Arabic source text

📘 আল ইনতিসার লিস সাহবি ওয়াল আল মিন ইফতীরাআতিল সামাভী আদ দাল (ইবরাহীম বিন আমির আর-রুহায়লী)

📘 الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال (إبراهيم بن عامر الرحيلي)

📘 আল ইনতিসার লিস সাহবি ওয়াল আল মিন ইফতীরাআতিল সামাভী আদ দাল (ইবরাহীম বিন আমির আর-রুহায়লী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أنها ليست مما اختص به علي على غيره من الصحابة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
قال بعد أن ذكر الحديث: «فهذا حديث صحيح رواه مسلم في
صحيحه وفيه ثلاث فضائل لعلي لكن ليست من خصائص الأئمة، ولا من خصائص علي، فإن قوله وقد خلفه في بعض مغازية فقال له علي: يارسول الله تخلفني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي ليس من خصائصه، فإنه استخلف على المدينة غير واحد ولم يكن هذا الاستخلاف أكمل من غيره، ولهذا قال علي: اتخلفني مع النساء والصبيان فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستخلاف ليس نقصاً ولا غضاضة فإن موسى استخلف هارون على قومه لأمانته عنده، وكذلك أنت استخلفتك لأمانتك عندي، لكن موسى استخلف نبياً، وأنا لا نبي بعدي، وهذا تشبيه في أصل الاستخلاف فإن موسى استخلف هارون على جميع بني اسرائيل، والنبي صلى الله عليه وسلم استخلف علياً على قليل من المسلمين، وجمهورهم استصحبهم في الغزاة، وتشبيهه بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر وعمر، هذا بإبراهيم وعيسى، وهذا بنوح وموسى، فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص.
وكذلك قوله: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا، فقال: ادعو لي علياً، فأتاه وبه رمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله على يديه، وهذا الحديث أصح ماروي
لعلي من الفضائل أخرجاه في الصحيحين من غير وجه، وليس هذا الوصف مختصاً بالأئمة ولا بعلي، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي، وكل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين يتبرؤن منه ولا يتولونه، ولايحبونه، بل قد يكفرونه أو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)

يفسقونه، كالخوارج فإن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بأنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله
وكذلك حديث المباهلة شركه فيه فاطمة، وحسن، وحسين، كما شركوه في حديث الكساء، فعلم أن ذلك لا يختص بالرجال، ولابالذكور، ولا بالأئمة، بل يشركه فيه المرأة والصبي».(1)
وكذلك ما جاء في حق علي رضي الله عنه من فضائل في أحاديث أخرى لا يعني اختصاصه بها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: (أنت مني وأنا منك)(2)، بل قد تثبت لغيره.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن قوله لعلي: (أنت مني وأنا منك) ليس من خصائصه، بل قال ذلك للأشعريين، وقاله لجليبيب وإذا لم يكن من خصائصه بل قد شاركه في ذلك غيره، من هو دون الخلفاء الثلاثة في الفضيلة، لم يكن دالاً على الأفضلية ولا على الإمامة».(3)
ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم له: (إنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)(4) فهو ليس من خصائصه لأنه ثبت أنه قال مثل هذا للأنصار، فعن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للأنصار: (لايحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله).(5)--------------------------------------------
(1) منهاج السنة 5/ 42 - 45، وانظر: أيضاً تقرير شيخ الإسلام لهذه المسألة في منهاج السنة 5/ 13 - 36، 8/ 419 - 421.
(2) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب عمرة القضاء)، فتح الباري 7/ 499، ح 4251.
(3) منهاج السنة 5/ 30، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الكلام مفصلاً مع ذكر الأدلة عليه المشار إليها هنا قبل ذلك، انظره: في الكتاب نفسه 5/ 28 - 29.
(4) أخرجه مسلم من حديث علي رضي الله عنه: (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان) 1/ 86، ح 78.
(5) أخرجه مسلم: (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان) 1/ 85، ح 75.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)

قال أبو نعيم بعد ذكر حديث: (لا يحبك إلا مؤمن) قلنا: «هكذا نقول وهذه من أشهر الفضائل وأبين المناقب لا يبغضه إلا منافق ولا يحبه إلا مؤمن ولو أوجب هذا الخبر خلافة، لوجبت إذاً
الخلافة للأنصار، لأنه قال مثله في الأنصار»(1) ثم ساق الحديث.
فهذه أعظم فضائل علي رضي الله عنه ومناقبه الثابتة في الأحاديث الصحيحة قد تبين عدم اختصاصه بها دون غيره، بل قد ثبت مثلها في حق من هو دون أبي بكر في الفضل، في حين أن ما ثبت لأبي بكر من الفضائل لم يشاركه فيها أحد لا علي ولا من هو أفضل منه، على ما تقدم تقريره بالأدلة الصحيحة الصريحة، الدالة على بطلان دعوى الرافضي وظهور كذبه.
وأما ما نسبه الرافضي لأحمد رحمه الله أنه قال: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل كما جاء لعلي).
فهذا إن ثبت عن الإمام أحمد فمحمول على مجموع ماروى من الصحيح والضعيف، وهذا لا يخالف ما هو مقرر عندنا، وأما الصحيح فلا يمكن أن يكون كذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقول من قال: صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره كذب، لا يقوله أحمد ولا غيره من أئمة الحديث، لكن قد يقال: روى له مالم يرو لغيره لكن أكثر ذلك من نقل من عُلم كذبه وخطؤه».(2)
وكذلك ما نقله الرافضي عن باقي الأئمة كالقاضي إسماعيل والنسائي وأبي علي النيسابوري فهو كما قال شيخ الإسلام فإن كان المقصود بالمنقول الصحيح فلا يمكن أن يثبت ذلك عن الأئمة، لأن الواقع يشهد بخلاف هذا، وإن كان المقصود من ذلك مجموع المنقول من الصحيح وغيره فلذلك وجه.--------------------------------------------
(1) الرد على الرافضة ص 244.
(2) منهاج السنة 8/ 421.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)

والسبب والله أعلم في كثرة ما يروى من فضائل علي، سواء من الصحيح، أو الضعيف، أو الموضوع، يرجع إلى أمرين:
الأول: انتساب الرافضة لعلي رضي الله عنه ودعواهم محبته، ووضعهم كثيراً من الروايات الموضوعة في فضائله، على ما هو معلوم من كتبهم، وعلى ما صرح به العلماء المشتغلون بالحديث ونقده.
يقول ابن الجوزي: «وغلو الرافضة في حب علي رضي الله عنه حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينه وتؤذيه» .(1)
الثاني: ما ذكره ابن حجر رحمه الله في الفتح بعد نقله الأثر المتقدم، المنسوب لأحمد ولبعض الأئمة حيث قال: «وكأن السبب في ذلك أنه تأخر ووقع الاختلاف في زمانه، وخروج من خرج عليه، فكان ذلك سبباً لانتشار مناقبه، من كثرة من كان بينها من الصحابة، رداً على من خالفه، فكان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جداً،
ثم كان من أمر علي ما كان فنجمت طائفة أخرى حاربوه ثم اشتد الخطب فتنقصوه، واتخذوا لعنه على المنابر سنة، ووافقهم الخوارج على بغضه وزادوا حتى كفروه، مضموماً ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق علي ثلاثة: أهل السنة، والمبتدعة من الخوارج، والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السنة إلى بث فضائله، فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف في ذلك، وإلا فالذي في نفس الأمر أن لكل من الأربعة من الفضائل إذا حرر بميزان العدل، لا يخرج عن قول أهل السنة والجماعة أصلاً» .(2)
وأما قول الرافضي إن فضائل أبي بكر مروية عن ابنته عائشة وقد عرف موقفها من علي، أو عن ابن عمر وهو من البعيدين عن علي.
فهذا من أظهر الكذب وأوضحه: فإن فضائل أبي بكر قد نقلها كثير من الصحابة، ليست مقصورة على واحد أو اثنين أو قريباً من ذلك، فضلاً--------------------------------------------
(1) تلبيس إبليس ص136.
(2) فتح الباري 7/71.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)

أن يدعى أنها محصورة فيما نقلته عائشة أو ابن عمر، وهذه كتب السنة وفي مقدمتها الصحيحان تشهد بصحة هذا، فما على طالب الحق إلا أن يرجع إليها ليقف على جلية الأمر بنفسه. ويكفي دلالة على هذا أن ما تقدم نقله من النصوص في فضل أبي بكر
والتي تضمنت أكثر من عشر مناقب هي من خصائص أبي بكر التي لم يشاركه فيها غيره ليست مقصورة في روايتها على من ذكر، بل لم ترو عائشة منها إلا حديثاً واحداً وهو إرادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب لأبي بكر كتاباً بالوصية له، والإشارة لاستخلاف أبي بكر ثابتة بأحاديث أخرى من غير طريق عائشة، كحديث جبير بن مطعم في قصة المرأة التي جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه فقالت: (يارسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر)، وهذا الحديث في الصحيحين(1) وكحديث حذيفة الذي في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)(2)، وأما ابن عمر فقد روى حديثاً واحداً أيضاً في تقديم الصحابة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان(3)، وهذا ثابت دون ذكر عثمان، من طريق محمد بن الحنفية
عن أبيه علي بن أبي طالب وأن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر.(4)
وأما بقية الأحاديث فقد رواها عدد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وعمرو بن العاص، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري على ما تقدم نقل أحاديثهم آنفاً، كما روى--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: (كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذاً خليلاً)، فتح الباري 7/ 17، ح 3659، ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر) 4/ 1856، ح 2386.
(2) أخرجه الترمذي في: (كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر) 5/ 609، ح 3662، وابن ماجه: (في المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) 1/ 37، ح 97، والحاكم في المستدرك 3/ 79، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/ 233، رقم 1233، وفي صحيح ابن ماجه 1/ 23، ح 80.
(3) تقدم تخريجه ص 488.
(4) تقدم تخريجه ص 488.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)

فضائل أبي بكر من غير هؤلاء جمع كبير من الصحابة، منهم على سبيل المثال لا الحصر: عمر بن الخطاب، والبراء ابن عازب، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعمار بن ياسر، وأبوهريرة، وعبد الله ابن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة، وعمرو بن عنبسة، وأبو أمامة، وجابر بن عبد الله، وسفينة (مولى أم سلمة)، وأبو بكرة، وغيرهم ممن يصعب حصرهم(1) وإنما ذكرت هنا بعض ما يستدل به على كذب الرافضي في دعواه: أنه لم يرو فضائل أبي بكر إلا عائشة وابن عمر رضي الله عنهما.
على أنه لو اقتصرت فضائل أبي بكر على روايتهما فليسا متهمين في روايتهما، فكون عائشة ابنة أبي بكر ليس قادحاً في قبول ما تروي من فضائله، لأن عدالة الصحابة أمر مقطوع به، فكيف بأم المؤمنين عائشة على ما هي عليه من وفور العلم والدين، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتهام هذا الأفاك الأثيم أم المؤمنين بوضع الأحاديث في فضائل أبيها، هذا من أعظم البهتان، الذي نسأل الله تعالى أن يجازيه به جزاء وفاقاً. وأما اتهامه ابن عمر بهذه التهمة أيضاً، مدعياً أنه كان من البعيدين عن علي فهذه فرية أخرى لا تقل عن سابقتها، ودعوى مجردة من أي دليل.
ولو أخذنا بمقياس الرافضي هذا في نقد الروايات، لكان هذا وارداً على ما يروى في فضل علي من الأحاديث التي نقلها أبناؤه وأهل بيته، ومن تدعى الرافضة تشيعهم له من الصحابة، بل ما يروي علي نفسه من فضائله كقوله: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)(2) فإن كانت عائشة رضي الله عنها متهمة في ماروته من فضائل أبيها رضي الله عنهما فالتهمة واردة هنا على علي، وأبنائه، وأهل بيته، ومن--------------------------------------------
(1) انظر: الأحاديث في فضائل أبي بكر بالإضافة إلى ما تقدم تخريجه في الصحيحين: في سنن أبي داود: (كتاب السنة، باب في التفضيل، وباب الخلفاء) 5/ 24 - 31، وسنن الترمذي: (كتاب المناقب، باب مناقب
أبي بكر الصديق، وباب في مناقب أبي بكر وعمر) 5/ 606 - 617، والمستدرك للحاكم 3/ 64 - 86.
(2) تقدم تخريجه ص 494.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)

يُدعى تشيعهم له، فيما ينقلونه من فضائله، بل إن التهمة في الوضع
لعلي أقوى من التهمة في الوضع لأبي بكر، ذلك أن أبا بكر لم تختلف الأمة عليه، ولم تفترق عنه، بل كانت مجتمعة عليه، ولم تشك في فضله، فما كان محتاجاً لهذا أصلا، بخلاف علي فإن الأمة افترقت في عهده، وقاتلته طائفة منها، وتنكرت له طوائف من أهل البدع ففسقه أقوام، وكفره آخرون فكان محتاجاً لما يجمع الناس عليه، وكان الدافع لدى محبيه وشيعته أقوى في الوضع له، من الدافع لأهل بيت أبي بكر في الوضع له بل إن الثاني منعدماً تماماً لعدم الحاجة إليه، ولهذا فإن الموضوع في فضل علي رضي الله عنه من الأحاديث أكثر بكثير مما وضع في فضل أبي بكر أو غيره من الصحابة، لكن هذا ليس من صنيع أحد من أهل بيته المعروفين بالعلم والعدالة، ناهيك أن ينسب شيء من ذلك له، أو لأحد من أبنائه أو الموالين له من الصحابة، فإنهم أبعد الناس عن ذلك، بل هم الصادقون المصدقون في كل ما ينقلون وما يروون، فمن اعتقد فيهم غير ذلك فقد باء بالخسران وناله ما نال الرافضة من الإثم والبهتان. وأما أهل السنة فهم بحمد الله يعتقدون في الصحابة كلهم العدالة المطلقة، والصدق والأمانة فيما يخبرون به عن أنفسهم أوغيرهم، ولا يتطرق لديهم الشك في ما ينقل عن الصحابة من أخبار في الفضائل وغيرها إذا ما ثبتت النسبة إليهم، وأسندوها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أردت من هذا بيان فساد قول الرافضي، ودحض حجته، وكشف شبهته، والله تعالى من وراء القصد.
وأما قول الرافضي عن ابن عمر أنه رفض مبايعة علي بعدما أجمع الناس على ذلك، فدعوى مجردة عن الدليل، وهو مطالب بصحة النقل لإثبات ذلك، فكيف به ولم يوثق كلامه بنقل، ولم يحل على مصدر، فكان حق مثل هذه الدعوى أن لايُعبأ بها، ولا يتكلف الرد عليها. غير أني أذكر هنا بعض ما يدل على كذبه، ويقطع الشك الذي قد يثيره في النفوس.
فأقول: إن بيعة علي رضي الله عنه كانت باتفاق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف بينهم تنازع في ذلك، كما تقدم تقرير ذلك بنقل الروايات الدالة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)

على اتفاق الصحابة على استخلافه، وأنهم كانوا يرون أنه أولى الناس بذلك(1)، وقد كان ابن عمر من أعيان الصحابة وكبارهم، وممن لا يغفل له رأي لو كان مخالفاً، ولا نتشر ذلك بين الناس، ونقلته المصادر. وإنما الذي حصل: أن بيعة علي رضي الله عنه كانت في وقت فتنة وتفرق بين الناس، بسبب مقتل عثمان فتريث بعض الصحابة
-ومنهم ابن عمر- في البيعة وقالوا لا نبايع حتى يبايع الناس على ماروى ذلك الطبري في تأريخه من طريق أبي مليح في خبر البيعة لعلي وفيه: «وخرج علي إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزار
وطاق(2)، وعمامة خزّ، ونعلاه في يده، متوكئاً على قوس فبايعه الناس، وجاءوا بسعد فقال علي: بايع، قال لا أبايع حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس، قال: خلوا سبيله، وجاءوا بابن عمر فقال: بايع، قال: لا أبايع حتى يبايع الناس، قال: ائتني بحميل(3)، قال: لا أرى حميلاً، قال: الأشتر؛ خلِّ عني أضرب عنقه، قال عليّ: دعوه أنا حميله».(4)
وقد كان هذا التوقف من سعد وابن عمر في البيعة لعلي في بداية الأمر. ثم إنهما بايعا بعد ذلك، بعدما اجتمع الناس على عليّ، فقد كان هذا شرطهما، وهذا من تمام فقههما رضي الله عنهما فإنهما لو بايعا علياً وبايع الناس غيره لتبعهما في بيعتهما خلق كثير، ولتفرق الناس افتراقاً عظيماً. ومما يدل على بيعتهما بعد ذلك ما نقله ابن كثير في سياق أحداث البيعة لعلي رضي الله عنه حيث قال: «فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس وذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد
مراجعة الناس لهم في ذلك وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان--------------------------------------------
(1) انظر: ص 234 من هذا الكتاب.
(2) الطاق: قال ابن الأعرابي هو: الطيلسان، وقيل: الطيلسان الأخضر، لسان العرب لابن منظور 10/ 233.
(3) الحميل: هو الكفيل ومنه الحديث: (الحميل غارم) أي: الكفيل ضامن، لسان العرب 11/ 180.
(4) تأريخ الطبري 4/ 428.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)

يوم الجمعة وصعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس».(1)
فتبين أن بيعة علي كانت في يومين يوم الخميس، ويوم الجمعة، فلعل من نقل تخلف ابن عمر، وسعد، وبعض الصحابة، كان في اليوم الأول من البيعة، ثم إنهم بايعوا في اليوم الثاني، فلم يتخلف منهم أحد، وهذا الذي قرره المؤرخون الذين نقلوا خبر البيعة.
يقول ابن حبان في كتاب الثقات: إن الناس حين هرعوا إلى علي بعد مقتل عثمان لمبايعته قال: ليس ذلك إليكم، وإنما لأهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو الخليفة، فلم يبق أحد من أولئك إلا أتى إليه، فطلب أن تكون على ملإٍ من الناس، فخرج إلى المسجد فبايعوه.(2)
ويقول ابن عبد ربه: «لما قتل عثمان أقبل الناس يهرعون إلى علي بن أبي طالب، فتراكمت عليه الجماعة في البيعة، فقال: ليس ذلكم إليكم إنما ذلك لأهل بدر ليبايعوا فقال: أين طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص؟ فأقبلوا فبايعوا ثم بايعه المهاجرون والأنصار، وذلك يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة
سنة خمس وثلاثين هجرية».(3)
ثم إن الروايات الصحيحة جاءت مؤكدة دخول ابن عمر في البيعة.(4)
فقد روى الذهبي من طريق سفيان بن عيينة، عن عمر بن نافع، عن أبيه عن ابن عمر قال: (بعث إليّ علي فقال: يا أبا عبد الرحمن إنك رجل مطاع في أهل الشام، فسر فقد أمرتك عليهم، فقلت: أذكرك الله وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتي إياه، إلا ما أعفيتني فأبى عليّ، فاستعنت عليه بحفصة فأبى، فخرجت ليلاً إلى مكة).(5) وهذا دليل قاطع على مبايعة--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية 7/ 238.
(2) انظر الثقات لابن حبان 2/ 267 - 268.
(3) العقد الفريد 4/ 310.
(4) قد عنيت بعض الدراسات الحديثة بجمع هذه الروايات، انظر: على سبيل المثال، كتاب تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة للدكتور محمد أمحزون 2/ 59 - 75.
(5) سير أعلام النبلاء 3/ 224، وقال محققو الكتاب: «رجاله ثقات».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)

ابن عمر، ودخوله في الطاعة، إذ كيف يوليه عليّ وهو لم يبايع.
وفي الاستيعاب لابن عبد البر: من طريق أبي بكر بن أبي الجهم عن ابن عمر أنه قال حين احتضر: (ما آسى على شيء إلا تركي قتال
الفئة الباغية مع علي رضي الله عنه).(1)
وهذا مما يدل أيضاً على مبايعته لعلي، وأنه إنما ندم على عدم خروجه مع علي للقتال فإنه كان ممن اعتزل الفتنة، فلم يقاتل مع أحد، ولو كان قد ترك البيعة لكان ندمه على ذلك أكبر وأعظم ولصرح به. فإن لزوم البيعة والدخول فيما دخل الناس فيه واجب، والتخلف عنه متوعد عليه برواية ابن عمر نفسه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).(2)
وهذا بخلاف الخروج للقتال مع علي، فإنه مختلف فيه بين الصحابة وقد اعتزله عامة الصحابة، فكيف يتصور أن يندم ابن عمر على ترك هذا القتال، ولا يندم على ترك البيعة لو كان تاركاً لها، مع ما فيه من الوعيد الشديد.
وبهذا كله يظهر كذب الرافضي فيما ادعاه، من ترك ابن عمر البيعة لعلي رضي الله عنهما حيث ثبت أنه كان من المبايعين له بل
المقربين منه، الذين كان يحرص على توليتهم، والاستعانة بهم، لما رأى
فيه من صدق الولاء والنصح له، فرضي الله عنهما وسائر الصحابة والقرابة، وقاتل الله المفرقين بينهم الطاعنين عليهم بما ليس فيهم من المارقين والملحدين.
وأما قول الرافضي ضمن طعنه في ابن عمر: «وكان يحدث أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم لا تفاضل والناس بعد ذلك سواسية»، ثم قال: «ويعني هذا أن ابن عمر جعل الإمام علياً من سوقة الناس، كأي شخص ليس له فضل».--------------------------------------------
(1) الاستيعاب لابن عبد البر المطبوع بحاشية كتاب الإصابة لابن حجر 6/ 326.
(2) أخرجه مسلم: (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين .. ) 3/ 1478، ح 1851.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)

فجوابه: أن هذا الأثر صحيح مشهور عن ابن عمر، وقد تقدم ذكره عند ذكر فضائل أبي بكر، لكن الرافضي زاد فيه ماليس منه، وهو قوله: «والناس بعد ذلك سواسية» ثم طعن بذلك على ابن عمر
رضي الله عنهما وزعم أنه يرى مساواة علي وعامة الناس في الفضل، وهذه الزيادة لم يقلها ابن عمر، ولم تثبت عنه في شيء من طرق هذا الأثر.
فإن هذا الأثر رواه البخاري عن ابن عمر من طريقين:
الأولى: من طريق يحيى بن سعيد عن نافع عنه أنه قال: (كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم».(1)
والثانية: من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عنه أنه قال: (كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم)(2)، وقد أخرجه من هذه الطريق أبو داود في سننه.(3)
كما أخرج أبو داود هذا الأثر من طريق ثالثة عن سالم
ابن عبد الله عن ابن عمر قال: (كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم
حي أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم
عثمان رضي الله عنهم).(4)
فهذه طرق الأثر الصحيحة المشهورة، لم ترد فيها تلك الزيادة التي زعم الرافضي، وحيث إنه لم يعز هذه الزيادة لمصدر، فلا عبرة لها ولا بما علقه عليها من مطاعن لا أصل لها.
وأما إن زعم الرافضي أن ماذكره هو مفهوم ما جاء في الأثر: (ثم--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في: (كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم)، فتح الباري 7/ 16، ح 3655.
(2) تقدم تخريجه ص 488.
(3) سنن أبي داود: (كتاب السنة، باب في التفضيل) 5/ 24 - 25، ح 4627.
(4) سنن أبي داود: (كتاب السنة، باب في التفضيل) 5/ 26، ح 4628.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)

نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم) رُدّ بأن هذا الفهم غير مسلم، فترك المفاضلة شيء، واعتقاد المساواة شيء آخر، والثابت عن ابن عمر هو ترك المفاضلة بين الصحابة بعد أولئك الثلاثة، لا أنه كان
يعتقد تساوي الباقين في الفضل، فإن هذا لم يقله ولا يحتمله لفظه بوجه، ناهيك عن دعوى الرافضي أنه يعتقد تساوي علي في الفضل مع أي شخص عامي، لا فضل له ولا صحبة، فإن هذا من أبطل الباطل الذي لا يقول به أقل الناس علماً وفهماً، فكيف بالصحابي الجليل ابن عمر الذي كان يعرف لعلي فضله وقدره بين أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد نص على هذا العلماء في شرح الحديث: قطعاً لهذه الشبهة.
قال الخطابي: «وجه ذلك والله أعلم أنه أراد الشيوخ وذوي الأسنان منهم، الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر شاورهم فيه، وكان علي رضوان الله عليه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث السن، ولم يرد ابن عمر الإزراء بعلي كرم الله وجهه، ولا تأخيره ودفعه عن الفضيلة بعد عثمان، وفضله مشهور، لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة» .(1)
ونقل ابن حجر: عن بعض العلماء أن قول ابن عمر هذا كان قبل أن ينعقد الإجماع على أفضلية علي بعد الخلفاء الثلاثة.(2)
قلت: وعلى كل حال فابن عمر إنما يحكي ما كان سائداً بين
الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من المفاضلة بين الصحابة على نحو ما ذكر، وما كان يعبر عن رأيه الخاص، وهو صادق في خبره، والطعن في صحة هذا القول لا يرد عليه وحده، وإنما يرد على عامة الصحابة. وعندئذ يظهر لك أيها القارئ مقدار ضلال الطاعن في هذا الأثر، ومدى بعده عن الحق. وأما بعد هذا العهد الذي يصفه ابن عمر فإن الذي استقر عليه أمر أهل السنة هو تفضيل علي بعد الخلفاء الثلاثة، وعلى ذلك نص العلماء المحققون من أهل السنة.--------------------------------------------
(1) معالم السنن 4/279.
(2) انظر: فتح الباري 7/16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق أهل السنة من العلماء، والعباد، والأمراء، والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم» .(1)
ويقول أيضاً: «ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم
عمر، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي رضي الله عنهم كما دلت عليه
الآثار» .(2)
ويقول ابن أبي العز: «وترتيب الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم
أجمعين في الفضل كترتيبهم في الخلافة» .(3)
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة وبراءة ابن عمر رضي الله عنهما من مطاعن هذا الرافضي وكشف كذبه وتزويره في كلام هذا الصحابي الجليل لمّا لم يجد في كلامه ما يطعن به عليه.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 3/406.
(2) مجموع الفتاوى 3/153.
(3) شرح الطحاوية ص727.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)

‌‌استدلال الرافضي بحديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» ودعواه أنه من أسباب استبصاره والرد عليه

قال الرافضي ص 172 ضمن ذكره لأسباب استبصاره المزعومة:
«4 - الأحاديث الواردة التي توجب اتباعه [أي علي]:
من الأحاديث التي أخذت بها فدفعتني للاقتداء بالإمام علي تلك التي أخرجتها صحاح أهل السنة والجماعة، وأكدت صحتها، والشيعة عندهم أضعافها ولكن -وكالعادة- سوف لا أستدل ولا أعتمد إلا الأحاديث المتفق عليها من الفريقين، ومن هذه الأحاديث:
أ- حديث (أنا مدينة العلم وعلى بابها):
وهذا الحديث وحده كاف لتشخيص القدوة التي ينبغي اتباعه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن العالم أولى بالاتباع، أي أولى أن يقتدى به من الجاهل
إلى أن قال: وفي هذا الصدد سجل لنا التاريخ أن الإمام علياً هو أعلم الصحابة على الإطلاق، وكانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل ولم نعلم أنه رجع إلى واحد منهم قط.
فهذا أبو بكر يقول: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن.
وهذا عمر يقول: لولا علي لهلك عمر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)

وهذا ابن عباس يقول: ما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر.
وهذا الإمام علي نفسه يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، والله لا تسألونني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل.
بينما يقول أبو بكر عندما سئل عن معنى (الأبّ) في قوله تعالى: {وفاكهة وأبّا}(1) قال أبو بكر: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن أقول في كتاب الله بما لا أعلم» .
والجواب عن هذا: أن كلامه هذا قد اشتمل من الكذب، والظلم، والبغي، وقلب الحقائق، ولبس الحق بالباطل، ما يعلمه من له أدنى اطلاع على كتب أهل السنة، وكان من أهل العدل والإنصاف، وبيان ذلك على وجه الاختصار:
أن هذا الحديث الذي ذكره وزعم أنه أخرجته صححاح أهل السنة وأكدت صحته: كذب موضوع، كما حكم بذلك أهل العلم من أهل السنة. وإليك أيها القارئ أقوالهم في الحديث وحكمهم عليه لتعلم مدى كذب هذا الرجل.
قال يحي بن معين: هذا الحديث كذب ليس له أصل.
وقال ابن عدى: هذا الحديث موضوع يعرف بأبي الصلت.
وقال أبو حاتم بن حبان: هذا خبر لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: قبح الله
أبا الصلت.
وقال البخاري: ليس له وجه صحيح.--------------------------------------------
(1) سورة عبس آيه 31.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)

وقال الدارقطني: مضطرب غير ثابت.
وقال الترمذي: إنه منكر.(1)
وقال ابن الجوزي: لا أصل له وعده في الموضوعات.(2)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها أضعف وأوهى(3)، ولهذا إنما يعد في الموضوعات، وإن رواه الترمذي. وذكره ابن الجوزي، وبين أن سائر طرقه موضوعة، والكذب يعرف من نفس متنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مدينة العلم، ولم يكن لها باب إلا باب واحد، ولم يبلغ عنه العلم إلا واحدٌ فَسَدَ أمر الإسلام
[إلى أن قال]: وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل ظنه مدحاً، وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام، إذا لم يبلغه إلا واحد من الصحابة».(4)
وقال الذهبي في التلخيص معلقاً على الحديث: «موضوع قال الحاكم: وأبو الصلت: ثقة مأمون، قال الذهبي: لا والله لاثقة ولا مأمون».(5)
وقال العجلوني: «وهذا حديث مضطرب غير ثابت، كما قاله الدارقطني في العلل».(6)
وقال الألباني: إنه موضوع.(7)--------------------------------------------
(1) انظر أقوالهم في كتاب الموضوعات لابن الجوزي 1/ 265، والمقاصد الحسنة … للسخاوي ص 170، وكشف الخفاء للعجلوني 1/ 205.
(2) الموضوعات 1/ 265.
(3) من حديث تكلم عليه قبله وهو (أقضاكم علي). انظر: منهاج السنة … 7/ 512.
(4) منهاج السنة 7/ 515 - 516، ومجموع الفتاوى 4/ 410.
(5) التخليص مع المستدرك 3/ 137.
(6) كشف الخفاء 1/ 203.
(7) ضعيف الجامع الصغير 2/ 13.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)

فظهر بهذا بطلان الحديث وسقوط احتجاج الرافضي به.
وأما قول الرافضي وقد سجل لنا التاريخ أن الإمام علياً هو أعلم الصحابة على الإطلاق، وأنهم كانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل، ولم نعلم أنه رجع إلى واحد منهم:
فهذا كذب صريح وفرية قديمة يرددها الرافضة في كتبهم، وليس عليها دليل صحيح، وإنما هي مجرد دعوى باطلة لا أساس لها من الصحة، ولا ثبات لها أمام النقد والتحقيق، بل الأدلة وأقوال علماء الأمة تدل على خلاف ذلك، وأن أعلم الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، وقد تقدم نقل بعض النصوص في ذلك.
كقول أبي سعيد الخدري في حديث تخيير النبي صلى الله عليه وسلم: (وكان أبوبكر أعلمنا).(1)
وكذلك قول عمر يوم السقيفة لأبي بكر: (أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)(2)، وهذا يتضمن تقدمه عليهم في العلم، كما لايخفى، وقد كان بحضور كبار الصحابه وأهل الرأي فيهم، فلم ينكر ذلك على عمر أحد، فكان إجماعاً منهم على قوله.
ولذا رد العلماء المحققون قول الرافضة في دعواهم أن علياً كان أعلم الصحابة، وعدوه من الكذب الصريح.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الرافضي في قوله إن علياً كان أعلم الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والجواب أن أهل السنة يمنعون ذلك، ويقولون ما اتفق عليه علماؤهم، إن أعلم الناس بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، وقد ذكر غير واحد الإجماع على
أن أبا بكر أعلم الصحابة كلهم، ودلائل ذلك مبسوطة في موضعها، فإنه لم يكن أحد يقضي ويخطب ويفتي بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر رضي الله عنه، ولم يشتبه على الناس--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه ص 485.
(2) تقدم تخريجه ص 488.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)

شيء من أمر دينهم إلا فصّله أبو بكر، فإنهم شكوا في موت النبي صلى الله عليه وسلم فبينه أبو بكر، ثم شكوا في مدفنه فبينه، ثم شكوا في قتال مانعى الزكاة فبينه أبو بكر، وبين لهم النص في قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين}(1)، وبين لهم أن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة، ونحو ذلك، وفسر الكلالة فلم يختلفوا عليه.
ولم يحفظ لأبي بكر فتيا تخالف نصاً، وقد وجد لعمر وعلي وغيرهما فتاوى كثيره تخالف النصوص، حتى جمع الشافعي مجلداً في خلاف علي وابن مسعود، وجمع محمد بن نصر المروزي كتاباًكبيراً في ذلك
وقد نقل غير واحد الإجماع على أن أبا بكر أعلم من علي منهم الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني المروزي، أحد أئمة الشافعية، وذكر في كتابه تقويم الأدلة: الإجماع من علماء السنة أن أبا بكر أعلم
من علي، كيف وأبو بكر كان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يفتي ويأمر وينهي
ويخطب كما كان يفعل ذلك إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم هو وإياه يدعو الناس إلى الإسلام، ولما هاجرا، ويوم حنين، وغير ذلك من المشاهد وهو ساكت يقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مشاورته لأهل الفقه والرأي يقدم في الشورى أبابكر وعمر، فهما اللذان يتكلمان في العلم، ويتقدمان بحضرته على سائر الصحابة».(2) ثم ساق الروايات في ذلك
يقول الفيروزآبادي في صدد الرد على الرافضة في هذه المسألة: «هذه الدعوى كذب صراح وافتراء، لأن علم الصحابي رضي الله عنه إنما يعرف بأحد وجهين: أحدهما: كثرة روايته وفتواه، والثاني: كثرة استعمال النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فمن المحال أن يستعمل النبي صلى الله عليه وسلم من لا علم له، وهذا من أكبر الشهادات وأبينها على العلم وسعته، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد ولي أبا بكر للصلاة بحضرته طول علته، وجميع أكابر الصحابة حضور كعلي، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبيّ وغيرهم، فآثره--------------------------------------------
(1) سورة الفتح آية 27
(2) منهاج السنة 7/ 500 - 503.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)

عليهم جميعاً، وهذا بخلاف استخلافه صلى الله عليه وسلم علياً في الغزو، لأنه ما استخلفه إلا على النساء والصبيان وذوي الأعذار، فوجب ضرورة أن يعلم أن أبا بكر أعلم الناس بالصلاة وشرائعها، وأعلم من المذكورين بها، وهي عمود الدين» .(1)
ثم ذكر أمثلة أخرى تدل على فضل أبي بكر في العلم على غيره من الصحابة بما فيهم علي رضي الله عنهم جميعاً.
وبهذا يظهر كذب دعوى الرافضي في أن علياً كان أعلم الصحابة، وبطلان قوله وفساده.
وأما قول الرافضي: إن الصحابة كانوا يرجعون إليه في أمهات المسائل ولا يرجع إلى واحد منهم، فقد رد شيخ الإسلام رحمه الله على هذه الدعوى حيث قال: «ما كان الصحابة يرجعون إليه، ولا إلى غيره وحده في شيء من دينه، لا واضحة ولا مشكله، بل كان إذا نزلت النازلة يشاورهم عمر رضي الله عنه، فيشاور عثمان، وعلياً، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعري، حتى يشاور ابن عباس، وكان أصغرهم سناً، وكان السائل يسأل علياً تارة، وأبي ابن كعب تارة، وعمر تارة، وقد سئل ابن عباس أكثر مما سئل علي، وأجاب عن المشكلات أكثر من علي، وما ذاك لأنه أعلم منه، بل علي أعلم منه لكن احتاج إليه من لم يدرك علياً.
فأما أبو بكر رضي الله عنه فما ينقل عنه أحد أنه استفاد من علي شيئاً من العلم، والمنقول أن علياً هو الذي استفاد منه كحديث صلاة التوبة وغيره» .(2)
قلت: ولو ثبت أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يشاورن علياً،
فهذا ليس دليلاً على أنه أفضل منهم أو أعلم منهم، وهذا ظاهر فإن--------------------------------------------
(1) الرد على الرافضة لأبي حامد المقدسي ص251-252.
(2) منهاج السنة 8/60-61.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 367)

رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستشير أصحابه: كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وأهل الرأي منهم، استجابة لأمر ربه {وشاورهم في الأمر}(1) ومعلوم أن هؤلاء الصحابة لا يقاسون قطعاً برسول الله صلى الله عليه وسلم في الفضل والعلم، وكذلك كان أبو بكر يشاور عمر وبعض الصحابة، وهو أفضل منهم وأعلم، بل كان علي يشاور من هو دونه في الفضل كابنه الحسن، وابن عباس وغيرهم، وهو أفضل وأعلم بالدين منهم.
وقول الرافضي إن علياً ما كان يرجع إلى أحد منهم فإن كان يقصد أبا بكر وعمر وعثمان، فما كان علي مدة حياتهم من أهل الولاية حتى يحتاج إلى مشورتهم، بل كانوا هم الخلفاء الذين ينظرون في أمر الأمة، فهم الذين يستشيرون الناس ولا يستشارون.
وأما إن كان يقصد: أن علياً ما كان يستشير أحداً من الصحابة مطلقاً، ولا يرجع إليهم، فهذا من أكبر الكذب عليه، فمشاورته بعض الصحابة في فترة خلافته مشهورة معروفة في كتب التأريخ، لا يمكن أن تنكر كمشاورته ابن عباس رضي الله عنهما في إقرار عمال الأمصار الذين كانوا قبله أو عزلهم، فأشار عليه ابن عباس أن يقرهم، وأشار عليه أبو بكرة أن يولي ابن عباس البصرة ففعل، واستشار الناس
بعد موقعة الجمل هل يدخل الشام بمن معه من الجند؟ أم يبعث جنداً ولا يخرج بنفسه؟ فأشار عليه قوم بهذا، وآخرون بهذا، فخرج بنفسه في الجند(2) ، وأمثله ذلك من سيرته كثيرة يصعب حصرها، وهي تدل على رجوع علي إلى من كان معه من الصحابة وغيرهم من أهل الرأي في المشورة.
مما يدل على كذب الرافضي فيما ادعاه. على أنه لو ثبت عدم مشاورته لأصحابه لماكان ذلك مدحاً في حقه، بل يعد عيباً ونقصاً، وذلك أن الرجوع لأهل الرأي ومشورتهم من الخصال الفاضلة الممدوح بها في الدين والعقل، وقد امتدح الله تعالى المؤمنين في قوله: {وأمرهم شورى--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران من الآية 159.
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 7/239-256-265.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 368)