Arabic source text

📘 শিফাউল আলীল ফী মাসায়িলিল কাযা ওয়াল কাদার ওয়াল হিকমাহ ওয়াত তালীলি - ত আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 শিফাউল আলীল ফী মাসায়িলিল কাযা ওয়াল কাদার ওয়াল হিকমাহ ওয়াত তালীলি - ত আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الإنسانية لا تنال(1) إلا بالآلام والمشاقّ، كالعلم والشجاعة والزهد والعِفّة والحلم والمروءة والصبر والإحسان، كما قال:
لولا المشقةُ ساد الناسُ كلهمُ … الجودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ(2)

وإذا كانت الآلام أسبابًا لِلَذّاتٍ أعظم منها وأدوم؛ كان العقل يقضي باحتمالها.
وكثيرًا ما تكون الآلام أسبابًا لصحة لولا تلك الآلام لفاتت، وهذا شأن أكثر أمراض الأبدان.
فهذه الحمّى فيها من المنافع للأبدان ما لا يعلمه إلا الله، وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفِجّة(3) وإخراجها ما لا يصل إليه دواء غيرها، وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمّى استبشر بها الطبيب.
وأما انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمرٌ لا يحسّ به إلا من فيه حياة، فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها، وقد أُحْصِيت فوائد الأمراض فزادت على مائة فائدة.
وقد حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره، وجعلها جسرًا موصلًا إليها، كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات، وجعلها جسرًا--------------------------------------------
(1) «م»: «لا تتبين».
(2) البيت لأبي الطيب المتنبي، «شرح الديوان» للعكبري (1/ 163).
(3) الفِج من كل شيء ما لم ينضج، كما في «تاج العروس» (6/ 137)، وانظر: «القانون» لابن سينا (2/ 627).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 284)

موصلًا إليها(1).
ولهذا كانت العقلاء قاطبة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن الراحة لا تنال بالراحة، وأن من آثر اللذات فاتته اللذات، فهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم؛ إذ هي أسباب النعم.
وما ينال الحيوانات غير المكلفة منها فمغمور جدًّا بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها، كما ينالها من حرِّ الصيف وبرد الشتاء، وحَبْس المطر والثلج، وألم الحمل والولادة، والسعي في طلب أقواتها، وغير ذلك، ولكن لذاتها أضعاف أضعاف آلامها، وما ينالها من المنافع والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام.
فسنّة الله في خلقه وأمره هي التي أوجبها كمال علمه وحكمته وعزّته، ولو اجتمعت عقول العقلاء كلهم على أن يقترحوا أحسن منها لعجزوا عن ذلك، وقيل لكل منهم: ارجع بصر العقل؛ هل ترى من خلل؟ ثم ارجع البصر كَرّتين ينقلب إليك البصر خاسِئًا وهو حَسِير.
فتبارك الذي من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها، والأشياء من خلافها، فأخرج الأضداد والأشياء من خلافها(2)، فأخرج الحي من الميت، والميت من الحي، والرطب من اليابس، واليابس من الرطب، فكذلك أنشأ اللذات من الآلام، والآلام من اللذات، فأعظم اللذات ثمرات الآلام ونتائجها، وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها.--------------------------------------------
(1) من قوله: «كما حجب أعظم الآلام» إلى هنا ساقط من «م».
(2) جملة: «فأخرج الأضداد والأشياء من خلافها» زيادة من «م».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 285)

وبعدُ؛ فاللذة والسرور والخير والنعيم والعافية والمصلحة والرحمة في هذه الدار المملوءة بالمحن والبلاء أكثر من أضدادها بأضعاف مضاعفة، فأين آلام الحيوان من لذته؟ وأين سقمه من صحته؟ وأين جوعه وعطشه من شبعه وريِّه، وتعبه من راحته؟
قال تعالى: {(4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ} [الشرح: 5 - 6]، ولن يغلب عسرٌ يُسْرَين، وهذا لأنّ الرحمةَ غلبت الغضب، والعفوَ سبق العقوبة، والنعمةَ تقدمت المحنة.
والخير في الصفات والأفعال، والشر في المفعولات لا في الأفعال، فأوصافه كلّها كمال، وأفعاله كلّها خيرات.
فإنْ ألِمَ الحيوانُ لم يعدم تألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم، أو تهيئة لقوة وصحة وكمال، أو عوضًا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما، فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة إلى جبال الدنيا بكثير، وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة، والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سُدى، ولم يقدرهما عبثًا، ومن كمال قدرته وحكمته أن جَعل كل واحدة منهما تُثمر الأخرى.
هذا ولوازم الخِلْقة يستحيل ارتفاعها، كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق، فلا يكون المخلوق إلا فقيرًا محتاجًا ناقص العلم والقدرة، فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يألم في عالم الكَوْن والفساد لم يكن حيوانًا، ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك، وإنما جعلها دارًا ممتزجًا ألمُها بلذتها، وسرورُها بأحزانها، وغمومُها وصحتُها بسقمها؛ حكمةً منه بالغة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 286)

فصل
ولمّا كانت الآلام كالأدوية للأرواح والأبدان كانت كمالًا للحيوان، خصوصًا لنوع الإنسان؛ فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه، وإنما ابتلاه ليعافيه، وإنما أماته ليحييه، فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب الكمال طورًا بعد طور إلى آخر كماله بأسباب لا بدّ له منها، وكماله موقوف على تلك الأسباب، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ولوازم ذلك، ولوازم تلك اللوازم.
ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته وعلمه وكماله، فتفرض أمورًا ممتنعة وتقدّرها تقديرًا ذهنيًا، وتحسب أنها أكمل من الممكن الواقع، ومع هذا فربّها يرحمها لجهلها وعجزها ونقصها، فإن اعترفت بذلك واعترفت له بكماله وحمده، وقامت بمقتضى هذين الاعترافين؛ كان نصيبها من الرحمة أوفر.
والله سبحانه افتتح الخلق بالحمد، وختم أمر هذا العالم بالحمد، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 1]، وقال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)} [الزمر: 75]، وأنزل كتابه بالحمد، وشرع دينه بالحمد، وأوجب ثوابه وعقابه بالحمد، فحمده من لوازم ذاته؛ إذ يستحيل أن يكون إلا محمودًا.
فالحمد سبب الخلق وغايته، الحمدُ أوجبه، وللحمد وُجِد.
فحمده واسع لما وسعه علمه ورحمته، وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلمًا، فلم يوجِدْ شيئًا ولم يقدّره ولم يشرَعْه إلا بحمده ولحمده.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 287)

وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات الحميدة، ولابد من لوازمها ولوازم لوازمها، ولهذا ملأ حمده سماواته وأرضه وما بينهما، وما شاء من شيء بعد، مما خلقه ويخلقه هناك بعد هذا الخلق، فحمده ملأ ذلك كله.
وحمده تعالى أنواع: حمد على ربوبيته، وحمد على تفرده بها، وحمد على ألوهيته وتفرده بها، وحمد على نعمته، وحمد على منّته، وحمد على حكمته، وحمد على عدله في خلقه، وحمد على غناه عن اتخاذ الولد والشريك والولي من الذل، وحمد على كماله الذي لا يليق بغيره، فهو محمود على كل حال، وفي كل آن ونَفَس، وعلى كل ما فعل وكل ما شرع، وعلى كل ما هو متصف به، وعلى كل ما هو منزّه عنه، وعلى كل ما في الوجود من خير وشَرّ، ولذّة وألم، وعافية وبلاء.
فكما أن المُلك كله له، والقدرة كلها له، والعزة كلها له، والعلم كله له، والجمال كله له= فالحمد كله له، كما في الدعاء المأثور: «اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، وأنت أهل أن تُحمد»(1).
وما عُمِرت الدنيا إلا بحمده، ولا الجنة إلا بحمده، ولا النار إلا بحمده، حتى إن أهلها ليحمدونه، كما قال الحسن: «لقد دخل أهلُ النارِ النارَ وإنّ قلوبهم لتحمده، ما وجدوا عليه من حجة ولا سبيل»(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد الرزاق (7949)، وأحمد (23355)، والطبراني في «الدعاء» (1746) من حديث رجل ــ وفي رواية: رجل من أهل فدك، وفي أخرى: رجل من ولد حذيفة ــ عن حذيفة، في حكاية رويت مرفوعة وموقوفة، وإسناده ضعيف؛ لجهالة التابعي.
(2) تقدم تخريجه في (1/ 442).
تنبيه: وقع بعد قول الحسن في نسخة «م» وحدها ما نصه: «هَبْ أن ما ذكره يتأتى في آلام الدنيا ومصائبها، فكيف يتأتى في آلام الآخرة ومصائبها»، والظاهر من السياق أنها من اعتراضات بعض من طالع النسخة الأم؛ فأدخلها الناسخ سهوًا، والله أعلم.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 288)

فصل
فإن قيل: فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع ولا يفتر عن أهله، بل أهله فيه أبد الآباد، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56]، {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} [فاطر: 36]، ولا يُخفَّف عنهم طرفة عين؟
قيل: لعمر الله هذا سؤال يُقَلْقِلُ الجبال، فضلًا عن قلوب الرجال.
وعن هذا السؤال أنكر من أنكر من المُقرِّين بالمعاد حكمة العزيز الحكيم، وردّ الأمر إلى مشيئة محضة لا سبب لها ولا غاية، وجَوّز على الله أن يعذب أهل طاعته وأولياءه، وينزلهم إلى أسفل الجحيم، وينعم أعداءه المشركين به، ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد الآباد، وأن يدخل النار من يشاء بغير سبب ولا عمل أصلًا، وأن يفاوت بين أهلها مع تساويهم في الأعمال، ويسوّي بينهم في العذاب مع تفاوتهم في الأعمال، وأن يعذب الرجل بذنب غيره، وأن يبطل حسناته كلّها فلا يثيبه بها، أو يثيب بها غيره، كل ذلك جائز عليه، لا نعلم أنه لا يفعله(1) إلا بخبر صادق؛ إذ نسبة ذلك وضدّه إليه على حد سواء.
وقالوا: ولا مَخْلص عن هذا السؤال إلا بهذا الأصل.--------------------------------------------
(1) «م»: «أنه يفعله» بإسقاط حرف النفي.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 289)

وربما تمسكوا بظاهر من القول لم يضعوه على مواضعه، ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة، وتعليق الأمور بأسبابها، وترتيبها عليها، وآيات الموازنة والمقابلة، وأخطؤوا في فهم القرآن كما أخطؤوا في وصف الربّ بما لا يليق به، وفي التجويز عليه بما لا يجوز عليه.
وقابلهم مثبتو الأسباب والحِكَم من القدرية، وزعموا أنهم يتخلصون من قبيح هذا القول بما أثبتوه من الحكمة والتعليل، ولكن وقعوا في نظيره أو ما هو شر منه، حيث أوجبوا على الله سبحانه تخليد من أفنى عمره في طاعته، ثم ارتكب كبيرة واحدة ومات مُصِرًّا عليها في النار مع أعدائه الكفار أبد الآباد، ولم يرقبوا له طاعة، ولم يرعوا له إسلامًا.
وهم في هذا المذهب شرٌّ قولًا من إخوانهم الجبرية؛ فإن أولئك لم يوجبوا على الله ذلك الحُكْم، وإنما جوّزوه عليه، وجوّزوا أن لا يفعله، وهؤلاء أوجبوا عليه تخليد أهل الكبائر مع الكفار، ولم يجوّزوا عليه إخراجهم منها، وأصابهم في غلطهم على القرآن والسنة، وما يجوز على الرب وما لا يجوز عليه= ما أصاب إخوانهم من الجبرية.
ولمّا ظنَّ غيرهم من أهل النظر والبحث أن هذا هو المعاد الذي أخبرت به الرسل، وعلموا أن هذا منافٍ للحكمة والرحمة والعدل والمصلحة= قالوا: إن ذلك تخويف وتخييل لا حقيقة له، يَزَعُ النفوس السَّبْعِية والبهيمية عن عدوانها وشهواتها، فتقوم بذلك مصلحة الوجود.
وكان من أكبر أسباب إلحاد هؤلاء وكفرهم بالله واليوم الآخر نسبةُ أولئك مذاهبَهُم الباطلة وأقوالهم الفاسدة إلى الرسل، وإخبارَهُم أنهم دعوا

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 290)

إلى الإيمان بها، كما أصابهم معهم في مسألة(1) حدوث العالم، حيث أخبروهم أن الرسل أخبرت عن الله تعالى أنه لم يزل معطَّلًا عن الفعل، والفعل غير ممكن منه، ثم انقلب من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي عند ابتدائه بلا تجدّد سبب، ولا أمر قام بالفاعل، وقالوا: من لم يعتقد هذا فليس بمؤمن، ولا مصدِّق للرسل، فهذا في المبدأ، وذاك في المعاد.
ثم جاءت طائفة أخرى فطووا بساط الخلق والأمر جملة، وقالوا: كل هذا محال وتلبيس، وما ثَمّ وجودان، بل الوجود كله واحد، ليس هناك خالق ومخلوق، وربّ ومربوب، وطاعة ومعصية، وما الأمر إلا نَسَق(2) واحد، والتفريق من أحكام الوهم والخيال، فالسماوات والأرض، والدنيا والآخرة، والأزل والأبد، والحسن والقبيح كله شيء واحد، وهو من عين واحدة، ثم استدركوا فقالوا: لا بل هو العين الواحدة.
ونشأ الناس ــ إلا من شاء الله ــ بين هؤلاء الطوائف الأربع، لا يعرفون سوى أقوالهم ومذاهبهم، فعظمت البليّة، واشتدت المصيبة، وصار أذكياءُ العالم زنادقةَ الناس، وأدناهم إلى الخلاص أهلُ البَلادة والبَلَه، والعقل والسمع عن هذه الفرق بمعزل، ومنازلهم منهما أبعد منزل.
فنقول والله المستعان، وعليه التكلان، وبيده التوفيق(3):
قد دلَّ القرآن والسنة والفطرة وأدلة العقول أنه سبحانه خلق السماوات--------------------------------------------
(1) «د»: «أصابهم تعميم في باب مسألة» دون إعجام.
(2) «د»: «فسق»، «م»: «فتق»، كلاهما تحريف، انظر: «طريق الهجرتين» (2/ 566).
(3) «د»: «فنقول وبالله والتوفيق، والله المستعان، وعليه التكلان».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 291)

والأرض وما بينهما بالحق، ولم يخلق ذلك عبثًا ولا سُدى ولا باطلًا، وإنما أوجد العالم العلوي والسفلي ومن فيهما بالحق الذي هو وصفه واسمه وقوله وفعله، وهو سبحانه الحق المبين، فلا يصدر عنه إلا حق، ولا يقول إلا حقًّا، ولا يفعل إلا حقًّا، ولا يأمر إلا بالحق، ولا يجازي إلا بحق.
فالباطل لا يُضاف إليه، بل الباطل ما لم يُضَف إليه، كالحكم الباطل، والدين الباطل الذي لم يأذن فيه ولم يشرعه على ألسنة رسله، والمعبود الباطل الذي لا يستحق العبادة وليس أهلًا لها، فعبادته باطلة، ودعوته باطلة، والقول الباطل هو الكذب والزور، والمحال من القول الذي لا يتعلق بحق موجود، بل متعلَّقه باطل لا حقيقة له.
وهو سبحانه إنما خلق خلقه لعبادته ومعرفته، وأصل عبادته محبته على آلائه ونعمه، وعلى كماله وجلاله، وذلك أمر فطري ابتدأ الله عليه خلقه، وهي فطرته التي فطر الناس عليها، كما فطرهم على الإقرار به، كما قالت الرسل صلوات الله عليهم لأممهم: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ} [إبراهيم: 10]، فالخلق مفطورون على معرفته وتوحيده، فلو خُلّوا وهذه الفطرة لنشؤوا على معرفته وعبادته وحده.
وهذه الفطرة أمر خَلْقي خُلِقوا عليه، ولا تبديل لخَلْقه، فمضى الناس على هذه الفطرة قرونًا عديدة، ثم عرض لها موجِب فسادِها وخروجِها عن الصحة والاستقامة، بمنزلة ما يعرض للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة مما يوجب خروجهما عن الصحة إلى الانحراف.
فأرسل الله رسله بردِّ الناس إلى فطرتهم الأولى التي فُطِروا عليها، فانقسم الناس معهم ثلاثة أقسام:

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 292)

منهم من استجاب لهم كل الاستجابة، وانقاد إليهم كلّ الانقياد، فرجعت فطرتُهُ إلى ما كانت عليه، مع ما حصل لها من الكمال والتمام في قُوَّتَي العلم النافع والعمل الصالح، فازدادت فطرتهم كمالًا إلى كمالها، فهؤلاء لا يحتاجون في المعاد إلى تهذيب وتأديب، ونار تذيب فضلاتهم الخبيثة، وتطهّرهم من الأدران والأوساخ؛ فإن انقيادهم للرسل أزال عنهم ذلك كله.
وقسم استجابوا لهم من وجه دون وجه، فبقيت عليهم بقية من الأدران والأوساخ التي تنافي الحق الذي خُلِقوا له(1)، فهيَّأ لهم العليم الحكيم من أدوية الابتلاء والامتحان بحسب تلك الأدواء التي قامت بهم، فإن وَفَتْ بالخلاص منها في هذه الدار وإلا ففي البرزخ، فإن وَفَى بالخلاص وإلا ففي موقف القيامة وأهوالها ما يخلصهم من تلك البقية، فإن وَفَى بها وإلا فلابدّ من المداواة بالدواء الأعظم، وآخر الطب الكي، فيدخلون كِيْرَ التمحيص والتخليص، حتى إذا هُذّبوا ونُقّوا ولم يبق للدواء فائدة؛ أُخْرِجوا من مارَسْتان المرضى إلى دار أهل العافية، كما دلّ على ذلك السنة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصَرَّح به في قوله: «حتى إذا هُذّبوا ونُقّوا أذن لهم في دخول الجنة»(2)، فذلك قوله تعالى: {طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]، فلم يأذن لهم في دخولها إلا بعد طيبهم؛ فإنها دار الطيبين، فليس فيها شيء من الخَبَث أصلًا، ولهذا يلبث هؤلاء في النار على قدر حاجتهم إلى التطهير وزوال الخَبَث.--------------------------------------------
(1) هكذا في الأصول: «خلقوا له»، ولعل الأشبه بالمعنى: «خلقوا عليه».
(2) جزء من حديث أخرجه البخاري (6535) من حديث أبي سعيد الخدري.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 293)

القسم الثالث: قوم لم يستجيبوا للرسل، ولا انقادوا لهم، بل استمروا على الخروج عن الفطرة، ولم يرجعوا إليها، واستحكم فسادها فيهم أتم استحكام، بحيث لا يُرْجَى لهم صلاح، فهؤلاء لا تفي محنُ الدنيا ومُصَابُ الموت وما بعده وأهوالُ القيامة بزوال أوساخهم وأدرانهم، ولا يليق بحكمة العليم الحكيم أن يجاور بهم الطيبين في دارهم، ولم يُخْلَقوا للفناء، فهؤلاء أهل دار الابتلاء والامتحان، باقون فيها ببقاء ما معهم من درن الكفر والشرك، والنار إنما أُوْقِدت عليهم بأعمالهم الخبيثة، فعذابهم بنفس أعمالهم، أُنشِئ لهم منها صورٌ من العذاب تناسبها وتشاكلها(1)، فالعذاب باقٍ عليهم ما بقيت حقائق تلك الأعمال وما تولد منها، فما دامت موجِبات العذاب باقية فالعذاب باقٍ.
يبقى أن يقال: فهل ذهب أثر الفطرة الأولى بالكلية، بحيث صارت كأن لم تكن، وبطلت بالكلية، وانتقل الأمر إلى العارض المفسد لها، وعلى هذا فلا سبيل إلى خلاصهم من العذاب؛ إذ هو أثر ذلك الفساد الذي أزال الفطرة؟
أو يقال: الفطرة لم تذهب بالكلية، وإنما استحكم مرضها وفسادها وأصلها باقٍ، كما يستحكم مرض البدن وفساده والحياة قائمة به، لكنها حياة لا تنفع، فإذا قُدّر دواءٌ كريه صعب التناول لا سبيل إلى الصحة إلا بتكرّر تناوله مرارًا كثيرة العدد جدًّا تزيل ذلك المرض العارض، فيظهر أثر الفطرة الأولى، فلا يحتاج بعده إلى الدواء؟--------------------------------------------
(1) «م»: «صورتها من العذاب تشبهها وتشاكلها».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 294)

هذا سر المسألة، ومن يذهب إلى هذا التقدير الثاني فإنه يقول: العقل لا يدل على امتناع ذلك، أو ليس فيه ما يحيله.
ونقول: بل قد دلّ العقل والنقل والفطرة على أن الربّ تعالى حكيم رحيم، والحكمة والرحمة تأبى بقاء هذه النفوس في العذاب سرمدًا أبد الآباد، بحيث يدوم عذابها بدوام الله، فهذا ليس في الحكمة والرحمة(1).
قالوا: وقد دلَّت الدلائل الكثيرة من النصوص والاعتبار، على أن ما شرعه الله في هذه الدار، أو قدَّره من العذاب والعقوبات، فإنما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من الشر الذي فيها، ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ، وفَطْمًا للنفوس عن المعاودة، وغير ذلك من الحكم التي إذا حصلت خلا التعذيب عن الحكمة والمصلحة فيبطل؛ فإنه تعذيب عليم حكيم رحيم لا يعذّب سدى، ولا لنفع يعود إليه بالتعذيب، بل كلا الأمرين محال، فإذًا لا يقع التعذيب إلا لمصلحة المعذِّب أو مصلحة غيره، ومعلوم أنه لا مصلحة له ولا لغيره في بقائه في العذاب سرمدًا أبد الآباد.
قالوا: فمما دَلّ عليه القرآن والسنة أنّ جنس الآلام لمصلحة بني آدم قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120]، وقوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141]، فأخبر أنّ ألم القتل والجراح في سبيله تمحيص، أي تطهير وتصفية للمؤمنين، وبَشَّر الصابرين على ألم الجوع--------------------------------------------
(1) ناقش المؤلف هذه المسألة وذيولها في عدة مواضع من مصنفاته، من أوفاها ما حرره في «الصواعق المرسلة - المختصر» (2/ 635 - 690).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 295)

والخوف والفقر وفَقْد الأحباب وغيرهم بصلاته عليهم ورحمته وهدايته.
وقال تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، جاءت قاصمة الظهر، وأيّنا لم يعمل سوءًا؟ فقال: «يا أبا بكر، ألستَ تَنْصَب؟ ألستَ تحزن؟ أليس يصيبك الأذى؟» قال: بلى، قال: «فذلك مما تُجْزَون به»(1).
وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]، وفي هذا تبشير وتحذير، إذ أعلمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا، وهو أرحم أن يُثَنّي العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من بُليَ بشيء من هذه القاذورات فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له، ومن عُوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يُثَنّي العقوبة على عبده»(2).
وفي الحديث: «الحدود كفارات لأهلها»(3).--------------------------------------------
(1) أخرجه سعيد بن منصور في «السنن - التفسير» (4/ 1381 - 1397)، وأحمد (68)، والترمذي (3039)، والطبري (7/ 522 - 523) بألفاظ مختلفة من عدة أوجه عن الصدّيق، قال الترمذي: «هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال … وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضًا، وفي الباب عن عائشة»، وانظر: «علل الدارقطني» (74).
وفي الباب من حديث أبي هريرة عند مسلم (2574).
(2) لم أقف عليه بهذا السياق، وأخرجه بنحوه أحمد (775)، والترمذي (2626)، وابن ماجه (2604)، قال الترمذي: «حديث حسن غريب».
وفي الباب عن عبادة بن الصامت وغيره، انظر: «فتح الباري» (1/ 67).
(3) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإن كان معناه قد جاء في غير ما حديث كما سيذكره المصنف.
وعن أبي هريرة يرفعه: «ما أدري: الحدود كفارات لأهلها أم لا؟» أخرجه البزار (8519) والحاكم (104)، وأعله البخاري وغيره إسنادًا ومتنًا، انظر: «التاريخ الكبير» (1/ 153)، «السنن الكبرى» للبيهقي (8/ 570)، «فتح الباري» لابن رجب (1/ 78 - 79).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 296)

وفي «الصحيحين»(1) من حديث عبادة: «ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفَّارة له».
وفي «الصحيح»(2) عنه صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن من وَصَب ولا نَصَب، ولا هَمٍّ ولا حَزَن، ولا أذى حتى الشوكة يُشاكها= إلا كَفّر الله بها من خطاياه».
وقال: «لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة»(3).
وفي حديث آخر: «إن المؤمن إذا مرض خرج مثل البَرَدة في صفائها ولونها»(4).
وفي الحديث الآخر: «إن الحمّى تنفي الذنوب كما ينفي الكِيْرُ خَبَث--------------------------------------------
(1) البخاري (3892)، ومسلم (1709).
(2) البخاري (5641)، ومسلم (2573) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة.
(3) أخرجه أحمد (7859)، والترمذي (2399)، من حديث أبي هريرة، قال الترمذي: «حسن صحيح».
(4) أخرجه ابن أبي الدنيا في «المرض والكفارات» (22)، والبزار (6355) من حديث أنس، وهو حديث باطل، تفرد به الوليد الموَقّري وهو متهم، انظر: «الضعفاء» للعقيلي (4/ 140)، «الموضوعات» لابن الجوزي (3/ 481).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 297)

الحديد»(1).
وفي حديث آخر: «لا تسبّي الحمّى؛ فإنها تُذْهِب خطايا بني آدم»(2).
ومن أسماء الحمّى: مكفرة الذنوب.
وفي الحديث الصحيح: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: عبدي، مرضتُ فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعده، أما لو عدتَه لوجدتني عنده»(3). وهذا أبلغ من قوله في الإطعام والإسقاء: «لوجدتَ ذلك عندي»، فهو سبحانه عند المبتلَى بالمرض رحمةً منه له وجبرًا وقربًا منه لكسر قلبه بالمرض، فإنه عند المنكسرة قلوبهم.
وهذا أكثر من أن يُذْكَر.
وربّ الدنيا والآخرة واحد، وحكمته ورحمته موجودة في الدنيا والآخرة، بل ظهور رحمته في الآخرة أعظم، فعذاب المؤمنين بالنار في الآخرة هو من هذا الباب كعذابهم في الدنيا بالمصائب والحدود، وكذلك حبسهم بين الجنة والنار حتى يُهذَّبوا ويُنقَّوا.
وقد عُلِم بالنصوص الصحيحة الصريحة أن عذابهم في النار متفاوت قدْرًا ووقتًا بحسب ذنوبهم، وأنهم لا يخرجون منها جملةً واحدة، بل شيئًا--------------------------------------------
(1) ذكره بهذا اللفظ أبو عبيد في «غريب الحديث» (2/ 192)، ولم أقف عليه مسندًا، وسيأتي في سياق الحديث التالي نحوه.
(2) أخرجه مسلم (2575) من حديث أم السائب أو أم المسيب، وتمامه: «كما يذهب الكير خبث الحديد».
(3) أخرجه مسلم (2569) بنحوه من حديث أبي هريرة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 298)

بعد شيء، حتى يبقى رجل هو آخرهم خروجًا منها.
وكذلك عذاب الكفار فيها متفاوت تفاوتًا عظيمًا، فالمنافقون في دركها الأسفل، وأبو طالب أخفّ أهلها عذابًا في ضَحْضاح من نار(1)، يغلي منه دماغه، وآل فرعون في أشد العذاب.
قالوا: فإذا كان العذاب في الدار التي فيها رحمة واحدة من مائة رحمة، هو رحمة بأهله ومصلحة لهم ولطف بهم؛ فكيف في الدار التي تظهر فيها مائة رحمة، كل رحمة منها طِبَاق ما بين السماء والأرض؟!
وقد قال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21]، فأخبر أنه يعذبهم رحمةً بهم ليردّهم العذاب إليه، كما يعذِّب الأبُ الشفيقُ الرحيمُ ولدَه إذا فرّ منه إلى عدوه؛ ليرجع إلى بِرّه وكرامته.
وقال الله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147]، وأنت تجد تحت هذه الكلمات أنّ تعذيبه لكم لا يزيد في ملكه ولا ينتفع به، ولا هو سُدى خالٍ من حكمة ومصلحة، وأنكم إذا بدّلتم الشكر والإيمان بالكفر كان عذابكم منكم، وكان كفركم هو الذي عُذِّبتم به، وإلا فأي شيء يلحقه سبحانه من عذابكم، وأي نفع يصل إليه منكم(2)؟
قالوا: وحينئذ فالحكمة تقتضي أن النفوس الشريرة لا بدّ لها من عذاب--------------------------------------------
(1) الضَّحْضاح في الأصل: ما رقّ من الماء على وجه الأرض مما يبلغ الكعبين، «النهاية في غريب الحديث» (3/ 75).
(2) «د»: «منه».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 299)

يهذّبها بحسب ذنوبها، كما دلّ على ذلك السمع والعقل، وذلك يوجب الانتهاء لا الدوام.
قالوا: والله تعالى لم يخلق الإنسان عبثًا، وإنما خلقه ليرحمه لا ليعذبه، وإنما اكتسب موجِب العذاب بعد خلقه له، فرحمته له سبقت غضبه، وموجِب الرحمة فيه سابق على موجِب الغضب وغالب له، وتعذيبه ليس هو الغاية بخلقه، وإنما تعذيبه بحكمة ورحمة، والحكمة والرحمة تأبى أن يتصل عذابه سرمدًا إلى غير نهاية.
أما الرحمة فظاهر، وأما الحكمة فلأنه إنما عُذِّب على أمر طرأ على الفطرة وغَيَّرها، ولم يُخلَق عليه من أصل الخِلْقة، ولا خُلِق له، فهو لم يُخْلَق للإشراك ولا للعذاب، وإنما خُلِق للعبادة والرحمة، ولكن طرأ عليه موجِب العذاب فاستحق عليه العذاب، وذلك الموجِب لا دوام له، فإنه باطل، بخلاف الحق الذي هو موجِب الرحمة، فإنه دائم بدوام الحق سبحانه وهو الغاية، وليس موجِب العذاب غاية، كما أن العذاب ليس بغاية، بخلاف الرحمة فإنها غاية، وموجِبها غاية، فتأمله حق التأمل، فإنه سرّ المسألة.
قالوا: والرب تعالى تسمّى بالغفور الرحيم، ولم يتسمّ بالمعذِّب ولا بالمعاقِب، بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله، كما قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِيَ أَنِّيَ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50]، وقال تعالى: {إِنَّ سَرِيعُ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ} [الأنعام: 165]، وقال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهْوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 12 - 14]، وقال: {(1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي} [غافر: 1 - 3]، وهذا كثير في القرآن.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 300)

فإنه سبحانه يتمدّح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم، ويتسمّى بها، ولم يتمدّح بأنه المعاقِب ولا الغضبان ولا المعذِّب ولا المنتقِم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى، ولم يثبت(1).
وقد كتب على نفسه كتابًا أنّ رحمته سبقت غضبَه، وكذلك هو في أهل النار، فإن رحمته فيهم سبقت غضبَه، فإنه رحمهم أنواعًا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم، ورحمهم في حال شركهم، ورحمهم بإقامة الحجة عليهم، ورحمهم بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم، وأمهلهم ولم يعاجلهم، بل وسعتهم رحمتُه، فرحمته غلبت غضبه، ولولا ذلك لخرب العالم، وسقطت السماوات على الأرض، وخرّت الجبال.
وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه؛ امتنع أن يكون موجِب الغضب دائمًا بدوامه، غالبًا لرحمته.
قالوا: والتعذيب إما أن يكون عبثًا أو لمصلحة وحكمة، وكونه عبثًا مما يُنزَّه أحكم الحاكمين عنه، ونسبته إليه نسبةٌ لما هو من أعظم النقائص إليه.
وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها وملزوماتها، وهي إما أن تعود على الرب تعالى ــ وهو يتعالى عن ذلك ويتقدّس عنه ــ، وإما أن تعود إلى المخلوق، وذلك المخلوق إما نفس المعذَّب وإما غيره، أو هما، والأول ممتنع؛ إذ لا مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية، وأما مصلحة غيره: فإن كانت هي الاتعاظ والانزجار فقد حصلت، وإن كانت تكميل لذته--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي (3507)، وابن ماجه (3861) من حديث أبي هريرة، وقد أعل بالاضطراب والإدراج، انظر: «فتح الباري» (11/ 214) وما بعدها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 301)

وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك الحال وهو في غاية النعيم؛ فهذا لو كان أقسى الخلق لرقّ لعدوه من طول عذابه ودوام ما يقاسيه= فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبّارة العنيدة ومُداواتها بما يصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فيَحْسمها، وتلك المادة شر طارئ على خير خُلِقت عليه في ابتداء فطرتها.
قالوا: والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد عليها: خير محض ومقابله، وخير راجح ومقابله، وخير وشر متساويان، والحكمة تقتضي إيجاد قسمين منها، وهما الخير الخالص والراجح.
وأما الشر الخالص أو الراجح فإن الحكمة لا تقتضي وجوده، بل تأبى ذلك؛ فإن كل ما خلقه الله تعالى فإنما خلقه بحكمةٍ وجودها أولى من عدمها، وخَلَق الدواب الشرّيرة والأفعال التي هي شر لما يترتّب على خَلْقها من الخير المحبوب، فلم تُخْلَق لمجرد الشر الذي لا يستلزم خيرًا بوجه ما، هذا غاية المحال، فالخير هو المقصود بالذات وبالقصد الأول، والشر إنما قُصِد قَصْد الوسائل والمبادئ لا قَصْد الغايات والنهايات.
وحينئذ فإذا حصلت الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال، كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها، كما هو معلوم بالحسّ والعقل.
وعلى هذا فالعذاب شرّ وله غاية تُطلب به، وهو وسيلة إليها، فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد، فإذا وصل بها السائر(1) إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة.--------------------------------------------
(1) «م»: «دخل فيها المسافر».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 302)

وسر المسألة: أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب، فالعذاب من مخلوقاته، وذلك يقتضي أنه خلقه لغاية محمودة، ولا بدّ من ظهور أسمائه وأثر صفاته عمومًا وإطلاقًا، فإن هذا هو الكمال، والربّ جل جلاله موصوف بالكمال، مُنزّه عن النقص.
قالوا: وقد قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 106 - 107]، وقال: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 128].
قال أبو سعيد الخدري: «هذه تقضي على كل آية في القرآن»، ذكره البيهقي وحرب وغيرهما(1).
وقال عبد الله بن مسعود: «ليأتينّ على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا»(2).
وعن عمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله(3)، ذكره جماعة من المصنفين في السنة.--------------------------------------------
(1) «الأسماء والصفات» للبيهقي (337)، «مسائل حرب ــ من كتاب النكاح إلى نهاية الكتاب» (1868) بنحوه، ورواه عبد الرزاق في «التفسير» (1251) ــ ومن طريقه الطبري (12/ 581) ــ، وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (1310).
والآية المقصودة هي: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}.
(2) أسنده ابن المنذر وأبو الشيخ كما في «الدر المنثور» (4/ 478).
(3) سيذكرهما المصنف قريبًا (2/ 309 - 310).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 303)