Arabic source text

📘 আস-সাবাতু ওয়াশ-শুমূল ফিশ-শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (আবিদ আল-সুফিয়ানী)

📘 الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية (عابد السفياني)

📘 আস-সাবাতু ওয়াশ-শুমূল ফিশ-শারীয়াতিল ইসলামিয়্যাহ (আবিদ আল-সুফিয়ানী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ولا تحول بينهم وبين البدع والخرافة والضلالة والانحراف، وما زالوا على ذلك حتى جاءهم الإسلام يناديهم لهذه العقيدة والشريعة، التي توجب عليهم الاتباع لكل ما جاءهم من عند الله، فآمن من آمن وكفر من كفر، واستقر أمر الجيل الأول من المؤمنين على هذه العقيدة فلم يعودوا يتلَقّون إلا عن هذه الشريعة -كتاباً وسنة- لا يراجعونها في شيء، ولا يقدمون عليها شيئاً، ولا يخلطونها بغيرها من شرائع البشر وأفكارهم، يتلقون منها بصدق ويقين .. فاستقامت حياتهم، واستفادوا العلم والإيمان واليقين والثبات من هذه الشريعة - فلا تغيير ولا تبديل ولا نسخ ولا معارضة - والشريعة تشملهم برحمة الله وحكمته وعدله، قد سجدت عقولهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم لأحكامها، فخضعت مجتمعاتهم لحكم هذه الشريعة في جميع مجالاتها، ثم انتشرت هذه العقيدة تبشر الأمم الأخرى وتنذرها فآمن من آمن وكفر من كفر، وكانت الكلمة العليا لهذه الشريعة فحكمت المجتمعات الجديدة كما حكمت المجتمعات السابقة.
وأمام هذه الانطلاقة العظيمة لهذه الشريعة نشط المكر وقوي العداء من أبناء الأمم الأخرى الذين لم يؤمنوا بالإسلام .. وكان من مكرهم أن حملوا ثقافتهم وأفكارهم الجاهلية ليغزوا الإسلام بها فانتشرت الأفكار الفلسفية القادمة من الأمم الأخرى .. وتم توزيعها عن طريق الفرق الضالة .. فبدأ الانحراف العقائدي ينتشر ويذكر بالجاهلية الأولى وانحرافها حين اتبعت العقل البشري وضلالته وعبدت غير الله، وقد تلبست الجاهلية الأولى بملة إبراهيم عليه السلام، وتلبس الفكر الجاهلي القادم من ثقافة اليونان بانتساب المعتزلة إليه (1)، وهي فرقة من الفرق التي انتشرت داخل الأمة الإسلامية، وكان من انحرافها أن جعلت العقل البشرى القاصر طريقاً وحيداً للتعرف على "الحق" فبدأ الفكر عند هؤلاء ينحرف عن أصوله الأولى، ويفقد خصائصه، فلم يصبِح الوحي هو مصدر التلقي عندهم لأنهم بزعمهم لا يستفيدون منه علماً ولا يقيناً، فتغيرت وجهة القوم فبعد أن كانت قبلتهم هذه الشريعة وتلك العقيدة أصبحت قبلتهم--------------------------------------------
(1) سيأتي الحديث عن أئمتها وبعض عقائدهم بما يناسب موضوع الرسالة إن شاء الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

الجديدة عقول الفلاسفة وأسس الفكر اليوناني الوثني الجاهلي (1). فتغير مصدر التلقي وهذه هي أول هزة للمجتمع الإِسلامي - ولو كان انحراف المعتزلة انحرافاً سلوكياً لهان الأمر وقد ينقطع بانقطاعهم، ولكن الأمر أشنع وأنكى، إنه انحراف عقدي أدى إلى تغيير مصدر التلقي عندهم وإثارة الشبه على مصدر التلقي عند الأمة الإسلامية، فبدأ التشكيك فيه من جهة وتمجيد المصدر العقلي عند المخالفين من جهة أخرى، ومهما كان من جهد علماء الأمة في الرد على المعتزلة فإن بقاءهم في داخل الأمة الإسلامية وهم يحملون هذا الانحراف كان له من الأثار السيئة على اتجاه الأمة الإسلامية ما نعاني منه حتى هذه اللحظة.
وانظر إلى الفرق الضخم بين عقيدة الصحابة وعقيدة هؤلاء لتعرف مدى الخطورة التي يحملها الفكر الذي بُني على التراث اليوناني الجاهلي.
إن أمر التشريع لله كما أن الخلق له، يستوي في ذلك ما صغر شأنه وما عظم في الخلق والأمر، فالخلق خلقه، حبة الزرع وجنة الخلد، والسحاب الذي بين السماء والأرض والكرسي الذي فوقه عرش الله سبحانه وتعالى، والأمر
له سبحانه في تحديد مواصفات الحياة الإسلامية على هذه الأرض ابتداء من أحكام الأسرة .. إلى أحكام الدولة .. والأمر أمره في بيان صفاته سبحانه وإنزال كلامه لا معقب لحكمه ولا مغير ولا مبدلْ، له الخلق والأمر - هذه هي عقيدة الجيل الأول رضوان الله عليهم، ومحمد عليه السلام مبلغ ومبين ومبشر ومنذر وسراج منير وعبد الله ورسوله.
ثم جاء الفكر المنحرف فأقر بالخلق وأشرك العقل في مصدر التلقي - وفي أبعد ما يكون عن إدراكه - أشركه في التعرف على صفات الله .. فبدأ من ذلك الحين مسلك جديد في الفكر والاعتقاد يغذيه الفكر اليوناني على يد الفلاسفة قديماً، وتغذيه المذاهب المادية حديثاً .. وهذه المرة سَهُل على المستشرقين وحملة الفكر الأروبي الدخول لزعزعة صفات الشريعة ومنها الثبات والشمول، والذي--------------------------------------------
(1) سنذكر من الأدلة ما يثبت هذا الذي نقوله هنا، ونكتفي في هذا الموضع بالإشارة إلى أثر تلك العقيدة التي تحدثنا عنها على الثبات والشمول سلباً وإيجاباً.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

سهّل عليهم ذلك هو الفكر المعتزلي - وإن شئت قل الفكر اليوناني الفلسفي - لأن الفكر الذي تحكم في إدراك صفات الله -فنفى منها ما نفى وأثبت منها ما أثبت كما يريد- هو نفسه الذي نفى من صفات الشريعة ما نفى وأثبت منها ما أثبت في هذا العصر الذي نعيشه.
العقل مصدر في تلقي العقيدة كما زعم الفكر اليوناني .. والعقل مصدر لوضع القانون كما زعمت المذاهب الفكرية المعاصرة .. والمعتزلة حملة الفكر القديم وقد رباهم الفكر الفلسفي، والمذاهب المعاصرة وتلامذتها وقد رباهم الاستشراق .. ومهمة التلاميذ قديماً وحديثاً تلبيس المفاهيم الجاهلية بالصورة الإسلامية .. فمن داخل الشريعة الإِسلامية يطالبون بتغيير أحكامها ومن داخلها يشككون في شمولها ويقصرونها على بعض جوانب الحياة، ينفون ما شاءوا ويثبتون ما شاءوا باسم الإِسلام!!
وقبل أن ندخل في تفصيلات البحث لنقرر منهج أهل الحق في المحافظة على صفات هذه الشريعة نذكر المخالفين بهذه العقيدة المسلمة البدهية التي عاش عليها الجيل الأول وهي عقيدة الرسل أجمعين: "إن الخلق لله والأمر لله" وأن الذي ينشئ الأحكام وينزّلها ويشرّعها، وينسخ منها ما شاء ويبدّلها بغيرها إذا شاء هو الله سبحانه وتعالى لأنه هو الخالق والرازق والمدبر .. فهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وإن مهمة البشر هي التلقي والفهم والاستنباط - والتطبيق -لا حسب أهوائهم- بل حسب منهج شرعي تعلمه الصحابة من الرسول عليه الصلاة والسلام وتعلمه التابعون من الصحابة وهكذا من جيل إلى جيل تعلمه أهل الحق وعلّموه لمن بعدهم، وحينئذ تستقر صفات هذه الشريعة فلا تبديل ولا تغيير، ويعرف لها الناس منزلتها، فهي شريعة الحكمة والعدل والعلم والرحمة، كما أنها شريعة الثبات والشمول، فقد جاءت بالحق الثابت الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما يحتاجه الناس، ودلت عليه، وهذا البحث بيان من أوله إلي آخره لهذه العقيدة.
ومن المفيد أن نقول هنا أن هذه العقيدة لو استقرت في قلوب البشر لآمنوا ولرجعت البشرية اليوم إلى الدين الحق وحكمت بهذه الشريعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

ولو استقرت في عقول الباحثين وقلويهم لما نادى كثير منهم بتغيير الأحكام .. ولما حجر على الشريعة أن تحكم الدولة والاقتصاد والنظام الاجتماعي إلّا إذا تغيرت وتلبست بأحكام الجاهلية الحديثة.
فإذا وجدت في كتب الأصول عند المعتزلة أن العقل مصدر للتلقي .. وأن الشريعة لا تفيد العلم فما ذلك إلّا لغياب تلك العقيدة، فلو حجزوا أنفسهم عن تقرير أمور العقيدة بأهوائهم وأخذوها مسلمة من عند الله لكان خيراً لهم.
وإذا وجدت من المُحْدَثِينَ من يدعو إلى إبعاد الشريعة عن أمور الحياة كالدولة والاقتصاد .. فما ذلك إلا لغياب تلك العقيدة.
ونقتصر على هذه الأمثلة لبيان أهمية إدراك تلك العقيدة وأنه لا بد من التذكير بها والتزامها في منهج البحث العلمي لمن أراد أن يتعرف على الحق أو يجادل عنه بعد معرفته، بل ينبغي لكل إنسان أن يلتزم بمقتضياتها ومنها:
1 - التسليم المطلق بكل ماجاء به الوحي ممثلاً في هذه الشريعة التي بلغها رسول الإِسلام عليه السلام، مع الاعتقاد الجازم بأن كل حكم فيها هو العدل والحكمة والرحمة والخير.
2 - الاحتكام إليها في جميع شؤون الحياة، والإذعان لها، بحيث لا يُقدمُ عليها منهج آخر في الحكم، مع المحافظة على أحكامها ومقاصدها من محاولة التغيير والتبديل بشبهة اتباع العقل أو العرف أو اختلاف الزمان والمكان.
3 - الاعتقاد الجازم بأنها حجة على الخلق كافة في جميع شؤونهم في الدنيا والآخرة.
وأن كل ما ثبت منها حجة علينا لا نعارضه بهوى ولا نغيره بشبهة، ولا نقدم عليه شيئاً من أحكام البشر.
4 - الاعتقاد الجازم بأن البشر أجمعين لا شأن لهم في وضع العقيدة ولا الشريعة ولا قدرة لهم على ذلك، وأن تدخلهم في هذا الأمر هو الشرك والانحراف والفتنة والمفسدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

‌‌الباب الأول
الشريعة الإِسلامية
ثباتها وشمولها وحجيتها
ويشتمل على هذه الفصول:
الفصل الأول: الشريعة الإِسلامية والفقه الإِسلامي.
الفصل الثاني: المقصود من الثبات والشمول والأدلة على ذلك.
الفصل الثالث: الاحتجاج بالأدلّة النقلية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

‌‌الفصل الأول
الشريعة الإِسلامية والفقه الإِسلامي
توطئة:
نتحدث في هذا الفصل عن تحديد المقصود من مصطلح "الشريعة" ونتعرف على معناه الشرعي ونبين وجه المناسبة بينه وبين المعنى اللغوي من حيث الثبات والشمول، ويشتمل ذلك على معرفة دلالة هذا اللفظ في الاستعمال القرآني وفي استعمال العلماء بحيث نستطيع أن نتصور ما يدخل تحت مصطلح "الشريعة".
وفي المقابل نتحدث عن الفقه الإِسلامي لنتعرف على حقيقته ومنزلته والفرق بينه وبين "علم الكلام" من حيث قوة دلالتهما على "العلم" وحاجة المجتمع الإِسلامي لهما وهو يقوم بمهمة الخلافة في الأرض، وأيهما أحق باسم العلم وأقرب إلى طبيعة الشريعة التي أنزلها الله على رسوله محمد عليه السلام.
ومن جهة أخرى نتعرف على أهم الفوارق بين "الفقه" و"الشريعة" لنتصور مهمة الاجتهاد وحدوده وآثاره الإِيجابية والسلبية على الثبات والشمول.
وبهذا نستطيع أن نحدد -بمشيئة الله وتوفيقه- منزلة كل من "الشريعة" و"الفقه" و"الكلام".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

‌‌المبحث الأول
التعريف بمصطلح الشريعة الإِسلامية
نتحدث في هذا المبحث عن المعنى اللغوي للفظ "الشريعة" ونتبعه ببيان المعنى الشرعي عند العلماء مع بيان وجه المناسبة بينه وبين المعنى اللغوي. وكل ذلك في مطالب:

‌‌المطلب الأول
المعنى اللغوي
" الشريعة في كلام العرب مشرعة الماء. وهي مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويسقون" (1).
"والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عداً (2). لا انقطاع فيه ويكون ظاهراً معيناً (3) لا يسقى بالرشاء" (4).--------------------------------------------
(1) لسان العرب، مادة شرع، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن منظور، بيروت،
سنة 1388، دار صادر.
(2) العدّ: الماء الذي لا ينقطع، مجمل اللغة كتاب العين 3/ 612، لأحمد بن فارس، دراسة وتحقيق زهير سلطان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1404 هـ.
(3) الماء المعين أي الماء الجاري، تقول العرب معن الماء بضم العين وفتحها أي جري، مجمل اللغة، باب الميم والعين 3/ 834.
(4) لسان العرب، مادة شرع، والرشاء: الحبل، وأرشيت الدلو: جعلت لها رشاء، تاج اللغة وصحاح العربية 6/ 2357، تأليف إسماعيل بن حماد الجوهري تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، مؤسسة الرسالة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

فاصل الشريعة في كلام العرب مورد الشاربة (1)، وقد ذكر بعض الباحثين المحدثين أن الشريعة تطلق ويراد بها معنيان:
الأول: مشرعة الماء،
والثاني: الطريقة المستقيمة (2).
والذي يظهر مما سبق أن لفظ "الشريعة" يطلق في الأصل ويراد به معنى واحد وهو: "مورد الشاربة" والطريق إليها يسمى الشرع، وهو "مصدر، ثم جعل اسماً للطريق النهج ثم استعير ذلك للطريقة الإِلهية من الدين" (3).
ومعنى لفظ شرع "أظهر" قاله ابن الأعرابي، ومثله قول الأزهري قال "شرع أي بين وأوضح" (4).
وفي الصحاح: "والشريعة الطريق الأعظم" (5).
وهو اختيار الطبري والقرطبي وابن كثير،
قال القرطبي: "ومعنى شرع نهج وأوضح وبين المسالك وقد شرع لهم شرعاً أي سنّ" (6).--------------------------------------------
(1) تاج العروس، باب العين فصل الشين، لمحب الدين محمد الزبيدي، المطبعة الخيرية بمصر 1306 هـ.
(2) الشريعة الإِسلامية تاريخها ونظرية الملكية والعقود 27 - 28.
والمدخل للفقه الإِسلامي - تاريخ التشريع الإِسلامي 7 - 8 - 9 للدكتور بدران أبو العينين بدران - الناشر مؤسسة شباب الجامعة بالاسكندرية، تاريخ الفقه الإِسلامي 5.
(3) تاج العروس - باب العين فصل الشين.
(4) لسان العرب - مادة شرع.
(5) الصحاح - مادة شرع.
(6) الجامع لأحكام القرآن 16/ 10 لإبن عبد الله محمد القرطبي - الطبعة الثالثة - دار الكاتب العربي 1387 هـ، وجامع البيان 5/ 469، تفسير ابن كثير 2/ 66.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

وحاصل المعنى اللغوي: أن لفظ الشريعة يطلق على مورد الشاربة، والشرع مصدر ثم جعل اسماً للطريق النهج المستقيم، ومعنى شرع أي سنّ ونهج وأوضح وبين المسالك وكل ذلك فيه معنى الابتداء، قال ابن كثير "الشرعة والشريعة ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه يقال شرع في كذا أي ابتدأ فيه" (1) فمن ابتدأ في سن أمر وأوضحه وبينه وجعله منهاجاً فقد شرعه.

‌‌المطلب الثاني
المعنى الشرعي
استعمل القرآن لفظ "الشرعة" و"الشريعة" باستعمالات متعددة.
1 - أطلق لفظ "الشرع" على "التوحيد".
مثاله قوله تعالى في سورة الشورى:
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (2).
فالذي شرع هو الله، وقد شرع "التوحيد" وأمر الأنبياء والمؤمنين أن يجتمعوا عليه وأن لا يتفرقوا فيه.
2 - واستعمل لفظ "الشرعة" في القرآن مراداً به "الفروع" وهي ما سوى التوحيد.
مثاله آية المائدة: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (3).--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير 2/ 67.
(2) آية 13.
(3) آية 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

وقد وردت هذه الآية بعد خطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله أو يعرض عنهم ثم بين سبحانه أنه قد جعل لكل من أمة محمد وأهل الكتاب شرعة ومنهاجاً أي شريعة خاصة وليس ذلك إلا للفروع وذلك لثبوت الاتفاق على التوحيد عند الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام، فيؤخذ من آية المائدة أن القرآن استعمل لفظ "الشرعة" وأراد بها "الفروع" وهي الأحكام ما سوى "التوحيد".
3 - الاستعمال الثالث: إطلاق لفظ "الشريعة" على الأصول والفروع. أي على التوحيد وسائر الأحكام، مثال ذلك ما ورد في سورة الجاثية في قوله تعالى خطاباً لنبيه عليه الصلاة والسلام:
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (1).
فالشريعة هنا أطلقت على "الوحي" كتاباً وسنّة، وذلك شامل للتوحيد وسائر الأحكام لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع ذلك كله.
ومن خلال هذه الأمثلة القرآنية يمكن القول بأن لفظ الشريعة مشترك لفظي استعمله القرآن الكريم باستعمالات ثلاثة، فأطلقه مرة على "التوحيد" ومرة على "الفروع" ومرة ثالثة عليهما معاً، فتكون دلالة اللفظ في الأصل اللغوي على معنى واحد وهو "مورد الشاربة" والطريق إليها يسمى "الشرع" ثم جعل اسماً للطريق النهج. واستعير ذلك للطريقة الإِلهية من الدين، فالطريقة الإِلهية تسمى شرعاً الأصول منها والفروع، ثم استعمل القرآن لفظ "الشرعة" و"الشرع" و"الشريعة" باستعمالات متعددة، فأصبح ذلك مشتركاً لفظياً مع بقاء دلالته في الأصل على معنى واحد، وعلى هذا فإنّ كل ما جاء به الدين يسمى في اللغة "شرعاً" كان من الأصول أو الفروع، ويجوز في الاصطلاح--------------------------------------------
(1) آية 18.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

القرآني أن يطلق لفظ الشرع والشرعة والشريعة تارة على التوحيد، وتارة على الفروع وتارة على الكتاب والسنّة معاً أصولاً وفروعاً.
استعمال اللفظ في كلام العلماء:
استعمل العلماء لفظ "الشريعة" باستعمالات متعددة وذلك حسب المقام، فمنهم من أطلقها على التوحيد وما سواه من الفروع، ومنهم من أطلقها وأراد بها "التوحيد" فقط، ومنهم من أطلقها وأراد بها "الفروع فقط" وإليك من الأمثلة ما يبين ذلك.
أولاً: إطلاق لفظ "الشريعة" على التوحيد. وذلك كما فعل الإِمام الشيخ أبو بكر الآجري حيث سمى كتابه في العقيدة "الشريعة" (1)، ومثله كتاب أبي عبد الله بن بطة واسمه "الإِبانة عن شريعة الفرق الناجية" (2) أي عن عقيدة الفرقة الناجية، وهذا الإطلاق مشابه للإِطلاق الوارد في سورة الشورى.
ثانياً: إطلاق لفظ "الشريعة" على الأحكام العملية فقط وهي "الفروع" التي اختلفت فيها الرسالات السماوية، وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذا المعنى، مثاله: ما ورد في سورة المائدة فقد استعمل القرآن لفظ "الشرعة" وخص بها الأوامر والنواهي والحدود والفرائض، وهو تفسير قتادة رضي الله عنه (3)، ونقله عنه أيضاً ابن جرير مال: "الدين واحد والشريعة مختلفة" (4)، وهذه--------------------------------------------
(1) هو محمد بن الحسين بن عبد الله أبو بكر الأجري، نسبة لأجر من قرى بغداد كان ثقة صدوقاً ديّناً وله تصانيف كثيرة وتوفي سنة 365 هـ.
تاريخ بغداد 2/ 243، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي - الناشر دار الكتاب العربي بيروت، ومعجم المؤلفين 9/ 243، لعمر رضا كحالة الناشر مكتبة المثنى بيروت.
(2) هو عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، فقيه حنبلي عالم بالحديث ولد سنة 304 وتوفي 387 هـ طبقات الحنابلة 4/ 142 - 153، لإبن أبي يعلى مطبعة السنّة المحمدية بتصحيح محمد حامد الفقي 1371، والأعلام 4/ 354.
(3) تفسير ابن كثير 2/ 62.
(4) جامع البيان 5/ 270.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

"الفروع" هي التي لحقها النسخ. وتسمى "شرعة"، وأما التوحيد فلم يلحقه نسخ البتة إذ لا يتصور فيه ذلك، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة كما رواه البخاري "قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء أخوة لعلّات (1) أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (2).
قال الإِمام ابن كثير عند تفسير آية الشورى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} الآية "أي القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم كقوله جل جلاله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (3).
ثالثاً: إطلاق لفظ "الشريعة" على التوحيد وسائر الأحكام، قال الإمام القرطبي "فالشريعة ما شرع الله لعباده من الدين" (4)، وقال في موضع آخر: "ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح وإنما خالف بينهما في الفروع حسب علمه سبحانه" (5).
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "والشريعة إنما هي كتاب الله وسنّة رسول الله … " (6) وحكاه عن الأئمة الفقهاء وعامة أهل الحديث (7)، وهذا--------------------------------------------
(1) معنى إخوة لعلّات: أي أبوهم واحد وأمهاتهم شتى.
(2) فتح الباري على صحيح البخاري في أحاديث الأنبياء 6/ 478.
(3) تفسير ابن كثير 9/ 104، وانظر جامع البيان 5/ 272.
(4) الجامع لأحكام القرآن 16/ 163 - 164.
(5) المصدر نفسه 16/ 163 - 164.
(6) و (7) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية 19/ 134، 306، 307.
وتمام النص هو: "والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات"، ومقصود ابن تيمية أن الشريعة "هي الكتاب والسنّة" وأنه لا يخرج شيء عنها، وبيّن أن ما كان عليه السلف .. كله راجع إليها، فمنها استمد السلف جميع الأحكام في الأعطيات والولايات،، ويدل على هذا التفسير ما قاله شيخ الإِسلام في موضعين آخرين: الأول: قوله: "الشرع المنزّل وهو الكتاب والسنّة" ثم بين وجوب رد جميع =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

الاستعمال يناسب المعنى الوارد في سورة الجاثية وهو الاستعمال القرآني الثالث.
وبعد أن عرفنا أوجه استعمال اللفظ في كلام العلماء نضيف إلى ما تقرر سابقاً أن العلماء استعملوه بتلك الاستعمالات وذلك حسب المقام وكل ذلك جائز.
وإذا أردنا بعد هذا كله أن نحدد ما يدخل تحت مصطلح "الشريعة" علمنا أنه التوحيد وسائر الأحكام وهو الاستعمال الثالث، والتوحيد وسائر الأحكام هو عبارة عن الوحي فتكون "الشريعة" هي الكتاب والسنة فقط، مع جواز الاستعمال الأول والثاني لأن "الشريعة" مشترك لفظي كما تقرر، وأما في كلام أهل العلم فبحسب المقام (1)، وقد كثر الاستعمال الثالث في كتب المحدثين (2)--------------------------------------------
= الأمور إليه فقال: (واتباعه واجب من خرج عنه وجب قتله ويدخل فيه أصول الدين وفروعه وسياسية الأمراء وولاة المال وحكم الحكام ومشيخة الشيوخ وغير ذلك فليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن طاعة الله ورسوله" 35/ 395، والموضع الثاني قوله "اسم الشريعة والشرع والشرعة فإنه ينتظم كله ما شرعه الله من العقائد والأعمال 19/ 306.
وقد جمعت بين هذه النصوص لرفع اللبس والإيهام، كما بينت مقصود العلماء واستعمالاتهم للفظ "الشريعة والشرعة والشرع" للأمر نفسه.
(1) وقد ذكر ابن منظور استعمالات متعددة عن غير واحد من الصحابة، ثم علَّق عليه بقوله وكل ذلك يقال، اللسان 10/ 41 مادة شرع، وإنما يصح ذلك باعتبار المقام.
(2) انظر -المدخل لدراسة الشريعة- د. عبد الكريم زيدان 65، الطبعة السادسة -مكتبة القدسي- مؤسسة الرسالة.
أصول الشرعية الإِسلامية 7 - د. علي جريشة، ط الأولى 1399 هـ - الناشر مكتبة وهبه، خصائص الشريعة الإِسلامية 11 الدكتور عمر الأشقر، ط الأولى مكتبة الفلاح، الكويت. مفهوم الفقه الإِسلامي - لنظام الدين عبد الحميد 17، ط الأولى 1404 هـ، مؤسسة الرسالة. الشريعة الإِسلامية تاريخها ونظرية الملكية 27 - التشريع الإِسلامي والفقه الإِسلامي - الدكتور القطان 9، 10، ط الأولى -الناشر مطبعة التقدم - محرم 1396 هـ. المدخل للفقه في الإِسلام - الدكتور حسين الشاذلي 8 - 9 طبعة سنة 1396 هـ الناشر مطبعة السعادة أسهمت جامعة الكويت في طبعه. المدخل الفقهي العام - الدكتور الزرقا 30 الطبعة التاسعة، الناشر مطابع الألف باء دمشق 1967.
التشريع والفقه في الإِسلام 15 ط.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

وهو الاستعمال العام، ثم كل موضع بحسبه ولكل مقام مقال (1).
والله أعلم.

وجه المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي:
وأبدأ بذكر ما أشار إليه بعض المحدثين ثم أذكر ما يظهر لي وذلك كما يلي:
أشار بعض المحدثين إلى أن الشريعة -التي هي مورد الماء- حياة الأبدان فكذلك الشريعة الإِسلامية حياة النفوس والأرواح، ومنهم من قال إن "مورد الشاربة" سمي شريعة لشروع الناس فيه وكذلك شرائع الإِسلام وذلك لشروع أهلها فيها.
ومنهم من قال إن الشرع: هو الطريق النهج الظاهر المستقيم والشريعة الإِسلامية طريق واضح ونهج ظاهر مستقيم لمن أراد معرفة الحق واتباعه (2).
وأضيف إلى ذلك ما يلي:
1 - إن العرب لا تسمي مشرعة الماء "شريعة" حتى يكون الماء عداً لا انقطاع فيه، والشريعة الإِسلامية لا تزال أحكامها شاملة لكل الحوادث المستجدة إلى يوم القيامة لا ينقطع عطاؤها، ولا يزال المجتهدون يجدون فيها كل حكم لكل حادثة.
2 - "والشريعة الطريق الأعظم". والشريعة الإِسلامية - دون ما سواها من الشرائع البشرية هي الطريق الأعظم الموصل للحياة الطيبة الجامع بين مصالح الناس على التمام والكمال في الدنيا والآخرة.--------------------------------------------
(1) كما أوردنا الأمثلة من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى، والمقام في هذا البحث يختص بدراسة الثبات والشمول في الأحكام العملية، ولا يتطرق للتفصيلات العقائدية، ويقتضي الأمر دراسة بعض الأسس العقدية لتكون منطلقاً للبحث وذلك أمر ضروري جداً لا يمكن دراسة "الثبات والشمول في الشريعة" إلا عن طريقه.
(2) انظر المدخل لدراسة الشريعة 38، ومفهوم الفقه الإِسلامي 17.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

3 - إن معنى شرع في كذا أي ابتدأ فيه، وكذلك الشريعة الإِسلامية سميت بهذا الاسم والله أعلم لأن الله هو الذي ابتدأها سبحانه. فابتداء الخطاب من الله -إما لفظاً كالقرآن أو معنى كالسنّة- هو التشريع وسيأتي بيان أن عمل المجتهد وإن كان يكشف عن الحكم ويستنبطه إنما يسمى اجتهاداً واستنباطاً ولا يسمى تشريعاً لأنه لم يبتدئه بل أخذه من الشريعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

‌‌المبحث الثاني
تعريف "الفقه الإِسلامي" وبيان الفرق بينه وبين "علم الكلام"
وفي هذا المبحث نتحدث عن تعريف الفقه في اللغة والاصطلاح وهل هو من العلم أو من الظن.

‌‌المطلب الأول
تعريفه في اللغة
الفقه في اللغة هو الفهم للشيء والعلم به، فمن فهم شيئاً فقد علمه سواء أكان ذلك الشيء ظاهراً أو خفياً.
ومنه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (1).
ومعنى ليتفقهوا فيه أي ليكونوا علماء به (2) "وفقه فقهاً بمعنى علم علماً" (3) وهو دليل على أن الفقه يطلق على "العلم".--------------------------------------------
(1) سورة التوبة: آية 122.
(2) لسان العرب مادة فقه -باب الهاء- فصل الفاء، والصحاح المادة نفسها.
(3) المصدر نفسه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

والفقه هو مطلق الفهم وقد استعمل القرآن الكريم الكلمة وأراد بها مجرد الفهم وذلك في قوله تعالى:
{فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} (1).
فالفقه في لغة العرب يطلق على العلم بالشيء ظاهراً كان أو خفياً.

‌‌المطلب الثاني
تعريف الفقه في الاصطلاح وهل هو علم أو ظن
للعلماء تعريفات كثيرة للفقه تتفق على بعض القيود، وتختلف في البعض الآخر. والمقصود هنا هو بيان الفرق بين الشريعة والفقه، ويتحقق ذلك بمشيئة الله بإبراز أهم خصائص الفقه من التعريفات التي ذكرها الأصوليون مع بيان ما اتفقوا عليه واختيار الصواب فيما اختلفوا فيه من كون "الفقه" من باب العلم أو الظن.
أما مناقشة جميع هذه التعريفات وبيان مؤاخذات بعض الأصوليين على بعض، واختراع تعريفات جديدة للفقه فقد أعرضت عنه وذلك للأسباب الآتية:
1 - إن المقصود يتحقق بدون ذلك والحمد لله.
2 - ما صرح به ابن الجويني في البرهان من أن الوفاء بشرائط الحدود شديد وحق المسؤول عن ذلك أن يقول أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا (2).
3 - أن "كل هذه الحدود لا تخلوا عن مؤاخذات وأجوبة يطول الكتاب بذكرها من غير طائل" (3).--------------------------------------------
(1) سورة النساء: آية 78. وانظر تاريخ الفقه الإِسلامي 11.
(2) البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم الديب 2/ 748 ط 1، 1399.
(3) شرح الكوكب المنير المسمى مختصر التحرير، لمحمد بن أحمد الفتوحي -تحقيق د. الزحيلي ود. نزيه حماد 1/ 41 ط 1400 هـ دار الفكر بدمشق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

4 - "أولع الكثير بالتعاريف المتكلفة التي تورث العبارة غموضاً والقارئ حيرة .. ولا يكاد يخلص لهم -المقصود هنا الأصوليون- تعريف من الأخذ والرد والواقع أصدق شاهد" (1).
ولذلك اخترت طريقة تبعد القارئ عن هذه الحيرة وتأخذ بنا إلى المقصود بعيداً عن التكلف والخوض فيما لا فائدة فيه، وتتلخص هذه الطريقة كما يلي:
1 - ذكر أهم التعريفات عند الأصوليين.
2 - استخراج القيود المتفق عليها من تلك التعريفات.
3 - استخراج أهم القيود المختلف فيها، وبيان وجه الحق في اختلاف الأصوليين في كون الفقه من المعلومات أو من المظنونات.
4 - ثم بعد ذلك أقرر الفروق بين "الشريعة" و"الفقه" وأناقش بعض الآراء منها القديم ومنها الحديث وذلك في فروع:

‌‌الفرع الأول
ذكر أهم التعريفات
الأول: ما قاله أصحاب الإمام الشافعي من أن الفقه هو "العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" (2) وزاد بعضهم في التعريف قيد "المكتسبة" بعد قيد "العملية" (3).--------------------------------------------
(1) الإِحكام في أصول الأحكام، للآمدي هامش 1/ 7 تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي ط 1387 هـ.
(2) شرح التلويح على التوضيح 1/ 12، ط بدون - الناشر محمد على صبح.
(3) جمع الجوامع مع حاشية العطار 1/ 58 - 59، ط بدون، الناشر المكتبة التجارية الكبرى، وهو اختيار الدكتور حسين حامد حسان في كتابه أصول الفقه 3، ووضع الدكتور عبد الكريم زيدان قيد "الاستدلال" بدل "المكتسبة"، انظر المدخل لدراسة الشريعة 63، ومفهوم الفقه الإِسلامي وتطوره 13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

الثاني: ما ذكره الآمدي حيث قال: "الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفرعية بالنظر والاستدلال" (1).
الثالث: تعريف الرازي حيث قال"وفي اصطلاح العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها بحيث لا يعلم كونها من الدين بالضرورة" (2).
الرابع: وعرفه الفتوحي بقوله الفقه: "معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو القوة القريبة" (3) قال: "وهذا الحد لأكثر أصحابنا المتقدمين" (4).

‌‌الفرع الثاني
القيود المتفق عليها
القيد الأول "الشرعية":
وهو قيد ثابت في جميع التعريفات سواء فيما ذكرته أو لم أذكره (5).
والمقصود بهذا القيد إخراج اللغويات والمحسوسات والعقليات، والمقصود بالعقليات: أي ما دل عليه العقل المجرد الذي لا يستند إلى الوحي فهذا ليس من الفقه قطعاً، وعلى هذا فإن الفقه الإِسلامي هو ما اسْتُنْبط من طريق الاجتهاد الشرعي.
القيد الثاني: أن الفقه مُسْتَنْبط من "الأدلة الشرعية التفصيلية" والتقييد--------------------------------------------
(1) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 1/ 6.
(2) المحصول في علم أصول الفقه 1/ 92، ط 1، 1399، لفخر الدين الرازي - تحقيق د. طه جابر العلواني.
(3) قوله: "بالفعل" أي بالاستدلال، وقوله: "بالقوة القريبة" أي من الفعل أي بالاستدلال أو التهيوء لمعرفتها شرح الكوكب المنير. 1/ 41
(4) المصدر نفسه 1/ 41.
(5) شرح التلوبح 1/ 12، الأحكام للآمدي 1/ 6، المحصول 1/ 92، شرح الكوكب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)

بالتفصيلية يقوي المعنى السابق على إخراج ما لم يؤخذ من الأدلة الشرعية، ويخرج أيضاً ما هو مستنبط من الأدلة الإِجمالية كالمسائل الأصولية (1).
والقيد الثالث: أن الفقه مخصوص بالعمليات، فقيد "العملية" مخرج للأمور الاعتقادية (2).
القيد الرابع: إن الفقه هو استنباط المجتهدين، وهذا ظاهر في تقيد التعريفات السابقة بهذه القيود "قيد المكتسبة"، قيد "النظر والاستدلال"، كما في الثاني، وبقيد "المستدل على أعيانها" كما في التعريف الثالث، وبقيد "بالفعل أو القوة القريبة" كما في الرابع. ومثلها قول أصحاب الشافعي: "من أدلتها التفصيلية" فإنه لا يأخذ من الأدلة التفصيلية إلا "المكتسب"، و"المستدل" أو "المتهيء لهما" (3).
فالفقه الاسلامي إذاً هو ما استنبطه المجتهدون من الشريعة، أو قل إنْ شئت ما استدلوا عليه بالشريعة فالمعنى واحد، وهذا يؤكد ما دل عليه القيد الأول من أن الفقه الإِسلامي إنّما هو ما اسْتُنْبط عن طريق الاجتهاد الشرعي، ويخرج أيضاً علم المقلد فإنه لا يعد فقهاً مُسْتَنْبطاً من الأدلة، وإنّما هو علم أخذه من المجتهد الذي استنبطه من الشريعة (4).--------------------------------------------
(1) انظر المصادر السابقة.
(2) و (3) و (4) انظر المصادر السابقة وحاشية السعد على ابن الحاجب 1/ 25 - 26، تصحيح شعبان محمد إسماعيل، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، 1363 هـ وتخصيص "الفقه" بالعمليات إنّما جاء متأخراً بعد أن تميزت التخصصات عند أهل العلم، وأصبح كل عالم يَبْرُز في فن من فنون العلم وإلا فإن "الفقه" عند المتقدمين يشمل الأحكام العملية والاعتقادية بل إنّ العلم الذي ينقله المرء إلى غيره يسمى فقهاً، ففي الحديث: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". الحديث من رواية زيد بن ثابت سنن الترمذي 5/ 33 - 34، تحقيق إبراهيم عطوة، طبعة الحلبي 1385 هـ، سنن أبي داود =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)