بالعبادات أو بالعاديات، وأن هذه المصالح متحققة في شريعة العبادات علمنا منها ما علمنا وجهلنا منها ما جهلنا، ومقصود المؤلف هنا أنه لا يجري فيها القياس ونحوه، والتنبيه هنا إنما هو تنبيه على العبارة، ذلك أن الشارع قصد في العبادات تحقيق مصالح الخلق، وأمرهم فيها بالامتثال، وعبارة الإِمام الشاطبي، هي: "الأصل في العبادات - بالنسبة إلى المكلف - التعبد دون الالتفات إلى المعاني" فبالنسبة للمكلف الوقوف عند حد الامتثال - وهو التعبد - دون النظر في المعاني، فيقف عند مجرد ما حده الشارع: "ولذلك كان الواقف من مجرد الاتباع فيه أولى بالصواب وأجرى على طريقة السلف الصالح .. " (1).
مع التسليم بعد هذا كله أن العبادات جاءت رحمة للعباد محققة للمصالح في الدنيا والآخرة.
2 - أنه قال أن المعاملات نظر الشارع فيها من جهة تحصيل الأصل فيها، فينبغي أن تتبع بها المصالح فقط.
ومع التسليم بأنها جاءت لتحقق المصالح، إلّا أنه لا يقال أنها تتبع المصالح فقط، فإن من المعلوم أن الشارع أنزل شريعته لتحقيق مصالح العباد، ولم يقل أنها تتبع المصالح، ولم يستنبط أحد من المجتهدين هذه القاعدة فيقول: إن أحكام المعاملات تتبع المصالح: "ويجعل الميزان الصحيح هو المصالح فقط .. ".
وانظر إلى ما يقوله الإِمام الشاطبي:
"الأصل في العادات - بالنسبة إلى المكلف - التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني".
ومعنى الالتفات إلى المعاني: جواز التعدية إما بطريق القياس أو بطريق العمل بالمصلحة المعتبرة شرعًا.--------------------------------------------
(1) الموافقات 2/ 222، 224.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 506)
فإذا عُلم المعنى الذي من أجله شُرع الحكم، وغلم وجوده في الفرع، عُرف هذا المعنى بطريق من طرق الاستنباط المعلومة ..
أما أن فريقًا من العلماء قال أن المعاملات تتبع المصالح، والمصالح فقط وهي الميزان الصحيح، لأن الشارع نظر في تشريعه للمعاملات من جهة تحصيل المصالح، فهذا أمر لم ينسبه المؤلف إلى أحد من العلماء، وإنما هو مذهب الطوفي، الذي حاول الانتصار له بنصب هذه المسألة للبحث (1).
والصواب كما تبين من قبل، أن الأئمة المجتهدين - نظروا في المعاملات فوجدوا أن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني، فإذا علموا معنى معتبرًا في الشرع عدوه إلى الفرع بطريق معتبر من طرق الاستنباط.
أما اتباع المعاملات المصالح فقط وبلا ضبط فهذا لم يقل به أحد من العلماء كما أشرت آنفًا، وما زعمه المؤلف فيما سبق أن الضبط أمر مخترع قد تبين بطلانه، وهو ما يزال يجادل على ذلك، ويستنكر أن تخضع المصالح إلى ضبط المسالك المعلومة في أصول الفقه، كما سيأتي معنا في مناقشته لكلام الشاطبي مع أنه لم ينسبه إليه.
وإذا علم هذا - تبين خطؤه في قوله: وهذا القدر اتفق عليه العلماء، ومقصوده بالقدر الذي اتفق عليه العلماء هو أن العبادات قصد بها الشارع الامتثال أولًا وآخرًا ولا دخل لاعتبار المصالح فيها، وأن المعاملات شرعت أولًا من جهة تحصيل المصالح للأنام وهو الأصل فيها.
بقي أن نقف عند قوله: "فمنهم من يخرج بها عن التعبد ويجعل الميزان الصحيح هو المصالح فقط بيد أنه لا يدعي خروجها عن التشريع، بل يعترف--------------------------------------------
(1) قال المؤلف بعد أن دافع عن شذوذ الطوفي 295: "وإذا أردنا أن نحكم على هذا الرأي حكمًا صحيحًا بالقبول أو الرفض، وجب علينا أن نعرض لمسألة أخرى هي كالأساس لما نحن فيه، وهي هل نظر الشارع للمعاملات ملاحظ فيه التعبد أو مجرد عن ذلك، وهو موضوع البحث الآتي" 296 ثم نصب هذه المسألة التي أنا الأن بصدد مناقشته فيها، وأشرت إلى هذا ليعلم القارئ شدة حرص المؤلف في الانتصار لشذوذ الطوفي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 507)
أنه ماض فيها، ولكن من هذا الطريق حسبما أرشدنا الشارع إجمالًا وتفصيلًا (1). ويقصد بذلك أن هذا الفريق من العلماء يوافقه على أن المعاملات تتبع المصالح فقط وهو الميزان الصحيح، وهذا واضح من عبارته ..
أما الطريق الذي نعرف به هذه المصالح فيحتاج إلى بيان، فإن كان مقصوده أن المصلحة لا ينبغي أنْ تخرج عن التشريع، بمعنى أنها لا تكون مصلحة إلّا إذا وافق عليها الشرع فهذا حق، وأن المصلحة هي ما أرشدنا الشارع إليها إجمالًا وتفصيلًا، فما فصلته النصوص من المصالح فلا نحيد عنه، إذ المصلحة متوفرة فيه، وما لم ينص عليه يعرف بمراجعة نصوص الشارع فما شهدت له بأنه مصلحة قبلناه وإن شهدت برده رددناه.
فإن كان هذا مقصوده من هذه العبارة، فالصواب فيه ظاهر ويقتضي هدم ما ردده في رسالته هذه من أن بعض النصوص لا تحقق المصلحة، وأنها لهذا لا بد من تعطيلها مؤقتًا، لأن من الأحكام ما يتبدل بتبدل المصالح، وأن دعوى الأصوليين في اشتراط الضابط أمر مخترع، إلى آخر ما ردده في كتابه.
والظاهر - والله أعلم -كما هو وارد في النصوص التي جاءت بعد ذلك أنه ما زال ينافح عن دعواه السابقة (2)، وأن عبارته هذه ما هي إلّا علامة بينة على اضطرابه، إذ يقال له: إذا كانت المصلحة لا تخرج عن التشريع، فما بالك تصرح بأن النص قد لا يحقق المصلحة، وأن هذا يقتضي تعطيله مؤقتًا، وإذا كان الطريق الذي تعرف به المصالح في المعاملات هو طريق الشارع إجمالًا وتفصيلًا، فما بالك تصرح بأن الضبط أمر مخترع عند الأصوليين، وحاصل ما عندهم هو أن المصلحة لا بد من اعتبارها، إذا أرشدنا إليها الشارع إجمالًا كأن يشهد لها بالاعتبار، فإن لم يشهد لها فلا تعتبر، لأنا لم نعرف طريقا شرعيًّا يعتبرها.--------------------------------------------
(1) رسالة التعليل 297.
(2) إضافة إلى ما نقلته سابقًا. انظر ما ورد بعد ص 297 مثل 299، 370.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
ومقابل هذا الخلط والاضطراب وعدم الضبط ننقل عبارات الإِمام الشاطبي - التي نقل المؤلف بحثه الرابع منها انتصارًا لمذهب الطوفي - لنرى هل أحسن النقل حين نقل أم لا؟ وهل أحسن الفهم؟ وهل أحسن المناقشة؟
حاصل ما يريد الشاطبي تقريره في المسألة الثامنة عشر والتاسعة عشر أن:
1 - الأصل في العبادات - بالنسبة للمكلف - التعبد دون الالتفات إلى المعاني.
2 - الأصل في العادات - بالنسبة للمكلف - الالتفات إلى المعاني (1).
3 - الأول يقتضي الوقوف عند ما حده الشارع وهذا معنى التعبد.
4 - الثاني - وهو أن الغالب في العادات الالتفات إلى المعاني فإذا وجد فيها التعبد فلا بد من التسليم والوقوف مع المنصوص، وذلك لأن التعبديات علتها مجرد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان (2).
5 - "أن العاديات وكثير من العبادات لها معنى مفهوم وهو "ضبط وجوه المصالح" إذ لو ترك الناس والنظر، لانتشر ولم ينضبط، وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط أقرب إلى الانقياد ما وجد إليه سبيل … " (3).
6 - كل ما ثبت فيه اعتبار التعبد فلا تفريع عليه.
7 - كل ما ثبت فيه اعتبار المعاني دون التعبد فلا بد من اعتبار التعبد فيه.
ثم أخذ في الاستدلال على ذلك وقال بعده: " … وما أشبه ذلك من المسائل الدالة على اعتبار التعبد، وإنْ عُقِلَ المعنى الذي لأجله شُرع الحكم، فقد صار إذن كل تكليف حقًّا لله، فإن ما هو لله فهو لله، وما كان للعبد فراجع--------------------------------------------
(1) الموافقات: 2/ 222.
(2) الموافقات 2/ 226 - 227.
(3) الموافقات: 2/ 227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 509)
إلى الله من جهة حق الله فيه، ومن جهة كون حق العبد من حقوق الله، إذْ كان لله أن لا يجعل للعبد حقًّا أصلًا" (1).
وتبين من كلام الإِمام الشاطبي، أن مقصوده من بحث هذه المسألة، هو إثبات أن التكليف هو حق لله، سواء أكان من العبادات أو المعاملات، ولهذا ذكر الأدلة على أن "كل ما ثبت فيه اعتبار المعاني دون التعبد فلا بد من اعتبار التعبد ثم ذكر أربعة أوجه تدل على ذلك ..
وبعد معرفة ما يريد الشاطبي تقريره في الموافقات، أعود إلى المقارنة بين ما هو موجود في الموافقات وما نقله الشلبي مع بيان الفوارق:
أولًا: ذكر الإِمام الشاطبي ثلاثة أدلة على أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني:
أولها: الاستقراء: وهو ما ذكره الشلبي سابقًا.
والفارق بينهما أن الشاطبي جعله دليلًا على ما ذكره وحرر الضوابط فقال مبينًا: إنا فهمنا من العادات اعتبار الصالح، وذكر لذلك أمثلة منها: جواز الدرهم بالدرهم في القرض مع حرمته في المبايعة، وحديث "لا يقضي القاضي وهو غضبان"، "ونهى عن بيع الغرر"، "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" … إلى غير ذلك في لا يحصى وجميعه يشير - بل يصرح - باعتبار المصالح للعباد، وأن الإذن دائر معها أينما دارت حسبما بينته مسالك العلة فدل ذلك أن العادات مما اعتمد الشارع فيها الالتفات إلى المعاني" (2).
والشاطبي -كما هو واضح من عبارته- أحسن الاستدلال على مقصوده وحرر ضوابط اتباع المصالح، وهو أن الشارع أذن في ذلك، وضوابطه هي اتباع مسالك العلة.--------------------------------------------
(1) الموافقات 2/ 231.
(2) الموافقات 2/ 225.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 510)
والشلبي بضد ذلك نقل أول كلام الشاطبي وترك آخره الذي فيه هذه الضوابط.
وقد سبق في أكثر من موضع استنكاره لها وزعمه أن الضبط أمر مخترع.
ثانيًا: استدل الشاطبي بأن "الشارع، توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات كما تقدم تمثيله، وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد منها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص (1)، بخلاف باب العبادات فإن المعلوم فيه خلاف ذلك … " (2).
وأضاف الشلبي - بعد أن لخص الدليل الذي ذكره الشاطبي - قوله: "وهذا تنبيه منه سبحانه إلى أننا نسلك هذا الطريق ونسير بمعاملاتنا في وادي المصالح، ولا نجمد على المنصوص الذي ربما ورد لمصلحة خاصة وبطائفة خاصة، وبإقليم خاص وفي زمن خاص، وحاشا لشريعة الخلود أن تلزم الناس بهذا الإصر والأغلال التي صرحت في غير موضع بأنه رُفع عنهم" (3).
وهذه الإِضافة من المؤلف تخدم القضية التي ينافح عنها في كتابه، وما زال يمفد لها، ويقوّي من شأنها، والشبهة التي أصابته ما زالت تلاحقه وهي ظاهرة في قوله: " … ولا نجمد على المنصوص الذي ربما ورد لمصلحة خاصة … " فهو يرى أن النص قد لا يحقق المصلحة، وبذلك يجب أن نتعرف عليها ولو خارج النصوص، ونسير بمعاملاتنا في وادي المصالح هكذا بغير حرمة للنص وبغير شهادة من الشرع لهذه المصالح المزعومة.--------------------------------------------
(1) الموافقات 2/ 224.
(2) يعني بعدم الوقوف عندها أي عدم الاقتصار على ما نصت عليه، بل الحمل عليها باتباع المعاني المناسبة شرعًا.
(3) تعليل الأحكام 296 - 297.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 511)
بل إنه يرى أن وضع هذه الضوابط نوع من الإِصر والأغلال.
أمّا مسألة خصوص بعض الأحكام فلم يقل أحد من العلماء إن خصوصيات الرسول عليه الصلاة والسلام تلزم المكلفين ..
أمّا بقية الأحكام وهي معظم الشريعة فلم يقل أحد من أهل العلم أن من نصوصها ما ورد لمصلحة خاصة، وبطائفة خاصة، وبإقليم خاص، وفي زمن خاص وهذه الدعوى - مع خطورتها - لم يقدم لها المؤلف دليلًا إلّا قوله أن بعض المصالح تتغير، وأن النص لا يحقق المصلحة في بعض الأحيان، وهذه كما ترى دعوى أخرى، فلم يبق في يديه إلّا قوله: إن هذا عمل الصحابة فكان إجماعًا، وقد بينت في البحوث السابقة أن الصحابة لم يغيروا ولم يبدلوا وما فهمه واتبعد ما هو بيقين، ولكن شُبِّهَ له.
والحاصل أن هذه الإِضافة على كلام الشاطبي - مع خطورتها - ليس لها وزن علمي لأنها مجرد دعوى، ووسعت البيان هنا ضرورة لإِبطال قوله بعد ذلك أن هذا قدر اتفق العلماء عليه!!!
وفكرته هذه وما ينبني عليها لا يزيدها إدخالها مع كلام الشاطبي إلّا خذلانا، وذلك لما بينته من الفرق بين ما نقلته عن الأصوليين، ومنهم الشاطبي وهو الالتزام بالضوابط الشرعية، وتوقير النصوص، والشعور بحرمتها وأنها رحمة متضمنة للعدل والمصلحة والخير واتباع المعاني تحت العمل بالضوابط وبين شذوذ صاحب رسالة التعليل الذي يرى المصلحة … خارجة عن النص في بعض الأحيان ويصر على عدم الضبط (1)، ويعطل بعض النصوص مؤقتًا، تجديدًا لشذوذ الطوفي، بل وزيادة عليه.--------------------------------------------
(1) وهو شديد الاضطراب في هذه القضية، فتارة ينكر على الأصوليين اتباعهم الضوابط ويزعم أنها أمر مخترع، وتارة يستنكر اعتبار مطلق المصلحة في مقابلة النص ولو لم يكن إليها حاجة، انظر 300، وأما إذا اعتبرنا أن "الحاجة" غير منضبطة - وهي كذلك - فإن الاضطراب يرتفع ويحل محلة الإِصرار على رفع الضوابط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 512)
ثالثًا: قال الإِمام الشاطبي إن العقول قد تدرك بعض المصالح كما كان يصنعه أهل الفترات، حيث اتبعوا بعض الأحكام - اتباعًا لبعض المعاني - فجرت بذلك مصالحهم، وذلك ما كانوا يعملونه في الجاهلية، كالدية والقسامة، والاجتماع يوم العروبة - وهي الجمعة للوعظ - والقراض وكسوة الكعبة، وأشباه ذلك، ومع ذلك فإنهم قصّروا في جملة من التفاصيل فجاءت الشريعة لتتم مكارم الأخلاق، وأما في التعبديات فكان الصحيح منها نادرًا، وهو ما أخذوه من ملة إبراهيم عليه السلام (1).
ثم جاءت الشريعة وأقرت من هذه الأحكام ما أقرت، ورفضت منها ما رفضت، وما قبلته أصبح من نظامها لا على أنه حكم الجاهلية خالط حكم الإِسلام، وأن الإِسلام تأثر به، بل لأن الإِسلام اختاره وأقره، ولو لم يقره لم يكن منه البتة، وهو بهذا الإِقرار أصبح من شريعة الإِسلام، وأخذ شرعيته من إقرار الإِسلام به.
وقد صرح الإِمام الشاطبي أن هذا الإِقرار لهذه المصالح من الشارع حيث قال: "ومن ها هنا أقرت هذه الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالدية والقسامة … " (2).
ونحن نطالب من يريد اتباع المصالح حيث كانت أن يأتي بإقرار من الشارع، على أن هذا الأمر مصلحة وليس بمفسدة لا نريد منه أكثر من ذلك.
والمصالح حينئذ قسمان كما قرره الشاطبي نفسه:
الأول: ما لا يمكن الوصول إلى معرفته بالمسالك المعهودة - ويقصد بالمسالك الإِجماع والنص والإِشارة والسير والمناسبة وغيرها - ولا يطلع عليه إلا بالوحي، فهو موقوف على التعبد المحض، ومعنى هذا أن من زعم أنه يدرك--------------------------------------------
(1) الموافقات 2/ 225 - 226.
(2) المصدر السابق 2/ 226.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 513)
المصلحة منه، ويريد أن يعديها إلى غير محلها فهو مخطئ وأمره مردود عليه لأنه لا سبيل إلى إدراكها.
الثاني: "ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإِجماع والنص والإشارة والسبر والمناسبة وغيرها - وهذا القسم هو الظاهر الذي نعلل به ونقول أن شرعية الأحكام لأجله" (1).
وهذه الضوابط المذكورة هنا هي من معنى قول الشاطبي سابقًا "ومن ههنا أقرت هذه الشريعة جملة من الأحكام".
نعم لابد من الإِقرار من الشارع، وقد علمنا أنه قد كفنا عن طلب القسم الأول، وأمرنا بالقياس على القسم الثاني، والعمل به شريطة أن لا يخالف إجماعًا أو نصًا ذلك أن الإِجماع والنص .. وغيره هي الطرق التي بها تعرف المصلحة وهي الدلالة عليها فكيف يتصور أن تعارضها المصلحة أو تطلب خارجًا عنها.
وإذا تحصل مقصود الشاطبي ننظر بعد ذلك في صنيع الدكتور الشلبي فإنه ذكر هذا الدليل مختصرًا فقال:
"إنّ أرباب العقل في زمن الفترات قد اعتبروا المصالح في كثير من العادات، فلما جاءت الشريعة أقرت منها الشيء الكثير، وعدلت ما انتابته عوامل متنازعة من الإِصلاح والإِفساد، ولم تبطل إلّا ما كان منشؤه هوى النفوس وطغيان الشهوات، وأما عباداتهم فضلت فيها عقولها ولهذا هدمت الشريعة غالبها إلا ما نقل لهم من شريعة الخليل عليه السلام" ثم قال إن هذا القدر اتفق عليه العلماء (2).
والفارق بين معالجة الإِمام الشاطبي لهذه المسألة ومعالجة الشلبي واضح جدًا، فإن الإِمام الشاطبي بيّن إلتفات الشارع إلى المعاني في باب العادات فإذا--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2/ 230.
(2) الموافقات 297.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 514)
علمنا المعنى اتبعناه تحقيقًا للمصلحة، وأنه لا بد من إقرار الشارع وشهادته لهذا المعنى بالمناسبة، وإلّا تبينا أن هذا الذي ظنناه مصلحة ليس كذلك ..
وأما الشلبي فإنه يسير فيما يخدم دعواه، ولذلك تجده لم يذكر الضوابط التي ذكرها الإِمام الشاطبي، ولم يحرر المسألة كما حررها، فبينما تجد الشاطبي يصرح بما أقرته الشريعة، ويبين أنه جملة من الأحكام، تجد الشلبي يقول: "أقرت منها الشيء الكثير … ولم تبطل إلّا ما كان منشؤه هوى النفوس وطغيان الشهوات" هكذا على سبيل الحصر .. لم تبطل إلّا المصلحة التي حمل عليها هوى النفس وطغيان الشهوات، وأما التي حمل عليها العقل فشيء آخر، فإذا ما جاء أحد من العقلاء - في غير طغيان ولا هوى - وقال إن هذه مصلحة فاتبعوها فينبغي أن نتبعها لأن بعض المصالح التي جاءت بها بعض النصوص تتغير وما دام إقرار الشارع لها ليس شرطًا والضبط أمر مخترع فلا بد من اتْباعِ العقلِ بدون الرجوع إلى أصل معين.
والحق أنه لا عبرة بمثل هذا النوع من المصالح ما لم يشهد له الشرع بعدم الرد، فإن رده فهو مردود سواء أكان الحامل عليه هوى نفس أو طغيان أو نية خالصة تريد النفع والخير (1) وذلك أنه قد تقرر على سبيل القطع أن العقل ليس بشارع، وأنه لا يستقل بإدراك المصالح ودفع المفاسد، وأنه لا بد من شهادة الشارع للمصلحة بأحد المسالك المعروفة فإن لم يشهد ورد - ذلك الذي ظنناه مصلحة - فإنه مردود بالإِجماع، والعبرة بما حده الشرع وبينه ..
وأستطيع هنا أن أقول - نقضًا لما زعمه شلبي وبيانًا للحق - أن هذا--------------------------------------------
(1) وكم وقع العبّاد والزهاد وكثير من الدعاة في مثل هذا، يقولون إن هذا طريق إلى الآخرة، وهذا طريق التي الغاية المطلوبة بنية خالصة، ثم لا يدركون مبتغاهم، وينضاف التي ذلك مجاوزة الشريعة وعدم الوقوف عند ما حدته أو الرجوع إلى ما يخالف المصلحة - بزعمهم - بالتأويل ونحوه، ولا بد لكل مسلم أن يقف عند ما حدته الشريعة، وإنْ نازعته نفسه تطلب اتباع المصالح المزعومة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 515)
هو القدر الذي اتفق عليه العلماء، حاشا الطوفي الذي شذ عن الإِجماع، ثم جاء الشلبي من بعده فطم الوادي على القرى ..
هذا بالنسبة للقسم الأول الذي نقله عن الشاطبي واتجه به إلى معنى آخر - لم يقصده الشاطبي ولا غيره من الأئمة - أراد به نصرة رأي الطوفي، وقد تبين الفرق بين منهج الشاطبي وصنيع المؤلف.
المطلب الثامن
الفرق بين العبادات والعاديات
تشمل الشريعة الإِسلامية هذين القسمين:
الأول: هو العبادات، ويدخل فيها من الشرائع أداء الصلوات والحج والنذر والصيام ونحو ذلك.
الثاني: وهو العاديات أو المعاملات، ويدخل فيها من الشرائع القرض والقضاء والحكم في الخصومات ونحو ذلك.
والأول يغلب عليه كونه حقًّا خالصًا لله أي بين العبد وربه، والثاني يغلب عليه كونه حقًّا للآدمي.
هذا هو معنى التقسيم الذي ورثناه عن الفقهاء، بقي أن نتعرف على الفرق بينهما لصلة هذا البحث بما نحن فيه ..
والفرق بينهما: أن العبادات توقيفية ليس للعبد معها إلّا مجرد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان (1)، وأن المعاملات والعاديات إذا عُلم المعنى الذي شرعت من أجله وعُلم وجوده في محل آخر نقل إليه ذلك الحكم بطرق من طرق مسالك العلة المعلومة …
أما موضع الاتفاق بين العبادات والعادات فيظهر فيما يلي:--------------------------------------------
(1) الموافقات 2/ 226 - 227.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 516)
1 - أنهما جميعًا من أحكام الشريعة الإِسلامية، ويجب الالتزام بها لأنها من الدين الذي أمرنا الله باتباعه، ولا يجوز تبديلها ولا تغييرها ولا تعطيلها بل الواجب توقيرها وتعظيمها والانقياد لها لأنها من عند الله العزيز الحكيم.
2 - أن المطيع لأمر الله في العبادات والعادات مثاب، لأنه أدى حق الله عليه، سواء بأداء الصلوات أو بأداء حقوق الناس كما أمره الله، فحق الله فيها ظاهر، ولذلك تشترك في معنى التعبد من هذه الجهة، فهي عبادة لله، فكما تتحقق عبادة الله بالتوحيد تتحقق بأداء الصلوات والحج والصوم والزكاة، وتتحقق بالتزام حكم الله في الاقتصاد والاجتماع والحكم والسياسة.
فمن إلتزم في ذلك كله أمر الله - يرجوا بذلك وجه الله - فهو متعبد مأجور، ومن خالف فبحسب مخالفته، وإنما يتحقق الأجر في كل ذلك لأن فيه معنى التعبد أي معنى عبادة الله، وهذا حاصل ما قرره الشاطبي بأدلة واضحة بينة في المسألة التاسعة عشرة، ليقول لنا أن كل تكليف فيه حق لله (1).
وبملاحظة مواضع الاتفاق والاختلاف يمكن معالجة هذه الشبهة التي يمكن أن يقع فيها بعض الناس وهي: أن ملاحظة معنى "التعبد" في العاديات من تلك الجهة وبذلك المقصود، مانع من اتباع القياس الشرعي والمصلحة المعتبرة أو بلفظ آخر مانع من التعدية.
وهذا ما فهمه الشلبي حيث قال: "استند هذا الفريق في مدعاة أن المعاملات ملاحظ فيها التعبد" إلى أمور منها، ثم ذكر أدلة الإِمام الشاطبي على المسألة التاسعة عشرة التي أشرت إليها آنفًا، ثم حاول الإِجابة عنها (2).
ولا نحتاج هنا إلى مناقشته، فضلًا عن ذكر أدلة الشاطبي وتعليقه هو فإن ذلك لا ضرورة له، وذلك أن الإِمام الشاطبي لم يقصد بإثبات معنى التعبد في العاديات منع التعدية فيها، لأنه يقر بالفرق الذي ذكرته بين العبادات والعاديات--------------------------------------------
(1) المسألة التاسعة عشرة: الموافقات 2/ 228 - 229 - 230 - 231.
(2) تعليل الأحكام 297 - 298 - 299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 517)
وبمواضع الخلاف، فهو يرى في وقت واحد أن: العاديات الأصل فيها اتباع المعاني، فيعدي المجتهد الحكم إلى غير محله بشرط أن يلتزم مسالك العلة فلا يؤدي به اجتهاده إلى رد ما جاء به الشرع، وسواء عدى الحكم أو لم يعده فإن أحكام العاديات كلها فيها معنى التعبد من جهة - لا تمنع التعدية - وإنما هي ضرورية لربط قلب المؤمن بالله، فهو إذ يلتزم بأحكام العاديات إنما يلتزم أمر الله فإذا أخذ ما أخذ، وترك ما ترك من تحت الإِذن الشرعي فإنه عابد مُتبعٌ مؤدٍ حق الله وهذا معنى قول الشاطبي: الأصل في العاديات الالتفات إلى المعاني وذلك لتتحقق التعدية، وأن فيها معنى التعبد وذلك لتحقق معنى العبادة والأجر والثواب عليها.
فإذا كان الأمر كذلك فهل يجوز لباحث أن يناقش أدلة الشاطبي على أن العاديات وإن اعتبر فيها اتباع المعاني - فلا بد فيها من اعتبار التعبد، وذلك ليقول: إن الأدلة السابقة - ويقصد أدلة الشاطبي - فيها ضعف ظاهر ولا يصلح التمسك بها في مقام الحجاج (1).
وأدلة الإِمام الشاطبي التي ناقشها د. شلبي هي الأدلة التي ذكرها على المسألة التاسعة عشرة - لإِثبات أن "كل تكليف فيه حق لله" (2) ومن يناقش في هذا أو يجادل؟!
وهذا دليل على أن الشلبي لم يفهم ما يريد الشاطبي أن يقوله في المسألة التاسعة عشرة فأخذ يناقشه في أربعة صفحات (3).
فإن قيل: إذا كان الشاطبي يقول بالتعدية والشلبي يجادل عنها ليثبت أن في العاديات تعدية فما الفرق بينها؟ والجواب أن الشاطبي متبع للإِجماع في الالتزام بالضوابط، وعدم التقديم على النص أي مصلحة، ولو اجتمعت عليها عقول العقلاء وأفهام الحكماء، ولا تغير ولا تبديل في المعاملات وأحكام النظام الاجتماع، وأما الشلبي فبضد ذلك وقد مر بيانه.--------------------------------------------
(1) تعليل الأحكام 300.
(2) الموافقات 2/ 231.
(3) تعليل الأحكام 299 - 300 - 301 - 302.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 518)
وأختم الجواب عن هذه الشبه بالإِشادة بمجهود الشاطبي المبارك في كتابه، ذلك أنه يتكلم عن الإِسلام وهو يلاحظ عقيدته ومنهجه في الاستدلال وأحكامه ومقاصده.
فإن شئت أن تجد في كلامه اتباعًا للسلف ومفارقة للبدعة والمبتدعين وجدته، وإن شئت أن تجد - سلامة من آثار علم الكلام - يترتب عليه ضبطًا لمنهج الاستدلال وجدته، وإن شئت أن تجد إبرازًا لمقاصد الشارع، وإظهارًا لمعنى التعبد في جميع أحكامه وجدته، كما هو الحال في مسألتنا هذه (1).
ومن يعلم مدى ما أدت إليه أمثال هذه الشبهة حتى فُهم الإِسلام على أنه عبادات لها الاحترام، ومعاملات يمكن أخذها من غير الشريعة أو يمكن التزامها بدون الشعور بمعنى العبادة فيها، حتى أصبح مفهوم التعبد مقصورًا على نوع خاص من الأحكام، من علم ذلك شعر بالجهد المبارك الذي بذله الشاطبي .. وشعر في الوقت نفسه بشدة حاجتنا إلى التعرف عليه وإظهاره.
وهذا الجهد المبارك هو المدد الذي ييسره الله على أيدي العلماء الربانيين، فينقلونه من جيل إلى جيل، فيحفظ الله بهم الفهم الصحيح لهذا الدين، الذي عاش به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان غير مبدلين ولا مغيرين في غير ما حرج ولا ضيق {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}.
وكلما أردنا أن نفهم هذا الدين .. كما فهمه جيل الصحابة والتابعين فلابد من أن نأخذه عن أولئك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين تابعوا الجيل القدوة وسلموا من آثار الفرق الضالة قديمًا وآثار الغزو الفكري حديثًا، وتحققوا بهذا الدين ونصروه، وهؤلاء هم العلماء الربانيون الراسخون نفعنا الله بهم ورزقنا ما رزقهم (2).--------------------------------------------
(1) وانظر المقدمات على سبيل المثال - من كتاب الموافقات 1/ 11 - 62 لتزداد يقينًا بهذا الذين نقوله.
(2) انظر المقدمة الثانية عشرة 1/ 52.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 519)
المطلب التاسع
مناقشة ما نسبه بعض الباحثين إلى الإِمامين: ابن القيم والشاطبي
الفرع الأول
فيما نسبوه إليهما
نسب بعض الباحثين المحدثين إلى هذين الإِمامين القول بقاعدة تغير بعض الأحكام بتغير الزمان، معتمدين في ذلك على ما فهموه من نصوص وردت في كتاب أعلام الموقعين وكتاب الموافقات.
وأبدأ بما ذكر الدكتور صبحي الصالح بعد أن ذكر بعض نصوص ابن القيم فقال: "وحين نذكر أن "المصلحة العامة" في القوانين الحديثة هي أساس كل تشريع، ونضع في مقابل ذلك ما اشترطه فقهاؤنا لسلامة الأخذ بالمصلحة المرسلة (المطلقة من كل قيد إلا قيد النفع) (1) لا يسعنا ونحن نسير روح الشريعة وأساسها إلا أن نستخدم هذه الوسيلة "التقنينية" التي هي مبنى هذه الشريعة وأساسها، فحيثما كان العدل والرحمة والحكمة والمصلحة فثم شرع الله" (2).
وهذا الذي نقلته هنا هو نتيجة بحثه للفصل الخامس بعنوان "روح الشريعة الإِسلامية" وقد نسب فهمه هذا إلى الإِمام الشاطبي حيث ابتدأ حديثه بتقرير أن الإِمام الشاطبي هو من أفضل الأئمة الذين تعرفوا على روح الشريعة.
وقد أحسن الدكتور صبحي الصالح وهو يتحدث عن ثبات الشريعة حيث اعتبر انقطاع الوحي موجب لثبات الشريعة "غير قابلة للتعديل أو التطوير--------------------------------------------
(1) القوس من عند المؤلف وما زال الكلام له.
(2) المعالم الشريعة الإِسلامية، الدكتور صبحي الصالح دار العلم للملايين - بيروت الطبعة الثانية ص 72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 520)
إلا ما كان منها في حياة الرسول - أو في عصر الوحي - (1) داخلًا في اعتبار الناسخ والمنسوخ أو التخصيص بعد التعميم أو التقييد بعد الإِطلاق أو التفضيل بعد الإِجمال ثم اتخد في النهاية صورة "ثابتة" في جميع الأحوال كالآيات التي تعاقبت نزولها بشأن الخمر على سبيل المثال" (2).
ثم انتقل إلى أمر مهم جدًا ألا وهو كيفية التعرف على شمولية الشريعة واعتبر "المصلحة والعرف" هي من أهم الوسائل المؤدية إلى ذلك.
وبعد هذا مباشرة انتقل إلى الحديث عن دور المصلحة وأخذ في التعريف بموقف ابن القيم منها - ونقل عنه قوله: "الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها" ثم يضيف قائلًا: "فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه" (3).
ثم قال د. صبحي: وقد نصر ابن القيم رأيه في المصلحة بطائفة من الأمثلة في كتابه "أعلام الوقعين" …
وإليك بعضًا منها:
1 - عدم قطع الأيدي في الغزو.
2 - إذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه لا يسوغ إنكاره (4).
ثم أكد المؤلف ما يذهب إليه من نسبة تلك القاعدة إلى ابن القيم بأن--------------------------------------------
(1) هذه الإضافة بيان، لأن "عصر الوحي" هو "حياة الرسول" ولا يحتاج لحرف "أو".
(2) معالم الشريعة 57 - 58 - 59.
(3) معالم الشريعة الإِسلامية ص 62 نقلًا عن أعلام الموقعين، وقد نقله أيضًا صاحب رسالة "تغير الأحكام بتغير الزمان" ص 162.
(4) معالم الشريعة 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 521)
ذلك هو منهج عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كثير من اجتهاداته مثل إسقاط الحد عن السارق عام المجاعة وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم ونحو ذلك (1) وقرر على هذا نتيجة بحثه التي ذكرتها في أول هذا المطلب.
وعلى هذا المسلك سار بعض الباحثين حيث نسب إلى ابن القيم الانتصار لهذه المقالة "تغير بعض الأحكام بتغير الزمان" (2).
هذا ما فهموه عن الإِمام ابن القيم فماذا عن فهمهم لنصوص الإِمام الشاطبي، ينقل بعض الباحثين نصًا طويلًا للإِمام الشاطبي ويستنبط منه "أن أحكام الشريعة (عند الإِمام الشاطبي) إنما هي عبارة عن كليات وجزئيات، وأن الكليات تعتبر أصولًا باقية لا تتبدل ولم يحدث فيها نسخ بخلاف الجزئيات التي تجري فيها المشاحنات والمنازعات، وأن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة بمكة، وكانت هذه الأحكام المدنية شاملة للرخص والتخفيفات وتقرير العقوبات في كل ذلك في الجزئيات لا الكليات التي أحكمت في مكة وبقيت على حالها" (3).
وحاصل ما فهمه الباحث من كلام الشاطبي ما يلي:
1 - أن الجزئيات تخالف الكليات من حيث تبدلها وتغيرها.
2 - أن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة بمكة.
وكلام الباحث هذا في معرض حديثه عن قاعدة تغير الأحكام وصلتها بنقض الاجتهاد (4)، ونحن نناقشه في فهمه لكلام الإِمام الشاطبي وذلك بعد مناقشة فهمه وفهم الدكتور صبحي لكلام ابن القيم.--------------------------------------------
(1) معالم الشريعة 69.
(2) رسالة "تغير الأحكام بتغير الزمان" 162، 181.
(3) رسالة "تغير الأحكام بتغير الزمان" 29 - 30.
(4) رسالة "تغير الأحكام بتغير الزمان" 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 522)
الفرع الثاني
المناقشة
إن مما أناقش فيه هذين الباحثين أمرين مهمين:
الأول منهما: أن المصلحة - التي أخذ بها فقهاؤنا واشترطوا شروطًا لسلامة الأخذ بها هي المصلحة المرسلة (المطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع). وأسندا العمل بالمصلحة المرسلة إلى الإِمام ابن القيم ومن قبله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومما ذكر من الأمثلة عدم قطع الأيدي في الغزو وعدم إنكار المنكر إذا أدى إلى مفسدة عظيمة .. وإسقاط الحد عام المجاعة.
الثاني منهما: إن الأحكام المدنية في الغالب غير منزلة على وقائع الكليات المقررة بمكة، وأن تلك الأحكام الجزئية التي نزلت بالمدينة تخالف الكليات المكية من حيث البقاء والتبدل، هكذا على الإِطلاق.
مناقشة الأمر الأول:
نبدأ في المناقشة في هذا الموضع من حيث انتهينا سابقًا حيث تقرر أن ما قيل عن "تغير الأحكام بتغير المصالح والأعراف والعادات والأزمنة" ليس مبنيًا على أساس علمي، وحاصل ما عند القائلين به أنه "قاعدة" حدثت عند نشوء المجلة العدلية، وكان يكفيهم ذلك، لو أنهم تريثوا وتساءلوا لمَ لمْ ينص السلف على أنها قاعدة؟ وحينئذ سيعلمون الجواب الذي سيحملهم على إعادة النظر فيها والتعرف على حقيقتها، غير أنهم لم يصنعوا شيئًا من ذلك، بل سارع بعضهم إلى محاولة إضافة معناه إلى فقه السلف، وقد تبين لنا بما فيه الكفاية، أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يغيروا الأحكام ولم يبدلوها، وبقي هنا أن نناقش ما نسب إلى ابن القيم سواء من هذين الباحثين أو من غيرهما (1)، ونقول هنا كما قلنا من قبل إن إطلاق المصلحة من ضوابطها مخالف لوضع الشريعة ولفهم--------------------------------------------
(1) أكرر ما قلته سابقًا من أن العبرة بالمناقشة ليست هي معالجة رأي هذا الباحث أو ذاك، بل هي أعم من ذلك، تتبع الفكرة حيث كانت ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)
السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الفقهاء من بعدهم، وما يقوله الأستاذ صبحي الصالح هنا يأخذ الحكم نفسه.
وإن مما يعفيه من هذه المؤاخذة أن يقيد تفسيره للمصلحة المرسلة بما أشرت إليه سابقًا من كلام الأئمة، فليس عند فقهاء السلف مصلحة مرسلة (مطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع) إن هذه المصلحة هي المصلحة التي تدور عليها القوانين الوضعية كما يقول الباحث، والشرط الذي تضيفه الشريعة هنا هو أن تشهد نصوصها الجزئية أو الكلية لهذا النفع بعدم الرد، ذلك أن هذه الشريعة وضعت في الأصل لتكون صراطًا مستقيمًا يهتدي به الناس، ومن مقتضى اهتدائهم بها أن يستشهدوها على ما يظنونه "نفعًا" فإن شهدت بأنه كذلك ولم ترده فهو كذلك، ويترتب على ذلك أن يتبعوه ويعتبروه، لأن الشريعة أمرتهم بذلك، ومن هنا يتحقق الخير وتتحقق العبودية وذلك باتباع هذه الشريعة، وإن لم تشهد له بل ردته، فهو حينئذ ليس "نفعًا" ويجب عليهم أن يبتعدوا عنه مهما شهدت له العقول القاصرة والعادات المتكاثرة، أما أن يقال المصلحة المرسلة - التي أمرت الشريعة باتباعها - هي المطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع - ثم نتبع ما يقال أنه "نفع" فليس ذلك بصواب، ولا يضرنا إذا اهتدينا أن تتبع القوانين الوضعية المصلحة التي أطلقت من كل قيد إلّا قيد النفع، لا يضرنا ذلك لأن هؤلاء القانونيين ليس عندهم صراطٌ مستقيمٌ من لدن العزيز الحكيم يهتدون به، بل غاية ما عندهم اتباع الأعراف والعادات والأفكار البشرية، فالنفع عندهم ما حددته أعرافهم وعاداتهم وعقولهم والنفع عندنا ما لم ترده الشريعة وهذا فرق عظيم بيننا وبينهم، ولا يضرنا من ضل إذا اهتدينا، كما قال تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (1).
وكان ينبغي - على الباحث أن يختم بحثه بما ذكره هو نفسه من شروط الفقهاء (2)، لا أن يختم بحثه بما يتبعه القانونيون من المصلحة.--------------------------------------------
(1) سورة المائدة: آية 105.
(2) انظر معالم الشريعة الإِسلامية 63.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)
وما ذكره من شروط الفقهاء لاتباع المصلحة يرجع في النهاية إلى اشتراط عدم معارضة الشريعة لها، فإذا لم تشهد الشريعة بالرد فقد أصبح لتلك المصلحة موضعًا فيها، ولو أكد على ذلك وختم به بحثه لعلم حينئذ أن المرسلة ليست هي المطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع، بل هي التي لا تعارض الشريعة، وليس النفع هو ما يحدده البشر بل هو ما يحدده رب البشر ..
وبهذا الذي أقول كان يمكنه تفسير ما ذهب إليه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وما قاله ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين.
ولقد تحدثنا عن مسألة عدم قطع الأيدي في الغزو وفي عام المجاعة، وما بنا حاجة إلى إعادته، وتقرر هناك أن هذا ليس فيه تغيير ولا اتباع لمصلحة مطلقة من شهادة الشرع (1) - ولا مطلقة من كل قيد إلّا قيد النفع - ليس شيء من ذلك كله، بل إن ذلك تحقيق مناط الأدلة الشرعية بدون تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير - وأما عدم إنكار المنكر إذا أدى إنكاره إلى منكر أعظم منه فذلك إعمال لقاعدة سد الذريعة، وقد سبقت الإِشارة إليها (2).
ونحن مع جميع هذه الأمثلة وغيرها نجزم أن ذلك الاجتهاد من الصحابة والتابعين وأئمة السلف من الفقهاء من بعدهم، ليس فيه تغيير ولا تبديل، ولا اتباع لمطلق النفع، أو العرف والعادة، أو الاحتكام إلى العقل، بل هو اتباع لهذه الشريعة وتحقيق لمناطات أحكامها.
مناقشة الأمر الثاني:
وهو ما نسب إلى الإِمام الشاطبي من أن الأحكام المدنية، غير منزلة على وقائع الكليات المقررة بمكة، وأنها تخالفها من حيث البقاء، وأناقش هذه النسبة من خلال نصوص الإِمام الشاطبي ومن كتابه الذي اعتمد "صاحب رسالة تغير الأحكام " على نص واحد منه ولم يتبين المعنى الحقيقي له (3).--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق ص 470.
(2) انظر ما سبق ص 358.
(3) قارن صنيعة هذا بصنيع صاحب كتاب تعليل الأحكام - انظر ص 395.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 525)