منصوصة، أو مجمعا عليها، أو ما قطع فيه بنفي الفارق، كإلحاق الأمة بالعبد في تقويم النصيب. وإما خفي: وهو ما كانت العلة فيه مستنبطة).
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "الأصول" (ص/72): (مثال ما ثبتت علته بالنص: قياس المنع من الاستجمار بالدم النجس الجاف على المنع من الاستجمار بالروثة، فإن علة حكم الأصل ثابتة بالنص حيث أتى ابن مسعود رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة؛ ليستنجي بهن، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس" والركس النجس.
ومثال ما ثبتت علته بالإجماع: نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان، فقياس منع الحاقن من القضاء على منع الغضبان منه من القياس الجلي، لثبوت علة الأصل بالإجماع وهي تشويش الفكر وانشغال القلب.
ومثال ما كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع: قياس تحريم إتلاف مال اليتيم باللبس على تحريم إتلافه بالأكل للقطع بنفي الفارق بينهما.
والخفي: ما ثبتت علته باستنباط، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
مثاله: قياس الأشنان على البر في تحريم الربا بجامع الكيل، فإن التعليل بالكيل لم يثبت بنص ولا إجماع، ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، إذ من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان).
قياس الشبه:
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (3/ 424): (اختلف في تعريف قياس الشبه، فقيل: هو «إلحاق الفرع المتردد بين أصلين بما هو أشبه به منهما» أي: من ذينك الأصلين. وهذا قول القاضي يعقوب من أصحابنا وغيره.
ومن أمثلته تردد العبد بين الحر والبهيمة، في التمليك، فمن قال: يملك بالتمليك; قال: هو إنسان يثاب ويعاقب وينكح ويطلق، ويكلف بأنواع من العبادات، ويفهم ويعقل، وهو ذو نفس ناطقة، فأشبه الحر. ومن قال: لا يملك ; قال: هو حيوان يجوز بيعه ورهنه وهبته وإجارته وإرثه أشبه الدابة.
وعلى هذا خرج الخلاف في ضمانه إذا تَلِفَ بقيمته، وإن جاوزت دية الحر إلحاقا له بالبهيمة والمتاع في ذلك، وبما دون دية الحر بعشرة دراهم تشبيها له به، وتقاعدا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
به عن درجة الحر.
وكذا المذي تردد بين البول والمني، فمن حكم بنجاسته، قال: هو خارج من الفرج لا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل، أشبه البول، ومن حكم بطهارته، قال: هو خارج تحلله الشهوة، ويخرج أمامها، فأشبه المني، وزعم بعضهم أن الخلاف في طهارة المذي مبني على أنه جزء من المني، أو رطوبة ترخيها المثانة … ).
قياس العكس:
قياس العكس هو: (إثبات نقيض حكم الأصل للفرع لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه) (1).
قال المرداوي في "التحبير" (7/ 3128 (: (قال البرماوي: في حجية قياس العكس، خلاف وكلام الشيخ أبي حامد يقتضي المنع، لكن الجمهور على خلافه … قال البرماوي: (ويدل عليه أن الاستدلال به وقع في القرآن والسنة وفعل الصحابة: فأما القرآن: فنحو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: 22]. فدل على أنه ليس إله إلا الله لعدم فساد السموات والأرض. وكذلك قوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]. ولا اختلاف فيه فدل على أن القرآن من عند الله بمقتضى قياس العكس. وأما السنة: فكحديث: (يأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام؟ - يعني: أكان يعاقب؟ - قالوا: نعم، قال: فمه!). فقاس وضعها في حلال فيؤجر على وضعها في حرام فيؤزر بنقيض العلة … فظهر بذلك كله أنه حجة … ) (2).--------------------------------------------
(1) انظر الأصول للشيخ العثيمين رحمه الله (ص/74).
(2) انظر: المسودة (ص/379)، شرح مختصر الروضة (3/ 222)، شرح الكوكب المنير (4/ 400).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
التعارض
لما أنهينا الكلام على الأدلة الشرعية بدأنا الكلام على هذا الباب الذي يدفع التعارض بين الأدلة ويبين كيفية الترتيب بينها.
ولما كان هذا الباب موضوع نظر المجتهد وضروراته؛ لأن الأدلة الشرعية متفاوتة في مراتب القوة، فيحتاج المجتهد إلى معرفة ما يقدم منها وما يؤخر؛ لئلا يأخذ بالأضعف منها مع وجود الأقوى.
ولما كان المجتهد هو من يقوم بالترجيح بين الأدلة ويبين ترتيبها، ويزيل التعارض الظاهري بينها قدم الموفق، وابن مفلح، وغيرهما باب الاجتهاد على هذا الباب، لكن الرازي في ' المحصول ' وأتباعه قدموا التعارض والتراجيح على الاجتهاد؛ لأنه المقصود، وذلك ما يتوقف عليه المقصود (1).
تعريف التعارض:
لغة:
التعارض لغة: الظهور، والتقابل، والتمانع.
مادة عَرَضَ في اللغة لها معان كثيرة منها (2):
- الظهور، يقال: عَرَضَ له كذا، أي ظهر، وعرضت عليه أمر كذا وعرضت له الشيء أي: أظهرته له وأبرزته، ومنه قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا) [الكهف: 100].
والشيء معروض لك: موجود ظاهر لا يمنع، وأظهره عليه: أراه إياه.
ولعل هذا المعنى - الظهور - معنى متأصل في جميع المعاني التي تدل عليها مادة عَرَضَ.
- ومنها: المقابلة، يقال: عارض الشيء بالشيء معارضة: قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته. وفلان يعارضني أي يباريني، ويقال: عارض فلان فلانا إذا أخذ في طريق وأخذ الآخر في طريق فالتقيا وتقابلا، ومنه الحديث إن جبريل عليه--------------------------------------------
(1) انظر " التحبير" للمرداوي (8/ 4119).
(2) انظر رسالة: "أثر التعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله في العبادات" (ص/16) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
السلام كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه العام مرتين أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن من المعارضة المقابلة 0
والتقابل بين شيئين لا يتحقق إلا بظهورهما وبروزهما في مواجهة بعضهما.
- ومن معانيها أيضا المنع، يقال: اعترض الشيء إذا صار عارضا ومانعا، والأصل فيه أن الطريق إذا أعترض فيه بناء أو غيره منع السابلة من سلوكه. ومنه قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) [البقرة: 224] أي لا يمنعه يمينه من أن يتقي الله ويصل رحمه ويصلح بين الاثنين.
ويقال: اعترض الشيء دون الشيء، أي حال دونه، ومنى سمي السحاب عارضا؛ لأنه يحول دون أشعة الشمس، ومنه قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) [الأحقاف: 24].
ومنه اعتراضات الفقهاء؛ لأنها تمنع التمسك بالدليل، وتعارض البينات لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها.
ولعل سبيل التمانع بين الشيئين هو ظهورهما وبروزهما لبعضهما.
اصطلاحا:
التعارض هو: (تقابل الدليلين على سبيل الممانعة الصورية).
قولنا: (تقابل) جنس في التعريف يدخل فيه كل تقابل لأي شيئين أو كثر.
قولنا: (الدليلين) قيد يبين أن التقابل إنما يكون بين الدليلين ويخرج به التعارض بين غير الأدلة. وعمومه يشمل القطعي والظني من الأدلة.
قولنا: (على سبيل الممانعة) أي أن التقابل بين الأدلة إنما يكون على وجه مخالفة أحدهما للآخر.
قولنا: (الصورية) أي من وجهة نظر المجتهد، فلا يوجد تعارض حقيقي بين الأدلة.
تنبيه - لا يقع تعارض بين الأدلة الظنية (1)
قال المرداوي في " التحبير" (8/ 4126): (التعادل بين قطعيين ممتنع قطعا--------------------------------------------
(1) انظر العدة (5/ 1536)، والتمهيد للإسنوي (ص/505)، الأحكام للآمدي (4/ 203).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
سواء كانا عقليين أو نقليين، أو أحدهما عقليا والآخر نقليا؛ إذ لو فرض ذلك لزم اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما، وترجيح أحدهما على الآخر محال فلا مدخل للترجيح في الأدلة القطعية؛ لأن الترجيح فرع التعارض ولا تعارض فيها فلا ترجيح … ومثل ذلك القطعي والظني، أعني أنه لا تعادل بينهما ولا تعارض لانتفاء الظن؛ لأنه يستحيل وجود ظن في مقابلة يقين خلافه، فالقاطع هو المعمول به والظن لغو، وكذلك لا يتعارض حكم مجمع عليه مع حكم آخر ليس مجمعا عليه. قوله: {وكذا ظنيان عند أحمد، وأكثر أصحابه، والكرخي، وبعض الشافعية … ، وقال القاضي وابن عقيل والأكثر: يجوز تعادلهما كما في نظر المجتهد اتفاقا وحكي عن أحمد}).
والراجح أنه لا فرق بين الأدلة الظنية والقطعية (1) في امتناع وقوع التعارض بينهما بمعنى أنه يمتنع حدوث تعارض حقيقي بين الأدلة، وأنه إذا حدث تعارض بين الأدلة فإنه يكون صوريا أي من وجهة نظر المجتهد فقط (2)، وذلك (3) لأن كتاب الله سالم من الاختلاف والاضطراب والتناقض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] ولهذا مدح الله تعالى الراسخين في العلم حيث قالوا: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران: 7]؛ أي: محكمه ومتشابهه حق (4).
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) (5).--------------------------------------------
(1) المقصود بما كان قطعيا من الأدلة، هو ما كان قطعيا في دلالته وثبوته، وما كان ظنيا أي في دلالته أو في ثبوته.
(2) انظر مسألة (لا تعارض في الشريعة في نفس الأمر بل في نظر المجتهد) في الموافقات للشاطبي (4/ 294).
(3) انظر: " معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة" للجيراني (ص/268).
(4) انظر: "الفقيه والمتفقه" (1/ 221)، و"إعلام الموقعين" (2/ 294)، و"تفسير ابن كثير" (1/ 542).
(5) رواه أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبي عن جده، وصححه الشيخ الألباني والشيخ الأرناؤوط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
كما أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة مبرأة من التناقض والاختلاف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من التناقض والاختلاف بإجماع الأمة، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3، 4].
وكل هذه الأدلة تشمل الظني والقطعي منهما.
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوي" (8/ 29): (الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا).
وقال في "المسودة" (ص/274): (لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه وليست مع أحدهما ترجيح يقدم به ذكره أبو بكر الخلال).
وقال في "مجموع الفتاوي" (7/ 40): (إذا قلنا الكتاب والسنة والإجماع فمدلول الثلاثة واحد فان كل ما في الكتاب فالرسول موافق له والأمة مجمعة عليه من حيث الجملة فليس في المؤمنين الا من يوجب اتباع الكتاب وكذلك كل ما سنه الرسول فالقرآن يأمر باتباعه فيه والمؤمنون مجمعون على ذلك وكذلك كل ما أجمع عليه المسلمون فانه لا يكون الا حقا موافقا لما في الكتاب والسنة لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول وأما الرسول فينزل عليه وحى القرآن ووحى آخر هو الحكمة كما قال: (ألا إنى أوتيت الكتاب ومثله معه (1) ().
أقسام التعارض:
أقسام التعارض أربعة (2):
القسم الأول والثاني - أن يكون التعارض بين دليلين عامين أو خاصين وله أربع حالات:--------------------------------------------
(1) رواه أحمد، وأبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه وصححه الشيخ الألباني والشيخ الأرناؤوط.
(2) انظر هذه الأقسام الأربعة في "الأصول من علم الأصول " (ص/75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
1 - أن يمكن الجمع بينهما بحيث يحمل كل منهما على حال لا يناقض الآخر فيها فيجب الجمع.
2 - فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول.
3 - فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
4 - فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف).
تتمات:
أيهما يقدم النسخ أم الجمع:
ما ذهب إليه الشيخ هو مذهب الجمهور، وخالف الأحناف فقدموا النسخ على الجمع.
قال ابن قدامة في "الروضة" (ص/251): (إذا تعارض عمومان فأمكن الجمع بينهما بأن يكون أحدهما أخص من الآخر فيقدم الخاص أو يكون أحدهما يمكن حمله على تأويل الصحيح والآخر غير ممكن تأويله فيجب التأويل في المؤول ويكون الآخر دليلا على المراد منه جمعا بين الحديثين إذ هو أولى من إلغائهما وإن تعذر الجمع بينهما لتساويهما ولكونهما متناقضين كما لو قال من بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه فلا تقتلوه فلا بد أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فإن أشكل التاريخ طلب الحكم من دليل غيرهما).
قال ابن أمير الحاج في "التقرير والتحبير" (3/ 4): (حكمه أي التعارض صورة
النسخ إن علم المتأخر فيكون ناسخا للمتقدم وإلا إذا لم يعلم المتأخر فالحكم الترجيح لأحدهما على الآخر بطريقه إن أمكن ثم الجمع بينهما إن أمكن إذا لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر لأن إعمال كليهما في الجملة حينئذ أولى من إلغاء كليهما بالكلية وإلا إذا لم يعلم المتقدم ولم يمكن ترجيح أحدهما ولا الجمع بينهما تركا أي المتعارضان إلى ما دونهما من الأدلة).
والأولى أن يقدم الجمع على الترجيح؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، وأما الخلاف في تقديم النسخ على الجمع أو العكس فهو من وجهة نظري خلاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
لفظي، فإنه إن صحت شروط النسخ لم يمكن الجمع، وإن أمكن الجمع فلا يتحقق النسخ.
ماذا يفعل المجتهد إن لم يمكنه الجمع أو الترجيح، ولم يعلم الناسخ:
إذا وجد المجتهد دليلان متعارضان فإنه يجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع والتوفيق بين الأدلة، فإن تعذر عليه ذلك - ولم يكن أحدهما منسوخا، فإنه يتوقف عن الاستدلال بأيهما لحين ظهور وجه الجمع بينهما، أو الترجيح لأحدهما على الآخر، وإنما قلنا بالتوقف لأن الحق واحد لا يتعدد، ولم نقل بالتخيير بين أيهما لأن هذا يستلزم تعدد الحق، وأنه ليس محصورا في واحد منهما.
قال الشيخ الجيزاني في "معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة " (ص / 272): (ولعل الصواب هو التوقف في هذين الدليلين، والبحث عن دليل جديد. وهذا يوافق منهج السلف فإنهم كانوا يطلبون الدليل في القرآن، فإن لم يجدوه في القرآن طلبوه في السنة، فإن لم يجدوه في السنة طلبوه في الإجماع، وهكذا .... ).
القسم الثالث - أن يكون التعارض بين عام وخاص فيخصص العام بالخاص.
ومثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر) وقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) فيخصص الأول بالثاني، ولا تجب الزكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق. وقد سبق الكلام على التخصيص.
القسم الرابع - العموم والخصوص الوجهي.
وذبك بأن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه فله ثلاث حالات:
1 - أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به.
2 - وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح.
3 - وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
وضابطُ الأعمِّ والأخصِّ من وجهٍ:
وضابطه أن يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه.
قال المرداوي في " التحبير": (1/ 42): (شأن العموم والخصوص من وجه أن يجتمعا في صورة، وينفرد كل واحد منهما في صورة، فيجتمع الحمد والشكر في الثناء باللسان، وينفرد الحمد بالثناء على الصفات الحميدة من غيره، وينفرد الشكر بالثناء بالجنان والأركان).
موقف المجتهد لإزالة هذا التعارض:
ومحصل ما ذكر في المذهب أنه يصار عن تعارضهما إلى الترجيح بينهما أو إلى دليل آخر كما قال المجد في "المسودة" (ص/125) (1).
مثال:
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" (4/ 413): (القاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإنهما يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما. كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر … فالحكم بالترجيح حتما معتبر
وإيضاح كون حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار»، بينه وبين أحاديث النهي - كحديث أبي ذر مرفوعا: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس» - عموم وخصوص من وجه، كما ذكره الشوكاني رحمه الله: هو أن أحاديث النهي عامة في مكة وغيرها، خاصة في أوقات النهي. وحديث جبير بن مطعم عام في أوقات النهي وغيرها، خاص بمكة حرسها الله، فتختص أحاديث النهي بأوقات النهي في غير مكة، ويختص حديث جبير بالأوقات التي لا ينهى عن الصلاة فيها بمكة، ويجتمعان في أوقات النهي في مكة، فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها، وعموم إباحة--------------------------------------------
(1) وقال ابن قدامة في "الروضة" (ص/251) يعدل إلى دليل الترجيح، وقال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (2/ 577)، والمرداوي في "التحبير" (6/ 2649): يطلب الترجيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
الصلاة في جميع الزمن في حديث جبير، يشمل أوقات النهي وغيرها في مكة فيظهر التعارض في أوقات النهي في مكة، فيجب الترجيح. وأحاديث النهي أرجح من حديث جبير من وجهين:
أحدهما: أنها أصح منه لثبوتها في الصحيح.
والثاني: هو ما تقرر في الأصول، أن النص الدال على النهي يقدم على النص الدال على الإباحة ; لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما قدمناه مرارا. والعلم عند الله تعالى).
الترتيب بين الأدلة:
إذا تعارضت الأدلة وأمكن الجمع بينها وجب الجمع وإن لم يمكن الجمع عمل بالنسخ إن تمت شروطه، وإلا وجب الترجيح.
وهذه جملة من القواعد العامة في الترجيح:
1 - يرجح النص على الظاهر.
اعلم أن الكلام إما أن يحتمل معنى واحداً فقط فهذا هو النص نحو قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: 196]. وإما أن يحتمل معنيين فأكثر، فان كان أظهر في أحدهما فهو الظاهر ومقابله المحتمل المرجوح.
فمثال الظاهر باللغة: الأمر يحتمل الإيجاب ويحتمل الندب والاستحباب إلا أنه في الإيجاب أظهر، ومثل النهي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، إلا أنه في التحريم أظهر.
ومثال الظاهر بالعرف: لفظ الغائط، فإنه إن أطلق يراد به عرفا الخارج المخصوص من الإنسان لا المطمئن من الأرض.
ومثال الظاهر بالشرع: الصلاة والصيام فإن الصيام إمساك مخصوص في زمن مخصوص.
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة" (3/ 698 (: (الترجيح اللفظي من جهة المتن - " فمبناه "، أي: هو مبني على " تفاوت دلالات العبارات في أنفسها، فيرجح الأدل منها فالأدل "، أي: إن العبارات تتفاوت في الدلالة على المعاني بالقوة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
والضعف، والبيان والإجمال، والإيضاح والإشكال، فما كان منها أقوى دلالة، قدم على غيره. وهذه قاعدة هذا القسم، " فالنص مقدم على الظاهر "، لأن النص أدل، لعدم احتماله غير المراد، والظاهر محتمل غيره وإن كان احتمالا مرجوحا، لكنه يصلح أن يكون مرادا بدليل).
وعليه فدلالة النص أقوى من دلالة الظاهر على المعنى المراد فيقدم عليه.
2 - يرجح الظاهر على المؤول.
سبق وأن ذكرنا أن تعرف المؤول الصحيح (ما حمل على المعنى المرجوح بدليل يصيره راجحا).
كتأويل قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82] إلى معنى واسأل أهل القرية لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
وكما تأولنا قوله صلى الله عليه وسلم (الجار أحق بصقبه) والصقب: القرب والمجاورة بالجار المخالط لحديث: (إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة).
وعليه فيقدم الظاهر على المؤول؛ لأن الظاهر دلالته على المعنى جلية بخلاف المؤول فدلالته على المعنى خفية.
3 - (يقدم المنطوق على مفهوم المخالفة).
تمهيد:
المفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، ومفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم من المنطوق أو مساو فلا يتقدم عليه، وكلامنا على مفهوم المخالفة.
قال الشنقيطي في " المذكرة" (ص / 89): (وضابط مفهوم الموافقة هو ما دل اللفظ لا في محل النطق على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء وكان ذلك المدلول المسكوت عنه أولى من المنطوق به بالحكم أو مساوياً له).
فمثال الأولوي: ما يفهم من اللفظ بطريق القطع؛ كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب؛ لأنه أشد.
ومثال المساوي: تحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) [النساء: 10] فالإحراق مساو للأكل بواسطة الإتلاف في الصورتين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
مثال على القاعدة:
وقد مثل لقاعدة الشيخ العثيمين رحمه الله في "الشرح" (ص/590) بترجيح منطوق حديث أبي سعيد رضي الله عنه: (الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسْه شيءٌ) على مفهوم حديث القُلَّتين ولفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) فإنه يُؤخذُ منه - بطريق مفهوم المخالَفة - أن ما نقص عن القُلَّتين يتنجّسُ بملاقاة النجاسة، وإنْ لم يتغيّرْ، ومنطوقُ الأول يدلُّ على عدم تنجُّسِه إذا لم يتغيّر لونُه أو طعمُه أو ريحُه.
4 - يرجح المثبت على النافي (1).
يقدم المثبت على النافي؛ لأن مع المثبت زيادة علم مع إفادته للتأسيس، والتأسيس أولى من التأكيد. إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، فيستويان ويطلب الترجيح بينهما أو يتوقف في الاستدلال بهما.
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (3/ 700): (قوله: " والمثبت "، أي: ويقدم الخبر المثبت " على النافي "، يعني الدال على ثبوت الحكم على الخبر الدال على نفيه، كإثبات بلال رضي الله عنه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة على رواية ابن عباس في نفيها؛ لأن عند المثبت زيادة علم ممكنة وهو عدل جازم بها.
قوله: " إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم، لا عدم العلم، فيستويان " يعني أن نفي النافي إن استند إلى عدم العلم، كقوله: لم أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالبيت، ولم أعلم أن فلانا قتل فلانا، لم يلتفت إليه، وكان إثبات المثبت للصلاة، وقتل فلان مقدما لما سبق. وإن استند نفي النافي إلى علم بالعدم، كقول الراوي: اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل بالبيت، لأني كنت معه فيه، ولم يغب عن نظري طرفة عين فيه، ولم أره صلى فيه، أو قال--------------------------------------------
(1) انظر العدة (3/ 1036) الواضح (5/ 90)، أصول ابن مفلح (4/ 1602)، المسودة (ص/279)، المدخل (ص/339)، المختصر في أصول الفقه (ص/171)، جمع الجوامع (2/ 413 - حاشية العطار).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يصل فيه، أو قال: اعلم أن فلانا لم يقتل زيدا، لأني رأيت زيدا حيا بعد موت فلان، أو بعد الزمن الذي أخبر الجارح أنه قتله فيه. فهذا يقبل، لاستناده إلى مدرك علمي، ويستوي هو وإثبات المثبت، فيتعارضان، ويطلب المرجح من خارج. وكذلك كل شهادة نافية استندت إلى علم بالنفي، لا إلى نفي العلم، فإنها تعارض المثبتة، لأنها تساويها، إذ هما في الحقيقة مثبتتان، لأن إحداهما تثبت المشهود به، والأخرى تثبت العلم بعدمه).
بعض الاستثناءات ومناقشتها:
أولا- إلا أن يستند النفي إلى علم بالعدم:
فهنا يتعادلان، وقد سبق الكلام عنه.
ثانيا - إلا أن يكونا في حد (1):
قال المرداوي في "التحبير" (8/ 4198): (قوله: {وداريء حد، وفي ' الكفاية ' و ' الواضح '، وابن البناء وقال: هو المذهب: المثبت، وفي ' العدة ': سواء كالغزالي، والموفق}. الصحيح أن داريء الحد مقدم على مثبته. قال الشريف أبو جعفر، والحلواني من أصحابنا يقدم نافي الحد على مثبته، ورجحه أبو الخطاب في ' التمهيد '، وغيره، وعليه الأكثر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، روي عن الصحابة، وفيه أخبار ضعيفة … قال الآمدي: ولأن الخطأ في نفي العقوبة أولى من الخطأ في تحقيقها، على ما قاله عليه الصلاة والسلام: ' لأن تخطيء في العفو خير من أن تخطيء في العقوبة ' … )
5 - يرجح الناقل عن الأصل على المبقي عليه (2).
قال المرداوي في "التحبير" (4/ 4194): (قوله: {وناقل عن الأصل … }. إذا تعارض حكمان أحدهما مقرر للحكم الأصلي، والآخر ناقل عن حكم الأصل.--------------------------------------------
(1) انظر: التمهيد (3/ 212)،أصول ابن مفلح (4/ 1605)، شرح الكوكب المنير (4/ 689)، التقرير والتحبير (3/ 32)، تيسير التحرير (3/ 161)، الإبهاج (3/ 236)، المحصول (5/ 590)، البحر المحيط (4/ 468).
(2) انظر: العدة (5/ 1533)، التمهيد (4/ 241)، شرح مختصر الروضة (3/ 702)، شرح الكوكب المنير (4/ 687)، جمع الجوامع (2/ 412 - العطار)، غاية الوصول (ص/161).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
فالناقل مقدم عند الجمهور؛ لأنه يفيد حكما شرعيا ليس موجودا في الآخر … ).
وما ذهب إليه الجمهور أولى لأن الناقل فيه زيادة على المبقى على البراءة الأصلية بإثباته حكما شرعيا ليس موجودا في الأصل.
مثل: ترجيحُ أحاديثِ تحريمِ الحُمُرِ الأهليةِ على الأحاديث التي فيها إباحتُها؛ لأن التحريمَ ناقلٌ عن حكم الأصل.
6 - يرجح العام المحفوظ على غير المحفوظ.
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (3/ 706): («فيرجح المجرى على عمومه على المخصوص».
أي: إذا تعارض عامان أحدهما باق على عمومه، والآخر قد خص بصورة فأكثر ; رجح الباقي على عمومه على المخصوص، لأنه مختلف في بقائه حقيقة أو مجازا، وحجة، أو غير حجة، والباقي على عمومه لا خلاف في بقائه حقيقة وحجة، فكان راجحا.
قلت: وكذلك يقدم ما كان أقل تخصيصا على الأكثر تخصيصا، مثل أن يخص أحدهما بصورة، والآخر بصورتين، فالأول أرجح، لأنه أقرب إلى الأصل، وهو البقاء على العموم ومخالفة الأصل فيه أقل).
7 - يرجح ما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه.
هذه القاعدة والتالية لها من المرجحات من ناحية السند.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "الشرح" (ص/596): (هذا في الحديث الشاذ والمحفوظ، ومرَّ علينا في المصطلح: "الشاذ" ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أرجح منه: عددًا أو حفظًا، فإذا كان عندنا راويان رويا حديثًا متعارضًا لكنَّ أحدَهما أقوى من الآخر حفظًا وأمسَّ بالشيخ الذي رويا عنه الحديث - فتقدِّم الثاني- لدينا رجلان رويا عن شيخ حديثًا، كل واحد منهما رواه على وجه يخالف الآخر، وكل منهما ثقة، لكن أحدهما أقوى في الأوثقية وأشد وثوقًا في الشيخ مثل أن يكون صهره أو ابن عمه أو ابن أخيه أو خادمه- مثل نافع عن ابن عمر- فهنا نقدِّم الثاني؛ لأن صفات القبول فيه أقوى وأكثر من الآخر).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
8 - يرجح صاحب القصة على غيره (1).
قال القاضي أبو يعلى في "العدة" (3/ 1019) وهو يتكلم عن وجوه الترجيح من ناحية الإسناد: (الثالث: أن يكون أحد الراويين مباشرا لما رواه؛ لأن المباشر أعرف بالحال، ومثاله ما قلناه في رواية أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نكح ميمونة وهو حلال) أنه أولى من رواية ابن عباس: (أنه نكحها وهو حرام)؛ لأن أبا رافع كان السفير بينهما، والقابل لنكاحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب القصة، كميمونة، قدمنا قولها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان، على قول ابن عباس؛ لأنها المعقود عليها، فهي أعرف بوقت عقدها من غيرها لاهتمامها به ومراعاتها لوقته).
9 - يقدم من الإجماع: القطعي على الظني.
سبق بيان أن الإجماع نوعان قطعي وظني، فإن تعارضا فيقدم الإجماع القطعي؛ لأنه أقوى منه.
10 - يقدم من القياس: الجلي على الخفي.
وقد سبق بيان أن القياس له مراتب من حيث القوة والضعف والجلاء والخفاء، فالقياس الذي في معنى الأصل أقوى من القياس الجلي، والجلي أقوى من الخفي، وقياس العلة أقوى من قياس الدلالة.--------------------------------------------
(1) انظر المسودة (ص/275)، أصول ابن مفلح (4/ 1587)، شرح مختصر الروضة (3/ 694)، شرح الكوكب (4/ 637)، المدخل (ص/397).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
المفتى والمستفتي
تعريف المفتى:
المفتى هو: (المخبر بحكم شرعي عملي مكتسب من أدلته التفصيلية لمن سأل عنه في أمر نازل) (1).
قولنا: (عملي) ليخرج ما تعلق بالاعتقاد والسلوك ونحو ذلك كما سبق في تعريف الفقه.
من المقرر أن المفتي لا يكون إلا مجتهدا (2)، وغير المجتهد لا يكون مفتيا حقيقة، ولذلك أضفنا للحد قولنا: (مكتسب من أدلته) فالمقلد لم يكتسب الحكم من أدلته.
قولنا: (لمن سأل) للتفريق بين المفتى والمرشد؛ وذلك لأن الإخبار بحكم الله تعالى من غير سؤال هو إرشاد.
قولنا: (أمر نازل) للتفريق بين المفتى والمعلِّم؛ وذلك لأن الإخبار بحكم الله تعالى في غير أمر نازل هو تعليم.
تعريف المستفتي:
المستفتي هو: (السائل عن حكم شرعي عملي في نازلة ما).
شروط جواز الفتوى:
الشرط الأول - أن يكون المفتي عارفاً بالحكم يقيناً أو ظنّاً راجحاً وإلا وجب عليه التوقف).
هذا الشرط فيه إشارة إلى ما سبق تقريره من أن من شروط المفتى أن يكون مجتهدا ليكون عنده القدرة على التوصل إلى معرفة الأحكام الشرعية.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "شرح الأصول" (ص/600): (هذا أهم الشروط، أن يكون المفتي عارفًا بالحكم "يقينًا": مثل أن يعرف أن الميتة حرام، "أو ظنًا" بحيث تكون الأدلة مشتبهة: إما في ثبوتها، وإما في دلالتها، وإما في احتمال معارض، وما أشبه ذلك. المهم أن يكون في الدليل اشتباه، فهنا قد لا يصل الإنسان--------------------------------------------
(1) وقد استفدت من رسالة "الفتيا ومناهج الإفتاء" للشيخ محمد سليمان الأشقر في إضافة بعض القيود لهاذ التعريف.
(2) انظر: التحبير (8/ 4070)، المدخل (ص/293)، شرح الكوكب المنير (4/ 557).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
إلى العلم الذي لا يقبل الاحتمال، فيكون عنده ظن.
والظن ظنان: "ظن ليس مبنيًا على اجتهاد وإنما هو تخرُّص مطلق! فهذا هو المذموم، ومنه قول بعض العوام أو المتحذلقين من الذين يدعون العلم- إذا سئل عن شيء قال: والله "أظن " أن هذا حرام، أما الذي يبحث في الأدلة ويراجع ولكنه لم يصل إلى حدِّ اليقين، فإنه إذا حكم بذلك فقد حكم بما يستطيع، وقد قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286]، وقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] وأيضًا فإن الإنسان قد لا يصل إلى العلم القطعي، ولو أنَّا ألزمنا المفتين بألا يفتوا إلا بما اقتضى العلم لتعطلت كثير من الأحكام الشرعية .. فإن كثيرًا من الأحكام الشرعية مبني على الظن- بعد الاجتهاد-.
وقوله: (وإلا وجب عليه التوقف): "وإلا": أي: وإلا يكن عارفًا يقينًا أو ظنًا يجب عليه التوقف.
ويقال إن مالك بن أنس- رحمه الله إمام دار الهجرة وهو أحد الأئمة الأربعة جاءه رجل من بلاد خراسان أرسله أهل البلد يسألونه عن مسألة، فسأله، فقال: "لا أدري "! قال: "فماذا أقول لأهل خراسان؟! " قال: "قل لهم إن الإمام مالكًا يقول: لا أدري).
الشرط الثاني - أن يتصور السؤال تصوّرا ًتاماً.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "الأصول" (ص/83): (فإذا أشكل عليه معنى كلام المستفتي سأله عنه، وإن كان يحتاج إلى تفصيل استفصله، أو ذكر التفصيل في الجواب، فإذا سئل عن امرئ هلك عن بنت وأخ وعم شقيق، فليسأل عن الأخ هل هو لأم أو لا؟ أو يُفَصِّلُ في الجواب، فإن كان لأم فلا شيء له، والباقي بعد فرض البنت للعم، وإن كان لغير أم فالباقي بعد فرض البنت له، ولا شيء للعم).
الشرط الثالث - أن يكون هادئ البال فلا يفتي حال انشغال فكره بغضب أو هم أو ملل أو غيرها.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (4/ 547): ((وهي) أي: الفتيا (في حالة غضب ونحوه) كشدة جوع، وشدة عطش، وهم، ووجع، وبرد مؤلم، وحر مزعج، ومع كونه حاقنا، أو حاقبا، أو نحو ذلك (كقضاء) فتحرم على الصحيح،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
كالصحيح في قضاء القاضي في تلك الحالة ويعمل بفتياه إن أصاب الحق، كما ينفذ قضاؤه في تلك الحالة إن أصاب الحق) (1).
وقد فصل الشيخ العثيمين رحمه الله في "الشرح" (ص/608) في حالات الغضب فقال: (العلماء يقولون: إن الغضب له ثلاث مراحل: (أول، ونهاية، ووسط) أما (النهاية): فإنها تلحق صاحبه بالمجانين، فلا حكم لقوله أبدًا، فكل أقواله لا تُعتبر؛ لأنه مثل المجنون حتى وإن كان ذلك في طلاق امرأته، فلا تطلق.
وأما (الابتداء وهو أول الغضب): فهذا لا أثر له- يعني: أن وجوده كعدمه، فَتُعتبر أقول أصحابه، ويؤاخذ بها.
(الحال الثالثة للغضب): حال وسط: لا في أوله ولا في نهايته، فهذا موضع نزاع بين أهل العلم: هل يعفى عنه؟ بمعنى: هل تُعتبر أقوال صاحبه أو لا تعتبر، فلو طلق زوجته في هذه الحالة فهل تطلق أو لا تطلق؟
قال بعض العلماء: "تطلق " وقال آخرون: "لا تطلق "؛ لأن هذا الرجل مغلوب على أمره كأنه أكره على ذلك من غضبه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله).
الشرط الرابع - ألا يترتب على الفتوى ما هو أكثر ضررا منها.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "الشرح" (ص/618): (فإن ترتب عليها ما هو أكثر وجب الإمساك؛ وعلى هذا فينبغي أن يكون هذا الشرط شرطًا لجواز الفتوى لا لوجوبها، فيشترط ألا يترتب على الفتوى ما هو أعظم ضررًا، فإن ترتب عليها ما هو أعظم فإنه يجب الإمساك).
وهذه الشروط الأربعة إذا أختل شرط منها حرمت الفتوى.
شروط وجوب الفتوى:
الأول - وقوع الحادثة المسئول عنها:
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "الشرح" (ص/611): (فلا بد أن تكون الفتوى واقعة فإن لم تكن واقعة لم تجب عليه الفتوى، وقد كان بعض السلف يفعل--------------------------------------------
(1) انظر: المسودة (ص/486)، أصول ابن مفلح (4/ 1546)، صفة الفتوى لابن حمدان (ص/34).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
ذلك، إذا سئل عن مسألة قال: "هل وقعت؟ " إن قال السائل: "نعم" أجاب، وإن قال: "لا" قال: "نحن في عافية منه، فلا نجيبك حتى تقع ". وقوله: (إلا أن يكون قصد السائل التعلم) فحينئذ يجب عليه أن يفتيه).
وينبغي تقييد ذلك بأن يكون السائل أهلا للجواب، وإلا لم يكن كتما للعلم.
الثاني - ألا يكون في البلد غيره من أهل الفتيا:
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (4/ 583): (لمفت ردها) أي: رد الفتيا (و) محله إذا كان (في البلد غيره) أي: الراد. وهو (أهل لها) أي: للفتيا (شرعا) وهذا الذي عليه جماهير العلماء؛ لأن الفتيا - والحالة هذه - في حقه سنة.
وقال الحليمي الشافعي: ليس له ردها، ولو كان في البلد غيره؛ لأنه بالسؤال تعين عليه الجواب (وإلا) أي: وإن لم يكن في البلد غيره (لزمه الجواب) قطعا، ذكره أبو الخطاب وابن عقيل وغيرهما … ).
الثالث - ألا يكون للسائل مقصد سيئ من السؤال:
قال العثيمين رحمه الله في "الشرح" (ص/613): (فإن علم أن قصده التعنت- يعني: الإشقاق على المسئول وإظهار عجزه- فإنه لا يجب عليه أن يجيب، فلو علمتَ أن هذا السائل لم يأت ليسأل إرادة للعلم، إنما أراد أن يسأل لإِظهار عجزك أمام الناس، فلك أن تقول: "لا أدري " أو: "لا أجيبك ".
وكذلك إذا علمت أنه لما أخبرته بالحكم قال: "أين الدليل؟ " فأتيت بالدليل، فجعل يجادل: هذا الدليل يحتمل كذا وكذا، ويأتي له بألف احتمال، فهذا يُعرف منه أنه أراد التعنت، فلك أن تقول: "لا، ما عندي غير هذا"، ولا حرج عليك في هذا.
ولهذا خيَّر اللهُ النبي صلى الله عليه وسلم بين الحكم وعدمه إذا سأله أهل الكتاب قال: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) [المائدة: 42]، لأنهم لن يأتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفة الحق، بل يريدون إعناته، وأحيانًا يريدون مصلحة لهم كما تحاكموا إليه في الزنى (1) … أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض وهذا كثير الآن، يجيء المستفتي يسأل العالم ليرى ماذا عنده وليس قصده--------------------------------------------
(1) فقد أرادوا أن يبدلوا حكم الله بألا يرجموا الشريف منهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
الحق، وإذا علم ما عنده ذهب إلى العالم الثاني وسأل وقال: ماذا تقول في كذا وكذا؟ قال: أقول كذا وكذا. قال: لكن فلان يقول: كذا وكذا، فما قصده؟! أي أنه يضرب رأي العالم الثاني برأي العالم الأول. وقد يريد أن يتبجح في المجالس يقول: أنا سألت فلانًا وقال: هذا حرام، وسألت فلانًا وقال: هذا حلال. ثم يضرب آراء العلماء بعضها ببعض).
ما يلزم المستفتي:
عند اختلاف المفتين، وتعارض الفتاوى فللعلماء أقوال فيما يلزم المستفتي:
أحدها: يأخذ بأغلظهما، والثاني: بأخفهما، والثالث: يجتهد في الأولى فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع، والرابع: يسأل مفتياً آخر فيأخذ بفتوى من وافقه، والخامس: يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء (1).
وقال الشيخ عياض السلمي في "أصوله" (ص/486): (يجوزُ للعاميّ أنْ يسألَ مَن شاء من المفتين، وله أنْ يسألَ المفضولَ مع وجود الفاضل، عند أكثر العلماء.
واستدلُّوا على ذلك: بالإجماع؛ أخذاً مما عليه الحالُ وقتَ الصحابة والتابعين، فإن العوامَّ كانوا يسألون المفضولَ فيُفتيهم، ولا يأمرُهم بسؤال الفاضل.
ولم يُعهدْ عن أحدٍ من الصحابة أنه كان لا يُفتي مع وجود الأفضل منه في البلدة، وقد أفتى ابنُ عباسٍ وابنُ عمر في حياة الخلفاء الأربعة، رضي الله عنهم أجمعين.
الواجب على المستفتي إذا تعارضت الفتاوى: أنْ يأخذَ بفتوى الأعلم من المفتين، فإنْ تساووا أخذَ بقول الأتقى والأورع، فإنْ جهل الأعلمَ أو الأورعَ سأل العارفين بهم عن ذلك، ثم أخذ بمَن يغلب على ظنه أنه الأعلمُ أو الأتقى.
والدليل على صحّته: أن فتوى العالم عند العاميّ كالدليل عند المجتهد، وإذا تعارضت الأدلّةُ عند المجتهد وجب عليه طلبُ الترجيح، فكذلك العاميّ إذا تعارضتْ عنده الفتاوى).--------------------------------------------
(1) انظر: آداب الفتوى والمفتي والمستفتي (ص/47)، التمهيد (4/ 403)، المسودة (ص/411)، مجموع الفتاوي لابن تيمية (33/ 168)، صفة الفتوى (ص/80)، إعلام الموقعين (4/ 264)، الإحكام للآمدي (4/ 243)، آداب الفتوى للنووي (ص/77)، التقليد وأحكامه للشثري، وقدتوسع في عرض القوال وأدلتها ومناقشتها (ص/162).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)