البدن حظّه من هذا الخضوع، حتى أطراف الأنامل ورؤوس الأصابع، ونُدِبَ له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفّه، وأن لا يكون بعضه محمولًا على(1) بعض، وأن يباشرَ التراب بجبهته، وينالَ ثِقْلُ وجهِهِ المُصَلَّى(2)، ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلًا للخضوع والتذلل لمن له العزّ كله والعظمة كلها، وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده، فلو دام كذلك من حين خُلِق إلى أن يموت لما أدّى حق ربّه عليه.
ثم أُمِرَ أن يسبّح ربَّه الأعلى، فيذكر علوّه سبحانه في حال سفوله هو، وينزّهه عن مثل هذه الحال، وأنّ من هو فوق كل شيء، وعالٍ على كل شيء يُنَزَّه عن السفول بكل معنى، بل هو الأعلى بكل معنى من معاني العلو.
ولما كان هذا غاية ذلّ العبد وخضوعه وانكساره؛ كان أقرب ما يكون الربّ منه في هذه الحال، فأُمِر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب، وقد قال تعالى: {تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19].
وكان الركوع كالمقدمة بين يدي السجود والتوطئة له، فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه، وأرفع شأنًا.
وفُصِل بينهما بركن مقصود في نفسه، يجتهد فيه في الحمد والثناء والتمجيد، وجُعِل بين خضوعين: خضوعٍ قبله، وخضوعٍ بعده، وجُعِل خضوع السجود بعد الحمد والثناء والمجد، كما جُعِل خضوع الركوع بعد ذلك.--------------------------------------------
(1) كذا في «د» «م»، والأقرب للمعنى: «مجموعًا إلى».
(2) انظر: «كتاب الصلاة» للمؤلف (364).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 224)
فتأمل هذا الترتيب العجيب، وهذا التنقّل في مراتب العبودية، كيف ينتقل من مقام الثناء على الربّ بأحسن أوصافه وأسمائه وأكمل محامده إلى منزلة خضوعه وتذلّله لمن له هذا الثناء، ويستصحب في مقام خضوعه ثناءً يناسب ذلك المقام، ويليق به، فيذكر عظمة الرب في حال خضوعه، وعلوّه في حال سفوله.
ولما كان أشرف أذكار الصلاة القرآن شُرِع في أشرف أحوال الإنسان، وهي هيئة القيام التي قد انتصب فيها قائمًا على أحسن هيئة، ولما كان أفضل أركانها الفعلية السجود شُرِع فيها بوصف التكرار، وجُعِل خاتمة الركعة وغايتها التي انتهت إليها، فطابق(1) افتتاحُ الركعة بالقرآن واختتامُها بالسجود أولَ سورةٍ افْتُتِح بها الوحي، فإنها بُدِئت بالقراءة، وخُتِمت بالسجود.
وشُرِع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد، ويسأل ربّه أن يغفر له ويرحمه ويرزقه ويهديه ويعافيه، وهذه الدعوات تجمع له خير دنياه وآخرته.
ثم شُرِع له تكرارُ هذه الركعة مرة بعد مرة، كما شُرِع تكرارُ الأذكار والدعوات مرة بعد مرة؛ ليستعد بالأول لتكميل ما بعده، ويجبر بما بعده ما قبله، وليشبع القلب من هذا الغذاء، وليأخذ داؤُهُ نصيبَهُ وافرًا من الدواء ليقاومه؛ فإن منزلة الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء، فإذا تناول الجائع الشديد الجوع من الغذاء لقمة أو لقمتين كان غناؤها عنه وسدها من جوعه يسيرًا جدًّا، وكذلك المرض الذي يحتاج إلى قدر معين من الدواء، إذا أخذ منه المريض قيراطًا من ذلك لم يزل مرضه بالكلية، وأزال بحسبه، فما حصل--------------------------------------------
(1) «م»: «تطابق» مهملة، «د»: «مطابق»، وبالمثبت يستقيم الكلام.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 225)
الغذاءُ أو الشفاءُ للقلب بمثل الصلاة، وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه(1).
ثم لما أكمل صلاته شُرِع له أن يقعد قِعْدَة العبد الذليل المسكين لسيده، ويثني عليه بأفضل التحيات، ويسلّم على من جاء بهذا الحظ الجزيل، ومن نالته الأمة على يديه، ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله المشاركين له في هذه العبودية، ثم يتشهد شهادة الحق، ثم يعود فيصلي على من علّم الأمة هذا الخير ودلّهم عليه، ثم شُرِع له أن يسأل حوائجه، ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربّه مقبلًا عليه، فإذا قضى ذلك أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين له في الصلاة.
هذا إلى ما تضمنته من الأحوال والمعارف من أول المقامات إلى آخرها، فلا تجد منزلة من منازل السير إلى الله تعالى، ولا مقامًا من مقامات العارفين إلا وهو في ضمن الصلاة.
وهذا الذي ذكرناه من شأنها كقطرة من بحر، فكيف يقال: إنها تكليف محض، لم يُشرَع لحكمة ولا لغاية قصَدها الشارع، بل هي تعب محض، وكلفة ومشقة مستندة إلى محض المشيئة، لا لغرض ولا لفائدة البتّة، بل مجرد قهر وتكليف، وليست سببًا لشيء من مصالح الدنيا ولا الآخرة؟!
ثم تأمّل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها، كيف تجدها مشحونة بالحِكَم المقصودة، والغايات الحميدة التي شُرِعَت لأجلها، التي لولاها لكان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا.--------------------------------------------
(1) انظر: «زاد المعاد» (4/ 192).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 226)
فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح، وتخفيف من أحمالِ ما أوجبته الطبيعة، وإلقاء عن النفس من دَرَنِ المخالفات، فهي منظفة للقلب والروح والبدن.
وفي غسل الجنابة من زيادة التقوية، والإخلاف على البدن نظير ما تحلّل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور.
وتأمّل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل، فجُعِل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي والذنوب كلها، فمنها يُدخَل إليها، ثم جُعِل في اليدين وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي، ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى.
ولما كان غسْلُ الرأس بماءٍ فيه(1) أعظم حرج ومشقة جُعِل مكانه المسح، وجُعِل ذلك مخرجًا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًا من الذنوب» رواه مسلم(2).--------------------------------------------
(1) «د» «م»: «مما فيه»، تحريف، وبما أثبته يتسق المعنى، وانظر: «أعلام الموقعين» (3/ 305).
(2) برقم (244).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 227)
وفي «صحيح مسلم»(1) أيضًا عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضّأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره» فهذا من أجلّ حِكَم الوضوء وفوائده.
وقال نفاة الحكمة: إنه تكليف محض، ومشقة وعناء(2)، لا مصلحة فيه، ولا حكمة شُرِع لأجلها!
ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه سِيْماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست لأحد غيرهم، ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضّئ يطهّر بدنه بالماء، وقلبه بالتوبة، ليستعد بذلك للدخول على ربه ومناجاته، والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب، فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا؟!
ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن، حتى إن تحت كل شعرة شهوة؛ سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن تحت كل شعرة جنابة»(3)، فأمر أن يوصِل الماء إلى أصل كل شعرة، فتبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه، والوقوف بين يديه.--------------------------------------------
(1) برقم (245)، وفيه: «خرجت خطاياه من جسده».
(2) «د»: «تكليف ومشقة وعناء محض».
(3) أخرجه أبو داود (248)، والترمذي (106)، وابن ماجه (597) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده الحارث بن وجيه، قال أبو داود: «حديثه منكر، وهو ضعيف»، وكذا ضعّفه الترمذي.
وفي الباب عن علي وعائشة وأنس وأبي أيوب، انظر: «البدر المنير» (2/ 575 - 577).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 228)
فوالله؛ لو أن أبُقْراط ودونه أوصوا بمثل هذا لخضع أتباعهم لهم فيه، وعظّموهم عليه غاية التعظيم، وأبدوا له من الحِكَم والفوائد ما قدروا عليه.
ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهملَ جوارِحِه(1)، قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ= أُمِر بعبوديةٍ تَجْمعُ جوارحه(2) كلّها على ربه، وتأخذُ بحظّها من عبوديته، فيسلّم قلبه وبدنه وجوارحه وحواسّه وقواه لربّه عز وجل، واقفًا بين يديه، مُقبِلًا بكلّه عليه، معرضًا عمّا سواه، متنصِّلًا إليه من إعراضه عنه، وجنايته على حقّه.
ولما كان هذا طبعه ودأبه أُمِر أن يجدّد هذا الرجوع إليه والإقبال عليه وقتًا بعد وقت؛ لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربَّه، وينقطع عنه بالكلية، فكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه، وأفضل هداياه التي ساقها إليه، فأبى نفاة الحكمة إلا جَعْلها كلفة وعناء وتعبًا، لا لحكمة ولا لمصلحة البتَّة إلا مجرد القهر والمشيئة!
وقد فُتِحَ لك البابُ فسُق الشريعة كلَّها من أولها إلى آخرها هذا المساق، واستدِلّ بما ظهر لك على ما خفي عنك، ولعل الحكمة فيما لم تعلمه أعظم منها فيما علمته؛ فإن الذي علمته على قدر عقلك وفهمك، وما خفي عنك فهو فوق عقلك وفهمك، ولو تتبعنا تفصيل ذلك لجاء عدّة أسفار، فيُكتَفى منه بأدنى تنبيه، والله المستعان.--------------------------------------------
(1) هكذا في الأصول على الإضافة.
(2) قراءة محتملة من «د» أقرب للسياق، وفي «م»: «أمر بعبوديته بجميع جوارحه» دون إعجام.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 229)
الوجه الثالث والعشرون: أن هذه الجمادات والحيوانات المختلفة الأشكال والمقادير والصفات والمنافع والقوى والأغذية، والنباتات التي هي كذلك= فيها من الحِكَم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفه وتجربته على ممر الدهور، ومع ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شيء وأقله، بل لو اتفق جميع الأمم لم يحيطوا علمًا بجميع ما أُودِع واحدٌ من ذلك النوع من الحِكَم والمصالح.
هذا إلى ما في ضمن ذلك من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود الخالق ومشيئته وإرادته واختياره وعلمه وقدرته وحكمته، فإن المادة الواحدة لا تحتمل بنفسها هذه الصور الغريبة والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات ولو تركبت مع غيرها، فليس حدوث هذه الأنواع والصور بنفس التركيب أيضًا، ولا هو مقتضٍ له، فحصول هذا التنوع والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب تعالى، ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه، وأنه فَعَّال لما يريد اختيارًا ومشيئةً، فتنويع مخلوقاته وحدوثها شيئًا بعد شيء من أظهر الدلالات.
وتأمل كيف أرشد القرآن إلى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4].
وقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 230)
وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ(1)} [الروم: 22].
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً(2) لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10 - 11].
وقال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45].
فتأمّل كيف نبّه سبحانه باختلاف الحيوانات في آلة المشي مع اشتراكها في المادة على الاختلاف فيما وراء ذلك من أعضائها وأشكالها وقواها وأفعالها وأغذيتها ومساكنها، فنبّه على الاشتراك والاختلاف، فنشير إلى يسير منه.
فالطير كلها تشترك في الريش والجناح، وتتفاوت فيما وراء ذلك أعظم تفاوت، واشتراك ذوات الحوافر في الحافر كالفرس والحمار والبغل، وتفاوتها فيما وراء ذلك، واشتراك ذوات الأظلاف في الظِّلْف وتفاوتها في غير ذلك، واشتراك ذوات القرون فيها وتفاوتها في الخلق والمنافع والأشكال، واشتراك حيوانات الماء في كونها سابحة تأوي فيه وتتكون فيه(3) وتفاوتها--------------------------------------------
(1) «د» «م»: «لقوم يسمعون».
(2) «د» «م»: «لآيات».
(3) «د»: «تأوي فيها، وتتكوين فيها» مهملات، وفي الجملة شيء، والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 231)
أعظم تفاوت، عجز البشر إلى الآن عن حصره، واشتراك الوحوش في البعد عن الناس، والنِّفَار عنهم وعن مساكنهم، وتفاوتها في صفاتها وأشكالها وطبائعها وأفعالها أعظم تفاوت، يعجز البشر عن حصره، واشتراك الماشي منها على بطنه في ذلك وتفاوت نوعه، واشتراك الماشي على رجلين في ذلك وتفاوت نوعه أعظم تفاوت.
وكل من هذه الأنواع له علم وإدراك وتحَيُّل على جلب مصالحه ودفع مضاره، يعجز عن كثير منها نوع الإنسان، فمِن أعظم الحِكَم الدلالةُ الظاهرة على معرفة الخالق الواحد المستولي بقوته وقدرته وحكمته على ذلك كله، بحيث جاءت كلها مطيعة منقادة منساقة إلى ما خلقها له على وفق مشيئته وحكمته، وذلك أدلّ شيء على قوته القاهرة وحكمته البالغة وعلمه الشامل، فتُعلم إحاطة قدرة واحدة، وعلم واحد، وحكمة واحدة ــ أعني بالنوع ــ من قادر واحد، عالِم واحد، حكيم واحد، بجميع هذه الأنواع وأضعافها مما لا تعلمه العقول البشرية، كما قال تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]، وقال: {(37) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا} [الحاقة: 38 - 39].
فتجتمع غايات فعله وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة هي منتهى الغايات، وهي إلهيته الحق التي كل إلهية سواها باطل ومحال، فهي غاية الغايات، ثم يُنزَل منها إلى غايات أُخَر، هي وسائل بالنسبة إليها، وغايات بالنسبة إلى ما دونها، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42].
فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض، وليس في الوجود إلا الله ومفعولاته وهي آثار أفعاله، وأفعاله آثار صفاته، وصفاته قائمة به من لوازم ذاته.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 232)
والمقصود أن من الغايات المطلوبة(1) العلم بإحاطة عِلم واحد من عالِم واحد، وفِعْل واحد من فاعل واحد، وقدرة واحدة من قادر واحد، وحكمة واحدة من حكيم واحد، بجميع العالم على اختلاف ما فيه. واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة، وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية، كما ابتدأت كلها من خالق واحد، وقادر واحد، ورب واحد.
ودلَّ على الأمرين ــ أعني توحيد الربوبية والإلهية ــ النظام الواحد والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع كثرتها وتعددها، ودلّ افتقار بعضها إلى بعض، وتشبّك بعضها ببعض، ومعاونة بعضها لبعض، وارتباطه به= على أنها صنع فاعل واحد، وربّ واحد.
فلو كان معه آلهة وأرباب غيره لذهب كل إله بخلقه واستبدّ به، ولم يرضَ لنفسه أن يحتاج خلقُه إلى خَلْقِ غيره، كما لا ترضى ملوك الدنيا أن يحتاج مملوكُ أحدِهم إلى مملوكِ غيرِه(2)؛ لما في ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغنى، ودلَّ انتظامها في الوجود، ووقوعها مع تباينها، واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها، على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو إلهها الحق، ومعبودها الأعلى، الذي لا إله لها غيره، ولا معبود لها سواه.
فتأمل كيف دلّ اختلاف الموجودات وتباينها، واجتماعها فيما اجتمعت فيه، وافتراقها فيما افترقت فيه على إله واحد، وربّ واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله.--------------------------------------------
(1) «م»: «الآيات المطلوبة».
(2) «م»: «غيره مثله»، وهذه الزيادة مفسدة للمعنى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 233)
فالموجودات بأسرها كعسكر واحد، له مَلِك واحد، وسلطان واحد، يحفظ بعضه ببعض، وينظم مصالح بعضه ببعض، ويسد خلل بعضه ببعض، فيمد هذا بهذا، ويقوي هذا بهذا، وينقص من هذا فيزيده في الآخر، {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ اَلْمَيْتِ وَتُخْرِجُ اُلْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ} [آل عمران: 27]، ويبيد هذا فينشئ مكانه من جنسه ما يقوم مقامه، ويسدّ مسده، فيشهد حدوث الثاني أن الذي أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره، وأن حكمته لم تتغير، وعلمه لم ينقص، وقدرته لم تضعف، وأنه لا يتغير بتغير ما تغير منها، ولا يضمحل باضمحلاله، ولا يتلاشى بتلاشيه، بل هو الحي القيوم، العزيز الحكيم.
هذا إلى ما في لوازم مكثها وانتظام بعضها ببعض، وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من حِكَم وأفعال أخرى وغايات أُخَر حُكْمها حُكْم موادها وحواملها، كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها.
فتأمل(1) ذلك في جزئية واحدة: أنك ترى المعدة تشتاق الغذاء وتجتذبه إليها، فانظر لوازم ذلك قبل تناوله، ولوازمه بعد تناوله، وما يترتب على تلك اللوازم من عمارة الدنيا، فإذا جذبَتْه إليها أنضجتْه وطبختْه، كما تُنْضِج القدرُ ما فيها، فتنضجه الإنضاج الذي تعده لتغذي جميع أجزاء البدن وقواه وأرواحه به، وهي وإن أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع غيرها به، فتدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه على قدر حاجته، من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به،--------------------------------------------
(1) «د»: «مثال».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 234)
ولكن قد قَصَده وأحكمه مَن هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، بحكمته ولطفه، وساقه في المجاري التي لا تنفذ فيها الإبر لدقة مسالكها، حتى أوصله إلى المحتاج إليه، الذي لا صلاح له إلا بوصوله إليه.
وكانت طبيعة الكبد ومزاجها في ذلك تلي طبيعة المعدة، وفعلها يلي فعلها.
وكذلك الأمعاء وباقي الأعضاء كالكبد للقلب في إعداد الغذاء، والقلب للرئة، والرئة للقلب في إعداد الهواء وإصلاحه.
فالأعضاء الموجودة في الشخص إذا تأملتها وتأملت أفعالها ومنافعها، وما تضمنه كل واحد منها من حكمة اختصت به، كشكله ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع المعين= علمت علمًا يقينيًا أن ذلك صادر عن خالق واحد، ومدبّر واحد، وحكيم واحد.
فانتقِلْ من هذا إلى أشخاص العالم شخصًا شخصًا من النوع الإنساني؛ تجد الحكمة الواحدة الظاهرة في تلك الأفراد الكثيرة قد نفعت بعضهم ببعض، وأعانت بعضهم ببعض، حَرّاثًا لزَرّاع، وزَرّاعًا لحاصد، وحائكًا لخياط، وخياطًا لنجار، ونجارًا لبنّاء، فهذا يعين هذا بيده، وهذا برجله، وهذا بعينه، وهذا بأذنه، وهذا بلسانه، وهذا بماله(1)، إذ لا يقدر أحدهم على جميع مصالحه، ولا يقوم بحاجاته، ولا توجد في كل واحد واحد(2) منهم جميع خواص نوعه.--------------------------------------------
(1) زاد في «د»: «وهذا»، وبعده بياض بمقدار كلمة.
(2) كذا في النسختين بتكرار «واحد».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 235)
فهم بأشخاصهم الكثيرة كإنسان واحد يقوم بعضه بمصالح بعض، قد كَمَّل خواص الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه، فإن الواحد منهم لا يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة والبقاء، فجُعِل ذلك في النوع الإنساني بجملته.
والله سبحانه قد فرّق كمالات النوع في أشخاصه، وجعل لكل شخص منها ما هو مستعد قابل له، بحيث لو قبل أكثر من ذلك لأُعْطِيَه؛ فإنه جواد لذاته قد فاض جوده وخيره على العالم كله، وفضُل عنه أضعاف ما فاض عليه، فهو يفيضه على تعاقب الآنات أبدًا، ولذلك يَفضُل في الجنة فَضْلٌ عن أهلها فينشئ الله لها خلقًا يسكنهم فَضْلها.
وإنما يتخصص فضله بحسب استعداد القوابل والمُعَدّات، وذلك بمشيئته وحكمته، فهو الذي أوجدها، وهو الذي أعدها، وهو الذي أمدها.
ولمّا كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق لم يكن بُدّ من بقاء كثير منه مبذولًا في الوجود مهملًا، وهذا كضوء الشمس مثلًا، فإن مصالح الحيوان لا تتم إلا به، وهو مشرق على مواضعَ فَضْلة عن حوائج الحيوان(1)، وكذلك المطر والنبات وسائر النِّعَم، ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حِكَم ومصالح وعبر ودلالات، وعطاء الربّ ونعمه أوسع من حوائج خلقه، فلابُدّ أن يبقى في المياه والأقوات والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة.
ولا يقال: ما الحكمة في خلقها؟ فإن هذا سؤال جاهل ظالم؛ فإن--------------------------------------------
(1) «د»: «حوائج بني آدم الحيوان».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 236)
الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير، والمعمور منها بعضها لا كلّها، والرب تعالى واسع الجود دائمه، فجوده وخيره عام دائم فلا يكون إلا كذلك، فإن ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته، ولعلمه وقدرته وحكمته العموم والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار.
فيُعلم من استقراء العالَم وأحواله انتهاؤه إلى عالِم واحد، وقادر واحد، وحكيم واحد، قد أتقن نظامه أحسن الإتقان، وأوجده على أتم الوجوه، وهو سبحانه ناظمُ أفعال الفاعلين مع كثرتها، ورابطُ بعضها ببعض، ومعينُ بعضها ببعض، وجاعلُ بعضها سببًا لبعض، وغايةً لبعض، وهذا من أدلّ الدليل على أنه خالق واحد، وربّ واحد، وقادر واحد.
دلَّ على قدرته كثرةُ أفعاله وتنوعها في الوقت الواحد، وتعاقبها على تتالي الآنات، وتفنّن تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها.
ودلَّ على علمه وحكمته كون كل صغير وكبير، ودقيق وجليل داخلًا في النظام الحِكَمِي، ليس فيها شيء سُدى، حتى مسام الشعر في الجلد، ومَراشح اللعاب في الفم، ومجاري الشُّعَب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات، التي تعجز عنها أبصارنا، ولا تنالها قدرتنا، وهذا فيما دقّ لصغره.
وفيما جَلّ لعظمه، كالرياح الحاملة للسحب إلى الأرض الجُرُز التي لا نبات بها، فيمطرها عليها، فيُخْرِجُ بها نباتًا، ويُحْيي بها حيوانًا، ويجعل فيها خزائن من الطعام والشراب والأقوات والأدوية.
دع ما فوق ذلك(1) من تسخير الشمس والقمر والنجوم، واختلاف--------------------------------------------
(1) «م»: «وغيرها، وفوق ذلك».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 237)
مطالعها ومغاربها لإقامة دولة الليل والنهار، وفصول العام التي بها نظام مصالح مَن عليها.
فإذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المُعَدّ فيه جميع عتاده، فالسماء سقفه، والأرض بساطه، والنجوم زينته، والشمس سراجه، والعقلاء سكّانه(1)، والليل سَكَنهم، والنهار معاشهم، والمطر سقياهم، والنبات غذاؤهم ودواؤهم وفاكهتهم، والحيوان خدمهم، ومنه قوتهم ولباسهم، والجواهر كنوزهم وذخائرهم، كل شيء منها لما يصلح له، فضروب النبات مهيَّأة لجميع حاجاتهم، وصنوف الحيوانات معدّة لجميع مصالحهم، وذلك أدلّ دليل على وحدانية خالقه وعلمه وحكمته وقدرته(2).
فلم يكن لون السماء أزرق اتفاقًا، بل لحكمة باهرة؛ فإن هذا اللون أشدّ الألوان موافقة للبصر، حتى إن مِنْ وَصْف الأطباء لمن أصابه ما أضرّ ببصره أو كَلّ بصره(3)؛ إدمان النظر إلى الخُضْرة وما قرب منها إلى السواد، فجعل أحكم الحاكمين أديم السماء بهذا اللون ليمسك الأبصار الراجعة فيه، فلا يَنْكَأ فيها، فهذا الذي أدركه الناس بعد الفكر والتجربة قد وُجِد مفروغًا منه في الخِلْقة.
ولم يكن طلوع الشمس وغروبها على هذا النظام لغير علة ولا حكمة--------------------------------------------
(1) «د»: «ومصالح سكانه»، «م»: «والمصالح سكانه»، وصوّبها في الحاشية، وانظر لنحو هذا المثال: «الصواعق المرسلة» (4/ 1567).
(2) هذه الفقرة وأضرابها الآتيات مستفادة من مواضع متفرقة من «الدلائل والاعتبار» المنسوب للجاحظ.
(3) «د»: «كلم بصره».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 238)
مطلوبة، فكم من حكمة ومصلحة في ذلك، من إقامة الليل والسكن فيه، والنهار والمعاش فيه، فلو جعل الله عليهم الليل سرمدًا أو النهار سرمدًا لتعطلت مصالحهم وأكثر معايشهم، والحكمة في طلوعها أظهر من أن تُنْكَر.
ولكن تأمل الحكمة في غروبها، إذ لولا ذلك لم يكن للناس هدوء ولا قرار ولا راحة، وكان الكدّ الدائم يَنْكَأ في أبدانهم ويسرع فسادها، وكان ما على الأرض يحترق بدوام شروق الشمس من حيوان ونبات، فصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ونظامه.
وكذلك الحكمة في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة، وما في ذلك من الحكمة.
فإن في الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فتتولد من ذلك مواد الثمار، ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب، ويحدث المطر الذي به حياة الأرض والحيوان، وتشتد أفعال الحيوان، وتقوى الأفعال الطبيعية.
وفي الربيع تتحرك الطبائع، وتظهر المواد الكامنة في الشتاء.
وفي الصيف يسخن الهواء فتنضج الثمار، وتتحلّل فضول الأبدان، ويجفّ وجه الأرض، فيتهيأ للبناء وغيره.
وفي الخريف يصفو الهواء ويعتدل، فيذهب بسَوْرة حر الصيف(1) وسمومه، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم.--------------------------------------------
(1) «م»: «الشمس»، وانظر: «مفتاح دار السعادة» (1/ 208).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 239)
وكذلك الحكمة في تنقّل الشمس، فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد لفاتت مصالح العالم، ولما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات؛ لأن الجبال والجدران تحجبها عنها، فاقتضت الحكمة الباهرة أن جعلت مطلع أول النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من وجه الغرب، ثم لا تزال تغشى وجهًا بعد وجه حتى تنتهي إلى المغرب(1)، فتشرق على ما استتر عنها أول النهار، فتأخذ جميع الجهات منها قسطًا من النفع.
وكذلك الحكمة الباهرة في انتهاء مقدار الليل والنهار إلى هذا الحد، فلو زاد مقدار أحدهما زيادة عظيمة لتعطلت المصالح والمنافع، وفسد النظام.
وكذلك الحكمة في ابتداء القمر دقيقًا، ثم أخْذه في الزيادة حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى، فكم في ذلك من حكمة ومصلحة ومنفعة للخلق؛ فإنه(2) بذلك يعرفون الشهور والسنين والآجال وأشهر الحج والتاريخ ومقادير الأعمار ومدد الإجارات وغيرها، وهذا وإن كان يحصل بالشمس إلا أن معرفته بالقمر وزيادته ونقصانه أمر يشترك فيه الناس كلهم.
وكذلك الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل، فإنه مع الحاجة إلى الليل وظلمته لهدوء الحيوان وبرد الهواء عليه وعلى النبات؛ لم يجعل الليل ظلامًا محضًا لا ضياء فيه، فلا يمكن فيه سفر ولا عمل، وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولشدة الحر، فيتمكنون في ضوء القمر من أعمال كثيرة، وجُعِل نوره باردًا ليقاوم حرارة نور--------------------------------------------
(1) «د»: «الغرب».
(2) «د» «م»: «فإن»، والسياق يقتضي المثبت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 240)
الشمس فيه(1) وسمومه، فيبرد سمومه فيعتدل الأمر، ويكسر كيفية كل منهما كيفية الآخر، ويزيل ضررها.
وكذلك الحكمة في خلق النجوم، فإن فيها من الهداية في البر والبحر، والاستدلال على الأوقات، وزينة السماء وغير ذلك ما لم يكن حاصلًا بمجرد الاتفاق، كما يقوله نفاة الحكمة.
واقتضت هذه الحكمة أن جُعِلت نوعين: نوعًا منها يظهر وقتًا ويحتجب آخر، ونوعًا آخر لا يزال ظاهرًا غير مُحْتَجِب، بل جُعِل ظاهرًا بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في الطرقات المجهولة، فهم ينظرون إليها متى أرادوا، ويهتدون بها إلى حيث شاؤوا، وجُعِلت الحكمة في النوع الأول الاستدلال بظهوره على أمور تقارنه، متى طلع في وقت معيّن دلّ على تلك الأمور، فقامت المصلحة والحكمة بالنوعين، مع ما في خلقها من حكم أخرى ومصالح لا يهتدي إليها العباد، فما خلق الله شيئًا سدى.
وقد نظم الله سبحانه الحوادث الأرضية بالأرواح والأجرام العلوية أكمل نظام، تعجز عقول البشر عن الإحاطة ببعضه، وقد استفرغت الأمم السالفة قوى أذهانها في إدراك ذلك فلم تصل منه إلا إلى ما لا نسبة له إلى ما خفي عليها بوجه ما.
وقد جعل الخلّاق العليم سبحانه النجوم فرقتين: فرقة منها لا تَرِيمُ مراكزها(2) من الفَلَك ولا تسير إلا بسيره، وفرقة أخرى مطلقه تتنقّل في--------------------------------------------
(1) أي في النهار.
(2) أي لا تبرح منازلها ولا تغادرها، من رام يريم رَيَّمْا، انظر: «الجمهرة» (2/ 805).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 241)
البروج وتسير بأنفسها غير سيرها بفَلَكها، فلكل منها مسيران مختلفان: أحدهما عام مع الفَلَك نحو الغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق.
وقد شُبِّه هذا النوع بنملة تدب على رحا، والرحا تدور ذات اليمين، والنملة تدور ذات الشمال، فللنملة في تلك الحال حركتان مختلفتان: إحداهما حركة بنفسها تتوجه أمامها، والأخرى بغيرها هي مقهورة عليها تبعًا للرحى، تجذبها إلى خلفها، فلهذا النوع من النجوم حركتان مختلفتان على وزن وتقدير لا تعدوه.
فَزَعَم نفاة الحكمة أن ذلك أمر اتفاقي لا لحكمة ولا لغرض مقصود.
فإن قلت: فما الغرض المقصود بذلك، وأي حكمة فيه؟
قيل: استدِلَّ بما عرفتَ من الحكمة على ما خفي عليك منها، ولا تجعل ما خفي عليك دليلًا على بطلانها.
مع أن من بعض الحِكَم في ذلك أنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي تكون من تنقّل المتنقِّلة منها، ومسيرها في كل واحد من البروج، كما يُستدل على أمور كثيرة وحوادث جمّة بتنقّل الشمس والقمر والسيارات في منازلها، ولو كانت كلها متنقّلة لم يكن لسيرها منازل تعرف ولا رسم يقاس عليه؛ فإنه إنما يقاس مسير المتنقّلة منها بتنقّلها في البروج الراتبة، كما يقاس سير السائر على الأرض بالمنازل التي يقطعها، وبالجملة فلو كانت كلها بحال واحدة لبطل النظام الذي اقتضته الحكمة التي جعلها هكذا، فذلك تقدير العزيز العليم، وصنع الربّ الحكيم.
وكيف يرتاب ذو بصيرة أن ذلك كله تقديرُ مُقَدِّرٍ حكيم، أتقن ما صنعه،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 242)
وأحكم ما دبّره، ويعرف بما فيه من الحِكَم والمصالح والمنافع إلى خلقه؟!
فشهدت العقول والفِطَر بأنه ذو الحكمة الباهرة، والقدرة القاهرة، والعلم التام المحيط، وأنه لم يخلق ذلك باطلًا، ولا من الحكمة عاطلًا.
وكذلك الحكمة في تعاقب الحر والبرد على التدريج على أبدان الحيوان والنبات، فإن قيامهما وكمالهما لمّا كان بذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن لا يدخل أحدهما على الآخر وهلة فلا تحتمله، بل التدريج قليلًا قليلًا إلى أن ينتهي منتهاه، ويحصل المقصود به من غير ضرر يعم.
وهذا كله بأسباب هي منشأ الحِكَم والمصالح، فلا تُبْطِل السببَ بإثبات الحكمة، ولا الحكمةَ بالسبب، ولا السببَ والحكمةَ بالمشيئة= فتكونَ من الذين بخس حظهم من السمع والعقل(1).
وكذلك الحكمة في خلق النار على ما هي عليه كامنة في حاملها، فإنها لو كانت ظاهرة كالهواء والماء والتراب لأحرقت العالم وما فيه، ولم يكن بدّ من ظهورها في الأحايين للحاجة إليها، فجُعِلت مخزونة في الأجسام تُورَى عند الحاجة إليها، فتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها، ثم تخبو إذا استغنى عنها، فجُعِلت على خلقة وتقدير وتدبير حصل به الاستمتاع بها والانتفاع مع السلامة من ضررها.
ثم في النار خَلّة أخرى، وهي أنها مما خُصّ به الإنسان دون سائر الحيوان، فإن الحيوانات لا تستعمل النار ولا تستمتع بها، ولمّا اقتضت الحكمة الباهرة ذلك اغتنت الحيوانات عنها في لباسها وأقواتها، فأعطيت من--------------------------------------------
(1) انظر: «مفتاح دار السعادة» (1/ 610 - 612).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 243)