وليس اجتماع ما يظهر تضاده بأعظم من اتحاد ما يعلم اختلافه.
وإذا قال القائل: الأمور الإلهية لا تشبه بأحوال العباد، بل العبد يختلف علمه باختلاف المعلومات وإرادته باختلاف المرادات ويتعدد ذلك فيه والباري ليس كذلك.
قيل: فإذا جوزتم أن يكون ما يعلم تعدده واختلافه في المخلوقين واحداً لا تعدد فيه ولا تنوع في حق الخالق أمكن منازعكم أن يقول كذلك، فيقول: ما يمتنع اجتماعه في حقنا لا يمتنع اجتماعه في حقه لأنه واسع لا يقاس بالمخلوقين.
بل اجتماع الأمور التي يظهر تضادها فينا أقرب من اتحاد الأمور التي نعلم اختلافها، فإن كون الشيء هو نفس ما يخالفه، أمر فيه قلب الحقائق.
وأما اجتماع الشيء وغيره في حق الخالق، مع امتناع اجتماعهما في حق المخلوقات فيدل على أنه يمكن في حقه ما لا يمكن في حق الخلق وذلك يدل على عظمته وقدرته.
وأيضاً فقد يقول الكرامية وأمثالهم: إن محل هذه الحروف والأصوات ليس هو بعينه محل الأخرى، والله واسع عظيم، لا يحيط العباد به علماً، ولا تدركه أبصارهم.
وبالجملة فالناس متنازعون في إمكان اجتماع الحروف وإمكان
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 125)
قدمها، والنزاع في ذلك قديم ذكره الأشعري في المقالات وأصحاب أحمد متنازعون في ذلك، وكذلك أصحاب مالك، وأبي حنيفة والشافعي، وغيرهم من الطوائف وكذلك أهل الحديث والصوفية.
وحينئذ فيقال: إما أن يكون ذلك ممتنعاً وغما ان يكون ممكناً فغن كان ممتنعاً لم يكن ظهور امتناعه أعظم من ظهور امتناع قول الكلابية الذي يوجب قدم المعاني المتنوعة التي هي مدلول العبارات المنتظمة، ويجعلها مع ذلك معنى واحداً.
فإن الألفاظ قوالب المعاني، ونحن كما لا نعقل الحروف إلا متوالية متعاقبة فلا تعقل معانيها إلا كذلك وبتقدير أن نعقل اجتماع معانيها، فهي معان متنوعة ليست شيئاً واحداً.
ولهذا لما قالت الكلابية لهؤلاء: الحروف متعاقبة، والسين بعد الباء وذلك يمنع قدمها.
أجابوهم بثلاثة أجوبة كما ذكر ابن الزاغوني وقالوا هذا معارض بمعارض الحروف فإنها متعاقبة عندنا وانتم تقولون بقدمها.
الثاني أن التعاقب والترتيب نوعان: أحدهما ترتيب في نفس الحقيقة والثاني ترتيب في وجودها فإذا كانت موجودة شيئاً بعد شيء كان الثاني حادثاً وأما الترتيب الذاتي العقلي فهو بمنزلة كون
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 126)
الصفات تابعة للذات وكون الإرادة مشروطة بالعلم والعلم مشروطاً بالحياة.
وادعوا أن تقدم الحروف من هذا الباب وهذا الذي يقال له تقدم بالطبع وهو تقدم الشرط على المشروط كتقدم الواحد على الإثنين وجزء المركب على جملته ومثل هذا الترتيب لا يستلزم عدم الثاني عند وجود الأول.
فقول هؤلاء إن كان باطلاً، فكون العلم هو الحياة، والحياة هي الإرادة، ومعنى القرآن هو معنى التوراة، ومعنى آية الكرسي وقل هو الله أحد هو معنى آية الدين وتبت يدا أبي لهب هو باطل أيضاً سواء كان مثله في البطلان أو أخفى بطلاناً منه او أظهر بطلاناً منه.
وحينئذ فيقال: هب أن قول السالمية والكرامية باجتماع الحروف محال، فقول الكلابية أيضاً محال، فلا يلزم من بطلان ذاك صحة هذا.
وقول المعتزلة والفلاسفة أبطل من الكل.
وحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر وهو انه لم يزل متكلماً بحروف متعاقبة لا مجتمعة.
وهذا يستلزم قيام الحوادث به، فمن قال بهذا لم يكن تناقض الكرامية حجة عليه، ولم يلزم من بطلان قولهم بطلان هذا الأصل وإن كان اجتماع الحروف ممكناً بطل أصل الاعتراض.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 127)
ومعلوم أن القسمة العقلية أربعة لأن الحروف: إما أن يمكن قدم أعيانها، وحينئذ يلزم إمكان اجتماعها وإما ان لا يمكن قدم أعيانها بل قدم أنواعها وإما ان لا يمكن قدم أعيانها ولا أنواعها.
وأما القسم الرابع: وهو قدم أعيانها لا أنواعها، فهذا لا يقوله عاقل وعلى التقديرين فإما أن يمكن اجتماعها وإما ان لا يمكن فهذه خمسة أقسام.
وأيضاً فإذا أمكن الاجتماع، فإما ان يكون بقاؤها ممكناً، وإما أن لا يكون فالقول المذكور عن الكرامية يتضمن حدوث اعيانها وأنواعها، لكن مع إمكان اجتماعها وبقائها بعد الحدوث وهذا قول من أقوال متعددة.
وبإزاء ذلك من يقول: يجب حدوثها ويمتنع بقاؤها إما مع إمكان الاجتماع وإما مع عدم إمكان الاجتماع.
ومن يقول يجب قدم نوعها لا قدم أعيانها قد يقول بإمكان الاجتماع وقد لا يقول.
والناس متنازعون في تكليم الله لعباده: هل هو مجرد خلق إدراك لهم من غير تجدد تكليم من جهته أو لا بد من تجدد تكليم؟ على قولين للمنتسبين إلى السنة وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 128)
فالأول: قول الكلابية والسالمية، ومن وافقهم من أصحاب هؤلاء الأئمة القائلين بان الكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته بل هو بمنزلة الحياة.
والثاني: قول الأكثرين من أهل الحديث والسنة من أصحاب هؤلاء الأئمة وغيرهم وهو قول أكثر أهل الكلام من المرجئة والشيعة والكرامية والمعتزلة وغيرهم.
قالوا: ونصوص الكتاب والسنة تدل على هذا القول، ولهذا فرق الله بين أيحائه وتكليمه كما ذكر في سورة النساء وسورة الشورى.
والأحاديث التي جاءت بأنه يكلم عباده يوم القيامة ويحاسبهم وأنه إذا قضى أمراً في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
وإذا كان كذلك امتنع أن لا يقوم كلام الله به فإنه يلزم ان لا يكون كلامه بل كلام من قام به كما قد قرر في موضعه.
والله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة، لا يشغله حساب هذا عن حساب هذا وكذلك إذا ناجوه ودعوه أجابهم كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل.
فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين.
قال الله حمدي عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم.
قال الله أثنى على عبدي.
فإذا قال: مالك يوم الدين قال مجدني عبدي فإذا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 129)
قال إياك نعبد وإياك نستعين.
قال هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولبعدي ما سأل.
فإذا قال أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل.
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقول هذا لكل مصل، والناس يصلون في ساعة واحدة والله تعالى يقول لكل منهم هذا.
وقد روي ان أبن عباس قيل له: كيف يحاسب الله الخلق في ساعة واحدة؟ فقال كما يرزقهم في ساعة واحدة وأمثال ذلك كثير.
وحينئذ فمن قال: إن هذه أقوال قائمة بنفسه تتعلق بمشيئته وقدرته يلزمه أحد أمرين إما أن يقول باجتماعها في محل واحد، وإما أن يقول إن ذاته واسعة تسع هذه الأقوال كلها.
ونحن نعقل ان يقوم بالذات الواحدة حروف كثيرة في آن واحد.
وأصوات مجتمعة في آن واحد لكن لا يكون هذا حيث هذا إذ لا يعقل في الشاهد أنهما يجتمعان في محل واحد.
وقد يقال: إن مثل هذا يجيء على قول من يقول: إنه يقوم بذاته لا نهاية لها، وإرادات لا نهاية لها، وقدر لا نهاية لها، فإن ذلك كقيام أفعال وأقوال لا نهاية لها.
وهذا على وجهين: فمن قال:
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 130)
إن ذلك يقوم به على سبيل التعاقب فهو كمن يقول إنه تقوم به الكلمات والأفعال على سبيل التعاقب.
ومن قال إنها كلها أزلية كما تقوله طائفة يقولون إنه تقوم به علوم لا نهاية لها في آن واحد كما يقوله أبو سهل الصعلوكي وغيره فإن هذا يشبه قول من يقول: تقوم به حروف لا نهاية لها في آن واحد.
لكن قد يقال: اجتماع العلوم بمعلومات، والإرادات بمرادات، قد يقال إنه لا يتضاد كاجتماع معاني الكلام بخلاف اجتماع حروف فإنه كاجتماع أصوات واجتماع أصوات كاجتماع حركات.
وجماع ذلك ان الحقائق: إما أن تكون متماثلة، وإما أن لا تكون.
وإذا لم تكن متماثلة فإما أن يمكن اجتماعها في محل واحد في زمن واحد، وإما أن لا يمكن فالأولى المختلفة التي ليست بمتضادة، كالعلم والقدرة، وكالطعم واللون والثاني المتضادة، كسواد والبياض.
وكالعجز مع القدرة، كالعلم بمعلومات والقدرة على مقدورات والإرادة ليست هي متضادة بل يمكن اجتماع
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 131)
ذلك، لكن قد يضيق عنه المحل، كما يضيق قلب العبد عن إجتماع أمور كثيرة من ذلك وإن كان قد يجتمع في قلبه من ذلك ما يسعه قلبه.
والقلوب تختلف أيضاً بذاتها، ولهذا يمكن بعض الناس أن يقرأ ويفعل بيده ورجله وآخر لا يمكنه ذلك، كما يمكن هذا الحركة القوية الشديدة، والآخر لا يمكنه ذلك، ويمكن هذا أن يرى ويسمع من المختلفات ما لا يمكن الآخر رؤيته او سماعه.
وإذا كان كذلك فالكلام في الصوت في شيئين: أحداهما: في بقائه وقدمه كما في بقاء الحركة وقدمها، ولا ريب في إمكان بقاء نوع الصوت والحركة، بمعنى حدوث الحركة والصوت شيئاً فشيئاً كحركة الفلك والكواكب.
وأما إمكان قدم نوع الصوت والحركة ففيه قولان مشهوران للنظار فالجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم تنكر إمكان قدم ذلك وكثير من أئمة أهل الحديث والفقه والتصوف الفلاسفة يجوزون قدم ذلك ومنهم من يجوز قدم نوع الصوت لا نوع الحركة.
وأما بقاء الصوت المعين والحركة المعينة فجمهور العقلاء يحيلون بقاء ذلك وقدمه، بل امتناع قدم ما يمتنع بقاؤه اولى فإن ما وجب قدمه
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 132)
وجب بقاؤه وامتنع عدمه ومن الناس من جوز بقاء الصوت المعين والحركة المعينة وبعض هؤلاء جوز قدم الصوت المعين.
ولا فرق بين الحركة والصوت وأما الحروف المنطوق بها فالناس متنازعون: هل هي طرف للصوت أم يمكن وجود حروف منظومة بلا صوت على قولين.
وإذ قيل: لا يمكن وجود حرف منطوق له إلا بصوت، فالحرف قد يعبر به عن نهاية الصوت وتقطعه وقد يعبر به عن نفس الصوت المقطع، كما يعبر بلفظ الحرف عن الحرف المكتوب، ويراد به مجرد الشكل تارة مجرداً عن المادة ويراد به مجموع المادة والشكل وهو المداد المصور.
والمسألة الثانية: أن الأصوات المتنوعة سواء قيل بوجوب تعقبها شيئاً بعد شيء أو قيل بإمكان بقاء الصوت المعين: هل تقوم بالصائت الواحد، إذا كان محل هذا الصوت ليس هو بعينه محل هذا الصوت وإن كان الصائت واحداً؟
ولا ريب أن هذا أولى من قيام الحركات المتنوعة بالمتحرك الواحد، إذا قامت كل حركة بمحل غير محل الأخرى.
وأما اجتماع الصوتين والحركتين في محل واحد فهو متعذر للتضاد عند اكثر العقلاء أو لضيق المحل عند بعضهم، كاجتماع العلمين
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 133)
والقدرتين والإرادتين المختلفتين والإدراكين، ثم إذا قدر ان محل هذه الصفات لا يكون إلا جسماً، فيبقى الكلام في الجسم هل هو مركب هل مركب من الجواهر المنفردة؟ أو من المادة والصورة؟ اولا من هذا ولا من هذا؟
لنظار ثلاثة أقوال في تركيب الجسم
وفي ذلك للنظار ثلاثة أقولا:
فمن قال بالمركب من الجواهر المنفردة اضطربوا في محل العلم ونحوه من العبد: هل هو جزء مفرد في القلب، كما يذكر عن ابن الرواندي؟ او أن الأعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء من الجملة اتصف بها سائر الجملة، كما يقوله المعتزلة؟ أو حكم العرض لا يتعدى محله بل يقوم، بل يقوم بكل جوهر فرد عرض يخصه من العلم والقدرة ونحو ذلك، كما يقوله الأشعري؟ على ثلاثة أقوال.
ومن لم يقل بالجوهر الفرد لم يلزمه ذلك بل يقول: إن العرض القائم بالجسم ليس بمنقسم في نفسه، كما أن الجسم ليس بمنقسم، وأما قبوله للقسمة فهو كقبول الجسم للقسمة.
وهؤلاء يقولون: إن الإنسان تقوم به الحياة والقدرة والحس بجميع بدنه، ويقولون: إن بدن الإنسان ليس مركباً من الجواهر المنفردة فلا يرد عليهم ما ورد على أولئك.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 134)
وأما الأعراض القائمة بروحه من العلم والإرادة ونحو ذلك فهي أبعد عن الأنقسام من الأعراض ببدنه، وروحه أبعد عن كونها مركبة من الجواهر المنفردة من بدنه وإن قيل إنها جسم.
وعلى هذا فإذا قيل: يقوم بها علم واحد بمعلوم واحد كان هذا بمنزلة أن يقال يقوم بالعين إدراك واحد لمدرك واحد وبمنزلة أن يقوم بداخل الأذن سمع واحد لمسموع واحد.
وهذا وغيره مما يجيبون به المتفلسفة الذين قالوا إن النفس الناطقة لا تتحرك ولا تسكن ولا تصعد ولا تنزل وليست بجسم فإن عمدتهم على ذلك كونها يقوم بها مالا ينقسم، كالعلم بما لا ينقسم فيجب أن لا ينقسم وإذا لم تنقسم امتنع كونها جسما وكلا المقدمتين ممنوعة، كما قد بسط الجواب عن هذه الحجة التي هي عمدتهم في غير هذا الموضع.
ولما عسر جواب هذه على الرازي ونحوه من أهل الكلام، اعتقدوا أن القول بالمعاد مبني على إثبات الجوهر الفرد لظنهم أنه لا يمكن الجواب عن هذه إلا بإثبات الجوهر الفرد وأن القول بالمعاد يفتقر إلى القول بان أجزاء البدن تفرقت ثم اجتمعت.
وليس الأمر كذلك، فإن إثبات الجوهر الفرد مما أنكره أئمة السلف والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وجمهور العقلاء وكثير من
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 135)
طوائف أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من الكرامية.
والقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل، فكيف يكون القول بمعاد الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد؟ وبسط هذه الأمور له موضع آخر.
والمقصود هنا التنبيه على ما ذكره من البحث مع الكرامية.
وحينئذ فيقال قول الكرامية الذي حكاه عنهم من انه يستحيل تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ذاته بعد قيامها قول لا يوافقهم عليه كل من وافقهم على أصل هذه المسألة، فإن الموافقين لهم على أصل المسألة هم أكثر الناس، وأئمتهم من الطوائف كلها، حتى من أئمة أهل السنة والحديث وأئمة الفلاسفة أهل الشرع وأهل الرأي وأما هذا القول فموافقهم عليه قليل.
عود إلى مناقشة كلام الأمدي في مسألة كلام الله تعالى
قال وعند ذلك فإما ان يقال باجتماع حروف القول في ذاته تعالى أو لا يقال باجتماعها فيه فإن قيل باجتماعها: فإما ان يقال بتحري ذات الباري وقيام كل حرف بجزأ منه وإماأن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات، فإن كان الأول فهو محال لوجهين:
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 136)
أحدهما انه يلزم منه التركيب في ذات الله وقد أبطلناه في أبطال لقول بالتجسيم.
قلت: ولقائل أن يقول: قول القائل: إما أن يتجزأ ويلزم منه التركيب لفظ مجمل كما قد عرف غير مرة فإن هذا يفهم منه إما جواز الافتراق عليه، أو أنه مفترقاً فاجتمع أو ركبه ونحو هذه المعاني التي لا يقولونها.
فإن أراد المريد بقوله إما أن يقال بتجزي ذات الباري تعالى هذا المعنى فهم لا يقولون بتجزئة، ولكن لا يلزم من رفع امتناع كون الذات واسعة تسع هذا وهذا وهذا وأن كل واحد يقوم لا يقوم الآخر وهذا هو الذي عناه بلفظ التجزي والتركيب.
كلام الآمدي في نفي التجسيم وتعليق ابن تيمية
وقوله إنه أبطل هذا في أبطال القول بالتجسيم فهم يقولون ليس فيما ذكرته في نفي التجسيم حجة على نفي قولهم.
وذلك أنه قال والمعتمد في نفي التجسيم أن يقال لو كان
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 137)
الباري جسماً، فإما أن يكون كالأجسام وإما أن لا يكون كالأجسام فغن قيل إنه لا كالأجسام كان النزاع في اللفظ دون المعنى، والطريق في الرد ما أسلفناه في كونه جوهراً.
وإن قيل إنه كالأجسام فهو ممتنع لثمانية اوجه: منها أربعة وهي ما ذكرناها في استحالة كونه جوهراً وهي الأول والثالث والرابع والخامس ويختص الجسم بأربعة أخرى.
قلت والذي ذكره في إبطال كونه جوهراً هو أن المعتمد هو أنا نقول لو كان الباري جوهراً لم يخل إما أن يكون جوهراً كالجواهر أولا كالجواهر والأول باطل لخمسة أوجه وإن قيل إنه جوهر لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب فإنا إنما ننكر كونه جوهراً كالجواهر وإذا عاد الأمر إلى الإطلاق اللفظي فالنزاع لفظي ولا مشاحة فيه إلا من وجهة ورد التعبد من الشارع به، ولا يخفي أن ذلك مما لا سبيل إلى إثباته.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 138)
قال وعلى هذا فمن قال إنه جوهر، بمعنى أنه موجود لا في موضوع، والموضوع هو المحل المقوم ذاته المقوم لما يحل فيه، كما قاله الفلاسفة، أو أنه جوهر بمعنى أنه قائم بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى غيره، كما قاله أبو الحسين البصري، مع اعترافه أنه لا يثبت له أحكام الجواهر، فقد وافق في المعنى وأخطأ في الإطلاق، من حيث إنه لم ينقل عن العرب إطلاق الجوهر بأزاء القائم بنفسه، لا ورد فيه إذن من الشرع.
فيقال: إذا كان قول القائل: إنه جوهر لا كالجواهر وجسم لا كالأجسام موافقاً لقولك في المعنى، وإنما النزاع بينك وبينهم ف ياللفظ قامت حجته عليك لفظاً ومعنى.
أما اللفظ فمن وجهين: أحداهما أنه كما أن الشارع لم يأذن في إثبات هذه الألفاظ له فلم يأذن في نفيها عنه، وأنت لم تسمه سخياً لعدم إذن الشرع، فليس لك أن تقول ليس بسخي لعدم إذن الشرع في هذا النفي بل إذا لم يطلق إلا ما إذن فيه الشرع، لا يطلق لا هذا ولا هذا.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 139)
ثم أنت تسميه قديماً، وواجب الوجود، وذاتاً، ونحو ذلك مما لم يرد به الشرع، والشارع يفرق بين ما يدعي به من الأسماء، فلا يدعي إلا بالأسماء الحسنى، وبين ما يخبر بمضمونه عنه من الأسماء لإثبات معنى يستحقه، نفاة عنه ناف لما يستحقه من الصفات، كما انه من نازعك في قدمه أو وجوب وجوده قلت مخبراً عنه بما يستحقه إنه قديم وواجب الوجود، فإن كان النزاع مع من يقول هو جوهر وجسم في اللفظ فعذرهم في الإطلاق أن النافي ما يستحقه الرب من الصفات في ضمن نفي هذا الاسم، فأثبتنا له ما يستحقه من الصفات بإثبات مسمى هذا الاسم، كما فعلت أنت وغيرك في اسم قديم وذات وواجب الوجود ونحو ذلك.
الثاني: أنك احتججت على نفي ذاك العرب لم ينقل عنها إطلاق الجوهر بإزاء القائم بنفسه.
فيقال لك: ولم ينقل عنها إطلاقة بإزاء كل متحيز حامل للأعراض ولا نقل عنها إطلاق لفظ ذات بإزاء نفسه وإنما لفظ الذات عندهم تأنيث ذو فلا تستعمل إلا مضافة كقوله تعالى {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} الأنفال 1 وقوله {إنه عليم بذات الصدور} الأنفال 43.
وقول النبي
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 140)
صلى الله عليه وسلم: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله» .
وقول خبيب
وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع
وأمثال ذلك أي في جهة الله أي لله تعالى.
ولهذا أنكر ابن برهان وغيره على المتكلمين إطلاق لفظ ذات الله.
وإذا كان كذلك فأنت أطلقت لفظ الذات على ما لم تطلقه العرب بغير إذن من الشرع.
ولو قال لك قائل: إن الله ليس بذات.
نازعته.
فهكذا يقول منازعك في اسم الجوهر والجسم إذا كان موافقاً لك على معناهما.
وأيضاً فإن لفظ الجوهر والجسم قد صار في أصطلاحكم جميعاً أعم مما استعملت فيه العرب فإن العرب لا تسمي كل متحيز
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 141)
جوهراً ولا تسمي كل مشار إليه جسماً فلا تسمي الهواء جسماً.
وفي أصطلاحكم سميتم هذا جسماً، كما سميتم في اصطلاحكم باسم الذات كل موصوف أو كل قائم بنفسه أو كل شيء فلستم متوقفين في الاستعمال لا على حد اللغة العربية ولا على إذن الشارع لا في النفي ولا في الإثبات.
فإن لم يكن لك حجة على منازعك إلا هذا، كان خاصماً لك، وكان حكمه فيما تنازعتما فيه كحكمكما فيما اتفقتما أو فيما انفردت به من هذا الباب.
وأيضاً فحكايتك عن الفلاسفة أنهم يسمونه جوهراً، والجوهر عندهم الموجود لا في موضوع إنما قاله ابن سينا ومن تبعه.
وأما أرسطو وأتباعه وغيرهم من الفلاسفة فيسمونه جوهراً، فالوجود كله ينقسم عندهم إلى جوهر وعرض، والمبدأ الأول داخل عندهم في مقوله الجوهر.
والأظهر أن النصارى إنما أخذوا تسميته جوهراً عن الفلاسفة فإنهم ركبوا قولاً من دين المسيح ودين المشركين الصابئين.
وأما النزاع المعنوي فيقال: قول القائل إنه جوهر كالجواهر أو جسم كالأجسام لفظ مجمل، فإنه قد يراد به أنه مماثل لكل جوهر وكل
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 142)
جسم فيما يجب ويجوز ويمتنع عليه وقد يريد به أنه مماثل لها في القدر المشترك بينها كلها، بحيث يجب ويجوز ويمتنع عليه ما يجب ويجوز ويمتنع على ما حصل فيه القدر المشترك منها، ولو أنه واحد.
فأما الأول فإنه إما أن يقول مع ذلك بتماثل الأجسام والجواهر، وإما أن يقول باختلافها فإن قال بتماثلها كان قوله هو القول الثاني، إذ كان يجوز على كل منها ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه باعتبار ذاته.
وإن قال باختلافها امتنع مع ذلك أن يقول إنه كالأجسام فإنه من المعلوم على هذا التقدير أن كل جسم ليس هو مثل الآخر، ولا يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر فكيف يقال في الخالق سبحانه إنه يجوز عليه ما يجوز على كل مخلوق قائم بنفسه حتى في الجماد والنبات والحيوان.
هذا لا يقوله عاقل حتى القائلون بوحدة الوجود، فهؤلاء عندهم هونفس وجود الأجسام المخلوقة، ولكن هم مع هذا لا يقولون إنه يجوز على وجود جميع الموجودات ما يجوز على وجود هذا.
وهذا وإن قال: إنه كالأجسام المخلوقة في القدر المشترك بينها بحيث يجوز عليه ما يجوز على المجموع لا على كل واحد واحد فهذا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 143)
أيضاً قول معلوم الفساد ولا نعرف قائلاً معروفاً يقول به فإن هذا هو التشبيه والتمثيل الذي يعلم تنزه الله عنه إذ كان كل ما سواه مخلوقاً والمخلوقات تشترك في هذا المسمى فيجوز على المجموع من العدم والحدوث والافتقار ما يجب تنزيه الله عنه بل لو جاز ووجب وامتنع عليه ما يجوز ويجب ويمتنع على الممكنات والمحدثات لزم الجمع بين النقيضين، فإنه يجب له الوجود والقدم، فلو وجب ذلك للمحدث، مع أنه لا يجب له ذلك، لزم أن يكون ذلك واجباً للمحدث غير واجب له، ولو جاز عليه الإمكان والعدم، مع أن الواجب بنفسه، القديم الذي لا يقبل العدم، لا يجوز عليه الإمكان والعدم للزم أن يمتنع عليه العدم لا يمتنع عليه، وأن يجب له الوجود، لا يجب له، وذلك جمع بين النقيضين.
فتنزيه الله عما يستحق التنزيه عنه من مماثلة المخلوقين يمنع أن يشاركها في شيء من خصائصها، سواء كانت تلك الخاصة شاملة لجميع المخلوقات، أو مختصة ببعضها.
فعلم أن القول بأنه جوهر كالجواهر، أو جسم كالأجسام، سواء جعل التشبيه لكل منها، أو بالقدر المشترك بينها، لم تقل به طائفة معروفة أصلاً.
فإن كان النزاع ليس إلا مع هؤلاء فلا نزاع في المسألة فتبقى بحوثه المعنوية في ذلك ضائعة، وبحوثه اللفظية غير نافعة مع أني إلى ساعتي هذه لم أقف على قول لطائفة ولا نقل عن طائفة أنهم قالوا
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 144)