وكما أنّه لا يَعْلَمُ أحدٌ متى تقوم السّاعة؛ فكذلك لا يعلم أحدٌ متى تظهر أشراط السّاعة، وما ورد أنّه في سنة كذا يكون كذا، وفي سنة كذا يحصل كذا؛ فهو ليس بصحيح؛ فإن التاريخ لم يوضع في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنّما وضعه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه؛ اجتهادًا منه، وجعل بدايته هجرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
قال القرطبي: "إن ما أخبر به النّبيّ صلى الله عليه وسلم من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعبين الزّمان في ذلك من سنة كذا، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنّما ذلك كوقت قيام السّاعة، فلا يعلم أحدٌ أي سنة هي، ولا أي شهر، أمّا أنّها تكون في يوم الجمعة في آخر ساعة منه، وهي السّاعة الّتي خلق الله فيها آدم عليه السلام، ولكن أي جمعة؛ لا يعلم تعبين ذلك اليوم إِلَّا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزّمان لها لا يُعْلَم، والله أعلم"(1).
* * * * *--------------------------------------------
(1) "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص 628)، لشمس الدين أبي عبدالله محمّد بن أحمد القرطبي، نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
المبحث السّادس: قُرْب قِيام السَّاعة
تدلُّ الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الصحيحة على قرب السّاعة ودنوِّها؛ فإن ظهور أكثر أشراط السّاعة دليلٌ على قُربها وعلى أننا في آخر أيّام الدُّنيا:
قال الله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)} [الأنبياء: 1].
وقال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63)} [الأحزاب: 63].
وقال تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج: 6 - 7].
وقال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)} [القمر: 1].
… إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالَّة على قرب نهاية هذا العالم الدنيوي، والانتقال إلى دار أخرى، ينالُ فيها كلّ عاملٍ عملَه، إن خيرًا؛ فخير، وإن شرًّا؛ فشرّ.
قال صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، ويشير بأصبعيه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
فيمدهما"(1).
وقال صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ في نسم السّاعة"(2).
وقال عليه الصلاة والسلام: "إنّما أجلكم - في أجل مَنْ خلا من الأمم - ما بين صلاة العصر ومغرب الشّمس"(3).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: كنا جُلوسًا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم، والشمس على قعيقعان(4) بعد العصر، فقال: "ما أعماركم في أعمار مَنْ--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، عن سهل رضي الله عنه، (11/ 347 - مع الفتح).
(2) قال الألباني: "رواه الدولابي في "الكنى" (1/ 23)، وابن منده في "المعرفة" (2/ 234/ 2)؛ عن أبي حازم عن أبي جبيرة مرفوعًا. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وفي صحبة أبي جبيرة خلاف، ورجَّح الحافظ في "التقريب، أن له صحبة". "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2/ 467) (ح 808).
وانظر: "تهذيب التهذيب" (12/ 52 - 53/ الكنى)، مطبعة مجلس دائرة المعارف في الهند، الطبعة الأولى، (1327 هـ)، و"تقريب التهذيب" (2/ 405)، تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف، طبع دار المعرفة، الطبعة الثّانية، (1395 هـ).
(3) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل، (6/ 495 - مع الفتح).
(4) (قعيقعان)؛ بضم القاف الأولى، وكسر الثّانية، بلفظ التصغير: جبل بمكة في جنوبها بنحو اثني عشر ميلًا، وسمي قعيقعان؛ لأنّ جُرهمًا لما تحاربوا كثرت قعقعة السلاح هناك. ويظهر أن كلام النّبيّ صلى الله عليه وسلم هذا كان في حجة الوداع أو في غزوة فتح مكّة، وكان ابن عمر شهدهما مع الصّحابة.
انظر: "النهاية" لابن الأثير (4/ 88)، و"شرح مسند أحمد" (8/ 176) لأحمد شاكر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
مضى إِلَّا كما بقي من النهار وفيما مضى منه"(1).
وهذا يدلُّ على أن "ما بقي بالنسبة إلى ما مضى شيءٌ يسير، لكن لا يعلم مقدار ما مضى إِلَّا الله تعالى، ولم يجىء فيه تحديدٌ يصحُّ سنده عن المعصوم حتّى يصارَ إليه، ويُعْلَم نسبة ما بقي بالنسبة إليه، ولكنه قليلٌ جدَّا بالنسبة إلى الماضي"(2).
وليس هناك أبلغ من قوله صلى الله عليه وسلم في تقريب السّاعة: "بُعِثْتُ أنا والساعة جميعًا، إن كادت لتسبقني"(3).
فهذا إشارة إلى شدَّة قُربها من بعثته صلى الله عليه وسلم، حتّى خشي سبقها له لعظم القرب.
* * * * *--------------------------------------------
(1) "مسند أحمد" (8/ 176) (ح 5966)، شرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
وقال ابن كثير: "هذا إسناد حسن لا بأس به". "النهاية/ الفتن والملاحم" (1/ 194).
وقال ابن حجر: "حسن". "فتح الباري" (11/ 350).
(2) "النهاية/ الفتن والملاحم" (1/ 195)، تحقيق د. طه زيني.
(3) "مسند أحمد" (5/ 348 - بهامشه منتخب الكنز) و "تاريخ الأمم والملوك" (1/ 8) للطبراني.
قال ابن حجر: "أخرجه أحمد، والطّبريّ، وسنده حسن". "فتح الباري" (11/ 348).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
الباب الأوّل: أَشْراط السَّاعَة
- الفصل الأوّل: تعريف أشراط السّاعة.
- الفصل الثّاني: أقسام أشراط السّاعة.
- الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
الفصل الأوّل: تعريف أشراط السّاعة
معنى الشرط:
الشَّرَط - بالتحريك -: هو العلّامة، جمعه أشراط، وأشراط الشيء: أوائله، ومنه: شُرَط السلطان، وهم نُخْبَة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، ومنه: الاشتراط الّذي يشترطه النَّاس بعضهم على بعض، فالشرط علامةٌ على المشروط(1).
معنى السّاعة في اللُّغة:
هي جزءٌ من أجزاء اللّيل والنهار، جمعها: ساعات وساع، واللّيل والنهار معًا أربع وعشرون ساعة.
معنى السّاعة في الاصلاح الشرعي:
والمراد بالساعة في الاصطلاح الشرعي: الوقت الّذي تقوم فيه القيامة، وسُمِّيت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنّها تفجأ النَّاس في--------------------------------------------
(1) انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (2/ 460)، و"لسان العرب" (7/ 329 - 330) لأبي الفضل ابن منظور، ط. دار الفكر ودار صادر، بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة(1).
فأشراط السّاعة: هي علامات القيامة الّتي تسبقها وتدل على قربها. وقيل: هي ما تُنْكِرُه النَّاس من صغار أمورها قبل أن تقوم السّاعة. وقيل: هي أسبابها الّتي هي دون معظمها وقيامها(2).
والساعة تُطْلَق على ثلاثة معان:
أ - السّاعة الصغرى: وهي موت الإِنسان، فمَن مات، فقد قامت قيامته؛ لدخوله في عالم الآخرة.
ب - والساعة الوسطى: وهي موت أهل القرن الواحد، ويؤيِّد ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها؛ قالت: كان الإعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ سألوه عن السّاعة: متى السّاعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم، فقال: "إن يعش هذا لم يدركه الهرم؛ قامت عليكم ساعتكم"(3)؛ أي: موتهم، وأن المراد ساعة المخاطبين(4).--------------------------------------------
(1) انظر: "النهاية في غريب الحديث" (2/ 422)، و "لسان العرب" (8/ 169)، و "ترتيب القاموس المحيط" (2/ 647) للأستاذ الطّاهر أحمد الزواوي، دار الكتب العلمية، (1399 ه ـ).
(2) انظر: "النهاية في غريب الحديث" (2/ 460)، و"لسان العرب" (7/ 329 - 330).
(3) "صحيح البحاري"، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، (11/ 361 - مع الفتح)، و "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قرب السّاعة، (18/ 90 - مع شرح النووي).
(4) "فتح الباري" (11/ 363).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
ج - والساعة الكبرى: وهي بعث النَّاس من قبورهم للحساب والجزاء.
وإذا أطلقت السّاعة في القرآن؛ فالمراد بها القيامة الكبرى:
قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ (63)} [الأحزاب: 63]؛ أي: عن القيامة.
وقال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)} [القمر: 1]؛ أي: اقتربت القيامة.
وقد ذكر الله تعالى القيامتين الصغرى والكبرى في القرآن الكريم، فتجده يذكر القيامتين في السورة الواحدة؛ كما في سورة الواقعة:
فإنّه ذكر في أولها القيامة الكبرى: فقال تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} [الواقعة: 1 - 7].
ثمّ في آخرها ذكر القيامة الصغرى، وهي الموت، فقال: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 83 - 85].
وذكر القيامتين أيضًا في سورة القيامة، فقال: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)} [القيامة: 1]، وهذه القيامة الكبرى.
ثمّ ذكر الموت، فقال: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26)} [القيامة: 26]، وهو القيامة الصغرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
وغير ذلك كثير في سور القرآن الكريم، ممَّا يضيق المقام عن ذكره. والقيامة الكبرى هي الّتي نحن بصدد بيان أشراطها الّتي جاءت في الكتاب والسُّنَّة(1).
* * * * *--------------------------------------------
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (4/ 263 - 265) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و "فتح الباري" (11/ 364)، و "تاج العروس من جواهر القاموس" (5/ 390).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
الفصل الثّاني: أقسام أشراط السّاعة
تنقسم أشراط السّاعة إلى قسمين:
1 - أشراط صغرى:
وهي الّتي تتقدَّم السّاعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد؛ كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخّمْرِ، والتطاول في البنيان … ونحوها، وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى، أو بعدها.
2 - أشراط كبرى:
وهي الأمور العظام الّتي تظهر قرب قيام السّاعة، وتكون غير معتادة الوقوع؛ كظهور الدجَّال، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشّمس من مغربها(1).--------------------------------------------
(1) انظر: "التذكرة" للقرطبي، (ص 624)، و "فتح الباري" (13/ 485)، وكتاب "إكمال المعلم شرح صحيح مسلم" (11/ 70) لأبي عبدالله محمّد بن خليفة الأبي المالكي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، وانظر مقدمة كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" (ص 9) للمحدث الشّيخ محمّد أنور شاه الكشميري الهندي، ترتيب تلميذه =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وقسم بعض العلماء أشراط السّاعة من حيث ظهورها إلى ثلاث أقسام(1):
1 - قسم ظهر وانقضى.
2 - قسم ظهر ولا زال يتتابع ويكثر.
3 - قسم لم يظهر إلى الآن.
فأمّا القسمان الأولان؛ فهما من أشراط السّاعة الصغرى، وأمّا القسم الثّالث؛ فيشترك فيه الأشراط الكبرى وبعض الأشراط الصغرى.
* * * * *--------------------------------------------
= الشّيخ محمّد شفيع، وتحقيق وتعليق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبع مطبعة الأصيل، حلب، نشر مكتبة المطبوعات الإِسلامية، جمعية التعليم الشرعي، (1385 هـ).
(1) انظر: "فتح الباري" (13/ 83 - 84)، و "الإِشاعة لأشراط السّاعة" (ص 3) للبرزنجي، و"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية" (2/ 66) للعلّامة محمّد بن أحمد السفاريني الحنبلي، تعليق الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان من علماء نجد، من منشورات مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق، الطبعة الثّانية، (1402 هـ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى
أشراط السّاعة الصغرى الّتي ذكرها العلماء كثيرة جدًّا، وقد ذكرتُ هنا منها ما ثبت بالسُّنَّة أنّه من أشراط السّاعة الصغرى، وتركتُ ما لم يثبت - في حدود علمي القاصر-، وذلك بعد النظر في هذه الأحاديث، ومعرفة كلام العلماء عليها، من حيث الصِّحَّة والضعف، أو قد يكون هناك من الأشراط ما هو ثابتٌ، ولم أطلع على حديثٍ ثابتٍ فيه.
وقد سردتُ هذه الأشراط بدون ترتيب؛ لأنَّني لم أطَّلع على حديث أو أحاديث تنصُّ على ترتيبها، فذكرتُ أوَّلًا ما نصَّ العلماء علي أنّه ظهر وانتهى، ثمّ تحريتُ في ذكري لباقي الأشراط بتقديم ما تقتضي الحوادث تقديمه على غيره، فمثلًا، ظهور الفتن مقدَّم على قبض العلم؛ لأنّ الفتن ظهرت في عصر الصّحابة، وقدَّمت قتال الروم على فتح القسطنطينية؛ لأنّ الخبر جاء بذلك، وجعلتُ فتح القسطنطينية مقدَّمًا على قتال اليهود في زمن عيسى عليه السلام؛ لأنّ فتحها قبل ظهور الدَّجَّال، ونزول عيسى عليه السلام يكون بعد ظهور الدجَّال، وهكذا … وبعض الأشراط يقتضي ذكره في الأخير؛ لأنّه لا يظهر إِلَّا بعد الأشراط الكبرى؛ مثل هدم الكعبة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
على يدي الحبشة، وظهور الريح الّتي تقبض أرواح المؤمنين.
ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أَنَّ كثيرًا من أشراط الساعه قد ظهرت مباديها من عهد الصّحابة رضي الله عنهم، وهي في ازدياد، ثمّ صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام السّاعة هو استحكام ذلك، فيكون مثلًا قبض العلم لا يقابله إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أهل الجهل، وقس عليه غيره من أشراط السّاعة(1).
وممَّا ينبغي التنبيه عليه أيضًا أن بعض النَّاس يفهم من كونِ الشيء من أشراط السّاعة أنّه محذورٌ وممنوعٌ، وهذه القاعدةُ غير مسلَّمة، فإنّه ليس كلُّ ما أخبر صلى الله عليه وسلم بكونه من علامات السّاعة يكون محرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاوُلَ الرعاء في البنيان، وفشوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهنَّ قيَمٌ واحد ليس بحرام بلا شك، وإنّما هذه علامات، والعلّامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشر، والمباح، والمحرَّم، والواجب، وغيره، والله أعلم(2).
والآن حان الشروع في ذكر أشراط السّاعة الصغرى، وهي كما يلي:
1 - بعثة النّبيّ صلى الله عليه وسلم -:
أخبر صلى الله عليه وسلم أن بعثتَهُ دليلٌ على قرب قيام السّاعة، وأنّه نبيُّ السّاعة:--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح الباري" (13/ 16).
وسيأتي بيان ذلك مفصلًا في الكلام على قبض العلم وظهور الجهل.
(2) "شرح النووي لمسلم" (1/ 159).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
ففي الحديث عن سهل رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، ويشير بإصبعيه فيمدّهُما(1).
وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين". قال: وضمَّ السبابة والوسطى(2).
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي جُبيرة مرفوعًا: "بُعِثْتُ في نسم(3) السّاعة"(4)
فأول أشراط السّاعة بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو النبيُّ الأخير، فلا يليه نبىٌّ آخر، وإنّما تليه القيامة كما يلي السبابة والوسطى، وليسس بينهما إصبع--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، (11/ 347 - مع الفتح).
(2) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قرب السّاعة، (18/ 89 - 90 - مع شرح النووي).
(3) (نسم السّاعة): قال ابن الأثير: "هو من النسيم، أول هبوب الريح الضعيفة؛ أي: بُعِثْتُ في أول أشراط السّاعة، وضعف مجيئها. وقيل: هو جمع نسمة؛ أي: بعثت في ذوي أرواح خلقهم الله تعالى قبل اقتراب السّاعة؛ كأنّه قال: في آخر النشء في آدم". "النهاية في غريب الحديث" (5/ 49 - 50).
(4) رواه الدولابي في "الكنى" (1/ 23)، وابن منده في "المعرفة" (2/ 234/ 2).
قال الألباني: "صحيح".
والحديث رواه الحاكم في "الكنى" - كما في "الفتح الكبير"-، ولم يعزه لغيره.
انظر: "صحيح الجامع الصغير" (3/ 8) (ح 2829)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2/ 468) (ح 808).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
أخرى، أو كما يفضل إحداهما الأخرى(1)، ويدلُّ على ذلك رواية التّرمذيّ: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين - وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى - فما فضل إحداهما على الأخرى"(2)، وفي رواية مسلم: "قال شعبةُ: وسمعتُ قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى. فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة"(3).
قال القرطبي: "أولها النّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنّه نبي آخر الزّمان، وقد بُعِثَ وليس بينه وبين القيامة نبىٌّ"(4).
قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (40)} [الأحزاب: 40].
2 - موت النّبيّ صلى الله عليه وسلم -:
من أشراط السّاعة موتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث عن عوف بن مالك رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: موتي … "(5) الحديث.--------------------------------------------
(1) انظر: "التذكرة" (ص 625 - 626)، و "فتح الباري" (11/ 349)، و "تحفة الأحوذي شرح التّرمذيّ" (6/ 460).
(2) "جامع التّرمذيّ"، باب ما جاء في قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"،
(6/ 459 - 460)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(3) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: قرب السّاعة، (18/ 89 - مع شرح النووي).
(4) "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص 626).
(5) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجزية والموادعة، باب ما يُحذر من الغدر، (6/ 277 - مع الفتح).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
فقد كان موت النّبيّ صلى الله عليه وسلم من أعظم المصائب الّتي وقعت على المسلمين، فقد أظلمتِ الدُّنيا في عيون الصّحابة رضي الله عنهم عندما مات عليه الصلاة والسلام.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "لما كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه؛ أظلمَ منها كلّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي - وإنا لَفي دَفْنِه - حتّى أنكرنا قلوبَنا"(1).
قال ابن حجر: "يريد أنّهم وجدوها تغيَّرت عمّا عهدوه في حياته من الألفة، والصفاء، والرقة؛ لفقدان مَا كان يمدُّهم به من التعليم والتأديب"(2).
فبموته صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي من السَّماء؛ كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهم عندما زاراها بعد موت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم"نتهيا إليها؛ بكت، فقالا لها: "ما يُبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السَّماء. فهيَّجَتْهُما على البكاء، فجعلا يبكيان--------------------------------------------
(1) "جامع التّرمذيّ"، أبواب المناقب، (10/ 87 - 88 - مع تحفة الأحوذي)، وقال التّرمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب".
وقال شعيب الأرناؤوط: "إسناده صحيح". انظر: "شرح السنة" للبغوي، (14/ 50)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.
قال ابن حجر: "قال أبو سعيد فيما أخرجه البزار بسند جيد: ما نفضنا أيدينا من دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا". "الفتح" (8/ 149).
(2) "فتح الباري" (8/ 149).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
معها"(1).
فقد مات عليه الصلاة والسلام كما يموت النَّاس؛ لأنّ الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدُّنيا لأحد من الخلق،. بل هي دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ؛ كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 34 - 35].
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تبيِّن أن الموت حقٌ، وأن كلّ نفس ذائقة الموت، حتّى ولو كان سيد الخلق وامام المتَّقين محمَّد صلى الله عليه وسلم.
وكان موته كما قال القرطبي: "أول أمرٍ دَهَمَ الإِسلامَ … ثمَّ بعده موتُ عمر، فبموت النّبيّ صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي، وماتت النبوَّة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
فَلَتَحْدُثَنَّ حَوَادِثٌ مِنْ بَعْدِهِ … تُعْنَى بِهِنَّ جَوانِحٌ وصُدُورُ
وقالت صفيَّة بنت عبد المطَّلب رضي الله عنها:
لَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبِىَّ لِفَقْدِهِ … ولكِنَ مَا أَخْشَى مِنَ الهَرْجِ(2) آتِيا"(3)--------------------------------------------
(1) "صحيح مسلم"، كتاب فضائل الصّحابة رضي الله عنهم، باب فضائل أم أيمن رضي الله عنها، (16/ 9 - 10 - مع شرح النووي).
(2) (الهَرْج): هو القتل؛ كما سيأتي.
(3) "التذكرة" للقرطبي، (ص 629 - 630) بتصرُّف بسيط، وانظر: "الإذاعة" لصديق حسن، (ص 67 - 69).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
3 - فتح بيت المقدس:
ومن أشراط السّاعة فتح بيت المقدس، فقد جاء في حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: … (فذكر منها:) فتح بيت المقدس"(1).
ففي عهد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه تَمَّ فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة؛ كما ذهب إلى ذلك أئمَّة السِّيَر، فقد ذهب عمر رضي الله عنه بنفسه، وصالح أهلها، وفتحها، وطهَّرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس(2).
وروى الإمام أحمدُ من طريق عُبيد بن آدم؛ قال: "سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول لكعب الأحبار(3): أين ترى أن أصلّي؟ فقال: إن أخذتَ عني؛ صلّيتَ خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهوديَّة، لا، ولكن أصلّي حيث صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدَّم إلى القبلة، فصلَّى، ثمّ جاء، فبسطَ رداءَه، فكنس الكناسة في ردائه، وكنس النَّاس"(4).--------------------------------------------
(1) رواه البخاريّ، وتقدم تخربجه قريبًا.
(2) انظر: "البداية والنهاية" (7/ 55 - 57).
(3) هو كعب بن ماتع الحميري، من أوعية العلم، ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر الصديق، وقدم المدينة زمن عمر، ثمّ سكن الشّام، ومات في خلافة عثمان رضي الله عنه وقد جاوز المئة، وكان كثير الرِّواية للإِسرائيليات، وقسمٌ كبيرٌ منها لا يصحُّ السند به إليه، وليس له في البخاريّ رواية، وفي مسلم رواية لأبي هريرة عنه.
انظر: "تقريب التهذيب" (2/ 135)، و "تهذيب التهذيب" (8/ 438 - 440)، و "تذكرة الحفاظ" (1/ 52).
(4) "مسند الإمام أحمد" (1/ 268 - 269) (ح 261)، تحقيق أحمد شاكر =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
4 - طاعون عمواس (1):
جاء في حديث عوف بن مالك السابق قوله صلى الله عليه وسلم: "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: … (فذكر منها:) ثمّ مَوَتان(2) يأخذ فيكم كقُعاصِ(3) الغنم"(4).
قال ابن حجر: "يُقال: إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس"(5).
ففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الّذي عليه الجمهور(6) وقع طاعون في كورة عمواس، ثمّ انتشر في أرض الشّام، فمات فيه خلق كثير من الصّحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم؛ قيل: بلغ عدد مَنْ مات فيه خمسةٌ وعشرونَ ألفًا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين: أبو عُبيدة عامر بن الجرَّاح، أمين هذه الأمة، رضي الله عنه(7).--------------------------------------------
= وقال: "إسناده حسن".
(1) (عمواس): بلدة في فلسطين، على ستة أميال من الرملة، على طريق بيت المقدس.
انظر: "معجم البلدان " (4/ 157).
(2) (مُوتان)؛ بضم الميم وسكون الواو: هو الموت الكثير الوقوع.
انظر: "فتح الباري" (6/ 278).
(3) (قعاص)؛ بالضم، ويقال فيه: عقاس؛ بضم العين المهملة، وتخفيف القاف، وآخره مهملة: داء يأخذ الدواب، فيسيل من أنوفها شيء، فتموت فجأة.
انظر: "النهاية في غريب الحديث" (4/ 88)، و "فتح الباري" (6/ 278).
(4) رواه البخاريّ، وتقدم تخريجه قريبًا.
(5) "فتح الباري" (6/ 278).
(6) انظر: "البداية والنهاية" (7/ 90).
(7) انظر: "معجم البلدان" (4/ 157 - 158)، و "البداية والنهاية" (7/ 94).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
5 - استفاضة المال والاستغناء عن الصَّدقة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَنْ يقبله منه صدقة، ويُدعى إليه الرَّجل، فيقول: لا أرب لي فيه"(1).
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قال: "ليأتِيَنَّ على الناسِ زمانٌ يطوف الرَّجلُ فيه بالصدقة من الذهب، ثمّ لا يجد أحدًا يأخذها منه"(2).
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سيعطي هذه الأمة، ويفتح عليها من كنوز الأرض، وأن ملك أمته سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، ففي الحديث عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زوى(3) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمَّتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها، وأُعطيتُ الكنزينِ الأحمر والأبيض"(4).
وقال صلى الله عليه وسلم: "وإني قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، (13/ 81 - 82 - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (7/ 97 - مع شرح النووي).
(2) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (7/ 96 - مع شرح النووي).
(3) (زوي): يقال: زويته أزويه زيًّا؛ أي: جمعته، والمعنى أن الله جمع له صلى الله عليه وسلم الأرض، وقرَّبها حتّى رأى مشارقها ومغاربها.
انظر: "النهاية في غريب الحديث" (2/ 320 - 321).
(4) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (18/ 13 - مع شرح النووي).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)