المذكر والمؤنث المعرف باللام: قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) [الأحزاب: 35] ومثال جمع الكثرة من المذكر والمؤنث الرجال والصواحب. وجمع القلة (1): الأفلس (2) والأكباد، ومثال الجمع المعرف بالإضافة قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: 11] وقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) [النساء: 23] وقيل: إن الجمع المذكر لا يعم، فلا يفيد الاستغراق. واستدل للأول الذي عليه أكثر العلماء والصحيح عنهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم في {السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين} في التشهد: {فإنكم إذا قلتم ذلك: فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض} رواه البخاري ومسلم).
فائدة:
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "شرح الأصول" (ص/256): (علامة الاستغراقية أن يحل محلها "كل" … (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ) [النور: 59] احذف "أل" وضع مكانها "كل": وإذا بلغ كل أطفال منكم الحلم فليستأذنوا فصارت "أل" الاستغراقية من صيغ العموم).
أل العهدية:
قال عباس حسن في"النحو الوافي" (1/ 423): (فأما"العهدية" فهي التي تدخل على النكرة فتفيدها درجة من التعريف تجعل مدلولها فردًا معينًا بعد أن كان مبهمًا شائعًا. وسبب هذا التعريف والتعيين يرجع لواحد مما يأتي:
1 - أن النكرة تذكر في الكلام مرتين بلفظ واحد، تكون في الأول مجردة من "أل" العهدية، وفي الثانية مقرونة "بأل" العهدية التي تربط بين النكرتين، وتحدد المراد من الثانية: بأن تحصره في فرد واحد هو الذي تدل عليه النكرة الأولى.
نحو: نزل مطر؛ فأنعش المطر زروعنا. أقبلت سيارة، فركبت السيارة. وقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}. فكل كلمة من--------------------------------------------
(1) - أشهر الصيغ المستعملة في جموع القلة أربعة: 1 - أفعلة 2 - أفعل 3 - أفعال 4 - فعلة "بكسر، فسكون، ففتح". وانظر النحو الوافي (4/ 636). وجمع القلة من اثنين أو ثلاثة إلى عشرة وجمع الكثرة من أحد عشر إلى ما فوقه.
(2) - جمع فُلس، والأكباد جمع كبد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
الثلاث: "مطر - سيارة - رسول" وأشباهها قد ذكرت مرتين؛ أولاهما بغير "أل" فبقيت على تنكيرها، وثانيتهما مقرونة بأل العهدية التي وظيفتها الربط بين النكرتين ربطًا معنويًّا يجعل معنى الثانية فردًا محدودًا محصورًا فيما دخلت عليه وحده، والذي معناه ومدلوله هو النكرة السابقة ذاتها. وهذا التحديد والحصر هو الذي جعل الثانية معرفة؛ لأنها صارت معهودة عهدًا ذِكْريًّا، أي: معلومة المراد والدلالة، بسبب ذكر لفظها في الكلام السابق ذكرًا أدى إلى تعيين الغرض وتحديده بعد ذلك، وأن المراد في الثانية فردٌ معين؛ هو السابق، وهذا هو ما يسمى: "بالعهد الذِّكْري".
2 - وقد يكون السبب في تعريف النكرة المقترنة بأل العهدية هو أن "أل" تحدد المراد من تلك النكرة، وتحصره في فرد معين تحديدًا أساسه علم سابق في زمن انتهى قبل الكلام، ومعرفة قديمة في عهد مضى قبل النطق، وليس أساسه ألفاظًا مذكورة في الكلام الحالي. وذلك العلم السابق ترمز إليه "أل" العهدية وتدل عليه، وكأنها عنوانه. مثال ذلك؛ أن يسأل طالب زميله: ما أخبار الكلية؟ هل كتبت المحاضرة؟ أذاهب إلى البيت؟ فلا شك أنه يسأل عن كلية معهودة لهما من قبل، وعن محاضرة وبيت معهودين لهما كذلك. ولا شيء من ألفاظ السؤال الحالية تشير إلى المراد إلا: "أل"؛ فإنها هي التي توجه الذهن إلى المطلوب. وهذا هو ما يسمى: "العهد الذهني" أو: "العهد العِلمي".
3 - وقد يكون السبب في تعريف تلك النكرة حصول مدلولها وتحققه في وقت الكلام، بأن يبتدئ الكلام خلال وقوع المدلول وفى أثنائه؛ كأن تقول: "اليوم يحضر والدي". "يبدأ عملي الساعة"، "البرد شديد الليلة" … تريد من "اليوم" و"الساعة" و"الليلة"؛ ما يشمل الوقت الحاضر الذي أنت فيه خلال الكلام. ومثل ذلك: أن ترى الصائد يحمل بندقيته فتقول له: الطائر. أي: أصبْ الطائر الحاضر وقت الكلام. وهذا هو"العهد الحضوري".
فأنواع العهد ثلاثة: "ذِكْرِيّ"، و"ذهنيّ أو علميّ"، و"حضوري" … ).
قال السيوطي في "الإتقان " (1/ 439): (العهدية إما أن يكون مصحوبها معهودا ذكريا نحو: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: 15، 16]، (فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ) [النور:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
35] وضابط هذه أن يسد الضمير مسدها مع مصحوبها أو معهودا ذهنيا نحو (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) [التوبة: 40] (إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: 18] أو معهودا حضوريا نحو (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: 3] (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) [المائدة: 5] قال ابن عصفور وكذا كل واقعة بعد اسم الإشارة، أو أي في النداء وإذا الفجائية، أو في اسم الزمان الحاضر نحو الآن) (1).
فائدة:
قال ابن بدران في "نزهة الخاطر" (2/ 82): (ما عرف بلام العهد لا يكون عاما؛ لأنه يدل على ذات معينة نحو لقيت رجلا فقلت للرجل) (2).
وقال ابن النجار في "شرح الكوكب المنير" (3/ 132): (و "لا" يعم " - أي: "اسم جنس معرف تعريف جنس" - مع قرينة عهد" اتفاقا. وذلك كسبق تنكير نحو قوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: 15، 16]؛ لأنه يصرفه إلى ذلك فلا يعم إذا عرف ونحو قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) [الفرقان: 27] … ).
وقال (3/ 133): ("و"من صيغ العموم أيضا "مفرد محلى بلام غير عهدية لفظا " كالسارق والزاني والمؤمن والفاسق والعبد والحر عندنا وعند أكثر العلماء).
وقال الجويني في "البرهان في أصول الفقه" (1/ 233): (من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق الجنس وفاقا).
ونحو هذا كثير في كلامهم.
أل التي لبيان الجنس:
قال عباس حسن في"النحو الوافي" (1/ 425): ("أل الجنسية" فهي الداخلة على نكرة تفيد معنى الجنس المحض من غير أن تفيد العهد. ومثالها؛ النجم مضيء بذاته، والكوكب يستمد الضوء من غيره … فالنجم، والكوكب، والضوء، معارف بسبب دخول "أل" على كل منها، وكانت قبل دخولها نكرات "وشأن النكرات كشأن اسم الجنس لا تدل على واحد معين" وليس في الكلام ما يدل على العهد.--------------------------------------------
(1) - وانظر: الأشباه والنظائر للسبكي (2/ 119)، همع الهوامع للسيوطي (1/ 309).
(2) - انظر: شرح مختصر الروضة (2/ 466)،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
ولدخول "أل" هذه على الأجناس سميت: "أل" "الجنسية". وهى أنواع من ناحية دلالتها المعنوية، ومن ناحية إفادة التعريف.
1 - فمنها التي تدخل على واحد من الجنس فتجعله يفيد الشمول والإحاطة بجميع أفراده إحاطة حقيقة؛ لا مجازًا ولا مبالغة، بحيث يصح أن يحل محلها لفظة "كل" فلا يتغير المعنى، نحو: النهر عذب، النبات حي، الإنسان مفكر، المعدن نافع … فلو قلنا: كل نهر عذب، كل نبات حي، كل إنسان مفكر، كل معدن نافع … يحذف "أل" في الأمثلة كلها وضع كلمة: "كل" مكانها - لبقي المعنى على حالته الأولى.
وما تدخل عليه "أل" من هذا النوع يكون لفظه معرفة؛ تجري عليه أحكام المعرفة، ويكون معناه معنى النكرة المسبوقة بكلمة: كل؛ فيشمل كل فرد من أفراد مدلولها، مثل كلمة "المَلِك" في قول الشاعر:
إذا الملك الجبَّار صَعَّر خَدَّه … مَشَيْنا إليه بالسيُوف نعاتبهْ (1)
2 - ومنها التي تدخل على واحد من الجنس، فتجعله يفيد الإحاطة والشمول؛ لا بجميع الأفراد، ولكن بصفة واحدة من الصفات الشائعة بين تلك الأفراد … نحو: أنت الرجل علمًا، وصالحٌ هو الإنسان لطفًا، وعليّ هو الفتى شجاعة. تريد: أنت كل الرجال من ناحية العلم، أي: بمنزلتهم جميعًا من هذه الناحية، فإنك جمعت من العلم ما تفرق بينهم؛ ويُعَدّ موزعًا عليهم بجانب علمك الأكمل المجتمع فيك؛ فأنت تحيط بهذه الصفة "صفة العلم" إحاطة شاملة لم تتهيأ إلا للرجال كلهم مجتمعين. وكذلك صالح من ناحية الأدب؛ فهو فيه بمنزلة الناس كلهم؛ نال منه ما نالوه مجتمعين. وكذلك علي؛ بمنزلة الفتيان كلهم في الشجاعة؛ أدرك وحده من هذه الصفة ما توزع بينهم، ولم يبلغوا مبلغه إلا مجتمعين.
وحكم ما تدخل عليه "أل" من هذا النوع كحكم سابقه لفظًا ومعنى.
3 - ومنها التي لا تفيد نوعًا من نوعي الإحاطة والشمول السابقين؛ وإنما تفيد أن الجنس يراد منه حقيقته القائمة في الذهن. ومادته التي تكوّن منها في العقل بغير نظر إلى ما ينطبق عليه من أفراد قليلة أو كثيرة، ومن غير اعتبار لعددها. وقد يكون بين--------------------------------------------
(1) صعر خده: أماله وحوله عن ناحية الناس، كي لا يراهم، ترفعًا منه، وكبرًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
تلك الأفراد ما لا يَصدق عليه الحكم.، نحو: الحديد أصلب من الذهب، الذهب أنفس من النحاس. تريد: أن حقيقة الحديد "أي: مادته وطبيعته" أصلب من حقيقة الذهب "أي: من مادته وعنصره" من غير نظر لشيء معين من هذا أو ذاك؛ كمفتاح من حديد، أو خاتم من ذهب؛ فقد توجد أداة من نوع الذهب هي أصلب من أداة مصنوعة من أحد أنواع الحديد؛ فلا يمنع هذا من صدق الحكم السالف الذي ينص على أن الحديد في حقيقته أصلب من الذهب في حقيقته من غير نظر إلى أفراد كل منهما -كما سبق- إذ إنك لا تريد أن كل قطعة من الأول أصل من نظيرتها في الثاني؛ لأن الواقع يخالفه ومثل هذا أن تقول: الرجل أقوى من المرأة، أي: أن حقيقة الرجل وجنسه من حيث عنصره المتميز -لا من حيث أفراده- أقوى من حقيقة المرأة وجنسها من حيث هي كذلك، من غير أن تريد أن كل واحد من الرجال أقوى من كل واحدة من النساء؛ لأنك لو أردت هذا لخالفك الواقع. وهكذا يقال في: الذهب أنفس من النحاس، وفي: الصوف أغلى من القطن، وفي: الفحم أشد نارًا من الخشب … وفي الماء، والتراب، والهواء، والجماد، والنبات.
تقول: الماء سائل: أي: أن عنصره وطبيعته من حيث هي مادة تجعله في عِداد السوائل، من غير نظر في ذلك إلى أنواعه، أو أفراده، أو شيء آخر منه؛ فتلك حقيقته؛ أي: مادته الأصلية التي قام عليها. وتقول: التراب غذاء النبات، أي: أن عنصره وطبيعته كذلك؛ فهي حقيقته الذاتية، وماهيته التي عرف بها من حيث هي. وتقول: الهواء لازم للأحياء؛ أي: أن عنصره ومادته وحقيقته كذلك … وهكذا.
وتسمى "أل" الداخلة على هذا النوع "أل" التي للحقيقة، أو: للطبيعة، أو للماهية فلا علاقة لها بالإحاطة بالأفراد، أو بصفاتهم، أو بعدم الإحاطة. وتفيد ما دخلت عليه نوعًا من التعريف يجعله في درجة عَلَم كالجنس لفظًا ومعنى.
فمعاني "أل الجنسية" إما إفادة الإحاطة والشمول بكل أفراد الجنس حقيقة، لا مجازًا، وإما إفادة الإحاطة والشمول لا بأفراد الجنس؛ وإنما بصفة من صفاته وخصائصه على سبيل المبالغة والادعاء … وإما بيان الحقيقة الذاتية، دون غيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
فائدة - (كان يفعل):
قال الشيخ العثيمين رحمه الله في "الشرح" (ص/106): (وقوله: (والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له): الفعل بكل أقسامه يفيد الإطلاق فليس له عموم إلا بقرينة ولهذا إذا قلت: صام زيد يوم الاثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين!! إنما يدل على أنه صام يوم الاثنين فقط ولو مرة واحدة، لكن إن وجد قرينة فتعم، كما لو قيل: كان يصوم يوم الاثنين، فكلمة: "كان" تفيد الاستمرار غالبًا، ونقول: فإن العموم منها بلفظ "كان " … ).
وقال الشيخ في منظومته في أصول الفقه وقواعده:
(وكانَ تَأتي للدَّوَامِ غالباً … وليس ذا بِلازِمٍ مُصَاحِباً).
واعلم أن العلماء اختلفوا في صيغة الفعل المضارع إذا دخلت عليه "كان" ماذا تفيد على خمسة أقوال:
الأول - أنها تفيد التكرار، وقد اختلف القائلون بهذا فجزم القاضي أبو بكر بأنها تقتضيه لغة، ونقل أبو الحسين في المعتمد عن عبد الجبار أنها تقتضيه عرفا لا لغة، وقال المرداوي في "التحبير" (5/ 2439): (وهو قوي جدا).
الثاني - المواظبة والدوام.
الثالث - العموم.
الرابع - مطلق الفعل (1).
الخامس - أنه لا تقتضي التكرار لا لغة ولا عرفا، واختاره في المحصول وقال النووي في شرح مسلم إنه المختار الذي عليه أكثر المحققين من الأصوليين.
وجميعها أقوال في المذهب (2)--------------------------------------------
(1) ذكر هذا مجد الدين في المسودة (ص/104) فقال بعد أن نقل أقوال أبي يعلى، والكلوذاني في المسألة: (فصارت الأقوال ثلاثة مطلق الفعل والعموم والتكرار).
(2) وغالب أقوال الأصحاب بأنها تقتضي التكرار، أو لا تقتضيه بدون تفصيل بين اللغة والعرف إلا ما كان من المرداوي كما سبق النقل عنه، انظر: أصول ابن مفلح (1/ 843)، التحبير (5/ 2436)، شرح الكوكب (3/ 215)، وانظر أيضا: البحر المحيط (2/ 327)، الكوكب الساطع (ص/172) تشنيف المسامع (1/ 350)، حاشية العطار على جمع الجوامع (2/ 24)، حاشية البناني على جمع الجوامع (1/ 425)، شرح مسلم للنووي (9/ 68)، وأضواء البيان (1/ 289).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
ومن تتبع الأدلة الشرعية الوارد فيها استعمال صيغة (كان يفعل) يجد أن بعضها يدل على عدم التكرار، والبعض يدل على التكرار، وقد رأيت البعض يقول أن الأصل فيها أن تستعمل للمرة الواحدة، والتكرار يحتاج لدليل، والبعض يعكس ويقول أنها تستعمل للتكرار إلا لدليل.
قال المرداوي في " التحبير" (5/ 2439): (قال البرماوي: والتحقيق ما قاله ابن دقيق العيد: إنها تدل على التكرار كثيرا، كما يقال: كان فلان يقري الضيف، ومنه كان النبي أجود الناس. الحديث. ولمجرد الفعل قليلا من غير تكرر، نحو: كان النبي يقف بعرفات عند الصخرات، وقول عائشة: كنت أطيب النبي لحله وحرمه. ولم يقع وقوفه بعرفة وإحرامه وعائشة معه إلا مرة واحدة. ومنه: ما في سنن أبي داود بسند صحيح عن عائشة، وهي تذكر شأن خيبر: كان النبي يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص النخل. فهذا لا يمكن فيه التكرار؛ لأن فتح خيبر كان سنة سبع، وعبد الله بن رواحة قتل في غزوة مؤتة سنة ثمان).
الترجيح:
الأقوى عندي هو أن كان يفعل تدل على التكرار إلا لقرينة.
العمل بالعام:
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (19/ 166): (العام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى وهذا أيضا لا خلاف فيه. وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فإذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض).
وقد بحث هذه المسألة الشيخ عياض السلمي (1) حيث قال: (الذي يظهر لي بعد استعراض أهم الآراء وأدلتها أن الراجح هو التفريق بين العلماء المجتهدين الذين أحاطوا بغالب نصوص الشريعة، وحصلوا من العلم ما يمكنهم من معرفة مراد الشارع، وسبروا غور النصوص فعرفوا الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، وعرفوا مواطن الإجماع والاختلاف، والعوام ومن يلحق بهم من المنتسبين إلى الفقه الذين أخذوا من العلم ما لا يؤهلهم للفتيا وتولي القضاء. فالقسم الأول لا ينبغي الخلاف في أن أحدهم إذا بلغته آية عامة أو حديث عام ولم يبلغه ما يخصصه، مع تمرسه بالأدلة المنقولة والمعقولة، أنه يجب عليه العمل به إذا حان وقت العمل من غير توقف، ولا يجب عليه البحث عما عساه أن يجده من مخصص أو ناسخ.
أما العوام ومن في حكمهم فليس لأحد منهم أن يفتي أو يحكم بالعموم على ظاهره؛ لأنهم ليسوا من أهل الفتيا والحكم، وليسوا مخاطبين بهما …
ويبدو لي أن الذين نقل عنهم المنع من العمل بالعام قبل البحث عن المخصص إنما منعوه لأحد أمرين:
الأول: أنهم لا يقصدون بالبحث عن المخصص استقصاء موارد الأدلة جميعها، وإنما يقصدون مجرد التروي واسترجاع المعلومات السابقة لعرض الدليل العام عليها، فإن وجدوا فيها ما يخصصه خصصوه، وإلا عملوا به في عمومه.
وهذا ظاهر من قول أبي زيد الدبوسي: (وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه، فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه، مع كونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطا حتى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه بتبين الخلاف) (2).--------------------------------------------
(1) انظر البحث الذي نشر في مجلة البحوث الإسلامية العدد الخامس والعشرين ولقد اقتصرت على ذكر ما رجحه، ومن رام التفصيل في المسألة فعليه بالبحث المشار إليه.
(2) فواتح الرحموت (1/ 267).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
الثاني: أنهم إنما منعوا ذلك خوفا من أن يقدم كل أحد على العمل بالعموم، والحكم به، وإن كان من غير أهل الاجتهاد، ولا شك أنه لو أذن لغير المجتهدين في أن يعملوا بالعموم من غير بحث عن المخصص لتعطل كثير من نصوص الشريعة الخاصة للجهل بها، وعدم البحث عنها … ).
فرع - هل يكفى غلبة الظن بعدم المخصص:
قال ابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية" (ص/13): (إذا قلنا على رواية اختارها أبو الخطاب وغيره يمنع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص فهل يشترط حصول اعتقاد جازم بأنه لا مخصص أو يكفى غلبة الظن بعدمه فيه خلاف اختار القاضي أبو بكر الأول وابن سريج وإمام الحرمين والغزالي الثاني)
ونص عبارة الغزالي في "المستصفى" (ص/257): (والمختار عندنا أن تيقن الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية وسعه فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا وانتفاء الدليل في نفسه مظنون وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر).
ولا شك أن من عجز عن تمام اليقين فليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه.
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
قال ابن اللحام في " القواعد والفوائد" (ص/ 240): (إذا ورد دليل بلفظ عام مستقبل ولكن على سبب خاص فهل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب في ذلك مذهبان
أحدهما العبرة بعموم اللفظ وهو قول أحمد وأصحابه … والمذهب الثاني العبرة بخصوص السبب وذكره أبو العباس رواية عن أحمد … وحكاه القاضي في الكفاية عن بعض أصحابنا … ). والراجح القول الأول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
قال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/209): (تحرير المقام في هذه المسألة أن العام الوارد على سبب خاص له ثلاث حالات:
الأولى: أن يقترن بما يدل على العموم فيعم إجماعا كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: 38] لأن سبب نزولها المخزومية التي قطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها والإتيان بلفظ السارق الذكر يدل على التعميم وعلى القول بأنها نزلت في الرجل الذي سرق رداء صفوان بن أمية في المسجد فالإتيان بلفظ السارقة الأنثى دليل على التعميم أيضاً.
الثانية: أن يقترن بما يدل على التخصيص فيخص إجماعا كقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب: 50].
الثالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص وهي مسألة المؤلف. والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيعم حكم آية اللعان النازلة من عويمر العجلاني وهلال. وآية الظهار النازلة في امرأة أوس بن الصامت وآية الفدية النازلة في كعب بن عجرة. وآية: (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) [النساء: 7] النازلة في ابنتي سعد بن الربيعة. وهكذا.
(تنبيه)
فان قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة أما الوحي فان هذه المسألة سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفتى بذلك ، وذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: 114] الآية. قال للنبي: ألي هذا وحدي يا رسول الله. ومعنى ذلك هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بأن العبرة بعموم لفظ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم) وهو نص نبوي في محل النزاع.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما أيقظ علياً وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل، وقال له على رضي الله عنه: إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا ولي صلى الله عليه وسلم يضرب فخذه ويقول: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
[الكهف: 54]، فجعل عليا داخلاً فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن. وخطابه صلى الله عليه وسلم لواحد كخطابه للجميع كما تقدم ما لم يقم دليل على الخصوص.
وأما اللغة فان الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب … ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
الخاص
تعريف الخاص:
أ - لغة:
الخاص لغة بمعنى المفرد.
العام لغة بمعنى الشامل، والخاص ضده فيكون بمعنى: المنفرد من قولهم: اختص فلان بكذا أي انفرد به.
قال ابن منظور في "لسان العرب" مادة: خ ص ص: (خصّه بالشيء يخُصّه خَصّاً وخُصوصاً وخَصُوصِيّةً وخُصُوصِيّةً، والفتح أَفصح، وخِصِّيصَى وخصّصَه واخْتصّه: أَفْرَدَه به دون غيره. ويقال: اخْتصّ فلانٌ بالأَمر وتخصّصَ له إذا انفرد، وخَصّ غيرَه واخْتصّه بِبِرِّهِ. ويقال: فلان مُخِصٌّ بفلان أَي خاصّ به وله به خِصِّيّة).
قال الفيومي في "المصباح المنير": (خَصَّصْتُهُ بِكَذَا أَخُصُّهُ خُصُوصًا مِنْ بَابِ قَعَدَ وَخُصُوصِيَّةً بِالْفَتْحِ وَالضَّمُّ لُغَةٌ إذَا جَعَلْتَهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَخَصَّصْتُهُ بِالتَّثْقِيلِ مُبَالَغَةٌ وَاخْتَصَصْتُهُ بِهِ فَاخْتَصَّ هُوَ بِهِ وَتَخَصَّصَ وَخَصَّ الشَّيْءَ خُصُوصًا مِنْ بَابِ قَعَدَ خِلَافُ عَمَّ فَهُوَ خَاصٌّ وَاخْتَصَّ مِثْلُهُ وَالْخَاصَّةُ خِلَافُ الْعَامَّةِ وَالْهَاءُ لِلتَّأْكِيدِ).
ب- اصطلاحا:
الخاص هو (اللفظ الموضوع لواحد ولو بالنوع أو لمتعدد محصور) (1).
قال الشيخ علي عباس الحكمي في "تخصيص العام" (ص/49): (وهذا التعريف قد أشار إليه صدر الشريعة وابن الهمام. فاللفظ جنس، و"الموضوع" قيد مخرج المهمل الذي لم يوضع لشيء). أي أن وضعه هنا كقيد تحسبا لمن عرف الخاص بأنه: (ما ليس بعام) فاعترض عليه بدخول المهمل فيه فهو ليس بعام ولا خاص.
وقال: ("ولواحد" احترازا من العام و"لو بالنوع" قيد لإدخال المطلق والنكرة في الإثبات لأنهما من الخاص باعتبار وحدة النوع، وقولنا " أو لمتعدد محصور" قيد ليشمل التعريف أسماء الأعداد والمثنى المنكر لأنها وضعت لأكثر من واحد مع الحصر).--------------------------------------------
(1) هذا التعريف ذكره للشيخ: علي عباس الحكمي في رسالته: "تخصيص العام وأثره في الأحكام الفقهية".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
تعريف التخصيص:
أ-لغة:
سبق أن ذكرنا أن الخاص لغة بمعنى المنفرد، وعليه فالتخصيص في اللغة مصدر خصص، بمعنى خص، والتخصيص: إفراد وتمييز بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وذلك خلاف التعميم (1).
ب- اصطلاحا:
التخصيص هو: (قصر العام على بعض أفراده الغالبة بدليل يقتضي ذلك) (2).
وقولنا: (قصر) لإخراج النسخ الجزئي من التعريف، وذلك لأن نسخ البعض ليس قصرا بل هو رفع بعد إثبات، والتخصيص قصر للدليل العام عن إثبات الحكم قبل دخوله وقت العمل فلا يدخل النسخ في التعريف (3).
قال الشيخ النملة في "شرح الروضة" (6/ 211): (والمراد من (قصر العام) قصر حكمه، وإن كان لفظ العام باقيا على عمومه، لكن لفظا لا حكما. وبذلك يخرج إطلاق العام وإرادة الخاص، فإن ذلك قصر إرادة لفظ العام لا قصر حكمه).
فائدة - الفرق بين النسخ الجزئي والتخصيص:
في حالة النسخ الجزئي يكون الحكم قد تناول جميع الأفراد ابتداء ثم رفع بالنسبة إلى بعض الأفراد وبقي الحكم فيما عداهم. وأما في حالة التخصيص فإن حكم العام تعلق ببعض أفراده ابتداء، ولهذا يشترط في النسخ أن يكون متراخيا عن وقت العمل بالعام، بخلاف التخصيص فإنه لا يشترط أن يكون متأخرا عن وقت العمل بالعام سواء جاء مقترنا بالعام، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه - وذلك على القول الراجح من أنه يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى العمل به ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة للعمل به -.--------------------------------------------
(1) انظر لسان العرب مادة (خ ص ص).
(2) هذا التعريف مستفاد من كلام الشنقيطي في "المذكرة" (ص/66، 208)، والطوفي في "شرح مختصر الروضة" (1/ 579)، والعطار في "حاشيته على جمع الجوامع" (2/ 31).
(3) نظر رسالة "تخصيص العام" للشيخ عباس الحكمي (ص/53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
مثال النسخ الجزئي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [النور: 6]، هو نسخ جزئي للعام في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [النور: 4]، لأن هذه الآية الثانية بعمومها تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، وقد شرع الحكم ابتداء عاماً، ثم قام الدليل وهو آيات اللعان على قصر الجلد على القاذف الذي يقذف غير زوجته، والدليل على ذلك ما رواه ابن ماجه وأحمد من حديث عبد الله قال: (كنا في المسجد ليلة الجمعة. فقال رجل لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، والله لأذكرن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آيات اللعان، ثم جاء الرجل بعد ذلك يقذف امرأته) الحديث.
وأما مثال التخصيص فقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ) [العنكبوت: 14] الظاهر أن الألف كاملة لكن قوله: (إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) بين أن هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف بداية وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون عاما. وسوف يأتي أمثلة أخرى كثيرة في محلها بإذن الله.
وقيدنا أفراده أو أجزائه بالغالبة لتخرج النادرة وغير المقصودة:
قال العطار في "حاشيته على جمع الجوامع" (2/ 31): (ينبغي تقييد أفراده بالغالبة ليخرج النادرة وغير المقصودة فإن القصر على أحدهما ليس تخصيصا خلافا للحنفية ولذلك ضعف تأويلهم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل بحمله على المكاتبة أو المملوكة لأنه نادر فلا يقصر عليه الحكم … ).
قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة" (1/ 579 (: (فحصل من هذا الكلام في أمثلة التأويل والتخصيص المذكورة أن إخراج النادر من العام قريب، كإخراج المكاتبة من عموم حديث النكاح كما سبق بيانه (1)، وقصر العموم على النادر ممتنع،--------------------------------------------
(1) - قال (1/ 575): (بيان قوة عموم النص المذكور من وجوه - «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» -:
أحدها: أنه صدره بلفظة: أي، وهي من ألفاظ الشرط.
الثاني: أنه أكدها بما في قوله: «أيما امرأة» وهي من مؤكدات العموم وغيره.
الثالث: أنه رتب بطلان النكاح على هذا الشرط المفيد للعموم في معرض الخبر، وقرائح ذوي الفصاحة لا تسمح في العموم بأبلغ من هذه العبارة، ولا أجزل من هذا الكلام.
وأما ضعف تأويلهم، فإنه تخصيص بعد تخصيص، لأنهم خصوا العموم بالأمة، فقصروه عليها، ثم قصروا الأمة على المكاتبة، وهي صورة نادرة بالنسبة إلى هذا العموم المؤكد، وإطلاق مثل هذا العموم، وإرادة مثل هذه الصورة النادرة يعد عند الفصحاء إلغازا في الكلام، وهذرا من القول، بل لو قال المتكلم بمثل هذا العموم: لم أرد المكاتبة، ولم تخطر ببالي، لم يستنكر ذلك منه لقلتها وندورها بالنسبة إلى مدلول صيغة العموم، وهو جميع النساء، فما يبلغ من القلة والندرة).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
كقصر حديث النكاح على المكاتبة) (1).
وقولنا: (بدليل يقتضي ذلك) وأدلة التخصيص تنقسم إلى متصلة ومنفصلة كما سيأتي قريبًا - بإذن الله -.
المخصِّص:
المخصِّص بصيغة الفاعل - أي فاعل التخصيص - يطلق على الدليل الأخص الدال على قصر العام على بعض أفراده، فيقال القرآن مخصص للسنة والسنة مخصصة للقرآن، وهكذا.
قال ابن النجار في " شرح الكوكب المنير" (3/ 277): ("وهو المراد هنا" فإنه الشائع في الأصول حتى صار حقيقة عرفية).
ويطلق على الشارع، وقد يطلق المخصِّص على المجتهد الذي رأى تخصيص دليل بدليل، فيقال خصص الإمام أحمد عموم الآية بكذا.
المخصص المتصل والمنفصل:
المخصص المتصل هو ما لا يستقل بنفسه في إفادة معناه، بل يكون متعلقا بما اتصل به من الكلام كالاستثناء والشرط والغاية ونحوهم وسيأتي الكلام تفصيليا على أنواعه، ومثال الاستثناء قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)).--------------------------------------------
(1) انظر روضة الناظر (ص/180).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
والمنفصل وهو ما يستقل بنفسه في إفادة معناه من غير حاجة إلى كلام سابق عليه فقوله صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر) عام في النوع والمقدار، وقد خصص في المقدار بقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة).
فرع - يؤخذ بالتخصيص سواء تقدم المخصِّص أو تأخر:
قال الكلوذاني في "التمهيد" (2/ 151): (يقدم العام على الخاص سواء تقدم الخاص أو تأخر أو جهل التاريخ. وبه قال أصحاب الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن تأخر الخاص كقولنا، وإن تقدم الخاص قدم العام عليه، وحكم بنسخ الخاص، وإن جهل التاريخ يتوقف فيهما، أو يرجع إلى غيرهما أو إلى ترجيح أحدهما على الآخر، وقد روي عن عبدالله عن احمد ما يدل على هذا فقال في كلام طويل: تستعمل الأخبار حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر فيكون الأخير أولى لأن يؤخذ به إلا أن شيخنا تأوله على الخبرين إذا كان خاصين يكون الأخير أولى وفيه نظر).
وقال الشنقيطي في "المذكرة" (ص/213): (واعلم أيضاً أن التحقيق هو تخصيص العام بالخاص سواء تقدم عنه أو تأخر خلافاً لأبي حنيفة القائل بأن المتأخر منهما ناسخ ، محتجاً بقول ابن عباس أو الزهري كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث وبأن العام قطعي الشمول للأفراد عنده، وعليه إن جهل التاريخ يلزم التوقف حتى يدل دليل على أحدهما. وهذا المذهب رواية أيضاً عن أحمد. والدليل على تقديم الخاص على العام مطلقاً أمران:
الأول: أن الصحابة كانوا يقدمونه عليه كما قاله المؤلف وغيره ومن تتبع قضاياهم تحقق ذلك عنهم.
الثاني: أن دلالة الخاص أقوى من تناول العام له فلا شك أن دلالة ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث)) على عدم أرث فاطمة له صلى الله عليه وسلم أقوى من دلالة عموم (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [النساء: 11] الآية. على ارثها له صلى الله عليه وسلم ورضي عنها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
المخصصات المتصلة:
أولًا - الاستثناء:
تعريفه:
1 - الاستثناء لغة:
قال الفيومي في المصباح المنير: (الِاسْتِثْنَاءُ اسْتِفْعَالٌ مِنْ ثَنَيْثُ الشَّيْءَ أَثْنِيهِ ثَنْيًا مِنْ بَابِ رَمَى إذَا عَطَفْته وَرَدَدْتُهُ وَثَنَيْتُهُ عَنْ مُرَادِهِ إذَا صَرَفْتُهُ عَنْهُ وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ صَرْفُ الْعَامِلِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُسْتَثْنَى … ) (1).
قال الطوفي في " شرح مختصر الروضة " (2/ 580): (اعلم أن الاستثناء من حيث اللفظ: استفعال إما من التثنية؛ لأن المستثنى في كلامه يثني الجملة، أي: يأتي بجملة ثانية في كلامه، نحو: قام القوم إلا زيدًا؛ فهم منه قيام القوم، وعدم قيام زيد؛ فهي جملتان، أو من: ثني الفارس عنان فرسه، إذا عطفه؛ لأن المستثنى يعطف على الجملة؛ فيخرج بعضها عن الحكم بالاستثناء) (2).
2 - الاستثناء اصطلاحا:
الاستثناء هو: (المنع عن دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بحرف وضع له) (3).
وقولنا: (بحرف وضع له) أولى من قول: (بإلا وأخواتها)
قال الشيخ علي الحكمي في "تخصيص العام" (ص/128): (انتقده العضد بأن قوله: "وأخواتها" إن كان يريد بأخوات إلا ما يدل على الإخراج، فالحد غير مانع لدخول الغاية والعطف بلا، فإنهما يدلان على الإخراج في بعض التراكيب، وليس شيء منها استثناء، فتعين أنه يريد بقوله "وأخواتها" ألفاظ الاستثناء المشهورة، وحينئذ كان الأولى أن يضع موضع "إلا وأخواتها" قيدا يدخلها ويخرج ما عداها فيقول: "بحرف وضع له").--------------------------------------------
(1) انظر مادة (ث ن ى) في: الصحاح، جمهرة اللغة، المحيط في اللغة، العين، أساس البلاغة.
(2) انظر التحبير (6/ 2532).
(3) انظر شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح (2/ 40)، "تخصيص العام" (ص/128) للشيخ علي الحكمي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
تتمة:
قال ابن النجار في شرح الكوكب (3/ 283): (أدوات الاستثناء المشهورة ثمانية، منها: حروف باتفاق، وهي " إلا " أو وحروف على الأصح، وهي حاشا " فإنها حرف عند سيبويه دائما. ويقال فيها: حاش وحشا.
ومنها ما هو فعل بالاتفاق، كـ لا يكون، أو فعل على الأصح، وهي "ليس".
ومنها ما هو متردد بين الحرفية والفعلية بحسب الاستعمال، فإن نصب ما بعده كان فعلا، وإن جر ما بعده كان حرفا، وهو " خلا " بالاتفاق، و " عدا " عند غير سيبويه.
ومنها ما هو اسم، وهو " غير " و " سوى " ويقال فيه " سوى " بضم السين، و " سواء " بفتحها والمد، وبكسرها والمد، سواء قلنا هو ظرف، أو يتصرف تصرف الأسماء).
شروط الاستثناء:
الشرط الأول - اتصاله بالمستثنى منه لفظا أو حكماً.
قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (3/ 297): ((وشروطه) أي شروط الاستثناء (اتصال معتاد) ثم إما أن يكون الاتصال المعتاد (لفظا) كذكر المستثنى عقب المستثنى منه، (أو) يكون الاتصال المعتاد (حكما) كانقطاعه عنه بتنفس أو سعال أو عطاس. ويأتي به عقب ذلك، فيشترط ذلك (كبقية التوابع) … وعن أحمد رضي الله تعالى عنه: يصح في اليمين متصلا في زمن يسير إذا لم يخلط كلامه بغيره. وعنه أيضا: وفي المجلس. واختاره الشيخ تقي الدين وغيره. وروي عن الحسن وعطاء. وقيل: يصح ما لم يأخذ في كلام آخر … ).
والقول باعتبار هذا الشرط صححه الكلوذاني والمرداوي وابن النجار وغيرهم وهو مذهب جمهور العلماء قال الكلوذاني في "التمهيد" (2/ 73): (وأما التخصيص بالاستثناء فمن شرط صحته: أن يكون متصلا بالكلام، أو في حكم المتصل فأما المتصل بالكلام كقوله: له على عشرة إلا درهما، وأما الذي في حكم المتصل بالكلام فبأن يكون انفصاله قبل أن يستوفي المتكلم غرضه من الكلام نحو أن يسكت عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريق أو سعال وما أشبهه وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم).
ولا يشكل عليه إلا ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وبعض التابعين من القول بالجواز، وسوف نعرض - بإذن الله - لقول ابن عباس وتوجيهه بإذن الله تعالى وأدلة الجمهور باختصار، فالله المستعان.
أدلة الجمهور:
1 - قال ابن النجار في شرح الكوكب (3/ 301): (واستدل للمذهب الصحيح الذي في المتن بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه؛ وليأت الذي هو خير" (1) ولم يقل: أو ليستثن).
2 - قال المرداوي في "التحبير" (6/ 2563): (وكذلك لما أرشد الله - أيوب عليه الصلاة والسلام بقوله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) [ص: 44] جعل طريق بره ذلك، ولو كان الاستثناء المتراخي يحصل به البر لما جعل الله تعالى له الوسيلة إلى البر ذلك. وفي ' تاريخ بغداد ' لابن النجار أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطريق وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل وهو يقول لآخر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لما قال الله تعالى لأيوب عليه السلام: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)، بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى التوسل إلى البر بذلك، فقال الشيخ أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل يرد على ابن عباس لا تستحق أن يخرج منها. انتهى) (2).
3 - قال الزركشي في "البحر المحيط" (2/ 430): (ومثله احتجاج بعضهم بقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ) [المائدة: 89] فلو جاز الاستثناء من غير شرط الاتصال لم يكن لشرع الكفارة وإيجابها معنى لأنه كان يستثنى).
4 - وقد استدل الكلوذاني بأدلة من اللغة وأدلة عقلية فقال في "التمهيد" (2/ 74): (والحجة في ذلك أن الاستثناء لغة وقد بينت أنه غير مستعمل في عرف اللغة وذلك--------------------------------------------
(1) رواه مسلم.
(2) انظر: المسودة (ص/136)، أصول ابن مفلح (3/ 901)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
لأن الإنسان إذا قال: رأيت الناس ثم قال بعد شهر: إلا زيدا، ثم قال أردت به الاستثناء من الكلام الذي قلته منذ شهر قبح ذلك عندهم وعدوه لغوا.
ثم قال: دليل ثان: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه وهو كالخبر مع المبتدأ، والجزاء مع الشرط فإنه قد ثبت أنه لو قال: زيد ثم قال: بعد شهر منطلق، أو قال: من دخل الدار، ثم قال بعد شهر: فله درهم. لم يحسن ذلك، كذلك الاستثناء.
دليل ثالث: أنه لو جاز ذلك وصح لم يستقر عقد ولا إيقاع طلاق ولا عتاق، ولم يوثق بأحد في وعد ولا وعيد، لجواز أن يستثني بعد زمان ما يسقط حكم الكلام، وفي اتفاق الناس على خلاف هذا دليل على بطلانه.
دليل رابع: أن من جوزه إلى سنة لم ينفصل عمن جوزه إلى سنتين وأكثر، فبطل الجميع).
توجيه أثر ابن عباس:
ومن أقوى ما استدل به القائلون بالجواز (1) أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني ولو إلى سنة وإنما نزلت هذه الآية في هذا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) قال إذا ذكر استثنى) (2).--------------------------------------------
(1) وقد ذكر شبههم وفندها الكلوذاني في التمهيد (2/ 75 - 76)، والآمدي في إحكامه (2/ 311: 313).
(2) إسناده ضعيف - أخرجه الطبري في "تفسيره" (17/ 645)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 336) حديث رقم (7833)، والبيهقي في "الكبرى" (10/ 48) من طريق الأعمش عن مجاهد عنه به، وهذا إسناد ضعيف فيه عنعنة الأعمش، وهو مدلس، وقال يعقوب بن شيبة في " مسنده ": (ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلى ابن المدينى: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال سمعت، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبى يحيى القتات)، وقال ابن حجر في "إتحاف المهرة" (8/ 41): (هو معلول، فقد رواه أبو معاوية، عن الأعمش، وقال فيه: قيل للأعمش: سمعته من مجاهد؟ قال: لا، حدثني به الليث، عن مجاهد)، وله طريق أخرى بنحوه فروى الطبراني في "الأوسط" (7/ 68) حديث رقم (6872)، وفي "الصغير" (2/ 115) حديث رقم (876) من طريق محمد بن الحارث الجبيلي حدثنا صفوان بن صالح ثنا الوليد بن مسلم عن عبد العزيز بن حصين عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن بن عباس: في قوله عز وجل: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) قال: (إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت) قال: (هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحد أن يستثني إلا في صلة يمين)، وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء فيه صفوان يدلس ويسوي، وكذا الوليد بن مسلم، وفيه ابن حصين قال عنه أبو حاتم: ليس بقوي منكر الحديث، وقال عنه أبو زرعة: لا يكتب حديثه، وابن أبي نجيح لم يسمع من مجاهد إلا أن بعض أهل العلم قبلوا روايته عنه في التفسير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)