قال ابن كثير: " وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب النزول فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير والله أعلم " (1)
قال ابن عاشور: " (والوجه في الاستدلال أن هذه الآية اشتملت على صيغ عموم في قوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} إلى قوله {فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} وهي من جانب آخر مطلقة في حالة اللقاء من قوله: {إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} (2) فتكون آيات {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ … } (3) مخصصة لعموم هاته الآية بمقدار العدد ومقيدة لإطلاقها اللقاء بقيد حالة ذلك العدد" (4).--------------------------------------------
(1) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 7، ص 39.
(2) سورة الأنفال، الآية (15).
(3) سورة الأنفال، الآية (65 - 66).
(4) التحرير والتنوير، ج 5، ص 288.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)
القول الراجح:
إن الآية محكمة وليست منسوخة ، والعموم الذي يفيده قوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} قد خصص بما في الآيتين، فلم يعد كل من يولي الكفار دبره في القتال مستحقاً للوعيد الذي في الآية، وإنما قصر هذا الوعيد على من فرّ أمام عدو لا يزيد على مثليه (1).
ومما يعضد هذا الترجيح قاعدة (الأصل عدم النسخ مالم يقم دليل صحيح صريح على خلاف ذلك)، وقد رجّح بها الطبري فقال: " وإنما قلنا هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} " (2).
كما يعضد هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحية (النسخ لا يقع في الأخبار) وقد ذكر ابن العربي أن النسخ هنا لا يجوز لأنه وعيد، والوعيد لا ينسخ لأنه خبر (3).--------------------------------------------
(1) النسخ في القرآن الكريم / مصطفى زيد، ج 2، ص 123
(2) جامع البيان / الطبري، ج 9، ص 240.
(3) انظر الناسخ والمنسوخ / ابن العربي، ص 132.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)
وردّ أبو حيان على من استدل بقوله: {يَوْمَئِذٍ} بأنه خاص بيوم بدر فقال: " وهذا القول بأن الإشارة بقوله يومئذ لا يظهر إلى يوم بدر؛ لأنّ ذلك في سياق الشرط وهو مستقبل فإن كانت الآية نزلت يوم بدر قبل انقضاء القتال فيوم بدر فرد من أفراد لقاء الكفار فيندرج فيه ولا يكون خاصاً به وإن كانت نزلت بعده فلا يدخل يوم بدر فيه بل يكون ذلك استئناف حكم في الاستقبال" (1).--------------------------------------------
(1) البحر المحيط / أبو حيان، ج 4، ص 469.
ونظائر هذه الأمثلة كثيرة في تفسيره ، منها:
1 - … ما جاء في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} (النور: 29)، وفيها قول ابن عاشور: " هذا تخصيص لعموم قوله: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} (النور: 27) بالبيوت المعدة للسكنى ". (التحرير والتنوير، ج 9، ص 201).
2 - … ما جاء في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (البقرة: 48) قال ابن عاشور: " اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة يوم القيامة للطائعين والتائبين لرفع الدرجات، لم يختلف في ذلك الأشاعرة والمعتزلة ، فهذا اتفاق على تخصيص العموم ابتداءً " (التحرير والتنوير، ج 1، ص 487).
3 - … ما جاء في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199) وفيه قوله: "ومن قال: إن هذه الآية نسختها آيات القتال فقد وهم: لأن العفو باب آخر، وأما القتال فله أسبابه ولعله أراد من النسخ ما يشمل معنى البيان أو التخصيص في اصطلاح أصول الفقه " (التحرير والتنوير، ج 5، ص 227).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)
الفصل الرابع
قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى
لا يجوز ردها أو رد معناها.
المبحث الثاني: الأصل توافق القراءات في المعنى.
المبحث الثالث: اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم
يكثر المعاني في الآية الواحدة.
المبحث الرابع: تأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد
المعاني القائمة من الآية.
المبحث الخامس: التفسير الموافق لرسم المصحف
مقدم على غيره من التفاسير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
المبحث الأول
القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها
صورة القاعدة:
إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو ردّ معناها، بل يجب قبولها وقبول معناها، وكل طاعن أو راد لها أو لمعناها الذي تؤدي إليه فقوله ردّ عليه (1).
شرح مفردات القاعدة:
القراءة لغة: مشتقة من مادة (قرأ) وهي مصدر للفعل قرأ، يقال: قرأ يقرأ قرآناً وقراءة، فكل منهما مصدر للفعل، وهو على وزن " فعالة"، وهذا اللفظ يستعمل للمعاني التالية:
1 - الجمع والضم: أي جمع وضم الشيء إلى بعضه، ومنه قولهم: (وما قرأتْ الناقة جنيناً) أي لم تضم رحمها على ولد.
2 - التلاوة: وهي النطق بالكلمات المكتوبة، ومنه قولهم: (قرأت الكتاب) أي تلوته، وسميت التلاوة قراءة؛ لأنها ضم لأصوات الحروف في الذهن لتكوين الكلمات التي ينطق بها (2).
اصطلاحاً: لعلماء القراءات تعريفات متعددة للقراءات (3) أذكر منها تعريف--------------------------------------------
(1) انظر قواعد الترجيح عند المفسرين / حسين الحربي، ج 1، ص 89.
(2) انظر المعجم الوسيط، ص 722، مادة قرأ، ولسان العرب، ج 11، ص 78، مادة: قرأ.
(3) انظر تعريف القراءات في: البرهان في علوم القرآن / الزركشي، ج 1، ص 318.، ولطائف الإشارات / القشيري، ج 1، ص 170، ومفتاح السعادة ومصباح السيادة / طاش كبرى زاده، ج 2، ص 6، وإتحاف فضلاء البشر / البنا الدمياطي، ص 147، ومناهل العرفان / الزرقاني، ج 1، ص 410.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)
ابن الجزري وهو: " علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة " (1).
المتواترة:
التواتر في اللغة: التتابع، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} (2) أي واحدا بعد واحد (3).
اصطلاحاً: القراءة التي نقلها جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى السند (4).
وهذه القاعدة من القواعد التي اعتنى بها ابن عاشور في تفسيره حيث يقول: " اتفق علماء القراءات والفقهاء على أن كل قراءة وافقت وجها في العربية ، ووافقت خط المصحف أي مصحف عثمان ، وصح سند راويها؛ فهي قراءة صحيحة لا يجوز ردها " (5).
ولابن عاشور موقف مختلف في القراءات المتواترة حيث يرى أن القراءة إذا كانت متواترة فإنها غنية عن بقية الشروط التي نص عليها العلماء ، وتواترها--------------------------------------------
(1) منجد المقرئين / ابن الجزري، ص 3.
(2) سورة المؤمنون، الآية (44).
(3) انظر لسان العرب، ج 15، ص 207، مادة: وتر.
(4) انظر الإتقان / السيوطي، ج 1، ص 168، ومناهل العرفان / الزرقاني، ج 1، 349.
(5) التحرير والتنوير، ج 1، ص 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
كاف لقبولها.
ومن قوله في ذلك: " وما ذكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرو متواترة " (1).
ومما يدل على استحضاره أيضاً لهذه القاعدة في تفسيره أنه بعد أن ذكر رد أبي بكر
السراج (2) لقراءة (ملك) .. علّق بعد ذلك قائلاً: " وكلتاهما صحيحة ثابتة كما هو شأن القراءات المتواترة " (3).
أقوال العلماء في هذه القاعدة:
قال ابن الجزري: " كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة، أو--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير ، ج 15 ، ص 161.
(2) هو أبو بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج؛ كان أحد الأئمة المشاهير، المجمع على فضله ونبله وجلالة قدره في النحو والآداب، أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وغيره، وأخذ عنه جماعة من الأعيان منهم: أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما، ونقل عنه الجوهري في كتاب الصحاح في مواضع عديدة ، وله التصانيف المشهورة في النحو: منها كتاب الأصول وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن، وكتاب الاشتقاق ، وكتاب شرح كتاب سيبويه، وكتاب احتجاج القراء ،وكتاب الشعر والشعراء، مات سنة ست عشرة وثلاث مئة. (وفيات الأعيان / ابن خلكان، ج 4، ص 339، سير أعلام النبلاء / الذهبي - (ج 14 / ص 484).
(3) التحرير والتنوير، ج 1، ص 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)
عن غيرهم من الأئمة المقبولين .. " (1).
وقال الزرقاني: "لعلماء القراءات ضابط مشهور يزنون به الروايات الواردة في القراءات فيقول كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا ووافقت العربية ولو بوجه وصح إسنادها ولو كان عمن فوق العشرة من القراء فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن " (2).
وهذا الضابط نظمه صاحب الطيبة فقال:
وكل ما وافق وجه النحو … وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادا هو القرآن … فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت … شذوذه لو أنه في السبعة (3).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
1 - قراءة "الأرحام":
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (4).--------------------------------------------
(1) النشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ج 1، ص 15.
(2) مناهل العرفان / الزرقاني، ج 1، ص 340.
(3) طيبة النشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ص 32.
(4) سورة النساء، الآية (1).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)
اختلف القراء في قراءة الأرحام بين نصب الميم وكسرها (1)، وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " {وَالْأَرْحَامَ} قرأه الجمهور بالنصب عطفاً على اسم الله ،
وقرأه حمزة بالجرّ عطفاً على الضمير المجرور، فعلى قراءة الجمهور يكون: "الأرحام " مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وعلى قراءة حمزة يكون: تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب: «ناشدتك اللَّه والرحم» (2).
كما روي في «الصحيح»: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأ على عتبة بن ربيعة سورة فصّلت حتّى بلغ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} (3) فأخذت عتبة رهبة وقال: ناشدتك اللَّه والرحم " (4).
ومما يدل على استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة في تفسيره أنه بعد أن أشار إلى تضعيف النحاة لقراءة الجر قال: " وهو ظاهر محمل هذه الرواية ، وإن--------------------------------------------
(1) وهاتان القراءتان متواترتان. انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 226، والتيسير / الداني، ص 93، ومتن الشاطبية / الشاطبي، ص 88 ، والنشر في القراءات العشر / ابن الجزري، ج 2، ص 186، والبدور الزاهرة / عبد الفتاح القاضي، ص 73.
(2) التحرير والتنوير، ج 3، ص 217.
(3) سورة فصلت، الآية (13).
(4) التحرير والتنوير، ج 3، ص 217.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)
أباه جمهور النحاة استعظاماً لعطف الاسم على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ، حتّى قال المبرّد: «لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخذت نعلي وخرجت من الصلاة» وهذا من ضيق العطن وغرور بأنّ العربية منحصرة فيما يعلمه " (1).
وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور: الرازي والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي، والقاسمي، حيث ذكروا كلا القراءتين وأخذوا بها وبمعناها ، وذلك بناء على أن كلا القراءتين متواترتان (2).
في حين أن الشوكاني وقف موقفاً مختلفاً حيث أخذ بقراءة الجر مع أنه لا يرى أنها متواترة، وإنما احتج بها لورود مثلها في أشعار العرب، كما في قول بعضهم:
وحسبك والضحاك سيف مهند …
وقول الآخر:
وقد رام آفاق السماء فلم يجد … له مصعداً فيها ولا الأرض مقعداً
فسواها في موضع جرّ عطفاً على الضمير في فيها.
ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} (3) (4).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 3، ص 217 - 218.
(2) انظر التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 479، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 9، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 167، وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير، ج 3، ص 334، وروح المعاني / الألوسي، ج 2، ص 396، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 3، ص 8.
(3) سورة الحجر، الآية (20).
(4) انظر فتح القدير / الشوكاني، ج 1، ص 418.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)
أما الطبري وابن عطية فقد رجّحا في تفسيريهما، قراءة النصب ولم يجيزا غيرها، وردّا قراءة الجر (1).
حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين:
حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان حيث ذكرهما مجاهد في السبعة، والداني في التيسير، والشاطبي في نظمه (2) والجزري في النشر، وبناء على أن كلا القراءتين متواترتان ذهب معظم المفسرين إلى الأخذ بهما وبمعناهما.
وقد بيّن أبو علي الفارسي وجه كل قراءة فقال: " من نصب الأرحام احتمل انتصابه وجهين:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على موضع الجار والمجرور.
والآخر: أن يكون معطوفاً على قوله: {وَاتَّقُوا}، التقدير: اتقوا الله الذي تساءلون به. واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها.
وأما من جرّ الأرحام فإنه عطفه على الضمير المجرور بالباء " (3).
حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين ردوا قراءة الجر:
ردّ الطبري هذه القراءة معللاً ذلك بأن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء على مكني في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر، وهذا قوله: " والقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غيرها في ذلك، النصب: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ--------------------------------------------
(1) انظر جامع البيان / الطبري، ج 4، ص 283، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 5.
(2) متن الشاطبية / الشاطبي ، ص 88.
(3) الحجة للقراء السبعة / الفارسي، ج 2، ص 62.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)
وَالأرْحَامَ)، بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لما قد بينا أن العرب لا تعطف بظاهرٍ من الأسماء على مكنيّ في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر " (1).
كما وصف مكي هذه القراءة بأنها قبيحة عند البصريين، قليلة في الاستعمال، بعيدة عن القياس، لأن المضمر في "به" عوض من التنوين، والمضمر المخفوض لا ينفصل عن الحرف، ولا يقع بعد حرف العطف، ولأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، ويقبح في أحدهما ما يقبح في الآخر فكما لا يجوز: واتقوا الله الذي تسألون بالأرحام، فكذلك لا يحسن: تساءلون به والأرحامِ (2).
وكذلك استبعد المهدوي (3) هذه القراءة (4).
وعلق الزمخشري عليها بأنها غير سديدة (5)،
كما ردّ ابن عطية هذه القراءة بقوله: " ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان (6):--------------------------------------------
(1) جامع البيان / الطبري، ج 4، ص 283.
(2) انظر الكشف عن وجوه القراءات / مكي بن أبي طالب، ج 1، ص 376.
(3) هو أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي نسبة إلى مدينة (المَهْديَّة) ، التي أسسها أول الحكام الفاطميين، وهي مدينة بالمغرب، قال عنه الذهبي بأنه رأساً في القراءات والعربية، ولقد خلَّف المهدوي مؤلفات قيَّمة تدل على سعة علمه واطلاعه في فنون التفسير والقراءات منها كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل، توفي عام 440 هـ. (انظر معرفة القراء الكبار / الذهبي، ج 1، ص 399، وبغية الوعاة / السيوطي، ج 1، ص 351، وإنباه الرواة على أنباء النحاة، ج 1، ص 91)
(4) انظر شرح الهداية في توجيه القراءات / المهدوي، ج 2، ص 244.
(5) انظر الكشاف / الزمخشري، ج 2، ص 6.
(6) المحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)
أحدهما: أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة.
والوجه الثاني: أن في ذكرها على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث
الصحيح يرد ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (1).
وذكر الرازي في تفسيره الوجوه التي ذكرها العلماء والتي تقتضي فساد هذه القراءة فقال:
" أولها: قول أبي علي الفارسي: المضمر المجرور بمنزلة الحرف، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر (2).
وثانيها: قول علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع ، فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد. قال تعالى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا} (3) مع أن المضمر المرفوع قد ينفصل فإذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب كيف يستحلف، ج 2، ص 951، ح- 2533، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، ج 3، ص 1267، ح- 1646.
(2) انظر الحجة للقراء السبعة / الفارسي، ج 2، ص 62 - 63، وتفسير الرازي، ج 3، ص 480
(3) سورة المائدة، الآية (24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)
مع انه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى.
وثالثها: قال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه متشاركان، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول، وههنا هذا المعنى غير حاصل، وذلك لأنك لا تقول: مررت بزيدوك، فكذلك لا تقول: مررت بك وزيد ".
ثم علّق الرازي على هذه الأوجه بقوله: " واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت " (1).
القول الراجح:
هو صحة ما ذهب إليه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين من وجوب الأخذ بكلا القراءتين، وذلك أن كل قراءة منهما قراءة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم (2).
أما من ردَّ قراءة الجر فقد اعترض عليه عدد من العلماء منهم القرطبي ، ومن قوله:--------------------------------------------
(1) التفسير الكبير / الرازي، ج 3، ص 480.
(2) انظر السبعة لابن مجاهد، ص 226، والتيسير للداني، ص 93، والنشر / ابن الجزري، ج 2، ص 186، وغيث النفع في القراءات السبع / الصفاقسي، ص 80، والبدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، / عبد الفتاح القاضي، ص 73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 539)
" ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يُقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته " (1).
وذكر أبو حيان أن ما ذهب إليه أهل البصرة وتبعهم فيه الزمخشري (2) وابن عطية من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح، وأن الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك وأنه يجوز.
وعلق على قول ابن عطية وردّه لقراءة الجر ووصفه بأنه: "جسارة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه ، حيث عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بها سلف الأمة، واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير واسطة عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأقرأ الصحابة أُبيّ بن كعب ،عمدَ إلى ردّها بشيء خطر له في ذهنه، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم، وحمزة رضي الله عنه: أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش، وحمدان--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي، ج 5، ص 9.
(2) قال ابن عاشور: " وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات المتواترة، إذا خالفت ما دُوّن عليه علم النّحو، لتوهّمه أنّ القراءات اختيارات وأقيسة من القُرّاء، وإنَّما هي روايات صحيحة متواترة وفي الإعراب دلالة على المقصود لا تناكد الفصاحة. (التحرير والتنوير، ج 5، ص 103).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)
بن أعين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد الصادق، ولم يقرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلا بأثر. وكان حمزة صالحاً ورعاً ثقةً في الحديث، وهو من الطبقة الثالثة، ولد سنة ثمانين وأحكم القراءة وله خمس عشرة سنة، وأمَّ الناس سنة مائة، وعرض عليه القرآن من نظرائه جماعة منهم: سفيان الثوري، والحسن بن صالح. ومن تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي، وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض " (1).
كما أن هذا القول تعضده قاعدة أخرى وهي: (اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم يكثّر المعاني القائمة في الآية الواحدة) وهذه القاعدة رجّح بها ابن عاشور، ومما يدل عليها من خلال المثال السابق قول ابن عاشور: " فعلى قراءة الجمهور يكون الأرحام مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}.
وعلى قراءة حمزة يكون تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب: «ناشدتك اللَّه والرحم " (2).
2 - قراءة الشركاء:--------------------------------------------
(1) البحر المحيط / أبو حيان، ج 3، ص 167.
(2) التحرير والتنوير، ج 3، 217 - 218.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 541)
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (1).
اختلف المفسرون تعالى في قراءة قوله: {زَيَّنَ} (2).
وقد ذكر ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " قرأ الجمهور: (زَيَّنَ) بفتح الزاي ونصب: (قتل) على المفعوليّة لـ (زيَّن)، ورفعِ شركاؤهم على أنّه فاعل: (زين)، وجرّ (أولادهم) بإضافة قَتْل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله.
وقرأه ابن عامر: (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائِهم) ببناء فعل (زين) للنّائب، ورفع (قتل) على أنه نائب الفاعل، ونصب (أولادهم) على أنَّه مفعول (قتل)، وجَرّ (شركائهم) على إضافة (قتل) إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، وكذلك رسمت كلمة (شركائهم) في المصحف العثماني الّذي ببلاد الشّام، وذلك دليل على أنّ الّذين رَسموا تلك الكلمة راعوا قراءة (شركائهم) بالكسر وهم من أهل الفصاحة والتّثبت في سند قراءات القرآن، إذ كتب كلمة (شركائهم) بصورة الياء بعد الألف، وذلك يدلّ على أنّ الهمزة مكسورة ".
ثم فسّر ابن عاشور المعنى على قراءة ابن عامر بقوله: " والمعنى، على هذه--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام، الآية (137).
(2) انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 270، والتيسير / الداني، ص 107، والنشر / ابن الجزري، ج 2، ص 197، والتيسير في القراءات السبع المشهورة وتوجيهها / صابر حسن أبو سليمان، ص 208.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 542)
القراءة: أنّ مزيِّنا زَيَّن لكثير من المشركين أن يَقْتُلَ شركاؤُهم أولادَهم، فإسناد القتل إلى الشّركاء على طريقة المجاز العقلي إمّا لأنّ الشّركاء سبب القتل إذا كان القتل قُرباناً للأصنام، وإمَّا لأنّ الّذين شرعوا لهم القتل هم القائمون بديانة الشّرك مثل عمرو بن لُحي ومن بعده، وإذا كان المراد بالقتل الوأْدَ، فالشركاء سببَ وإن كان الوأد قُرباناً للأصنام وإن لم يكن قرباناً لهم (وهو المعروف) فالشركاء سبب السبب، لأنه من شرائع الشرك " (1).
ومما يؤكد استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة أنه بعد أن أشار إلى من ضعّف هذه القراءة ردّ عليه فقال: " وهذه القراءة ليس فيها ما يناكد فصاحة الكلام؛ لأنّ الإعراب يُبيِّن معاني الكلمات ومواقعها، وإعرابها مختلف من رفع ونصب وجرّ بحيث لا لبس فيه، وكلماتها ظاهرٌ إعرابها عليها، فلا يعدّ ترتيب كلماتها على هذا الوصف من التّعقيد المخلّ بالفصاحة … . وليس في الآية ممّا يخالف متعارف الاستعمال إلاّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، والخَطْبُ فيه سهل: لأنّ المفعول ليس أجنبياً عن المضاف والمضاف إليه، وجاء الزمخشري في ذلك بالتّهويل، والضّجيج والعويل، كيف يفصَل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول.
وقال أيضاً بعد أن ذكر رأي ابن عطية في هذه القراءة وتضعيفه لها: " وهذا لا يثبت ضعف القراءة لأن الندور لا ينافي الفصاحة " (2).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 5، ص 102.
(2) انظر التحرير والتنوير، ج 5، ص 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 543)
كما استغرب ابن عاشور استبعاد الطبري لهذه القراءة فقال: " ومن العجيب قول الطّبري: " والقراءَة الّتي لا أستجيز غيرها بفتح الزاي ونصب: (القتل) وخفض: (أولادهم) ورفع: (شركائهم).
وذلك على عادته في نصب نفسه حكماً في التّرجيح بين القراءات " (1) (2).--------------------------------------------
(1) التحرير والتنوير، ج 5، ص 103.
(2) للدكتور مساعد الطيار كلام جميل حول تضعيف الطبري لبعض القراءات وأن ابن جرير لا يرد قراءة متواترة حيث يقول: "واليوم ظهر لي أن ابن جرير الطبري لم يكن عنده سند بقراءة حفص عن عاصم، قرأت في تفسير الطبري ط: دار هجر (23: 216) عند قوله تعالى " نزاعة للشوى" ما نصُّه: " … والصواب من القول في ذلك عندنا أن لظى الخبر ونزاعة ابتداء فذلك رفع ولا يجوز النصب في القراءة لإجماع قراء الأمصار على رفعها ولا قارئ قرأ كذلك بالنصب وإن كان للنصب في العربية وجه) يقول: فاستغربت قولَه هذا؛ لأنَّ قراءة حفص بنصب (نزاعةً)، والطبري يقول =
=: " ولا قارئ قرأ كذلك بالنصب، وإن كان للنصب في العربية وجه "، وعلقت عليه بأن كلامه يشير إلى أنه لم يكن عنده سندٌ بقراءة حفص عن عاصم ، وأثناء بحثي في هذه المفردات وعرضها على تفسير الطبري اتصل بي أحد الباحثين بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض، فعرضت عليه ما توصلت له، فطرب له واستحسنه، وذكر لي فائدة نفيسة تتعلق بطريقي عاصم، وهو أن طريق شعبة هو المقدم عند المتقدمين، ولعل هذا يشير إلى عدم ورود سند حفص عند الطبري، وهذه الفائدة نصٌّ لابن مجاهد في كتاب السبعة (ص: 71)، قال فيه: وإلى قراءة عاصم صار بعض أهل الكوفة وليست بالغالبة عليهم؛ لأن أضبط من أخذ عن عاصم أبو بكر بن عياش ـ فيما يقال ـ لأنه تعلمها منه تعلما خمسا خمسا.
وكان أهل الكوفة لا يأتمون في قراءة عاصم بأحد ممن يثبتونه في القراءة عليه إلا بأبي بكر بن عياش، وكان أبو بكر لا يكاد يُمَكِّن من نفسه من أرادها منه، فقلَّتْ بالكوفة من أجل ذلك، وعَزَّ من يحسنها، وصار الغالب على أهل الكوفة إلى اليوم قراءة حمزة بن حبيب الزيات.
وإذا تأملت هذا النصَّ ظهر لك أن قراءة حفص عن عاصم في وقت الطبري (ت: 310) الذي كان في طبقة شيوخ ابن مجاهد (ت: 324) لم يكن لها قبول كغيرها.
انظر على الشبكة العنكبوتية: موقع سليمان بن مساعد الطيار ، الأستاذ المساعد بكلية المعلمين
بالرياض/ جامعة الملك سعود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 544)
وموقف ابن عاشور ممن رد تلك القراءة يبيّن لنا مدى امتثال ابن عاشور لهذه القاعدة وهي (القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها ولا رد معناها).
وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور: القرطبي، وأبو حيان، والألوسي، والقاسمي (1).
في حين ردّ الطبري وابن عطية والرازي، والشوكاني قراءة ابن عامر (2).
ولم يشر ابن كثير ولا الشنقيطي إلى هذه القراءة.
حجة أصحاب القول الأول وهم اللذين أخذوا بكلا القراءتين وبمعنييهما:
حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان عن النبي صلى الله عليه وسلم (3).
قال ابن عاشور بعد أن أشار إلى توهين الزمخشري لقراءة ابن عامر قال: " وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات المتواترة، إذا خالفت ما دُوّن عليه علم النّحو، لتوهّمه أنّ القراءات اختيارات وأقيسة من القُرّاء، وإنَّما--------------------------------------------
(1) انظر الجامع لأحكام القرآن/ القرطبي، ج 7، ص 92، والبحر المحيط / أبو حيان، ج 4، ص 231، وروح المعاني / الألوسي، ج 4، ص 277، ومحاسن التأويل / القاسمي، ج 4، ص 512.
(2) انظر جامع البيان / الطبري، ج 8، ص 54، والمحرر الوجيز / ابن عطية، ج 2، ص، 350 والتفسير الكبير / الرازي، ج 5، ص 159، وفتح القدير / الشوكاني، ج 2، ص 164.
(3) انظر السبعة / ابن مجاهد، ص 270، والتيسير / الداني، ص 107، والنشر / ابن الجزري، ج 2، ص 197، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر / الدمياطي، ص 274، والبدور الزاهرة / عبد الفتاح القاضي، ص 109.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)