وقال آخرون: الاكتساب أخص من الكَسْب؛ لأن الكَسْب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، ولا يقال: يكتسب أهله.
قال الحُطَيئة:
ألقيتَ كاسبهم في قعرِ مُظْلِمَةٍ … فاغفر هداك مليك الناس يا عمر(1)
قلت: والاكتساب افتعال، وهو يستدعي اهتمامًا وتعمّلًا واجتهادًا، وأما الكَسْب فتصح نسبته بأدنى شيء، ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أدنى سعي، وفي جانب العدل لم يجعل عليها إلا ما لها فيه اجتهاد واهتمام.
وأما الجَبْر فيرجع في اللغة إلى ثلاثة أصول:
أحدها: أن تُغني الرجلَ من فقر، أو تجبر عظمه من كسر، وهذا من الإصلاح(2)، وهذا الأصل يستعمل لازمًا ومتعدّيًا، تقول: جَبَرْتُ العَظْمَ، وجَبَرَ العظمُ، وقد جمع العَجّاج بينهما في قوله:
قد جَبَرَ الدّينَ الإلهُ فَجَبَرْ(3)
الأصل الثاني: الإكراه والقهر، وأكثر ما يستعمل هذا على أفعَلَ، يقال: أجبرته على كذا، إذا أكرهته عليه، ولا يكاد يجيء: جبرته عليه؛ إلا قليلًا.--------------------------------------------
(1) "ديوان الحطيئة" برواية ابن السكيت وشرحه (192)، وفيه:
غيّبت كاسبهم ............. … فاغفر عليك سلام الله يا عمر
واللفظ الذي ساقه المؤلف في "البسيط" للواحدي (4/ 534).
(2) "د": "الاصطلاح".
(3) "الديوان" (201)، من رجز في مدح عمر بن عبيد الله، وانظر: "الصحاح" (2/ 607).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
والأصل الثالث: من العزّ والامتناع، ومنه نخلة جَبّارة، قال الجوهري: "والجَبَّار من النخل: ما طال وفات اليد"(1).
قال الأعشى:
طَريقٌ وجَبَّارٌ رِواءٌ أصولهُ … عليه أبابيلٌ من الطير تَنْعَبُ(2)
وقال الأخفش في قوله تعالى: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} [المائدة: 22]، قال: "أراد الطول والقوة والعِظَم"(3)، ذهب في هذا إلى الجَبّار من النخل، وهو الطويل الذي فات الأيدي. ويقال: رجل جَبّار: إذا كان طويلًا عظيمًا قويًا، تشبيهًا بالجَبّار من النخل.
قال قتادة: "كانت لهم أجسام وخِلَق عجيبة ليست لغيرهم"(4).
وقيل: الجَبّار ههنا من جَبَره على الأمر، إذا أكرهه عليه، قال الأزهري: "وهي لغة معروفة، وكثير من الحجازيين يقولونها. وكان الشافعي يقول: جَبَره السلطان"(5).
ويجوز أن يكون الجَبّار من أجبره على الأمر، إذا أكرهه.
قال الفراء: "لم أسمع فعَّالا من أفعَلَ إلا في حرفين، وهما: جَبَّار؛ من--------------------------------------------
(1) "الصحاح" (2/ 608).
(2) "الديوان" (201)، من قصيدة في رثاء الحارث بن وَعْلة.
(3) نسبه إليه في "البسيط" (7/ 324)، وحكاه في "تهذيب اللغة" (11/ 57) عن أبي الحسن اللحياني.
(4) أسنده الطبري (8/ 291).
(5) "تهذيب اللغة" (11/ 60).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
أجْبَرَ، ودَرَّاك؛ من أدرك"(1).
وهذا اختيار الزَّجّاج، قال: "الجَبّار من الناس: العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد"(2).
وأما الجَبّار في أسماء الرب تعالى فقد فُسِّر بأنه الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، والربّ تبارك وتعالى كذلك، ولكن ليس هذا معنى اسمه الجَبّار، ولهذا قرنه باسمه المتكبِّر، وإنما هو من الجبروت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "سبحان ذي الجَبَروت والمَلَكوت والكبرياء والعظمة"(3).
فالجبّار اسم من أسماء التعظيم، كالمتكبِّر والملك والعظيم والقهّار، قال ابن عباس في قوله تعالى: {الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23]: "هو العظيم، وجَبَروت الله عظمته"(4).
والجبّار من أسماء الملوك، والجَبْر المَلِك، والجبابرة الملوك، قال الشاعر:
وانْعَمْ صباحًا أيها الجَبْرُ(5)--------------------------------------------
(1) بمعناه في "معاني القرآن" (3/ 81)، وانظر: "البسيط" (21/ 397).
(2) "معاني القرآن وإعرابه" (2/ 163).
(3) جزء من حديث أخرجه أحمد (23980)، وأبو داود (873)، والنسائي (1049) من حديث عوف بن مالك، وصححه النووي في "الخلاصة" (1254).
(4) أورده الثعلبي في "الكشف والبيان" (9/ 287).
(5) عجز بيت لعمرو بن أحمر الباهلي في "ديوانه" جمع عطوان (94)، وصدره:
واسلم براوُوقٍ حُبِيتَ به
وهو في "جمهرة اللغة" (1/ 265) وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
أي: أيها الملك.
وقال السُّدِّي: "هو الذي يجبر الناس، ويقهرهم على ما يريد"(1)، وعلى هذا فالجبار معناه القهار.
قال محمد بن كعب: "إنما سمّي الجبّار لأنه جبر الخلق على ما أراد، والخلق أدق شأنًا من أن يعصوا ربَّهم طرفة عين إلا بمشيئته"(2).
قال الزَّجّاج: "الجبّار الذي جبر الخلق على ما أراد"(3).
وقال ابن الأنباري: "الجبّار في صفة الرب سبحانه الذي لا يُنال، ومنه قولهم: نخلة جَبّارة إذا فاتت يد المتناول"(4).
فالجبَّار في صفة الربِّ سبحانه وتعالى ترجع إلى ثلاثة معان: المُلْك والقهر والعلو، فإن النخلة إذا طالت وارتفعت وفاتت الأيدي سمّيت جبّارة، ولهذا جعل سبحانه اسمه الجبّار مقرونًا بالعزيز والمتكبر، وكل واحد من هذه الأسماء الثلاثة يتضمن الاسمين الآخرين، وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي: الخالق البارئ المصور، فالجبار المتكبر يجريان مجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز، كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى--------------------------------------------
(1) أورده الثعلبي في "الكشف والبيان" (9/ 287).
(2) أسند الجزء الأول منه سعيد بن منصور كما في "الدر المنثور" (14/ 401) ـ ومن طريقه البيهقي في "الأسماء والصفات" (48) ـ، وهو بتمامه في "الكشف والبيان" (9/ 288).
(3) "معاني القرآن وإعرابه" (5/ 151).
(4) حكاه عنه في "تهذيب اللغة" (11/ 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
اسم الخالق، فالجبّار من أوصافه يرجع إلى كمال القدرة والعزة والمُلْك، ولهذا كان من أسمائه الحسنى.
وأما المخلوق فاتصافه بالجبّار ذمٌّ له ونقص، قال تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35].
وقال لرسوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق: 45]، أي: مُسلَّط(1) تقهرهم وتكرههم على الإيمان.
وفي الترمذي وغيره(2) عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يُحشر الجبّارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ يطؤهم الناس".
فصل(3)
إذا عُرِف هذا فلفظ الكَسْب تطلقه القدرية على معنى، والجبرية على معنى، وأهل السنة والحديث على معنى.
فكَسْب القدرية هو وقوع الفعل عندهم بإيجاد العبد وإحداثه ومشيئته، من غير أن يكون الله شاءه أو أوجده.
وكَسْب الجبرية لفظ لا معنى له، ولا حاصل تحته، وقد اختلفت--------------------------------------------
(1) "م": "مغلظ".
(2) الترمذي (2492)، وأحمد (6677)، والنسائي في "الكبرى" (11827) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر" الحديث، وحسّن إسناده الترمذي، ولفظ المؤلف أخرجه ابن أبي الدنيا في "التواضع والخمول" (224) من حديث أبي هريرة، وحسّن إسناده العراقي في "تخريج الإحياء" (1251).
(3) انظر: "شرح الإرشاد" نسخة أيا صوفيا (ق 161 - 163)، والمؤلف صادر عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
عباراتهم فيه، وضربوا له الأمثال، وأطالوا فيه المقال.
فقال القاضي: "الكَسْب ما وُجِد وعليه قدرة مُحْدَثة"(1).
وقيل: إنه المتعلِّق بالقادر على غير جهة الحدوث.
وقيل: إنه المقدور بالقدرة الحادثة(2).
قالوا: ولسنا نريد بقولنا: "ما وُجِد وعليه قدرة مُحْدَثة" أنها قدرة على وجوده؛ فإن القادر على وجوده هو الله وحده، وإنما نعني بذلك أن للكسب تعلّقًا بالقدرة الحادثة، لا من باب الحدوث والوجود.
وقال الإسفراييني: "حقيقة الخلق من الخالق وقوعه بقدرته من حيث صحَّ انفراده به، وحقيقة الفعل وقوعه بقدرته، وحقيقة الكَسْب من المُكتسِب وقوعه بقدرته مع انفراده به(3)، ويختص القديم تعالى بالخلق، ويشترك القديم والمُحدَث في الفعل، ويختص المُحدَث بالكسب"(4).
قلت: مراده أن إطلاق لفظ الخلق لا يجوز إلا على الله وحده، وإطلاق لفظ الكَسْب يختص بالمُحدَث، وإطلاق لفظ الفعل يصحّ على الربّ والعبد.--------------------------------------------
(1) نقله في "شرح الإرشاد" (ق 161/أ)، وفيه: "قدرة حادثة"، والقاضي هو ابن الباقلاني، وانظر: "المعتمد في أصول الدين" (128).
(2) انظر: "شرح الإرشاد" (ق 161/أ)، "نهاية الإقدام" (71).
(3) كذا في الأصول الخطية ومصدر المؤلف: "مع انفراده به"، وفي "نهاية الإقدام" (72): "مع تعذّر انفراده به"، وهو الصواب.
(4) حكاه في "شرح الإرشاد" (ق 161/أ)، و"نهاية الإقدام" (72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
وقال أيضًا: "كل فعل يقع على التعاون كان كسبًا من المستعين"(1).
قلت: يريد أن الخالق يستقل بالخلق والإيجاد، والكاسب إنما يقع منه الفعل على جهة المعاونة والمشاركة منه ومن غيره، لا يمكنه أن يستقل بإيجاد شيء البتّة.
وقال آخرون: قدرة المُكتسِب تتعلق بمقدوره على وجه ما، وقدرة الخالق تتعلق به من جميع الوجوه.
قالوا: وليس كون الفعل كسبًا من حقائقه التي تختصه، بل هو معنى طرأ عليه، كما يقول منازعونا من المعتزلة: إن هذه الحركة لُطْف، وهذا الفعل لُطْف، وصيغة "افعل" تصير أمرًا بالإرادة، لا أنها حدثت بالإرادة، واعتقاد الشيء على ما هو به يصير علمًا بسكون النفس إليه، لا أنه يحدث كذلك به، والأشياء قد تقترن في الوجود فتتغير أوصافها وأحكامها.
قالوا: فالحركة إذا صادفت المتحرِّك بها على وجه مخصوص تسمّى سباحة مثلًا، ولَطمًا، ومشيًا، ورقصًا.
وقال الأشعري وابن الباقلاني: الواقع بالقدرة الحادثة هو كون الفعل كسبًا، دون كونه موجودًا، أو مُحْدَثًا، فكونه كسبًا وصف للوجود بمثابة كونه معلومًا(2).
ولخّص بعضُ متأخريهم هذه العبارات بأن قال: الكَسْب عبارة عن--------------------------------------------
(1) نقله في "شرح الإرشاد" (ق 161/أ)، و"نهاية الإقدام" (72).
(2) بتصرف من "شرح الإرشاد" (ق 161/أ)، وانظر: "مقالات الإسلاميين" (542)، "التمهيد" (286)، "الإنصاف" (43)، "المطالب العالية" (9/ 9 - 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
الاقتران العادي بين القدرة المُحْدَثة والفعل، فإن الله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته لا بهما، فهذا الاقتران هو الكَسْب.
ولهذا قال كثير من العقلاء: إن هذا من محالات الكلام، وإنه شقيق أحوال أبي هاشم، وطفرة النظّام، والمعنى القائم بالنفس الذي يسميه القائلون به كلامًا، وشيء من ذلك غير معقول ولا متصوَّر.
والذي استقر عليه قول الأشعري: أن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته بها، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة، ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه. وتابعه على ذلك عامة أصحابه.
والقاضي أبو بكر يوافقه مرَّة، ومرَّة يقول: القدرة الحادثة لا تؤثر في إثبات الذات وإحداثها، ولكنها تقتضي صفة للمقدور زائدة على ذاته تكون حالًا له.
ثم تارة يقول: تلك الصفة التي من أثر القدرة الحادثة مقدورة لله تعالى.
ولم يمنع من إثبات هذا المقدور بين قادرين على هذا الوجه.
وقد اضطربت آراء أتباع الأشعري في الكَسْب اضطرابًا عظيمًا، واختلفت عباراتهم فيه اختلافًا كثيرًا، وقد ذكره(1) كله أبو القاسم سلمان بن ناصر(2)--------------------------------------------
(1) في جميع النسخ: "ذكر".
(2) تحرّف اسمه في "د" و"م" إلى: "سليمان بن ماجه"، ووافقتهما "ج" في الأول منهما، والمثبت هو الصواب المشهور، وقد نصّ ابن الصلاح على فتح السين في "سلمان"، انظر: "المنتخب من السياق" (268)، "طبقات الشافعية" لابن الصلاح (1/ 477).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
الأنصاري في "شرح الإرشاد"، وذكر اختلاف طرائقهم واضطرابهم فيه، ثم قال(1): وقد قال الأستاذ(2) في "المختصر": قول أهل الحق في الكَسْب لا يرجع إلى إثبات قدرة للعبد عليه(3)، كما يقال: إنه معلوم له. إلا أن الإمام ادعى على الأستاذ أنه أثبت للقدرة الحادثة أثرًا في الحدوث، فإنه لما نفى الأحوال وأثبت للقدرة الحادثة أثرًا فلا يعقل الجمع بينهما إلا أن يكون الأثر في الحدوث.
ثم ذكر لنفسه مذهبًا ذكره في الكتاب المترجم بـ "النظامية"(4)، وانفرد به عن الأصحاب، وهو قريب من مذهب المعتزلة. والخلاف بينه وبينهم فيه في الاسم.
قال: وهذه العقدة التي تورط الأصحاب فيها في الكَسْب شبيهة بالعقدة التي وقعت للأئمة في القراءة والمقروء.
قال: وما ذكره الإمام في "النظامية" له وجه، غير أنه مما انفرد بإطلاقه، ولكل ناظر نظره، والله يرحمنا وإيّاه.
قلت: الذي قاله الإمام في "النظامية" أقرب إلى الحق مما قاله الأشعري وابن الباقلاني ومن تابعهما، ونحن نذكر كلامه بلفظه.
قال: "وقد تقرر عند كل حاظٍ بعقله، مترقٍّ عن مراتب التقليد في قواعد--------------------------------------------
(1) "شرح الإرشاد" نسخة أيا صوفيا (ق 163/ب).
(2) هو إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الإسفراييني (418 هـ).
(3) الجملة مثبتة في "شرح الإرشاد": "قول أهل الحق في الكَسْب يرجع الخ".
(4) "النظامية" (45) وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
التوحيد: أن الربّ سبحانه مُطَالِب عباده بأعمالهم في حياتهم، وداعيهم إليها، ومثيبهم ومعاقبهم عليها في مآلهم، وتبيّن بالنصوص التي لا تتعرض للتأويلات أنه أقدرهم على الوفاء بما طالبهم به، ومكّنهم من التوصل إلى امتثال الأمر، والانكفاف عن مواقع الزَّجْر، ولو ذهبت أتلو الآي المتضمنة لهذه المعاني لطال المرام، ولا حاجة إلى ذلك مع قطع اللبيب المنصف به.
ومن نظر في كليات الشرائع وما فيها من الاستحثاث على المكرمات، والزواجر عن الفواحش الموبقات، وما نيط ببعضها من الحدود والعقوبات، ثم تلفّت على الوعد والوعيد، وما يجب عقده من تصديق المرسلين في الإنباء عما يتوجه على المَردَة العُتاة من الحساب والعقاب، وسوء المنقلب والمآب، وقول الله لهم: لم تعدّيتم وعصيتم وأبيتم؟ وقد أرخيت لكم الطِّوَل، وفسحت لكم المُهَل، وأرسلت الرسل، وأوضحت المَحَجّة {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ} [النساء: 165]، وأحاط بذلك كله(1)، ثم استراب في أن أفعال العباد واقعة على حسب إيثارهم واختيارهم واقتدارهم= فهو مصابٌ في عقله، أو مُسْتقِرٌّ على تقليده، مصمّم على جهله، ففي المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قَطْع طلبات الشرائع، والتكذيب بما جاء به المرسلون.
فإنْ زعم مَنْ لم يوفّق لمنهج الرشاد أنه لا أثر لقدرة العبد في مقدوره--------------------------------------------
(1) جملة: "وأحاط … " معطوفة على "ومن نظر في كليات الشريعة"، وفي مطبوعة "النظامية": "فمن أحاط".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
أصلًا، وإذا طولب بمتعلَّق طلب الله بفعل العبد(1) تحريمًا وفرضًا؛ ذهب في الجواب طولًا وعرضًا، وقال: لله أن يفعل ما يشاء، ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].
قيل له: ليس لما جئت به حاصل، كلمة حق أريد بها باطل، نعم، يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكن يتقدّس عن الخُلْف ونقيض الصدق.
وقد فهمنا بضرورات العقول، من الشرع المنقول: أنه ــ عزَّت قدرته ــ طالب عباده بما أخبر أنهم مُمَكّنون من الوفاء به، فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوسع في موارد الشرع، ومن زعم أنه لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها، كما لا أثر للعلم في معلومه، فوجه مطالبة العبد بأفعاله عنده كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألوانًا وإدراكات، وهذا خروج عن حدّ الاعتدال، إلى التزام الباطل والمحال، وفيه إبطال الشرائع، وردّ ما جاء به النبيون عليهم الصلاة والسلام.
فإذا لزم المصير بأن القدرة الحادثة تؤثِّر في مقدورها، واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق أعماله؛ فإنّ فيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة، واقتحام ورطات الضلال.
ولا سبيل إلى المصير إلى وقوع فعل العبد بقدرته الحادثة والقدرة القديمة؛ فإن الفعل الواحد يستحيل حدوثه بقادرين؛ إذ الواحد لا ينقسم، فإن وقع بقدرة الله استقل بها، ويسقط أثر القدرة الحادثة، ويستحيل أن يقع بعضه بقدرة الله تعالى؛ فإن الفعل الواحد لا بعض له.--------------------------------------------
(1) "د": "لفعل العبد".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
وهذه مهواة لا يسلم من غوائلها إلا مُرشَد موفَّق، إذ المرء بين أن يدّعي الاستبداد بالخلق(1)، وبين أن يُخْرِج نفسه عن كونه مطالبًا بالشرائع، وفيه إبطال دعوة المرسلين، وبين أن يثبت نفسه شريكًا لله تعالى في إيجاد الفعل الواحد، وهذه الأقسام بجملتها باطلة، ولا ينجي من هذا [البحر](2) المُلتَطِم ذِكْرُ اسمٍ مختص ولقب مجرد من غير تحصيل معنى.
وذلك أن قائلًا لو قال: العبد مُكْتَسِب، وأثر قدرته الاكتساب، والربّ تعالى مخترع خالق لما العبد مُكْتَسِب له.
قيل له: فما الكَسْب، وما معناه؟ وأديرت الأقسام المتقدمة على هذا القائل، فلا يجد عنه مهربًا"(3).
ثم قال: "فنقول: قدرة العبد مخلوقة لله تعالى باتفاق القائلين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعًا، ولكنه مضاف إلى الله سبحانه تقديرًا وخلقًا، فإنه وقع بفعل الله وهو القدرة، [وليست القدرة](4) فعلًا للعبد، وإنما هي صفته(5)، وهي مُلْك لله وخَلْق له(6)، فإذا كان مُوقِع الفعل خَلْقًا لله؛ فالواقع به مضاف خلقًا إلى الله تعالى وتقديرًا. وقد مَلَّك الله تعالى العبد اختيارًا يُصَرِّف به القدرة، فإذا أوقع بالقدرة شيئًا آل الواقع إلى--------------------------------------------
(1) "د": "بالحق".
(2) زيادة من مصدر النقل ساقطة من الأصول.
(3) "النظامية" (42 - 45).
(4) زيادة لازمة من "النظامية" (47) ساقطة من الأصول.
(5) "د": "صنعته" دون إعجام، والمثبت من "ج" موافق للسياق ومصدر النقل.
(6) "د": "لله".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
حكم الله من حيث إنه وقع بفعل الله.
ولو اهتدت إلى هذا الفرقة الضالة لم يكن بيننا وبينهم خلاف، ولكنهم ادعوا استبدادًا بالاختراع، وانفرادًا بالخلق والابتداع، فضلوا وأضلوا.
ونبيّن تميّزنا عنهم بتفريع المذهبين: فإنا لما أضفنا فعل العبد إلى تقدير الإله قلنا: أحدث الله تعالى القدرة في العبد على أقدار أحاط بها علمه، وهيَّأ أسباب الفعل، وسلب العبد العلم بالتفاصيل، وأراد من العبد أن يفعل، فأحدث فيه دواعٍ مُستحِثّة وخِيْرَة وإرادة، وعلم أنَّ الأفعال ستقع على قدر معلوم، فوقعت بالقدرة التي اخترعها للعبد على ما علم وأراد، [وللعباد] اختيارهم(1) واتصافهم بالاقتدار، والقدرة خلق الله ابتداء، ومقدورها مضاف إليه مشيئة وعلمًا وقضاءً وخلقًا وفعلًا(2) من حيث إنه نتيجة ما انفرد بخلقه وهو القدرة، ولو لم يرد وقوع مقدورها لما أقدره عليه، ولَمَا هيَّأ أسباب وقوعه، ومن هُدي لهذا استمرّ له الحق المبين.
فالعبد فاعل مختار مُطَالَب، مأمور منهي، وفعله تقدير لله، مراد له، خَلْق مَقْضِي.
ونحن نضرب في ذلك مثلًا شرعيًا يستروح إليه الناظر في ذلك فنقول: العبد لا يملك أن يتصرف في مال سيده، ولو استبدّ بالتصرف فيه لم ينفذ تصرفه، فإذا أذن له في بيع ماله فباعه نفذ، والبيع في التحقيق معزوٌّ إلى السيد--------------------------------------------
(1) في الأصول الخطية: "وأراد، فاختيارهم … "، والمثبت من مصدر النقل، وبه يستقيم السياق.
(2) بدله في "النظامية": "وبقاء".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
من حيث إن سببه إذنه، ولولا إذنه لم ينفذ التصرف، ولكن العبد يؤمر بالتصرف ويُنهى ويوبَّخ على المخالفة ويعاقَب، فهذا والله الحق الذي لا غطاء دونه، ولا مراء فيه لمن وعاه حقّ وعيه.
وأما الفرقة الضالة فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق، ثم صاروا إلى أنه إذا عصى فقد انفرد بخلق فعله، والربُّ كاره له، فكان العبد على هذا الرأي الفاسد مزاحمًا لربِّه في التدبير، موقِعًا ما أراد إيقاعه شاء الربُّ أو كره.
فإن قيل: على ماذا تحملون آيات الطبع والختم والإضلال في القرآن، وهي متضمنة اضطرارَ الربّ تعالى الأشقياءَ إلى ضلالتهم؟
قلنا: إذا أتاح الله حلّ هذا الإشكال، والجواب عن هذا السؤال، لم يبق على ذوي البصائر بعده غموض.
فنقول أولًا: مَنْ أنبأ الله سبحانه عن الطبع على قلوبهم كانوا مخاطبين بالإيمان، مطالبين بالإسلام، والتزام الأحكام؛ مطالبة تكليف ودعاء، مع وصفهم بالتمكّن والاقتدار والإيثار، كما سبق تقريره.
ومن اعتقد أنهم كانوا ممنوعين مأمورين، مصدودين قهرًا مدعوّين؛ فالتكليف عنده إذًا بمثابة ما لو شُدَّ من الرجل يداه ورجلاه رباطًا، وأُلقِي في البحر، ثم قيل له: لا تبتل!
وهذا أمر(1) لا يحمل شرائعَ الرسل عليه إلا عابثٌ بنفسه، مجترئ على ربِّه، ولا فرق عند هذا القائل بين أمر التسخير والتكوين في قوله: {كُونُوا--------------------------------------------
(1) موضعه في "النظامية": "منتهى".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، وقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] وبين أمر التكليف.
فإذا بطل ذلك فالوجه في الكلام على هذه الآي ــ وقد غوى في معانيها أكثر الفرق ــ أن نقول: إذا أراد الله بعبده خيرًا أكمل عقله، وأتم بصيرته، ثم صرف عنه العوائق والدوافع، وأزاح عنه الموانع، ووفّق له قرناء الخير، وسهّل له سبله، وقطع عنه الملهيات وأسباب الغفلات والذهول، وقيّض له ما يقربه إلى القربات، فيوافيها ثم يعتادها، ويتمرّن عليها.
وإذا أراد بعبده شرًّا قدّر له ما يبعده عن الخير ويُقْصِيه، وهيّأ له أسباب تماديه في الغي، وحبّب إليه التشوّف إلى الشهوات، وعرّضه للآفات، وكلما غلبت عليه دواعي النفس(1) خنست دواعي الخير، ثم يستمر على الشرور على مر الدهور، هاويًا في مهاويها، وتتعاون عليه الوساوس ونزغات الشيطان، ونَزَقات النفس الأمّارة بالسوء، فتنسج الغفلة على قلبه غشاوة بقضاء الله وقدره، فذلكم الطبع والختم والأكنّة.
وأنا أضرب في ذلك مثلًا فأقول: لو فرضنا شابًّا حديث العهد بحلمه، لم تهذّبه المذاهب، ولم تحنّكه التجارب، وهو على نهايته في غِلْمَته وشهوته، وقد استمكن من بُلْغَة من الحُطام، وخُصّ بمسحة من الجمال، ولم يقم عليه قوّام يزعه عن ورطات الردى، ويمنعه عن الارتباك في شبكات الهوى(2)،--------------------------------------------
(1) في "النظامية": "دواعي الشر"، وهو الأليق بالسياق.
(2) في "الصحاح" (4/ 1586): "ارتبك الرجل في الأمر، أي نشب فيه، ولم يكد يتخلص منه".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
ووافاه أخدان الفساد، وهو في غُلَوَاء شبابه، يحدث نفسه بالبقاء أمدًا بعيدًا، فما أقرب مَن هذا وصفه مِن خَلْع العِذَار، والبدار إلى شيم الأشرار، وهو مع ذلك كلّه مُؤْثِر مختار، ليس مجبرًا على المعاصي والزلات، ولا مصدودًا عن الطاعات، ومعه من العقل ما يستوجب به اللائمة إذا عصى، فمن هذا سبيله لا يستحيل في العقل تكليفه؛ فإنه ليس ممنوعًا، ولكن إن سبق له من الله سوء القضاء فهو صائر إلى حكم الله الجزم وقضائه الفصل، محجوجًا بحجة الله، إلا أن يتغمده الله برحمته، وهو أرحم الراحمين.
وهذا الذي ذكرته بيّنٌ في معاني الآيات، لا يتمارى فيه موفَّق، قال الله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 74]، أراد أنهم استمروا على المخالفات، وأصروا بانتهاك الحرمات، فقست قلوبهم.
وقال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف: 28].
فقد جَمَعْتَ بين تفويض الأمور كلّها ــ نفعها وضرها، خيرها وشرّها ــ إلى الإله جلّت قدرته، وبين إثبات حقائق التكليف، وتقرير قواعد الشرع على الوجه المعقول، ألست في هذا أهدى سبيلًا، وأقوم قيلًا ممن يُقدّر الطبْع منعًا، والختم صدًّا ودفعًا، ثم ينفي التكاليف بزعمه.
وقد افترق الخلق في هذا المقام فرقًا، فذهب ذاهبون إلى أن المخذولين ممنوعون مدفوعون، لا اقتدار لهم على إجابة دعاة الحق، وهم مع ذلك ملزمون. وهذا خطب جسيم، وأمر عظيم، وهو طعن في الشرائع، وإبطال للدعوات، وقد قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا} [الكهف: 55]، وقال لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [ص: 75].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
نعوذ بالله من سوء النظر، في مواقع الخطر.
وذهبت طوائف من الضُلّال إلى أن العبد يعصي، والربّ لِمَا يأتي به كاره، فهذا خَبْط في الأحكام الإلهية، ومزاحمة في الربوبية، ولو لم يرد الربُّ من الفجّار ما علمه منهم في أزله لما فطرهم مع علمه بهم، كيف وقد أكمل قواهم، وأمدّهم بالعَدد والعُدد والعتاد، وسَهَّل لهم طريق الحَيْد عن السداد.
فإن قيل: فَعَل ذلك بهم ليطيعوه؟
قلنا: أنّى يستقيم ذلك وقد علم أنهم يعصونه، ويهلكون أنفسهم، ويهلكون أولياءه وأنبياءه، ويشقون شقاوة لا يسعدون بعدها أبدًا، ولو علم سيّدٌ عن وحي أو إخبار نبي أنه لو أمدّ عبدَه بالمال لطغى وأبق وقطع الطريق؛ فأمده بالمال زاعمًا أنه يريد منه ابتناء القناطر والمساجد، وهو مع ذلك يقول: أعلم أنه لا يفعل ذلك قطعًا= فهذا السيد مفسدٌ عبده، وليس مصلحًا له باتفاق من أرباب الألباب.
فقد زاغت الفئتان، وضلت الفرقتان، واعترضت إحداهما على القواعد الشرعية، وزاحمت الأخرى أحكام الربوبية، واقتصد الموفقون، فقالوا: مراد الله من عباده ما علم أنهم إليه يصيرون، ولكنه لم يسلبهم قُدَرَهم، ولم يمنعهم مراشدهم، فَقَرَّت الشريعةُ في نصابها، وجرت العقيدة في الأحكام الإلهية على صوابها.
فإن قيل: كيف يريد الحكيم السَّفَه؟
فقد أوضحنا أن الأفعال متساوية في حق من لا ينتفع ولا يتضرر، ولكن إذا أخبر أنه مكلِّفٌ مُطالِبٌ عبادهَ، مُزِيحٌ عللَهم؛ فقوله الحق، وكلامه الصدق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
وأقرب أمر يعارضون به أن الحكيم منَّا إذا رأى جواريه وعبيده يمرجُ بعضهم في بعض، وهم على محارمهم بمرأى منه ومسمع، فلا يحسن تركهم على ما هم عليه، والربُّ تعالى يطلع على سوء أفعال العباد، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون.
ثم قال: قد أطلت أنفاسي قليلًا، ولكن لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان ــ وحق القائم على كل نفس بما كسبت ــ أحبّ إليّ من مُلك الدنيا بحذافيرها طول أمدها"(1) انتهى كلامه بلفظه.
وهذا توسط حسن بين الفريقين، وقد أنكره عليه عامة أصحابه، منهم الأنصاري شارح "الإرشاد" وغيره، وقالوا: هو قريب من مذهب المعتزلة، ولا يرجع الخلاف بينه وبينهم إلا إلى الاسم فقط، وإن هذا مما انفرد به.
ولكن بقي عليه فيه أمور:
منها: أنه نفى كراهة الله لما قدره من المعاصي بناء على أصله أن كل مراد له فهو محبوب له، وأنه إذا كان قد قدّر الكفر والفسوق والعصيان فهو يريده ويحبّه ولا يكرهه، وإن كانت قدرة العبد واختياره مؤثّرة في إيجاد الفعل عنده بإقدار الرب تعالى.
وقد أصاب في هذا وأجاد، لكن القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يكرهه إذا كان واقعًا= قول في غاية البطلان، وهو مخالف لصريح العقل والنقل.--------------------------------------------
(1) "النظامية" (46 - 54).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
والذي قاده إلى ذلك قوله: إن المحبّة هي الإرادة والمشيئة، وإن كل ما شاءه الله فقد أراده وأحبّه. ومن لم يفرق بين المشيئة والمحبّة لزمه أحد أمرين باطلين لابدّ له من التزامه: إما القول بأن الله سبحانه يحب الكفر والفسوق والعصيان، أو القول بأنه ما شاء ذلك ولا قدره ولا قضاه، وقد قال بكل من المتلازمين طائفة، قالت طائفة: لا يحبها ولا يرضاها، فما شاءها ولا قضاها. وقالت طائفة: هي واقعة بمشيئته وإرادته، فهو يحبّها ويرضاها. فاشترك الطائفتان في هذا الأصل، وتباينا في لازمه.
وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته بمشيئته في ثلاثة مواضع من كتابه: في سورة الأنعام والنحل والزخرف، فقال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]، وكذلك حكى عنهم في النحل، ثم قال: {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35]، وقال في الزخرف: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20]، فاحتجوا على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرّهم عليه، وأنه لولا محبته له ورضاه به لما شاءه منهم، وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل، وقالوا: كيف يأمرنا بشيء قد شاء منا خلافه؟ وكيف يكره منا ما قد شاء وقوعه؟ فلو كرهه لم يُمَكِّنّا منه، ولحال بيننا وبينه، فكذّبهم سبحانه في ذلك، وأخبر أن هذا تكذيب منهم لرسله، وأن رسله متفقون على أنه سبحانه يكره شركهم، ويبغضه ويمقته، وأنه لولا بغضه وكراهته له لما أذاق المشركين بأسه؛ فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
ثم طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه، وأنه يحبه ويرضاه، ومجرد إقراره لهم قدرًا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء، وإلا كان الظلم والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي محبوبًا له مرضيًا.
ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ذلك إنما هو الظن، وهو أكذب الحديث، وأنهم لذلك كانوا أهل الخرص والكذب.
ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين:
إحداهما: ما ركّبه فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح، والحق والباطل، والأسماع والأبصار التي هي آلة إدراك الحق، والتي يُفرَّق بها بينه وبين الباطل.
والثانية: إرسال رسله، وإنزال كتبه، وتمكينهم من الإيمان والإسلام.
ولم يؤاخذهم بأحد الأمرين، بل بمجموعهما؛ لكمال عدله، وقطعًا لعذرهم من جميع الوجوه، ولذلك سمّى حجته عليهم بالغة، أي: قد بلغت غاية البيان وأقصاه، بحيث لم يبقَ معها مقال لقائل، ولا عذر لمعتذر، ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح قَبِلَه.
ثم ختم الآية بقوله: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته، وهذا من تمام حجته البالغة؛ فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته، ولزم وجوده عند مشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ كان هذا من أعظم أدلة التوحيد، ومن أبين أدلة بطلان ما أنتم عليه من الشرك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)