الضلالة، وفي هذا عصمة لها عن الخطأ، فما أجمعت عليه فهو حجة لأنه هو الحق، فلا تجتمع أبدًا إلّا على موافقة الكتاب والسنّة، كما بين الإِمام الشاطبي رحمه الله بعد أن عرض كلام أهل العلم في معنى الجماعة: فقال: "وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإِمام الموافق للكتاب والسنّة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنّة خارج عن معنى الجماعة" (4).
ثم بين أن جميع أقوال أهل العلم في معنى الجماعة "دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث" (5) وهذا أصل محكم وعقيدة راسخة، وبنى عليها رحمه الله أنهم هم المقصودون "بالسواد الأعظم" كما ورد في حديث أنس بن مالك مرفوعًا "أن أمتي لا تجمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافًا كثيرًا فعليكم بالسواد الأعظم" (6) فقال: "فلنأخذ ذلك أصلًا ونبني عليه معنى--------------------------------------------
(1) المستدرك 1/ 115.
(2) 1/ 39 وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/ 136.
(3) المستدرك 1/ 116.
(4) الاعتصام 2/ 265.
(5) المصدر نفسه 2/ 265.
(6) أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن 2/ 1303.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 547)
آخر وهي: المسألة السابعة عشر: وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أم لا، فإن لم يضموا إليهم فلا إشكال، أَنَّ الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية.
وإن ضموا إليهم العوام فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإنهم لو تمالأوا على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر، لقلة العلماء وكثرة الجهال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وأن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن خالفوا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم" (1).
وبعد أن عرفنا أن "الأمة" التي لا تجتمع على الضلالة هي أهل العلم والاجتهاد المتمسكون بالسنّة والاتباع، وعرفنا أن إجماعهم حجة، نذكر بعض اعتراضات المعترضين عليه ونجيب عنها.
المطلب الأول
الاعتراض الأوّل وجوابه
إن الإِجماع لم تثبت حجيته في الاستدلال إلّا بطريق ظني، لأن الأدلة المثبتة له أحادية، وعليه فإن عصمته ليست بثابتة (2)، فكذلك الحكم الناتج عنه.
ونجيب عن ذلك فنقول: لقد ثبت أن الأحاديث التي وردت بعصمة الأمة على الضلالة متواترة تواترًا معنويًا .. وذلك لأمرين:--------------------------------------------
(1) الاعتصام 2/ 266، وختم رحمه الله هذه المسألة بقوله: "فليثبت الموفق في هذه المنزلة قدمه لئلا يضل عن سواء السبيل وانظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري - باب: "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا وما أمر النبي يلزوم الجماعة وهم أهل العلم 13/ 316.
(2) انظر آراء المخالفين في حجية الإِجماع في كف الأسرار 3/ 259، الإسنوي 1/ 30، وتعليل الأحكام 323 وقد أنكر مؤلفه تحقق التواتر المعنوي على إثبات الإِجماع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 548)
الأول: ثبوت ظهورها من لدن الصحابة والتابعين ولم يدفعها أحد منهم حتى انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين، فنقلها الخلف عن السلف، فلم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه ويستحيل أن يكون ذلك وهي ليست بحجة.
ثانيًا: وقوع العلم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عظّم شأن هذه الأمة وأخبر عن عصمتها عن الخطأ، ونحن نجد أنفسنا موقنين بذلك كما نوقن بشجاعة علي وكرم حاتم وميل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة من نسائه وتعظيمه عليه الصلاة والسلام لشأن صحابته - رضوان الله عليهم - (1).
وهذه الطريقة في الاستدلال المفيدة للقطع ترجم لها الشاطبي بقوله: " ..... الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر
القطع وهذا نوع منه (يقصد أنه كالتواتر المعنوي).
فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم فهو الدليل المطلوب وهو شبيه بالتواتر المعنوي، بل هو كالعلم، بشجاعة علي رضي الله عنه وجود حاتم المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما، … ومن هنا اعتمد الناس في الدلالة على وجوب مثل هذا على دلالة الإِجماع، لأنه قطعي وقاطع لهذه الشواغب، واذا تأملت أدلة كون الإِجماع حجة أو خبر الواحد والقياس حجة فهو راجع إلى هذا المساق لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوت الحصر، وهي مع ذلك مختلفة المساق لا ترجع إلى باب واحد، إلّا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه، وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضًا فصارت بمجموعها مفيدة للقطع … " (2).
فالأحاديث التي وردت فيها إثبات العصمة للأمة وتناقلها الرواة من جيل الصحابة ومن بعدهم تجتمع على إفادة المقصود وهو حجية الإِجماع.--------------------------------------------
(1) كف الأسرار 3/ 258، المستصفى 1/ 175.
(2) الموافقات 1/ 13 - 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 549)
هذه هي جملة الأدلة التي يستدل بها على عصمة الإِجماع وهذه هي طريقة الاستدلال، فلا وجه للقول بأن الإِجماع لم تثبت حجيته وعصمته، أو التشكيك في ذلك، لأن القائلين بذلك إما أن يطلبوا التواتر المعنوي، وهو موجود والحمد لله، وهو المستقرأ من مقتضيات الأدلة بإطلاق (1)، وذلك يفيد عصمة الأمة عن الخطأ وإما أن يطلبوا شيئًا آخر لا نعلمه، ولعلهم يريدون نصًا من القرآن يدل على ذلك، وقد وجد، واستدل به الإِمام الشافعي وهو قوله تعالى:
{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (2).
وهذه الآية بينة الدلالة على أن سبيل المؤمنين حجة (3)، ومن تولى عنه--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 15.
(2) سورة النساء: آية 115. وانظر أحكام القرآن للإِمام الشافعي 18، 19 قال رحمه الله: "لا يصليه جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلا وهو فرض" يعني الإِجماع طبعة 1400، دار الكتب العلمية - بيروت. وانظر الستصفى 1/ 175.
(3) وقد ذكر بعض الأصوليين استدلال الشافعي بهذه الآية وقالوا: "المراد ويتبع غير سبيل المؤمنين في متابعة النبي عليه السلام أو مناصرته، أو الاقتداء به أو في الإِيمان به، لا فيما أجمعوا عليه، ومع الاحتمال لا يثبت القطع، وغاية ما في الباب أنها ظاهرة فيه … ". كشف الأسرار 3/ 254، المستصفى 1/ 175.
والجواب أن يقال: أرأيت لو أجمعوا على وجوب متابعته أليس إجماعهم حجة، وكذلك على الاقتداء به ومناصرته واتباع سبيله، فسبيل المؤمنين إذن هو إجماعهم على نصرته ومتابعته .. إلخ. ومنه إجماعهم على أن هذا من دينه، وهذا ليس من دينه، فما الذي جعل بعضه داخلًا في الآية دون بعض.
وأما قوله أنها ظاهرة فيه، فقد ذكر هو أن الظواهر والعمومات من الدلائل القطعية عند أكثر مشايخ العراق وعامة المتأخرين 3/ 255، والصواب أن بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين تلازمًا فمن شاقه فقد ابتغى غير سبيل المؤمنين - لأن اتباع سبيلهم موافقته لا مشاقته، ومن لم يبتغ سبيلهم - وهو ما هم عليهم - فقد شاقه، تمامًا مثل أن نقول من عصى الله عصى رسوله ومن عصى رسوله فقد عصاه. انظر هامش 1/ 200 من كتاب الإِحكام للآمدي بتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي ففي الآية دلالة على أن الاجماع حجة. وانظر مجموع الفتاوى 19/ 193، 194.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 550)
فقد حقت عليه العقوبة .. فما بالك بسبيل المؤمنين وهم مجتمعون في مثل عصر الصحابة - رضوان الله عليهم -، وعصر التابعين، ومن بعدهم، أفلا يكون اجتماعهم حجة، بل ما بالك بإجتماع الأمة كلها على أمر وتلقيها له بالقبول، أفلا يكون كذلك، ومن عجب أن هذه الآية وتلك الأحاديث لم تسلم من الاعتراضات، فإن سلم الدليل عند بعض الأصوليين من الاعتراض على سنده، لم يسلم من الاعتراض على دلالته. ولعل في هذا الذي ذكره الإِمام الشاطبي ما يحول بينهم وبين هذه الطريقة التي تعودوها في الاستدلال والمعارضة والجدل.
ولقد نعلم أن كثيرًا ممن لا يأخذون هذه المسألة مأخذ الشاطبي يعتقدون عصمة الأمة في عهد الصحابة بلا شك لأنهم معصومون في مجموعهم على الخطأ رضي الله عنهم ورضوا عنه.
ونعلم أيضًا أن هؤلاء الأصوليين لو سلكوا مسلكهم ذلك في الاستدلال لم تسلم الأدلة لهم على عصمة الأمة في أي عصر كان، وهم كما قلت يعتقدون عصمة الصحابة وعدالتهم، فلو أنهم سلكوا مسلك الشاطبي في الاستدلال وبنوا عليه ما يعتقدون من عصمة الصحابة، وذلك يترتب عليه القول بعصمة الأمة في ذلك العصر، وعلموا أنه لا فرق في دلالة الأدلة على عصمة الأمة في العصر الأول والذي بعده وهكذا، لسلمت لهم الأدلة وبنوا عليها مطمئنين حجية الإِجماع، وزالت عنهم جميع الإِشكالات التي منها:
1 - أن الآيات ليست نصًا في إثبات الحجية وإن كانت تقوى من حيث الثبوت.
2 - أن الأحاديث نص في إثبات الحجية وإن كانت لا تقوى من حيث الثبوت.
وقد خرج بعض الأصوليين من هذا حيث قرروا أن الأحاديث تقوى على إثبات الحجية كما أسلفنا، وبهذا ثبتت عندهم الحجة للإِجماع (1).
ومع هذا الذي توصلوا إليه، لا يمنع أن أقول أن أسلوبهم في الاستدلال--------------------------------------------
(1) المستصفى 1/ 174، 175 وكشف الأسرار 3/ 254 - 355.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 551)
أدى إلى فتح الباب لدخول الشبهة على كثير من الباحثين (1)، ذلك أنهم كروا على الأدلة واحدًا واحدًا بكثرة الاعتراضات والاحتمالات.
وإذا تقرر أن الأحاديث الواردة في عصمة الأمة عن الضلالة والخطأ والأحاديث الواردة في تعظيم شأنها تفيد حجية الإِجماع لم يبق بعد ذلك إلّا النظر في إفادتها العصمة نصًا، وهذا الأمر متفق عليه (2)، فثبت أن الأمة معصومة وأن الحكم الناتج عن إجماعها معصوم كذلك، وهذا مذهب الأئمة الأعلام منهم الأئمة الأربعة وأتباعهم (3). وإذا تحققنا من العصمة تحققنا من ثبات الحكم المجمع عليه.
المطلب الثاني
الاعتراض الثاني وجوابه
إن الإِجماع لا يحتاج إلى سند، بل يمكن أن يلهم الله المجتهدين فيجمعون على حكم لا سند له إلّا الإِلهام، يؤكد ذلك أن الإِجماع لو كان سنده الكتاب--------------------------------------------
(1) أشرت إلى ذلك في هامش ص 167.
(2) وشذ من زعم أن الحديث إنما هو وارد في أن الأمة لا تجتمع على الكفر فترتد، أما اجتماعها على الخطأ فممكن.
والجواب عنه: أنه مع التسليم أن الأمة لا تجتمع على الكفر إلى قيام الساعة كما هو مقرر عند العلماء المحققين من أهل السنّة وإن كثرت طوائف الضلال فيها، انظر الاعتصام 6/ 202 شرح الكوكب المنير 2/ 282، 283.
إلّا أن الأحاديث وردت في عصمتها عن الخطأ في الحكم أيضًا لأن الخطأ في الحكم نوع من الضلال فإن لفظ الضلال عام يدخل فيه معنى الحيرة عن الحق كما في قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} ويدخل فيه ما هو دون الكفر من الانحراف، ويدخل فيه الكفر، فهي إذن معصومة عن الخطأ في الحكم أيضًا، وهذا الرأي الشاذ مع سقوطه أحببت التنبيه عليه والأصوليون متفقون بعد ذلك على أن الأحاديث تدل على إثبات العصمة. انظر المستصفى 1/ 175، كشف الأسرار 3/ 355.
(3) شرح الكوكب المنير، قال الفتوحي و"الإِجماع حجة قاطعة بالشرع، أي بدليل الشرع كونه حجة قاطعة، وهو مذهب الأئمة الأعلام منهم الأربعة وغيرهم … " 2/ 214.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 552)
أو السنّة لم يكن دليلًا مستقلًا، إذ الدليل حينئذ إما الكتاب وإما السنّة، وقالوا إن هناك إجماعات وقعت من دون سند (1).
وبالجواب عن هذا الاعتراض يثبت أنه لا بد للإِجماع من سند من الكتاب أو السنة، وفائدته حينئذ هو حرمة النظر في المسألة بعد ذلك والحكم الناتج عنه ثابت أبدًا.
الجواب عن الاعتراض الثاني:
إن الأصوليين اتفقوا على أن الإِجماع لا بد له من سند، قال الآمدي "اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلّا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافًا لطائفة شاذة فإنهم قالوا بجواز انعقاد الإِجماع عن توفيق لا توقيف، بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند" (2).
واستدل الأصوليون بدليلين:
الأول: أن الإِلهام ليس بحجة، وإنما الحجة هي الكتاب والسنة والحمل عليهما بطريق من طرق الاستنباط، وحينئذ لا بد من مستند لأن عدمه يستلزم جواز الخطأ، ثم إن اتفاق الكل بدون مستند مستحيل، فلا بد من الدليل.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى - لا يقول ولا يحكم إلّا عن وحي (3) فالأمة أولى، لأن الدليل دل على أن كل مسلم يحرم عليه القول في الدين بغير مستند، وقد بينت ذلك عند الكلام في الرأي المذموم وذكرت الإِجماع على ذمّة، وهو في حقيقته قول بغير مستند.--------------------------------------------
(1) كشف الأسرار 3/ 263.
(2) الإِحكام للآمدي 1/ 261، وانظر كشف الأسرار 3/ 263 - 264 - 265، شرح الجلال على جمع الجوامع مع حاشية البناني 1/ 195، تيسير التحرير 3/ 254، شرح الكوكب المنير 2/ 259.
(3) والمقصود بأن الرسول لا يحكم إلّا عن وحي أي أنه لا بد له من مستند من عند الله، أو أنه إذا حكم باجتهاده - وقد أجاز الله له ذلك - فلا بد من إقرار الوحي وإلّا فإن الوحي إذا حكم بغير صحته فإنه لا يكون منه. انظر 32 - 88 - 89 مما سبق. وانظر هامش الإِحكام للآمدي 1/ 261.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 553)
وهذا المعنى موجود في تعريف الأصوليين للإِجماع، فقد اتفقوا على أن الاجماع إنما يقع من المجتهدين، فلا بد إذن من الاجتهاد، ولا بد للاجتهاد من مستند. وأما قولهم أن انعقاد الإِجماع عن دليل يلغي فائدته، ثم إنه قد وقع، والوقوع دليل الجواز، ومن أمثلة وقوع الإِجماع عن غير مستند بيع المراضاة وأجرة الحمام .. فالجواب عنه:
أولًا: أن وقوع الإِجماع عن مستند فائدته أن الإِجماع على الاستدلال بهذا المستند يزيده قوة إلى قوته، ويسهل رفع الخلاف عن المسألة - إن كان ثم خلاف - ويمنع النظر فيها بعد ذلك، إذ أن النظر في الحكم الذي ثبت الإِجماع عليه حرام قطعًا (1).
ثانيًا: أن ما ادعوه من أن بعض الأحكام مجمع عليها من غير سند مردود بل إن العلماء اعتمدوا فيها على سند وبيان ذلك:
"أما الاستصناع فقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره، وتقريره صلى الله عليه وسلم دليل وسند شرعي، وبيع المراضاة وهي المعاطاة لا إجماع فيها لأنها لا تصح عند الإِمام الشافعي على قول، وأجرة الحمام مقدرة بالعرف، وأخذ الخراج للإِمام تصرف بحسب المصلحة. ولا إجماع في زكاة الحلي" (2) فهذه المسائل إما أن يكون لها سند شرعي، وإما أن لا تكون من مسائل الإِجماع، وقد بين شيخ الإِسلام ابن تيمية حكمة وجود مستند الإِجماع فقال: "وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصًا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول كما أن المخالف للرسول مخالف لله … فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلّا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس، ويعلم الإِجماع فيستدل به .. كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإِجماع، وكل من هذه--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 19/ 194، 195، 200، وكشف الأسرار 3/ 263، وأصول الفقه وابن تيمية 1/ 306 إلى 312.
(2) وانظر بيان شذوذ هذا الرأي في الإِجماع للفرغلي 272 وما بعدها، وأصول الفقه وابن تيمية 1/ 306 إلى 312.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 554)
الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإِجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة .. " (1).
وبهذا نتبين قوة الإِجماع وأنه مبني على الكتاب والسنة، فتحقق أنه لا بد من مستند، وأنه معصوم، ومن ثم تثبت الأحكام المبنية عليه لأنها معصومة كذلك.
المطلب الثالث
الاعتراض الثالث وجوابه
ذهب بعض الأصوليين إلى أن الحكم المجمع عليه إذا كان سنده المصلحة الشرعية يمكن تبديله بإجماع آخر إذا تبدلت تلك المصلحة.
قال صاحب كشف الأسرار: " .. ويتصور أن ينعقد إجماع لمصلحة ثم تتبدل تلك المصلحة فينعقد إجماع آخر على خلاف الأول" (2).
وقال في آخر باب الإِجماع: "فأما الأحكام الثابتة بالاجتهاد أو بالإِجماع بعد الرسول صلى الله عليه وسلم فيجوز أن تنسخ، وهو مختار المصنف، بأن يوفق الله تعالى بعد ثبوت حكم بإجماع أو باجتهاد أهل عصر آخر أن يتفقوا على خلافه بناء على اجتهاد نسخ (3) لهم على خلاف اجتهاد أهل العصر المتقدم ويكون هذا بيانًا لانتهاء مدة الحكم الأول كما في النصوص، ولا يقال هذا غير جائز لأنه لا مدخل للرأي في معرفة انتهاء مدة الحكم، لأنا لا ندعي أنهم يعرفون انتهاء مدة الحكم بآرائهم، بل نقول لما انتهى ذلك الحكم بانتهاء المصلحة من غير أن يعرفوا عند الاتفاق تبدّل المصلحة ومدة الحكم "وأما التضليل فلا يجب لأن الرأي كان حجة يومئذ" (4).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 19/ 194 - 195.
(2) 3/ 176.
(3) لعل الصواب "سنح".
(4) 3/ 250.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 555)
وبهذا الرأي قال بعض الباحثين المحدثين منهم الدكتور البوطي عند الحديث عن ضوابط المصلحة .. قال: "الأمر الأول: ضرورة سير المصالح في جوهر الدين المكون من صريح النصوص والأحكام وما تم عليه الإِجماع بمعنى أنه لا يجوز بناء حكم على مصلحة إذا كان في ذلك مخالفة لنص كتاب أو سنة أو قياس تم الدليل على صحته أو إجماع، إلّا إجماعًا تأسس أمره على مصلحة دنيوية غير ثابتة، فيجوز أن يتغيّر حينئذ ذلك الإِجماع بمثله إذا تغيّرت المصلحة الأولى وقامت مصلحة غيرها، مثال ذلك ما لو أجمع المسلمون في وقت ما على ضرورة قتل الأسرى، أو استرقاقهم، نظرًا لمصلحة تستدعي ذلك كالمعاملة بالمثل، ثم أجمعوا في وقت آخر على خلاف ذلك نظرًا لزوال الحالة السابقة، ومثاله أيضًا ما لو أجمع المسلمون في عصر ما على عقد الصلح بينهم وبين الكافرين لمصلحة تستدعي ذلك، ثم رأى من بعدهم وأجمعوا على عدم الصلح لزوال تلك المصلحة" (1). ومنهم صاحب كتاب تعليل الأحكام حيث قال: "وإذا رجعنا بالإِجماع إلى سنده الذي هو الدليل على الحقيقة وجدناه لا يخرج عن كونه نصًا أو قياسًا أو مصلحة (2) فإن كان نصًا فقد علمت ما فيه (3)، وإن كان قياسًا والأقيسة مختلفة، فقياس شبهي وآخر طردي، وثالث مناسب، وكل هذه لا تقوى على معارضة المصلحة التي ما شرع الحكم إلّا لتحصيلها، وإنْ كان مصلحة فقد تغيّرت فيجب الانتقال إلى ما يحصلها، وكون الاتفاق وقع على الحكم الأول بقصد أو بغير قصد لا يؤثر في الحكم إلّا بما قاله الفقهاء، أن الحكم--------------------------------------------
(1) ضوابط المصلحة 61.
(2) سيأتي بيان أن من العلماء من يستبعد وقوع الإِجماع على قياس أو مصلحة واستبعده الدكتور الشلبي قبل هذا الموضع بأسطر قليلة انظر 324 ومع ذلك جعل منه قضية للبحث!!!
(3) لم أعلمْ ما فيه إلّا ما قدمه قبل هذا الكلام وهو عبارة عن إنكار لحجية الإِجماع وعصمته ثم عود منه - على طريقة الجدليين - للتسليم بالحجية، ثم تقسيم الإِجماع إلى قطعي وظني، ثم الكلام على استبعاد ثبوته، ثم التسليم به مرة أخرى 323 - 324، فلعله بريد أن يقول قد علمت ما قلناه في الإِجماع!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 556)
أصبح قطعيًا لا يصح فيه الاجتهاد بعد أن كان ظنيًا مجالًا لاختلاف الأنظار، وهذه كما ترى لا تخرج عن كونها دعوى …
والآن نعرض لبعض الأحكام التي خالف فيها الأئمة ما سماه الناس إجماعًا فيما بعد .. " (1) ..
مناقشة هذا الرأي: إن هذا الرأي استنكره عامة الأصوليين قال صاحب كشف الأسرار في باب النسخ بعد أن ذكر رأي البزدوي: "ويتصور أن ينعقد إجماع لمصلحة ثم تتبدل تلك المصلحة فينعقد إجماع على خلاف الأول ولكن عامة الأصوليين أنكروا كون الإِجماع ناسخًا لشيء أو منسوخًا بشيء لما بينا أنه لا يصلح ناسخًا للكتاب والسنة … وكذا لا يصلحِ ناسخًا للإجماع ولا منسوخًا به … وكذا لا يصلح ناسخًا للقياس ولا منسوخًا به … " (2).
وقوله "ولكن" استدراك على قوله: "ويتصور أن ينعقد إجماع لمصلحة ثم تتبدل" وكما هو ظاهر يفيدنا أن عامة الأصوليين ينكرون نسخ الإِجماع بالإِجماع سواء ما كان عن مصلحة أو قياس أو نص.
ولننظر بعد ذلك في سبب إنكار عامة الأصوليين لهذا الرأي ثم أبين الوضع الصحيح لهذه المسألة بعد ذلك، وسبب الإِنكار يرجع إلى أمرين:
الأول: أن من العلماء من منع وقوع الإِجماع عن قياس فضلًا أن يقع على مصلحة، ومنهم الإِمام الطبري وأهل الظاهر (3).
وقد رجح هذا المذهب صاحب رسالة "أصول الفقه وابن تيمية" وأثبت أن الإِجماع لم يقع عن قياس وذلك باستقراء المواضع التي ذكرها المجيزون، وأثبت وقوعها عن نص وقدم لذلك بقوله: " .. إنّ الحق هو أن الإِجماع لا بد له--------------------------------------------
(1) 324 - 325.
(2) 3/ 176.
(3) الإِحكام للآمدي 1/ 264، الإِحكام لإبن حزم 4/ 640 تحقيق وتقديم محمد عبد العزيز - الطبعة الأولى 1398 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 557)
من مستند وأن سنده نص من الكتاب أو السنة أو قياس جلي إذ هو في معنى النص، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية، أما إذا كانت علة القياس خفية لا تعلم إلّا بالنظر والاستنباط، والسبر والتقسيم، والترديد بين الأوصاف، وأوجه تأثيرها واستخراج أقواها تأثيرًا، وأوثقها اتصالًا بالحكم، فإن الاتفاق يندر بل يتعذر أن يحصل بذلك، فيتفق عليه الفقهاء في جيل من الأجيال في كل الأقاليم والأمصار (1).
وباستعراض الأمثلة التي ذكرها المجيزون أدلة لهم على وقوع الإِجماع مستندًا إلى القياس والاجتهاد، وجدناها لا يخلوا واقعها من أحد أمرين: إما أن لا يكون فيها إجماع أصلًا بل فيها خلاف، - وإما أن يكون فيها إجماع لكنه مستند إلى نص لم يعلموه، وعدم علمهم بالنص لا يدل على عدمه، إذ أن السلف قد يكونون تركوا التصريح بالنص استغناء عنه بالإِجماع، ولشهرة الإِجماع جهل الكثير الذي هو مستند الإِجماع" (2).
ثم أخذ في تتبع الأمثلة وبيان رجوعها إلى النصوص أو عدم وقوع الإِجماع فيها منتصرًا في ذلك لما ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى حيث يقول: "فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلّا وفيها نص أو بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم (3)، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإِجماع فيستدل به كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص (إلى أن قال) ولا يوجد مسألة يتفق الإِجماع عليها بدون نص … ".
ويقول أيضًا: "لكن استقرأنا موارد الإِجماع فوجدناها كلها منصوصة وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة كما أنه يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فوافق الإِجماع" (4).--------------------------------------------
(1) انظر إقرار الدكتور شلبي بذلك 324 وعدم استفادته منه.
(2) أصول الفقه وابن تيمية 2/ 576.
(3) ويدخل في هذا القياس الجلي إذ هو في معنى النص، انظر مجموع الفتاوى 9/ 194 - 195.
(4) مجموع الفتاوى 19/ 196.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 558)
وقد ذكر صاحب "أصول الفقه وابن تيمية" أمثلة كثيرة وبين فيها أنها لا تخلوا من أحد أمرين: إما أن يكون الإِجماع فيها عن نص أو لا إجماع فيها، ومن أمثلة ما كان الإِجماع فيها عن نص خلافة أبي بكر واستدل على ذلك بسبعة أدلة (1)، ومن المسائل التي ليس فيها إجماع حد الشرب، فإن الإِجماع لم ينعقد على أن حده ثمانين بل وما زال الخلاف في عهد الصحابة موجودًا ومن بعدهم (2).
وأما إجماعهم على جزاء الصيد فليس مستندًا إلى الاجتهاد بل هو مستند إلى النص (3) وكذلك إجماعهم على قتال مانعي الزكاة، إنما مرجعه النصوص الدالة على ذلك، وأما شحم الخنزير فمحرم بالحديث الذي رواه الجماعة وهو مستند الإِجماع (4).
والحاصل أن هذا الفريق من العلماء يستبعدون وقوع الإِجماع عن علة خفية لا تعلم إلّا بالنظر والاستنباط والسبر والتقسيم والترديد بين الأوصاف فيبعد أن يقع الإِجماع عن مصلحة معتبرة من قبل الشارع وخاصة إذا كانت بواسطة الجنس البعيد المتحقق في الضروريات الخمس وهي المصلحة التي تسمى بالمرسلة.
فالقول بأن الإِجماع الذي يتبع المصلحة يتغير بإجماع آخر غير وارد عندهم أصلًا لأنه غير متصور.
ولذلك تجد الدكتور البوطي يميل في موضع آخر إلى عدم تصور التغيّر ويربط ما ذكر من الأمثلة بحق "الإِمامة" وحق الإِمامة: "هو أن يتصرف الإِمام في أمر أعطى الشارع له - أو لمن ينوب عنه من المجتهدين - صلاحية الحكم فيه " (5).--------------------------------------------
(1) أصول الفقه وابن تيمية 2/ 576 - 2/ 577.
(2) المرجع نفسه 2/ 578.
(3) المرجع نفسه 2/ 580 - 581.
(4) المرجع نفسه 2/ 584.
(5) ضوابط المصلحة 61 - 62.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 559)
وهذه الصلاحية: "ليست إلا حكمًا إلهيًا دائمًا" (1) لأن الإِمام مخيَّر على سبيل الدوام - وهو حكم ثابت - بين المن والقتل والفدية والاسترقاق.
ومن هنا فقد نص البوطي على أن مثل هذه الأحكام لا تنطوي في الحقيقة على نسخ للإِجماع وأن الإِجماع الثابت شأنه كالنص الثابت من الكتاب والسنة لا يجوز الخروج عليه بحال" (2).
وهو بهذا يربط المثال الذي ذكره - استدلالًا أو مجاراة لما نقله عن البزدوي - بحق الإمامة بالحكم الثابت، ثم أخذ في ترجيح أن الخلاف بين الأصوليين - الذين يرون عدم النسخ والذين يرون النسخ أمثال البزدوي وصدر الشريعة - إنما هو خلاف لفظي (3)، وهذا تقرير جيد يفيدنا هنا، أن الخلاف ليس مبنيًا على معنى معتبر عند الفريقين لأن منهم من لا يتصور انعقاد الاجتماع على مصلحة شرعية، ومنهم من يتصور انعقاده، ولكن لا يرى تغير الحكم المجمع عليه، لأنه يربطه بحق الإِمامة كما صنع الدكتور البوطي وحمل على ذلك كلام البزدوي وصدر الشريعة، وقرر أن الخلاف لفظي وسأتجه بالمسألة وجهة أخرى وأحاول بيان السبب الذي أدى إلى القول بالتغير وسيكون ذلك من خلال التطبيقات التي ذكروها وقبل ذلك أذكر الأمر الثاني ..
الأمر الثاني: أن عامة الأصوليين أنكروا النسخ، وإنما أجازه البزدوي وصدر الشريعة كما أشار الدكتور البوطي آنفًا، وأنا أذكر هنا أدلة الجمهور على أن الإِجماع لا يَنْسخُ ولا يُنْسخ به. وهي:
(أ) أن العصمة ثابتة للحكم المجمع عليه أيًا كان سنده، ولا نسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإِجماع إنما يكون بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لأنه إن وقع في حياته فلا يعتبر إلا بموافقته وموافقته هي المعتبرة وحدها والحجة فيها لا في غيرها، فبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قد انقطع الوحي فلا يمكن أن يقع النسخ.--------------------------------------------
(1) المرجع نفسه 62.
(2) المرجع نفسه 62.
(3) المرجع نفسه هامش 62.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 560)
(ب) أن الإِجماع لا ينسخه إجماع آخر، لأن هذا الاجماع الثاني، إما أن يكون عن دليل، وإما أن يكون عن غير دليل ولا يتصور ذلك، وإن كان عن دليل فيستلزم أن يكون الإِجماع الأول خطأ وذلك منتف، فيستحيل شرعًا أن يكون الإِجماع ناسخًا للإِجماع آخر.
(ج) والقياس لا يعارض الإِجماع ولا ينسخه وذلك لأن من شرط العمل بالقياس أن لا يكون مخالفًا للإِجماع (1).
وحفظ الشرع من النسخ والتبديل أمر مقطوع به، لأن هذه الشريعة معصومة، كما أن نبيها معصوم عليه الصلاة والسلام، والأمة فيما أجمعت عليه معصومة (2).
ولذلك نرى الأصوليين يصرحون بعصمة الإِجماع وأبدية الشريعة، "وهذا بخلاف الشرائع المتقدمة فإن نسخها لما كان جائزًا، لم تقع الحاجة فيها إلى عصمة الأمة عن الخطأ، فأما شريعتنا هذه فلا يجوز عليها النسخ بل هي شريعة مؤبدة، فَعُصِمْت أمتُها عن الخطأ ليبقى الشرع فإجماع الأمة محفوظٌ" (3).
والقول بأن الإِجماع يَنْسَخْ ولا يُنْسَخْ به من هذا المعنى المقطوع به.
ولقد أحسن الأستاذ البوطي في ربطه المسألة بحق الإِمامة، وتخريج سبب الخلاف فيها، وأحاول هنا إزالة بعض الإِشكالات وذلك بالنظر فيما أوردوه من تطبيقات، وترجع إلى ثلاثة أمثلة:
الأول: الإِجماع على قتل الأسرى، وقد تبين ما فيه سابقًا (4)، وأضيف هنا أن هذا لا يسمى إجماعًا، لأن النص قد جاء بتخيير الإِمام بين الأسر والفداء والقتل وهو قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) انظر إرشاد الفحول 192 - 193.
(2) انظر ما سبق ص 116.
(3) كشف الأسرار 3/ 261.
(4) وقد تبين ما قاله البوطي سابقًا ص 556.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 561)
{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (1).
وهنا التخيير حكم ثابت لا يتغير ولا يتصور وقوع الإِجماع على قتل الأسرى وأنه ملزم للحاكم نفسه ومن يجيء بعده. وذلك لأن الأمة معصومة من مخالفة النص الثابت الذي دل على التخيير ولم ينسخ، فلا يقال والحال هذه أن الإِجماع قد تحقق على وجوب قتل الأسرى، لأن معنى تحقق الإِجماع أنه ملزم لمن بلغه حكمه، وهذا مقتضى العصمة، وكيف يتحقق الإلزام مع أن التخير حكم ثابت قطعًا، وهل يقول من ظن أن المسألة مجمع عليها أن على المسلمين وجوب قتل الأسرى في الجهاد وأن هذا حكم مجمع عليه!. بل يُقال إنّ الإِمام قد اختار هو ومن معه من المسلمين أحد الأحكام التي خُيروا فيها بنص القرآن، ولغيره من بعده أن يختار أحدها أيضًا، وليس في ذلك إجماعًا ولا تغيرًا ولا تبديلًا.
ولذلك ظهر من كلام الأستاذ البوطي: جعل الخلاف بين القائلين بالنسخ وعدمه لفظيًا، وأقول هنا على ما بينته آنفًا أن الخلاف فرع عن صحة هذه التطبيقات إذْ هي عمدة المخالف ومسألة اختيار المسلمين قتل الأسرى هي أحد هذه التطبيقات وهي ليست مسألة من مسائل الإِجماع فلا تصلح دليلًا على القول بتغيّر حكم الإِجماع.
الثاني: ومثلها قولهم: "الإِجماع على الصلح مع الكافرين لصلحة فإنه إذا رأى المسلمون بعد ذلك عدم الصلح مع الكافرين لزوال تلك المصلحة فإن لهم ذلك (2).
وأجيب هنا بما أجبت به آنفًا، فإنه لا يقال عن هذا الحكم أنه من مسائل الإِجماع.
بيان ذلك: أن القرآن أوجب على المسلمين جهاد الكافرين ابتداء، وذلك--------------------------------------------
(1) سورة محمد: آية 4، وانظر تفسير ابن كثير 4/ 174.
(2) انظر ضوابط المصلحة 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 562)
بتخييرهم بين ثلاثة خصال وهي: الدخول في الإِسلام، أو دفع الجزية، أو القتال، ثم أجاز القرآن - ولهذا تطبيقات في عمل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصالح المسلمون أعداءهم بشرطين اثنين:
الأول: تحقق الضرورة والمصلحة.
الثاني: أن لا يكون الصلح مؤبدًا (1).
فالحكم الشرعي الثبات في علاقة المسلمين بأعدائهم وجوب التخير بين ثلاثة خصال أو الدخول في صلح معهم بشروطه المعلومة.
فإذا جاء على المسلمين وقت وكان لهم من القوة والسلطان ما يخيرون به أعدائهم بين تلك الثلاثة الخصال فلا يجوز لهم إلّا ذلك وهم في ذلك منفذون لحكم الله الذي هو ثابت في حقهم إلى يوم القيامة ما داموا في تلك الحالة (2).
وإذا جاء وقت آخر ولم يكن لهم من القوة والسلطان ما يخيرون به الكافرين .. ودخلوا معهم في صلح بشروطه الشرعية فإنهم في ذلك منفذون لأمر الله الذي هو ثابت في حقهم إذا كانوا في حالة لا يستطيعون بها قتال أعدائهم" (3).
هذه صورة الحكم الشرعي، بقي بعد ذلك تحقيق المناط، وهو النظر في--------------------------------------------
(1) شرح السير الكبير 5/ 1689، لشمس الدين السرخسي تحقيق د. صلاح الدين المنجد مطبعة شركة الإِعلانات الشرقية، الجموع شرح المهذب 18/ 221 - الطبعة الأولى، بدائع الصنائع 9/ 4324 مطبعة العاصمة، القاهرة، الناشر زكريا علي، وحاشية الدسوقي 2/ 206، الطبعة بدون الناشر - دار الفكر. المغني لإبن قدامة 9/ 297.
(2) شرح السبر الكبير 5/ 1689، بدائع الصنائع 9/ 4324، الأم 4/ 190، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 206، كشاف القناع 3/ 103 - 104 مطبعة الحكومة بمكة، نهاية المحتاج 8/ 106 - الطبعة بدون.
(3) انظر بحثًا مفصلًا في هذا - مع ذكر مواطن الإِجماع - في رسالة ماجستير بعنوان "دار الإِسلام ودار الحرب وأصل العلاقة بينهما" مخطوطة بالمكتبة المركزية، من - ص 78 الخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 563)
حال المسلمين في وقت ما، هل يمكنهم تخيير أعدائهم وقتالهم إذا لم يستجيبوا أم لا يمكنهم ذلك؟ فإن أمكنهم لزمهم الحكم الأول، وإن لم يمكنهم لزمهم الثاني مع وجوب الاعتقاد أن الكفار هم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، يجب تخييرهم بين تلك الخصال الثلاثة عند القدرة على ذلك.
فإذا عمل المسلمون بالحكم الثاني باعتبار الحالة الثانية فهل يقال إن عملهم هذا هو إجماع على وجوب الصلح مع الكافرين، فإذا جاء وقت آخر وأمكنهم قتال أعدائهم قيل أنهم تركوا الحكم المجمع عليه لمصلحة، ثم يقال بعد ذلك أن حكم الإِجماع - الذي هو الدليل الشرعي - قد تغير وتبدل.
والحق أن عمل المسلمين في عقد الصلح في الحالة الثانية تحقيق لمناط الحكم الشرعي الثابت، وأن جهادهم لأعدائهم في الحالة الأولى تحقيق لمناط الحكم الشرعي الثابت، ولا يعتبر اتفاقهم على تحقيق المناط في الأولى والثانية إجماعًا على حكم شرعي، نُسخ به حكم شرعي آخر.
فخرجت هذه المسألة عن أن تكون تطبيقًا للقول بأن حكم الإِجماع الذي يكون سنده المصلحة يتغير بتبدل تلك المصلحة.
3 - إن الإِجماع على الصلاة في رمضان على إمام واحد قد تغير بعد ذلك، فصلى الناس وراء أئمة متعددين، وهذا يدل على أن حكم الإِجماع قد يتغير بتغير المصلحة التي بني عليها (1).
والجواب: بنفي ثبوت الإِجماع، فإنه قد صح أن عمر رضي الله عنه قد جمع الناس في الصلاة في رمضان على إمام واحد فكانت سنّة يعمل بها المسلمون من بعده، وهي كذلك، ولكن أين الدليل على أن الناس كانوا يصلون على إمام واحد، ومن المعلوم أن جمع عمر للناس إنما كان في المدينة، وأهل القرى والمدن الأخرى كانوا يصلون خلف أئمة آخرين، أفليس في ذلك دليلًا على أن الصلاة تجوز خلف أئمة متعددين إذا اقتضى الأمر ذلك، وهذا في الوقت الذي يقال فيه--------------------------------------------
(1) الإِجماع للفرغلي 189، 489.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 564)
إن الإِجماع انعقد على الصلاة خلف إمام واحد، ثم ما الفرق بين الصلاة خلف أكثر من إمام في مدينة صغيرة حولها قرى كثيرة وبين الصلاة خلف أئمة متعددين في مدينة كبيرة.
ومن المعلوم أن الناس لم يكونوا يجتمعون كلهم من المدينة ومن حولها للصلاة خلف إمام واحد في عهد عمر رضي الله عنه، غاية ما فعله عمر رضي الله عنه أنه جمعهم على إمام واحد بعد أن كان هناك أكثر من إمام في مسجد واحد، وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأين الإِجماع على الصلاة خلف إمام واحد حتى يقال أن ذلك قد تغير فأصبح الناس يصلون خلف أئمة متعددين.
نعم لو أجمع المجتهدون على جواز الصلاة خلف أكثر من إمام في مسجد واحد صح أن يقال أن هذا مخالف لما أجمع عليه المسلمون، ولكن ذلك لم يحدث قطعًا.
والحاصل أن هذه التطبيقات وما ماثلها لا تصلح قاعدة لدعوى النسخ (1) ولايخالف بها ما اتفق المجتهدون عليه، وغاية ما يقال فيها أنها إما تطبيق وهو ما يسميه الأصوليون بتحقيق المناط وإما أن المسألة لا إجماع فيها أصلًا.
وهي مماثلة لما زعمه بعض الباحثين (2) من أن الصحابة غيروا بعض الأحكام التي وردت بها النصوص مثل "سهم المؤلفة قلوبهم" ونحو ذلك من الأمثلة التي بينت أنها من تحقيق المناط وليست تغييرًا ولا تبديلًا.--------------------------------------------
(1) وقد صرح د. البوطي بعد أن ذكر أن الإِجماع لا يُنسخ واستثنى حكم الإِجماع الذي يكون سنده المصلحة وقال: "ومن ناحية أخَرى فالتصرف بمقتضى تبدل المصلحة المعتبرة في الشرع لا يسمى في الحقيقة نسخًا كما ذكرنا، كيف وإن الشارع قد شرع من أول الأمر الأخذ بأي وجه من الوجوه (يقصد في حكم الأسرى (قد تجنح إليه مصلحة المسلمين فلئن ظهر التنفيذ من الحاكم أو المجتهد بمظهر الجديد فإن أصل التشريع له سابق وقديم" 64.
(2) انظر تعليل الأحكام 326.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 565)
ولذلك لا أجدني في حاجة إلى الجواب عن القول بأن الإِجماع ينسخ النص استدلالًا بأن الصحابة أجمعوا على منع المؤلفة قلوبهم من سهمهم، وأن ذلك تغير للنص بالإِجماع.
وقد أجبت عن أصل المسألة في موضع سابق وهو الجواب عن القول بنسخ النص بالإِجماع (1).
نعم إذا كان هناك نص منسوخ فإن الناسخ له ليس هو الإِجماع، وإنما هو السند الذي انبنى عليه ذلك الإِجماع علمه من علمه وجهله من جهله (2).
والجواب عما ذهب إليه هؤلاء الباحثون هو الجواب عما قاله الدكتور شلبي وأضيف هنا أن الأمثلة التي ذكرها والتي قال عنها: "والآن نعرض لبعض الأحكام التي خالف فيها الأئمة ما سماه الناس إجماعًا فيما بعد … " (3) ثم ذكر بعض الأمثلة منها مسألة التسعير، وإعطاء المؤلفة قلوبهم في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله … إن هذه الأمثلة يمكن الجواب عنها من وجهين:
الأول: إن المستدل بها قال إنها مما سماه الناس إجماعًا، فهي إذن ليست إجماعًا مقطوعًا به، وليس كل ما يسميه الناس إجماعًا يكون كذلك، ونحن نتحدث عن الإِجماع الثابت ونقول إنه معصوم وحكمه كذلك، ولا يجوز تغييره ولا تبديله.
الثاني: إن مسائله المذكورة مشابهة لما ناقشته فيه عند الحديث عن المصلحة فمسألة المؤلفة قلوبهم تحقيق مناط بحسب حالتهم في زمن أبي بكر أو زمن عمر بن الخطاب أو زمن عمر بن عبد العزيز وليست تغييرًا ولا تبديلًا في الحكم الشرعي (4).--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 461.
(2) المجموع الفتاوى الكبرى 19/ 201 - 202.
(3) انظر تعليل الأحكام 325.
(4) انظر ما سبق ص 461.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 566)