Arabic source text

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

📘 أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم (محمد الأمين الشنقيطي - ت 1393 هـ)

📘 আদওয়াউল বায়ান ফী ঈজাহিল কুরআনি বিল কুরআন - ত আতাআতুল ইলম (মুহাম্মদ আল-আমিন আল-শানকিতি - মৃত্যু 1393 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
يقصر بالياء، وفاعله ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتتم بتاءين، وفاعله ضمير يعود إلى عائشة، فيكون بمعنى الحديث الأول، ولكن جاء في بعض روايات الحديث التصريح بإسناد الإتمام المذكور للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال البيهقي: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا المحاملي، حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر في الصلاة ويتم، ويفطر ويصوم. قال علي: هذا إسناد صحيح اهـ.
قال البيهقي: وله شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، وكلهم ضعيف.
الخامس: إجماع العلماء على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام ولو كان القصر واجبا حتما لما جاز صلاة أربع خلف الإمام.
وأجاب أهل هذا القول عن حديث عمر وعائشة وابن عباس بأن المراد بكون صلاة السفر ركعتين أي: لمن أراد ذلك، وعن قول عمر في الحديث "تمام غير قصر"، بأن معناه أنها تامة في الأجر قاله النووي، ولا يخلو من تعسف.
وأجاب أهل القول الأول عن حجج هؤلاء قالوا: إن قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} في صلاة الخوف كما قدمنا، فلا دليل فيه لقصر الرباعية قالوا: ولو سلمنا أنه في قصر الرباعية فالتعبير بلفظ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لا ينافي الوجوب كما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)

اعترفتم بنظيره في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}؛ لأن السعي فرض عند الجمهور. وعن قوله في الحديث: "صدقة تصدق الله بها عليكم" بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقبولها في قوله: "فاقبلوا صدقته" والأمر يقتضي الوجوب، فليس لنا عدم قبولها مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فاقبلوها"، وأجابوا عن الثالث والرابع بأن حديثي عائشة المذكورين لايصح واحد منهما، واستدلوا على عدم صحة ذلك بما ثبت في الصحيح عن عروة أنها تأولت في إتمامها ما تأول عثمان، فلو كان عندها في ذلك رواية من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل عنها عروة أنها تأولت.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ما نصه: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون، ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
وقال الزهري بن عروة لما حدثه عن أبيه، عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة؟ فقال: تأولت كما تأول عثمان. فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حسن فعلها وأقرها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يزيد في السفر على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)

ركعتين، ولا أبو بكر، ولا عمر، أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون، وأما بعد موته - صلى الله عليه وسلم -، فإنها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلا. والحجة في روايتهم، لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له والله أعلم. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
قال مقيده - عفا الله عنه -: إما استبعاد مخالفة عائشة رضي الله عنها للنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته مع الاعتراف بمخالفتها له - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته، فإنه يوهم أن مخالفته بعد وفاته سائغة، ولا شك أن المنع من مخالفته في حياته باق بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، فلا يحل لأحد البتة مخالفة ما جاء به من الهدى إلى يوم القيامة؛ فعلا كان أو قولا أو تقريرا، ولا يظهر كل الظهور أن عائشة تخالف هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - باجتهاد، ورواية من روى أنها تأولت تقتضي نفي روايتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا في ذلك، والحديث المذكور فيه إثبات أنها روت عنه ذلك، والمثبت مقدم على النافي، فبهذا يعتضد الحديث الذي صححه بعضهم، وحسنه بعضهم كما تقدم.
والتحقيق أن سند النسائي المتقدم الذي روى به هذا الحديث صحيح، وإعلال ابن حبان له بأن فيه العلاء بن زهير الأزدي. وقال فيه: إنه يروي عن الثقات مالا يشبه حديث الإثبات، فبطل الاحتجاج به، مردود بأن العلاء المذكور ثقة كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره، وإعلال بعضهم له بأن عبد الرحمن بن الأسود لم يدرك عائشة مردود بأنه أدركها. قال الدارقطني: وعبد الرحمن أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق، وذكر الطحاوي عن عبد الرحمن أنه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)

دخل على عائشة بالاستئذان بعد احتلامه، وذكر صاحب "الكمال": أنه سمع منها، وذكر البخاري في تاريخه وابن أبي شيبة ما يشهد لذلك. قاله ابن حجر. وإعلال الحديث المذكور بأنه مضطرب؛ لأن بعض الرواة يقول: عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، وبعضهم يقول: عن عبد الرحمن، عن عائشة مردود أيضا بأن رواية من قال: عن أبيه خطأ، والصواب عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة. قال البيهقي: بعد أن ساق أسانيد الروايتين، قال أبو بكر النيسابوري: هكذا قال أبو نعيم: عن عبد الرحمن، عن عائشة، ومن قال: عن أبيه في هذا الحديث فقد أخطأ. اهـ.
فالظاهر ثبوت هذا الحديث، وهو يقوي حجة من لم يمنع إتمام الرباعية في السفر وهم أكثر العلماء، وذهب الإمام مالك بن أنس إلى أن قصر الرباعية في السفر سنة، وأن من أتم أعاد في الوقت، لأن الثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يواظب على القصر في أسفاره وكذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان في غير أيام منى، ولم يمنع مالك الإتمام؛ للأدلة التي ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني: اختلف العلماء في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة. فقال مالك والشافعي وأحمد: هي أربعة برد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وتقريبه بالزمان مسيرة يومين سيرا معتدلا، وعندهم اختلاف في قدر الميل معروف.
واستدل من قال بهذا القول بما رواه مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)

قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد. وريم موضع، قال بعض شعراء المدينة:
فكم من حرة بين المنقى … إلى أحد إلى جنبات ريم
وبما رواه مالك عن نافع، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك.
قال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد، وبما قال مالك: إنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة. قال مالك: وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر فيه الصلاة إلي، وبما رواه مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، كل هذه الآثار المذكورة في الموطأ، وممن قال بهذا ابن عمر وابن عباس كما ذكرناه عنهما.
وقال البخاري رحمه الله في صحيحه: وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران، ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا. اهـ. وبه قال الحسن البصري، والزهري، والليث بن سعد، وإسحاق، وأبو ثور نقله عنهم النووي.
وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز القصر في أقل من مسافة ثلاثة أيام، وممن قال به أبو حنيفة، وهو قول عبد الله بن مسعود، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والحسن بن صالح، والثوري، وعن أبي حنيفة أيضا يومان وأكثر الثالث.
واحتج أهل هذا القول بحديث ابن عمر وحديث أبي سعيد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)

الثابتين في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم" وبحديث "مسح المسافر على الخف ثلاثة أيام ولياليهن" ووجه الاحتجاج بهذا الحديث الأخير أنه يقتضي أن كل مسافر يشرع له مسح ثلاثة أيام، ولا يصح العموم في ذلك إلا إذا قدر أقل مدة السفر بثلاثة أيام، لأنها لو قدرت بأقل من ذلك لا يمكنه استيفاء مدته، لانتهاء سفره، فاقتضى ذلك تقديره بالثلاثة، وإلا لخرج بعض المسافرين عنه. اهـ.
والاستدلال بالحديثين غير ظاهر فيما يظهر لي، لأن المراد بالحديث الأول: أن المرأة لا يحل لها سفر مسافة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، وهذا لا يدل على تحديد أقل ما يسمى سفرا، ويدل له أنه ورد في بعض الروايات الصحيحة "لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم" وفي بعض الروايات الصحيحة "لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة" وفي رواية لمسلم مسيرة "يوم" وفي رواية له "ليلة"، وفي رواية أبي داود "لا تسافر بريدا"، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقال البيهقي في السنن الكبرى: وهذه الرواية في الثلاثة واليومين واليوم صحيحة، وكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "سئل عن المرأة تسافر ثلاثا من غير محرم، فقال: لا، وسئل عنها تسافر يومين من غير محرم، فقال: لا، ويوما فقال: لا" فأدى كل واحد منهم ما حفظ، ولا يكون عدد من هذه الأعداد حدا للسفر. اهـ. منه بلفظه. فظهر من هذا أن الاستدلال على أقل السفر بالحديث غير متجه كما ترى، لا سيما أن ابن عمر راويه قد خالفه كما تقدم، والقاعدة عند الحنفية أن العبرة بما رأى الصحابي لا بما روى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)

وأما الاستدلال بحديث توقيت مسح المسافر بثلاثة أيام بلياليهن فهو أيضا غير متجه، لأنه إذا انتهى سفره قبلها صار مقيما وزال عنه اسم السفر وليس في الحديث أنه لا بد من أن يسافر ثلاثة، بل غاية ما يفيده الحديث أن المسافر له في المسح على الخف مدة ثلاثة أيام، فإن مكثها مسافرا فذلك، وإن أتم سفره قبلها صار غير مسافر، ولا إشكال في ذلك.
وذهب جماعة من أهل العلم: إلى أن القصر يجوز في مسيرة يوم تام، وممن قال به الأوزاعي وابن المنذر.
واحتجوا بما تقدم في بعض الروايات الصحيحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق اسم السفر على مسافة يوم، والسفر هو مناط القصر، وبما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام. وظاهر صنيع البخاري أنه يختار أنها يوم وليلة، لأنه قال: "باب في كم يقصر الصلاة؟ وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما وليلة سفرا"، لأن قوله: وسمى النبي الخ بعد قوله: في كم يقصر الصلاة؟ يدل على أن ذلك هو مناط القصر عنده، كما هو ظاهر.
وذهب بعض العلماء إلى جواز القصر في قصير السفر وطويله، وممن قال بهذا داود الظاهري، قال عنه بعض أهل العلم: حتى إنه لو خرج إلى بستان خارج البلد قصر.
واحتج أهل هذا القول بإطلاق الكتاب والسنة جواز القصر بلا تقييد للمسافة، وبما رواه مسلم في صحيحه عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال: كان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين"، هذا لفظ مسلم، وبما رواه مسلم أيضا في الصحيح عن جبير بن نفير قال: "خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا فصلى ركعتين، فقلت له: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل".
وأجيب من جهة الجمهور بأنه لا دليل في حديثي مسلم المذكورين؛ لأنه ليس المراد بهما أن تلك المسافة المذكورة فيهما هي غاية السفر، بل معناه أنه كان إذا سافر سفرا طويلا فتباعد ثلاثة أميال قصر؛ لأن الظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن يصليها، فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد من المدينة، وكذلك حديث شرحبيل المذكور، فقوله: إن عمر رضي الله عنه صلى بذي الحليفة ركعتين محمول على ما ذكرناه في حديث أنس، وهو أنه كان مسافرا إلى مكة أو غيرها فمر بذي الحليفة، وأدركته الصلاة فصلى ركعتين، لا أن ذا الحليفة غاية سفره. قاله النووي وغيره، وله وجه من النظر، ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - القصر صريحا فيما دون مرحلتين كما جزم به النووي.
قال مقيده - عفا الله عنه -: قال ابن حجر: في التلخيص الحبير وروى سعيد بن منصور عن أبي سعيد قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة" وسكت عليه، فإن كان صحيحا فهو ظاهر في قصر الصلاة في المسافة القصيرة ظهورا أقوى من دلالة حديثي مسلم المتقدمين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)

قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الذي ذكرنا هو حاصل كلام العلماء في تحديد مسافة القصر، والظاهر أنه ليس في تحديدها نص صريح، وقد اختلف فيها على نحو من عشرين قولا، وما رواه البيهقي، والدارقطني، والطبراني عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ياأهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد" ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك، وكذبه الثوري. وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه، وراويه عنه إسماعيل بن عياش، وروايته عن غير الشاميين ضعيفة، وعبد الوهاب المذكور حجازي لا شامي، والصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عباس، رواه عنه الشافعي بإسناد صحيح، ورواه عنه مالك في الموطأ بلاغا، وقد قدمناه.
والظاهر أن الاختلاف في تحديد المسافة من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فكل ما كان يطلق عليه إسم السفر في لغة العرب يجوز القصر فيه؛ لأنه ظاهر النصوص، ولم يصرف عنه صارف من نقل صحيح، ومطلق الخروج من البلد لا يسمى سفرا، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يذهب إلى قباء، وإلى أحد ولم يقصر الصلاة، والحديثان اللذان قدمنا عن مسلم محتملان، وحديث سعيد بن منصور المتقدم لا نعلم أصحيح هو أم لا. فإن كان صحيحا كان نصا قويا في قصر الصلاة في المسافة القصيرة والطويلة، وقصر أهل مكة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع دليل عند بعض العلماء على القصر في المسافة غير الطويلة، وبعضهم يقول: القصر في مزدلفة، ومنى، وعرفات من مناسك الحج، والله تعالى أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)

قال مقيده - عفا الله عنه -: أقوى الأقوال فيما يظهر لي حجة هو قول من قال: إن كل ما يسمى سفرا ولو قصيرا تقصر فيه الصلاة؛ لإطلاق السفر في النصوص، ولحديثي مسلم المتقدمين، وحديث سعيد بن منصور، وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب، سمعت ابن عمر يقول: "إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر". وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر يقول: "لو خرجت ميلا قصرت الصلاة".
قال ابن حجر: في الفتح. إسناد كل منهما صحيح. اهـ. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثالث: يبتدىء المسافر القصر، إذا جاوز بيوت بلده بأن خرج من البلد كله، ولا يقصر في بيته إذا نوى السفر، ولا في وسط البلد، وهذا هو قول جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة، وأكثر فقهاء الأمصار، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قصر بذي الحليفة، وعن مالك أنه إذا كان في البلد بساتين مسكونة أن حكمها حكم البلد، فلا يقصر حتى يجاوزها.
واستدل الجمهور على أنه لا يقصر إلا إذا خرج من البلد بأن القصر مشروط بالضرب في الأرض، ومن لم يخرج من البلد لم يضرب في الأرض.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن أراد السفر قصر وهو في منزله، وذكر ابن المنذر، عن الحارث ابن أبي ربيعة، أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، قال: وروينا معناه عن عطاء، وسليمان

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)

بن موسى، قال: وقال مجاهد: لا يقصر المسافر نهارا حتى يدخل الليل، وإن خرج بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار، وعن عطاء أنه قال: إذا جاوز حيطان داره فله القصر.
قال النووي: فهذان المذهبان فاسدان فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء، وموافقيه منابذ للسفر. اهـ. منه، وهو ظاهر كما ترى.
الفرع الرابع: اختلف العلماء في قدر المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها لزمه الإتمام، فذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد في إحدى الروايتين إلى أنها أربعة أيام، والشافعية يقولون: لا يحسب فيها يوم الدخول، ولا يوم الخروج، ومالك يقول: إذا نوى إقامة أربعة أيام صحاح أتم.
وقال ابن القاسم في العتبية: يلغى يوم دخوله ولا يحسبه.
والرواية المشهورة عن أحمد، أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله هي نصف شهر.
واحتج من قال بأنها أربعة أيام، بما ثبت في الصحيح من حديث العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر" هذا لفظ مسلم، وفي رواية له عنه "للمهاجر إقامة ثلاث ليال بعد الصدر بمكة"، وفي رواية له عنه "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)

ثلاثا"، وأخرجه البخاري في المناقب، عن العلاء بن الحضرمي أيضا بلفظ: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث للمهاجر بعد الصدور". اهـ.
قالوا: فإذن النبي - صلى الله عليه وسلم -، المهاجرين في ثلاثة الأيام يدل على أن من أقامها في حكم المسافر، وأن ما زاد عليها يكون إقامة، والمقيم عليه الإتمام، وبما أخرجه مالك في الموطأ بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا".
وأجيب عن هذا الدليل من جهة المخالف بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رخص لهم في الثلاث؛ لأنها مظنة قضاء حوائجهم، وتهيئة أحوالهم للسفر، وكذلك ترخيص عمر لليهود في إقامة ثلاثة أيام، والاستدلال المذكور له وجه من النظر؛ لأنه يعتضد بالقياس؛ لأن القصر شرع لأجل تخفيف مشقة السفر، ومن أقام أربعة أيام، فإنها مظنة لإذهاب مشقة السفر عنه.
واحتج الإمام أحمد على أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة بما ثبت في الصحيح من حديث جابر، وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قدم مكة في حجة الوداع صبح رابعة، فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، وهي إحدى وعشرون صلاة؛ لأنها أربعة أيام كاملة، وصلاة الصبح من الثامن" قال: فإذا أجمع أن يقيم، كما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)

وروى الأثرم، عن أحمد رحمه الله أن هذا الاحتجاج كلام ليس يفقهه كل الناس، وحمل الإمام أحمد حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة في حجة الوداع عشرا يقصر الصلاة على هذا المعنى الذي ذكرنا عنه، وأن أنسا أراد مدة إقامته بمكة ومنى ومزدلفة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا لا ينبغي العدول عنه، لظهور وجهه، ووضوح أنه الحق.
تنبيه: حديث أنس هذا الثابت في الصحيح، لا يعارضه ما ثبت في الصحيح أيضا، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا". لأن حديث ابن عباس رضي الله عنهما في غزوة الفتح، وحديث أنس في حجة الوداع، وحديث ابن عباس محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان ناويا الإقامة، والإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم السفر عند الجمهور. والله تعالى أعلم.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله لأنها نصف شهر، بما روى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح خمسة عشر؛ يقصر الصلاة" وضعف النووي في "الخلاصة رواية "خمسة عشر".
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد ابن إسحاق، فقد أخرجه النسائي، من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله، عن ابن عباس كذلك، واختار أبو حنيفة رواية خمسة عشر، عن رواية سبعة عشر، ورواية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)

ثمانية عشر، ورواية تسعة عشر، لأنها أقل ما ورد، فيحمل غيرها على أنه وقع اتفاقا، وأرجح الروايات وأكثرها ورودا في الروايات الصحيحة رواية تسعة عشر، وبها أخذ إسحاق بن راهويه، وجمع البيهقي بين الروايات، بأن من قال: تسعة عشر، عد يوم الدخول، ويوم الخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال: ثماني عشرة حذف أحدهما. أما رواية خمسة عشر، فالظاهر فيها أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر فحذف منها، يوم الدخول، ويوم الخروج، فصار الباقي خمسة عشر.
واعلم أن الإقامة المجردة عن النية فيها أقوال للعلماء:
أحدها: أنه يتم بعد أربعة أيام.
والثاني: بعد سبعة عشر يوما.
والثالث: ثمانية عشر.
والرابع: تسعة عشر.
والخامس: عشرين يوما.
والسادس: يقصر أبدا حتى يجمع على الإقامة.
والسابع: للمحارب أن يقصر، وليس لغيره القصر بعد إقامة أربعة أيام.
وأظهر هذه الأقوال أنه لا(1) يقصر حتى ينوي الإقامة -ولو--------------------------------------------
(1) كذا، والظاهر حذف "لا".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)

طال مقامه من غير نية الإقامة-، ويدل له قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - مدة إقامته في مكة عام الفتح، كما ثبت في الصحيح، وما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي عن جابر قال: "أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة". وقد صحح هذا الحديث النووي وابن حزم، وأعله الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى، عن أنس فقال: "بضع عشرة". وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي وهو ضعيف. قال البيهقي بعد إخراجه له: ولا أراه محفوظا، وقد روي من وجه آخر عن جابر "بضع عشرة" اهـ. وقد اختلف فيه على الأوزاعي ذكره الدارقطني في العلل، وقال: الصحيح عن الأوزاعي عن يحيى أن أنسا كان يفعله. قال ابن حجر: ويحيى لم يسمع من أنس.
وقال النووي في شرح المهذب: قلت ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد، وهو إمام مجمع على جلالته، وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح؛ لأن الصحيح أنه إذا تعارض الحديث في إرسال وإسناد، حكم بالمسند. اهـ. منه وعقده صاحب المراقي بقوله:
والرفع والوصل وزيد اللفظ … مقبولة عند إمام الحفظ
الخ .. واستدل أيضا من قال بأن الإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم السفر بما أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: "غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهدت

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)

معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلدة صلوا أربعا فإنا سفر" فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: فإنا سفر مع إقامته ثماني عشرة يدل دلالة واضحة على أن المقيم من غير نية الإقامة يصدق عليه إسم المسافر، ويؤيده حديث "إنما الأعمال بالنيات" وهذا الحديث حسنه الترمذي، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
قال ابن حجر: وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده، ولم يعتبر الاختلاف في المدة، كما علم من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد، دون السياق. اهـ. وعلي بن زيد المذكور أخرج له مسلم مقرونا بغيره.
وقال الترمذي في حديثه في السفر: حسن صحيح، وقال: صدوق ربما رفع الموقوف. ووثقه يعقوب بن شيبة.
وقال بعض أهل العلم: اختلط في كبره، وقد روى عنه شعبة، والثوري وعبد الوارث، وخلق. وقال الدارقطني: إنما فيه لين، والظاهر أن قول الدارقطني هذا أقرب للصواب فيه. لكن يتقى منه ما كان بعد الإختلاط. اهـ. إلى غير ذلك من الأدلة على أن الإقامة دون نيتها لا تقطع حكم السفر، "وقد أقام الصحابة برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة". رواه البيهقي بإسناد صحيح، وتضعيفه بعكرمة بن عمار مردود بأن عكرمة المذكور من رجال مسلم في صحيحه.
وقد روى أحمد في مسنده عن ثمامة بن شراحيل، عن ابن عمر أنه قال: "كنت بأذربيجان لا أدري قال: أربعة أشهر أو شهرين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)

فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين" وأخرجه البيهقي.
وقال ابن حجر في التلخيص: إن إسناده صحيح. اهـ.
ومذهب مالك الفرق بين العسكر بدار الحرب فيقصر، وبين غيره فيقصر بنية إقامة أربعة أيام صحاح.
الفرع الخامس: إذا تزوج المسافر ببلد، أو مر على بلد فيه زوجته أتم الصلاة؛ لأن الزوجة في حكم الوطن، وهذا هو مذهب مالك، وأبي حنيفة وأصحابهما، وأحمد، وبه قال ابن عباس: وروي عن عثمان بن عفان، واحتج من قال بهذا القول بما رواه الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه "أنه صلى بأهل منى أربعا وقال: يا أيها الناس لما قدمت تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا تأهل الرجل ببلده فإنه يصلي بها صلاة المقيم".
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد بعد أن ساق هذا الحديث: وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. يعني: في مخالفته النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر في قصر الصلاة في منى، وأعل البيهقي حديث عثمان هذا بانقطاعه، وأن في إسناده عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف.
قال ابن القيم: قال أبو البركات بن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك وأصحابهما. اهـ. منه بلفظه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)

قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن أحسن ما يعتذر به عن عثمان، وعائشة في الإتمام في السفر أنهما فهما من بعض النصوص أن القصر في السفر رخصة، كما ثبت في صحيح مسلم أنه صدقة تصدق الله بها اهـ. وأنه لا بأس بالإتمام لمن لا يشق عليه ذلك كالصوم في السفر، ويدل لذلك ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة "أنها كانت تصلي أربعا، قال: فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق علي" وهذا أصرح شيء عنها في تعيين ما تأولت به. والله أعلم.
الفرع السادس: لا يجوز للمسافر في معصية القصر؛ لأن الترخيص له، والتخفيف عليه إعانة له على معصيته، ويستدل لهذا بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} الآية. فشرط في الترخيص بالاضطرار إلى أكل الميتة كونه غير متجانف لإثم، ويفهم من مفهوم مخالفته أن المتجانف لإثم لا رخصة له، والعاصي بسفره متجانف لإثم، والضرورة أشد في اضطرار المخمصة منها في التخفيف بقصر الصلاة، ومنع ما كانت الضرورة إليه ألجأ بالتجانف للإثم يدل على منعه به فبما دونه من باب أولى، وهذا النوع من مفهوم المخالفة من دلالة اللفظ عند الجمهور، لا من القياس خلافا للشافعي، وقوم كما بيناه مرارا في هذا الكتاب، وهو المعروف بإلغاء الفارق، وتنقيح المناط، ويسميه الشافعي القياس في معنى الأصل. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وخالف في هذه المسألة أبو حنيفة رحمه الله فقال: يقصر العاصي بسفره كغيره، لإطلاق النصوص، ولأن السفر الذي هو مناط القصر ليس

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)

معصية بعينه، وبه قال الثوري، والأوزاعي: والقول الأول أظهر عندي. والله تعالى أعلم.

•‌‌ قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} ذكر في هذه الكريمة أن الصلاة كانت ولم تزل على المؤمنين كتابا، أي: شيئا مكتوبا عليهم واجبا حتما موقوتا، أي: له أوقات يجب بدخولها، ولم يشر هنا إلى تلك الأوقات، ولكنه أشار لها في مواضع أخر، كقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} فأشار بقوله: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وهو زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر، وأشار بقوله: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء، وأشار بقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} إلى صلاة الصبح، وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة؛ لأنها ركن فيها، من التعبير عن الشيء بإسم بعضه. وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحا كليا.
ومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة -كما قاله جماعة من العلماء-: قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)} قالوا: المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة، وأشار بقوله: {حِينَ تُمْسُونَ} إلى صلاة المغرب والعشاء، وبقوله: هو {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} إلى صلاة الصبح وبقوله: {وَعَشِيّاً} إلى صلاة العصر، وبقوله: {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} إلى صلاة الظهر.
وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ} وأقرب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)

الأقوال في الآية أنه أشار بطرفي النهار إلى صلاة الصبح أوله، وصلاة الظهر والعصر آخره، أي: في النصف الأخير منه وأشار بزلف من الليل إلى صلاة المغرب والعشاء.
وقال ابن كثير: يحتمل أن الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس، وكان الواجب قبلها صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وقيام الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وعلى هذا فالمراد بطرفي النهار الصلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، والمراد بزلف من الليل قيام الليل.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله بعيد؛ لأن الآية نزلت في أبي اليسر في المدينة بعد فرض الصلوات بزمن، فهي على التحقيق مشيرة لأوقات الصلاة، وهي آية مدنية في سورة مكية.
وهذه تفاصيل أوقات الصلاة بأدلتها المبينة لها من السنة، ولا يخفى أن لكل وقت منها أولا وآخرا.
أما أول وقت الظهر فهو زوال الشمس عن كبد السماء بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} فاللام للتوقيت، ودلوك الشمس: زوالها عن كبد السماء على التحقيق.
وأما السنة فمنها حديث أبي برزة الأسلمي عند الشيخين "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس" الحديث، ومعنى تدحض: تزول عن كبد السماء، وفي رواية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)