لا يزيد على ذلك أما إن نسخ الأمر بالتحريم ثبت التحريم قطعاً، أو قال رفعت جملة ما دل عليه الأمر السابق من جواز وغيره، فإنه لا يستدل به على الجواز، والمدرك في هذه المسألة مبني على حرفين: أحدهما أن الدال على المركب دال على أجزائه والوجوب مركب من جواز الإقدام والمنع من الترك، فإذا ارتفع أحد الجزأين بقي الآخر، وثانيهما: أن الخصوص في الشيء قد يكون شرطاً كالطلاق المعلق فإنه أخص من مطلق الطلاق، ويلزم من انتفاء الخصوص الذي هو الشرط أن لا يثبت مطلق الطلاق لازماً للمعلق، لأن الخصوص هنا
شرط، وقد لا يكون شرطاً كالناطق مع الحيوان، لا يلزم من انتفاء الناطق انتفاء الحيوان، فمن قال بالمعنى الأولى قال إنه يدل على الجواز، ومن لاحظ الثاني قال الخصوص قد يكون شرطاً وقد لا يكون، فإذا حصل الشك توقفنا.
ويجوز أن يرد خبراً لا طلب فيه، كقوله تعالى «قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا» (1) أو أن يرد الخبر بمعناه كقوله تعالى «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين» (2) وهو كثير.
فائدة: ورود الخبر بلفظ الأمر أن الأمر شأنه أن يكون مما فيه داعية للمر، والخبر ليس كذلك، فإذا عبر بلفظ الأمر أشعر بالداعية فيكون ثبوت صدقه أقرب.
وفائدة التعبير عن الأمر بلفظ الخبر: أن الخبر يستلزم ثبوت مخبره وقوعه، بخلاف الأمر، فإن عبر عن الأمر بلفظ الخبر كان آكد في اقتضاء الوقوع حتى كأنه واقع، ولذلك اختير للدعاء لفظ الخبر تفاؤلاً بالوقوع.--------------------------------------------
(1) 75 مريم.
(2) 233 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
الفصل الرابع جواز تكليف ما لا يطاق
الأمر بالمركب أمر بأجزائه
الأمر بالفعل في وقت معين
يجوز تكليف ما لا يطاق خلافاً للمعتزلة والغزالي، وإن كان لم يقع في الشرع خلافاً للإمام فخر الدين، لنا قوله تعالى «ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به» (1) فسؤال دفعه يدل على جوازه، وقوله تعالى «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (2) يدل على عدم وقوعه، وهنا دقيقة وهي أن ما لا يطاق قد يكون عادياً فقط كالطيران في الهواء، أو عقلياً فقط كإيمان الكافر الذي علم الله تعالى أنه لا يؤمن؛ أو عادياً وعقلياً معاً كالجمع بين الضدين، والأول والثالث هما المرادان هنا، دون الثاني.
وافقنا المعتزلة على أن الله تعالى بكل شيء عليم، وأنه يعلم أن خلاف المعلوم محال، فهو يعلم أن الكافر يكفر وأن صدور الإيمان منه محال، مع ذلك كله فقد كلفه بالإيمان، فقد كلفه بما يتعذر وقوعه عقلاً، وهذه المقدمات كلها وافق عليها المعتزلة، فتكليف ما لا يطاق عقلاً قالت به المعتزلة. وإنما الخلاف فيما لا يطاق عادة كالجمع بين البياض والسواد في محال واحد، وجعل الجسم في مكانين في وقت واحد، والجمع بين الحركة والسكون في وقت واحد، والطيران في الهواء تحيله العادة، والعقل يجوزه، وإيمان الكافر العقل يحيله، إذا سئل أهل العادة عنه جوزوه فهو عقلي فقط.
ووجه الاستدلال بالآية أن الدعاء بمتعذر الوقوع حرام، فلا يجوز اللهم--------------------------------------------
(1) 286 البقرة.
(2) 286 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
اجمع بين الضدين ولا اغفر للكافر ولا غير ذلك من الممتنعات عقلاً وشرعاً، فلما سألوا رفعه وذكر الله تعالى ذلك في سياق المدح لهم، دل على أنهم لم يعصوا بدعائهم فيكون دعاء بما يجوز وهو المطلوب.
وأما قول الإمام إنه واقع فاعتمد في ذلك على أن جميع التكاليف إما معلومة الوجود فتكون واجبة الوقوع، أو معلومة العدم فتكون ممتنعة الوقوع، والتكليف بالواجب الوقوع أو الممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق، وهذا إنما يقتضي وقوع تكليف ما لا يطاق عقلاً لا عادة، فإن امتناع خلاف المعلوم إنما هو عقلي والنزاع ليس فيه بل في المحال العادي فقط. فلا يحصل مطلوب الإمام.
الفصل الخامس الأمر بالمركب أمر بأجزائه
الأمر بالفعل في وقت معين يكون لمصلحة تختص بذلك الوقت
فيما ليس من مقتضاه لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملاً بالأصل. بال القضاء بأمر جديد خلافاً لأبي بكر الرازي.
هذه المسألة مبنية على قاعدتين: القاعدة الأولى أن الأمر بالمركب أمر بأجزائه، القاعدة الثانية أن الأمر بالفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت، وإلا لكان تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت من بين سائر الأوقات ترجيحاً من غير مرجح.
فمن لاحظ القاعدة الأولى قال الأمر في الوقت المعين بالصلاة المعينة يقتضي الأمر بشيئين: بالصلاة وبكونها في ذلك القوت، فهو أمر بمركب، فإذا تعذر أحد جزأي المركب وهو خصوص الوقت بقي الجزء الآخر وهو الفعل؛ فيوقعه في أي وقت شاء. فيكون القضاء بالأمر الأول.
ومن لاحظ القاعدة الثانية قال: إن القامة مثلاً اختصت بصلاة الظهر لمصلحة ما في القامة، وما دلنا دليل على مساواة غيرها من الأوقات لها، بل الظاهر عدم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
المساواة، وإلا لما اختصت بوجوب الفعل، فلا تثبت الصلاة في غير القامة لعدم المصلحة في غير القامة، فإذا دل الدليل على وجوب القضاء علمنا أن الوقت الثاني يقارب الأول في مصلحة الفعل، وإذا لم يدل دليل فلا. فهذه هو مدرك هذه المسألة، وهذا إذا كان الوقت معيناً، فإن كان وظيفة العمر فقد تقدم أنه لا قضاء فيه، وأن الخلاف فيما هو على الفور في باب أن الأمر للفور.
وإذا تعلق بحقيقة كلية لا يكون معلقاً بشيء من جزئياتها، لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص.
إذا قلنا في الدار جسم، لا يدل على أنه حيوان، لأن الجسم أعم، أو في الدار حيوان، لا يدل على أنه إنسان أو في الدار إنسان لا يدل على أنه زيد، ولهذه القاعدة قلنا إن الوكيل بالبيع لا يملك البيع بثمن المثل دون البخس (1) إلا بالعادة لا باللفظ؛ فإذا قال له بع سلعتي حمل على ثمن المثل بدلالة العادة لأن البيع حقيقة كلية مشترك فيها بين ثمن المثل والمساوي والغبن.
ولا يشترك مقارنته للمأمور به بل يجوز تعلقه في الأزل بالشخص الحادث خلافاً لسائر الفرق.
لم يقل بالكلام النفسي إلا نحن، فلذلك تصور على مذهبنا تعلقه في الأزل، فالكلام النفسي أزلي ومنه الأمر والنهي وجميع الأحكام، فحرم الله في الأزل المرأة على زيد على تقدير وجوده، ووجوب أسباب التحريم وشرائطه، وانتفاء موانعه فإذا وجدت هذه كلها فقد وجد التقدير الذي تعلق الحكم بالشخص فيه، وكذلك أحلها الله تعالى بتقادير، فالحكم كلام الله تعالى وتعلقه القديم قديم أيضاً، فإن الذي يحيل وجود علم بغير معلوم، يحيل وجود أرم بلا مأمور، ونهي بغير منهي، وإباحة بغير مباح متقرر في العلم لا في الوجود الخارجي، لأن التعلق نسبة، والنسبة يشترط فيها تقرر طرفيها لا وجود طرفيها، كالعلم تعلقه نسبة بينه وبين معلومه، ومعلومه قد يكون--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: النجس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
معدوماً، بل مستحيلاً، بلا لتقرر لا بد منه، فالحكم هو الكلام وتعلقه الخاص وهما قديمان، وإنما الحادث المتعلق فقط.
ولكنه لا يصير مأموراً إلا حالة الملابسة، خلافاً للمعتزلة. والحاصل قبل ذلك إعلام بأنه سيصير مأموراً لأن كلام الله تعالى قديم، والأمر متعلق بذاته فلا يوجد غير متعلق، والأمر بالشيء حالة عدمه محال للجمع بين النقيضين، وحالة إيقاعه محال لتحصيل الحاصل، فيتعين زمن الحدوث.
هذه المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارات فيها عسرة التفهم وسر البحث فيها أن الألفاظ اللغوية إنما وضعت لطلب ما هو ممكن من المأمور، فيتعين أن الآمر إنما طلب من المأمور الفعل في زمن ليس فيه عدمه، لأنه لو طلب منه الفعل في زمن فيه عدمه لطلب منه الجمع بين الوجود والعدم وذلك محال. فإذن لم يطلب منه الفعل إلا في
زمان ليس فيه عدمه، وكل زمان ليس فيه عدم الفعل فيه وجوده قطعاً؛ لأن الوجود والعدم لا يمكن ارتفاعهما معاً، وزمن وجود الفعل هو زمن الملابسة، وذلك هو المطلوب.
ومقصودنا بهذا بيان صفة التعلق، لا أن الملابسة شرط في التعلق، وإلا لتعذرت حقيقة العصيان، ولا يوجد عاص أبداً؛ لأنه يقول الملابسة شرط لكوني مأموراً وأنا لم ألابس، فشرط الأمر مفقود، فلست مأموراً؛ فلا أكون عاصياً بالترك. فحينئذ يتعين أن لا تكون الملابسة شرطاً في تعلق الأمر بالمكلف. بل صفة تعلقه بذلك فقط، أي ما تعلق لما تعلق إلا بإيقاع الفعل في زمان ليس فيه عدمه، وهو عاص إذا ترك؛ لأنه أرم أن يعمر زماناً مستقبلاً بالفعل بدلاً عن عدمه، فلم يفعل. فمعنى قولنا إنه إنما يصير مأموراً في حالة الملابسة، أي تلك الحالة هي التي تعلق بها الأمر، وتعلقه متقدم عليها بالفعل فيها.
والمعتزلة يقولون لا ينبغي أن يكون هذا صفة التعلق، لأنه لو تعلق بإيقاع الفعل في زمن الحدوث لتعلق بتحصيل الحاصل، فإن زمن الحدوث زمن وجود، لأنه أول أزمنة الوجود، وأول أزمة الوجود وجود، وطلب الوجود حالة الوجود طلب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
تحصيل الحاصل، فيتعين أن يكون متعلقاً بما قبله زمان الوجود، وهو زمان العدم.
ونحن نقول لهم تعلقه بإيقاع الفعل حالة العدم يلزم منه اجتماع النقيضين، وأما قولكم يلزم من تعلقه بحالة الملابسة تحصيل الحاصل، فليس كذلك، لأن تحصيل الحاصل يشترط فيه تعدد الزمان بأن يكون الوجود حاصل في زمان، وقيل له بعد ذلك، افعل ذلك الذي وقع في الزمان الأول بعينه، فهذا تحصيل الحاصل، أما مع اتحاد الزمان فلا؛ لأن كل مؤثر، إنما يؤثر في فعله حالة حدوثه، ولا يمكن أن يكتب أحد (1) كتاباً إلا في الزمن الذي يكتبه فيه، ولا يبنى داراً إلا في الزمن الذي يقع البناء فيه، فمن الحدوث هو زمن التأثيرات، فلو منع التأثير لم يبق تأثير؛ فمثار الغلط حينئذ هو الغفلة عن شرط تحصيل الحاصل وهو تعدد الزمان أما مع اتحاده فلا، فهذا مأخذ البحث في هذه المسالة بين الفريقين.
ويتفرع عليه أن عند المعتزلة ينقطع تعلق الأمر بالدخول في الملابسة لانتفاء العدم الذي هو زمن التعلق، وعندنا يبقى التعلق حتى تفرغ الملابسة، فبالفراغ من الملابسة ينقطع التعلق إجماعاً، وفي زمن الملابسة قولان؛ عندنا المتعلق موجود، وعند المعتزلة لا، وقبل الملابسة قولان: التعلق حاصل عند المعتزلة وعندنا لا.
وأما كون المتقدم قبل ذلك إعلاماً أو أمراً فلم يقل الإمام فخر الدين إلا أنه إعلام معناه بأنه مأمور حالة الملابسة، وهو أمر بما في زمن الملابسة. وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص: اختلف الناس هل هو أمر على الحقيقة أم إعلام، فقال كثير: إن الأمر في الحقيقة إنما هو المقارن، أما المتقدم بإعلام، وقال الباقون: هو أمر، واختلف المعتزلة في مقدار ما يتقدم عليه من الأوقات بعد اتفاقهم مع أصحابنا على تقدمه بوقت يحصل به للمأمور السماع والفهم، فمنهم من قال لا يجوز تقدم الأمر على المأمور بأزمنة كثيرة. بل بوقت واحد إلا لمصلحة، والذي اختاره القاضي أبو بكر - رحمه اله - أنه يجب تقدمه بوقتين: وقت السماع، ووقت الفهم. والعلم--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: أحداً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
والتكليف يقع في الزمن الثالث، لأن إيقاع الفعل قبل العلم بمراد المتكلم محال. قال فهنا أربعة مطالب: أحدها وجوب تقدم الأمر على وقت المأمور، والثاني: أن تقدمه لا يخرجه عن كونه أمراً وإن كان إعلاماً وإنذاراً، والثالث: في وجوب تعلق الأمر بالفعل حالة إيجاده، والرابع: في مقدار ما يتقدم الأمر به على الفعل من الأوقات.
وقد أجمع المسلمون على أن أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم تتناولنا، وهي متقدمة علينا، وأنها أوامر؛ فالقول بالإعلام باطل، ولأنه لا يحتاج لأرم آخر بعده، ولو كان إعلاماً بأنه سيصير مأموراً لاحتجنا لأمر آخر حالة الملابسة، وليس كذلك.
والأمر بالأمر بالشيء لا يكون أمراً بذلك الشيء إلا أن ينص الآمر على ذلك كقوله عليه الصلاة والسلام «مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» .
من أمر غيره أن يأمر شخصاً آخر، فهو كمن أمر زيداً أن يصيح على الدابة فإنه لا يصدق عليه أنه أمر الدابة، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام «مروهم بالصلاة لسبع» ليس أمراً للصبيان، بل إنما فهمنا أمر الصبيان بالمندوبات، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الخثعمية «لما قالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر» ومن الناس من طرد القاعدة وقال أمر الصبي بالصلاة لا يحصل له فيها أجر، بل أمره بذلك على سبيل الاستصلاح، كاستصلاح البهائم على التفار والشماس لا لأن لها أجوراً، ومتى علم أن الآمر قصد بذلك الأمر التبليغ كان ذلك أمراً للثالث، كما قال عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في حق ابنه عبد الله لما طلق امرأته في الحيض «مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» . ومقتضى هذه القاعدة أن ابن عمر رضي الله عنهما لا يجب عليه المراجعة، لأن الأمر بالأمر لا يكون أمراً، لكن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله b أن يأمر فإنما غيره هو على سبيل التبليغ ومتى كان على سبيل التبليغ صار الثالث مأموراً إجماعاً.
وليس من شرطه تحقق العقاب على تركه عند القاضي أبي بكر والإمام خلافاً للغزالي لقوله تعالى «ويعفو عن كثير (1) » .
هذه المسألة نقلتها هنا واختصرتها كما وقعت في المحصول، وليست المسألة على هذه الصورة في أصول الفقه، ولا قال القاضي هذه العبارة. ولا الغزالي أيضاً، بل المنقول في كتاب القاضي أنه قال إذا أوجب الله تعالى علينا شيئاً وجب، ولا يشترط في تحقق الوجوب استحقاق العقاب على الترك، بل يكتفى في الوجوب الطلب الجازم وقال غيره الوجوب والندب اشتركا في رجحان الفعل ولم يميز الوجوب إلا باستحقاق الذم أو العقاب، فإذا أسقطناه عن الاعتبار لم يبق فرق البتة، والحق ما قاله القاضي، فإنا إذا دعونا وقلنا الله توفنا مسلمين، فإنا نجد أنفسنا جازمة بهذا الطلب من غير رخصة في تركه، وإذا قلنا الله أعطني عشرة آلاف دينار فإني أجد رخصة في أنها لو كانت خمسة لم أتألم لذلك، فالطلب هنا غير جازم بخلاف الأول فقد تصورنا الطلب منا، في حق الله تعالى جازماً وغير جازم، مع استحالة الذم ونحوه، فإذا تصورنا الطلب الجازم بدون استحقاق الذم صح ما قاله القاضي، والغزالي لم يخالف في لزوم العقاب، بل الغزالي وكل منتمٍ إلى شريعة الإسلام يقول بجواز العفو ولو بعد التوبة، أما عدم الغفران مطلقاً فلم يقل به أحد.--------------------------------------------
(1) 30 الشورى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
الفصل السادس في متعلقه
فالواجب الموسع وهو أن يكون زمان الفعل يسع أكثر منه وقد لا يكون محدوداً بل مغيا بالعمر، وقد يكون محدوداً كأوقات الصلوات، وهذا يعزى للشافعية منعه بناءً على تعلق الوجوب بأول الوقت، والواقع بعد ذلك قضاء يسد مسد الأداء، وللحنفية منعه بناءً على تعلق الوجوب بآخر الوقت الواقع قبله نفل يسد مسد الواجب؛ والكرخي منعه بناءً على أن الواقع من الفعل موقوف؛ فإن كان الفاعل في آخر الوقت من المكلفين فالواقع فرض وإلا فهو نفل.
ومذهبنا جوازه مطلقاً والخطاب عندنا متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الزمان الكائنة بين الحدين، فلا جرم صح أول الوقت لوجود المشترك، ولم يأثم بالتأخير، لبقاء المشترك في آخره، ويأثم إذا فوت جملة الوقت لتعطيل المشترك الذي هو متعلق الوجوب، فلا يرد علينا مخالفة قاعدة أببتة، بخلاف غيرنا.
من أنكر الواجب الموسع على الإطلاق، رأى أن التوسعة تقتضي جواز الترك،
والوجوب يقتضي المنع من الترك، والجمع بينهما محال. وهؤلاء خمس فرق لها خمسة أقوال.
الأول: أنه متعلق بأول الوقت؛ لأن الزوال مثلاً سبب لوجوب الظهر، والأصل ترتب المسببات على أسبابها، والشافعية اليوم ينكرون هذا المذهب، غير أنه منقول في عدة كثيرة من كتب الأصول، ويرد على هذا المذهب أن الإذن في تفويت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
الأداء لفعل القضاء لغير عذر غير معلوم في الشريعة، وقد أجمعت الأمة على جواز التأخير في الصلوات، وجواز التعجيل، أما الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء لعذر فمعهود، كتفويت الأداء في حق المسافر ويصوم قضاءً، فهذا مدرك هذا المذهب وما يرد عليه.
القول الثاني: أن الوجوب متعلق بآخر الوقت، قاله الحنفية، لأن انتفاء خاصية الشيء يقتضي انتفاءه، وثبوت خاصة الشيء يقتضي ثبوته، وخاصية الوجوب الإثم على تقدير الترك، ولم نجد هذا إلا آخر الوقت، فيكون الوجوب متعلقاً بآخر الوقت، ووجدنا هذه الخاصية منفية أول الوقت وسطه فوجب انتفاء الوجوب من أول الوقت ووسطه، ويرد عليهم أنه إذا عجل لم يفعل الواجب على قولهم، وإجزاء غير الواجب عن الواجب خلاف الأصل والقواعد، فهذا مدرك هذا المذهب وما يرد عليه.
القول الثالث: قاله الكرخي من الحنفية، أنه موقوف، فإن كان الفاعل آخر الوقت مكلفاً قلت الفعل المتقدم واجب، فما أجزاء عن الواجب إلا واجب، فهذا هو الموجب للوقف، ويرد عليه أن صلاة تقع في الوجود لا توصف بكونها فرضاً ولا نفلاً، خلاف القواعد.
القول الرابع: أن الزمن الوجوب هو زمن من الإيقاع، أي وقت كان لا يتعداه حذراً من الإشكالات المتقدمة، ويرد عليه أن الوجوب وصفته ومتعلقه لا بد أن تتقدم الفعل فلا بد من تعيين الوقت قبل الفعل، أما متعلق أو صفة تثبت مع الفعل (1) فغير معهود في الشريعة.
القول الخامس: أن إيقاع الفعل قبل آخر الوقت يمنع من تعلق الوجوب المكلف آخر الوقت، فلا يجزى عن الواجب غير الواجب، بل سقط الوجوب في نفسه، ويرد عليه أن رسول الله b وأصحابه رضوان الله عليهم--------------------------------------------
(1) في المخطوطة: أما متعلق أو صفة تتبع الفعل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
ما كانوا يصلون آخر الوقت، بل يعجلون، فيلزم أنهم ما صلوا فرضاً قط فيفوتهم أجر الواجبات، وهو في غاية البعد فهذه مدارك هذه المذاهب وما يرد عليها من الإشكالات.
وأما القائلون بالتوسعة فقالوا الوجوب عندنا متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء القامة الكائنة بين طرفيها فترتب الوجوب على سببه؛ لأن الوجوب في المشترك وجد عقيب الزوال ولم يلزمنا مخالفة شيء من هذه القواعد البتة، وهذه الفرقة لهم قولان في جواز التأخير؛ هل يشترط في جواز التأخير العزم على الفعل آخر الوقت لأن من لم يفعل ولا عزم على الفعل يعد معرضاً عن الأمر، أو لا يشترط لأن اللفظ ما دل إلا على الصلاة دون العزم. فهذه سبعة مذاهب في المسألة حكاها سيف الدين الآمدي في الأحكام، وأبو إسحق في اللمع وغيرهما، والقول بالتوسعة واشترط البدل هو مذهبنا ومذهب الشافعية.
وكذلك الواجب المخير قالت المعتزلة أيضاً الوجوب متعلق بجملة الخصال، وعندنا وعند بقية أهل السنة بواحد لا بعينه، ويحكى عن المعتزلة أيضاً أنه متعلق بواحد معين عند الله تعالى، وهو ما علم أن المكلف سيوقعه، وهم ينقلون أيضاً هذا المذهب عنا، والمخير عندنا كالموسع، والوجوب فيه متعلق بمفهوم إحدى الخصال الذي هو قدر مشترك بينهما وخصوصياتها متعلق التخيير، فما هو واجب لا تخيير فيه، وما هو مخير فيه لا وجوب فيه، فلا جرم يجزئه كل معين منها لتضمنه القدر المشترك، وفاعل الأخص فاعل الأعم، ولا يأثم بترك بعضها إذا فعل البعض لأنه تارك للخصوص المباح فاعل للمشترك الواجب، ويأثم بترك الجميع لتعطيله المشترك بينها.
عندنا المشترك بين الخصال المخير بينها متعلق به خمسة أحكام: الوجوب ولا يثاب ثواب الواجب إذا فعل إلا على القدر المشترك، ولا يعاقب عقاب تارك الواجب إذا ترك الجميع غلا على القدر المشترك، ولا تبرأ ذمته إذا فعل إلا بالقدر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
المشترك، ولا ينوي أداء الواجب إلا بالقدر المشترك، فهو متعلق الوجوب والثواب والعقاب وبراءة الذمة والنية.
وقول المعتزلة إنه متعلق بالجميع، معناه بالجميع على وجه تبرأ ذمته بفعل البعض فلا يكون خلافاً للمذهب الآخر، وعند التحقيق تستوي المذاهب في هذه المسألة، وتبقى لا خلاف فيها، فإن المذهب الآخر هم ينكرونه، ولم يبق بين الفريقين إلا ما لخصته، فمن أعتق رقبة في كفارة اليمين برئت ذمته بما فيها من مفهوم إحدى الخصال، ومفهوم إحداها هو قدر مشترك بينها، لصدقه على كل واحد منها، والصادق على عدة أمور هو مشترك بينها، وخصوص العتق لا يدخل في الوجوب وإلا لأثم بتركه إذا أطعم وترك العتق، فمفهوم إحدى الخصال هو متعلق الأحكام الخمسة المتقدمة.
سؤال: على هذا التقدير يلزم أن الشاة الواجبة في الزكاة والدينار واجب مخير، فإن الله تعالى لم يوجب خصوص شاة بل مفهوم الشاة كيف كانت من غير تعيين، فيلزم أن تكون
هذه الأبواب كلها واجباً محيراً لتعلق الخطاب فيها بالقدر المشترك بعين ما قلتموه ولم يقل به أحد.
جوابه: إن تعلق الخطاب بالقدر المشترك قسمان: تارة يكون بين أجناس مختلفة من الحقائق كالعتق والكسوة، وتارة بين أفراد جنس متحد الحقيقة. فاصطلح العلماء على الأول يسمى واجباً مخيراً فلا يرد الثاني عليهم، لأنه غير المعنى الذي اصطلح على تسميته، ومن شرط النقض أن يكون بعين الذي يدعيه المتكلم.
فائدة: والفرق بين المخير والمرتب أن المخير يجوز العدول عن كل واحدة من الخصال لفعل الأخرى، والمرتب لا يجوز العدول عن الأول غلا عند تعذره، فالأول: ككفارة الحنث. والثاني نحو كفارة الظهار. ثم المرتب إذا شق على المكلف فعل الأول منه مشقة تسقط الوجوب فقط انتقل المرتب للمخير، كما إذا شق عليه الصوم لأنه يضر به، وإن تجشمه وفعله أجزأه؛ فإنه يخير بين الصوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
والإطعام، ويكون أثر المشقة في إسقاط خصوص الصوم وتعينه، ويبقى الواجب واحداً لا بعينه، ثم للتخيير والترتيب ألفاظ تدل عليهما في اللغة، والذي رأيته للفقهاء أن الله تعالى متى قال افعلوا كذا أو كذا فهو للتخيير، وكذلك إما كذا، وإما كذا، ومتى قال فمن لم يجد كذا فليفعل كذا وإن لم يجد كذا فليفعل كذا، كما قال الله تعالى في الظهار «فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين» (1) فصورة الشرط مستند الترتيب، ولفظ (أو) موجب للتخيير.
سؤال: يلزم على هذه القاعدة أن قوله تعالى «فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان» (2) يوجب أن الإنسان يحرم عليه أن يستشهد رجلاً وامرأتين عند القدرة على رجلين، أو يكون ذلك غير مشروع في حقه وإن لم يكن حراماً؛ وهو خلاف الإجماع، فيلزم أحد الأمرين: إما أن تكون هذه الصيغة لا تدل على الترتيب، وهو خلاف ما عليه الفقهاء، أو تدل فيلزم خلاف الإجماع في هذه الصورة.
جوابه: أن الحق في هذه المسألة أن هذه الصيغة لا تستقل بالدلالة على الترتيب، بل قد تستعمل للحصر، كقولك إن لم يكن هذا العدد زوجاً فهو فرد، وإن لم يكن زيد متحركاً فهو ساكن، وإن لم يكن حياً فهو ميت. فهذا كلام عربي، والمقصود بيان الحصر في هاتين الحالتين: الزوج والفرد، والحركة والسكون، والحياة والموت، وهو مقصود الآية (3) ، ومعناها أن الحجة الشرعية الكاملة من الشهادة في الأموال منحصرة في الرجلين
والرجل والمرأتين. وأما الشاهد واليمين، والنكول، ويغر ذلك، فليس حجة تامة من الشهادة، بل من الشهادة وغيرها وهو اليمين أو كلها لا شهادة فيها كاليمين والنكول، أما حجة تامة شرعية كلها شهادة ليس إلا هذين القسمين، فإذا تعذر أحدهما تعين الآخر فتصير هذه الآية دليلاً على عدم قبول--------------------------------------------
(1) 92 النساء.
(2) 282 البقرة.
(3) هي قوله تعالى: «فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء» ، 282 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
أربع نسوة في الأموال كما نقل عن الشافعي رضي الله عنه. ومتى استعملت هذه الصيغة لبيان الحصر لا تدل على أن أحد القسمين لا يشرع إلا عند عدم الآخر، بل تدل على أن المشروع محصور فيهما في ذلك الباب الذي سيق الكلام لأجله.
وإذا تقرر هذا تعين أن هذه الصيغة تصلح للترتيب ولبيان الحصر، واللفظ الصالح للمختلفات لا يثبت به أحدهما إلا بدليل منفصل، فتحصل أن الحق أنها لا تستقل بالدلالة على الترتيب بمجردها، وحينئذ تقول قرينة كون الوضع لا يصلح للحصر قرينة دالة على أنها للترتيب، فإنه لا يحسن استعمالها لغيرهما، لو قلت إن لم يكن العدد عشرة فهو مائة لم يصح، أو إن لم يكن زيد في البيت فهو في السوق، حيث لا يعلم الحصر، لم يكن كلاماً عربياً، فهذا هو تلخيص هذا الموضع، وهو موضع حسن غريب، وينشأ منه سؤالان: أحدهما في الآية في اقتضائها الترتيب وهو خلاف الإجماع. وثانيهما: على قاعدة الترتيب فيقال قد تستعمل للحصر.
وكذلك فرض الكفاية المقصود بالطلب لغة إنما هو إحدى الطوائف الذي هو قدر مشترك بينها، غير أن الخطاب يتعلق بالجميع أول الأمر لتعذر خطاب المجهول، فلا جرم سقط الوجوب بفعل طائفة معينة من الطوائف، لوجود المشترك فيها، ولا تأثم طائفة معينة إذا غلب على الظن فعل غيرها لتحقيق الفعل من المشترك بينها ظناً، ويأثم الجميع، إذا تواطئوا على الترك لتحقق تعطيل الفعل المشترك، بينها ظناً إذا تقرر تعلق الخطاب في الأبواب الثلاثة، بالقدر المشترك، فالفرق بينها أن المشترك في الموسع هو الواجب فيه، وفي الكفاية هو الواجب عليه، وفي المخير الواجب نفسه.
سمي فرض الكفاية لأن البعض يكفي فيه، وسمي الآخر فرص الأعيان لتعلقه بكل عين، ولا يكفي البعض، وإنما قلت إن الخطاب متعلق في الكفاية بالمشترك لأن المطلوب فعل إحدى الطوائف، ومفهوم إحدى الطوائف قدر مشترك بينها لصدقه على كل طائفة، والصادق على أشياء مشترك بينها كصدق الحيوان على جميع أنواعه. واللغة لم تقتض إلا ذلك في النصوص الواردة بفرض الكفاية، كقوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
تعالى «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (1) وكقوله تعالى «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين» (2) الآية، ونحو هذه النصوص إنما مقتضى اللغة فيها غير معين وهو مشترك بين الطوائف المعينات، وفرقت الشريعة بين خطاب غير المعين
فمنعت منه لئلا يضيع الواجب فيقول كل شخص إني لم أتعين فيضيع الواجب، بخلاف الخطاب بالفعل الذي ليس بمعين جوزته الشريعة لأن المكلف متمكن من إيقاعه في المعين فلا يتعذر، كما خوطبنا بتحرير رقبة غير معينة ولم يفض ذلك لتعذره، وكذلك شاة من أربعين ودينار من أربعين.
فائدة: لا يشترط في فرض الكفاية تحقق الفعل بل ظنه، فإذا غلب على ظن هذه الطائفة أن تلك فعلت سقط عن هذه وإذا غلب على ظن تلك الطائفة أن هذه فعلت سقط عنها، وإذا غلب على ظن الطائفتين فعل كل واحدة منهما سقط عنهما.
أصل التكاليف أن لا تكون إلا بعلم لقوله تعالى «ولا تقف ما ليس لك به علم» (3) وقوله تعالى «وإن الظن لا يغني عن الحق شيئاً» (4) غير أنه تعذر حصول العلم في أكثر الصور أقام الشرع الظن مقامه لغلبة صوابه وندرة خطئه فأنيطت به التكاليف، فمن غلب على ظنه أن هذه امرأته جاز له وطؤها أو هذا الخمر جلاب (5) لم يأثم بشربه، أو غلب على ظنه أن زوجته امرأة أجنبية حرمت عليه، أو أن الجلاب خمر، حرم عليه، أو غلب على ظنه أنه متطهر وهو محدث أجزأته الصلاة وبرئت ذمته، وإن كان محدثاً حتى يطلع على أنه محدث،--------------------------------------------
(1) 104 آل عمران.
(2) 122 التوبة.
(3) الإسراء.
(4) 38 النجم.
(5) الجلاب: ماء الورد، أو العسل أو السكر المعقود بماء الورد، معرب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
فكذلك هنا يقع التكليف بالظن ويسقط بالظن، كما تسقط الصلاة مع الحدث، وغيره من النظائر، وغير ذلك قد تعظم مشقته فأسقطه الشارع عن الخلق.
سؤال: إذا تقرر الوجوب على جملة الطوائف في فرض الكفاية فكيف يسقط عمن لم يفعل بفعل غيره، مع أن الفعل البدني كصلاة الجنازة والجهاد مثلاً لا يجزئ فيه فعل أحد عن أحد؟ وكيف يسوي الشارع بين من فعل ولم يفعل.
جوابه: أن الفاعل يساوي غير الفاعل في سقوط التكليف، واختلف السبب فسبب سقوطه عن الفاعل فعله وعن غير الفاعل تعذر تحصيل تلك المصلحة التي لأجلها وجب الفعل، فانتفى الوجوب لتعذر حكمته.
لا يلزم من حصول المساواة في أصل السقوط حصول المساواة مطلقاً في الثواب وغيره، بل حصل التساوي في أصل السقوط لأن الغريق إذا شيل من البحر يبقى التكليف بعد ذلك بنزول البحر لا فائدة فيه، فلا تكليف حينئذ، فيحصل التساوي في أصل السقوط، ويمتاز الفاعل بالثواب عن فعله إن فعله تقرباً.
قاعدة: الفعل على قسمين: منه ما تكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس، فإن مصلحتها الخضوع لذي الحلال، وهو متكرر بتكرر الصلاة، ومنه ما لا تتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق، فإنه إذا شل من البحر فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصل شيئاً من المصلحة، وكذلك إطعام الجائع، وكذلك كسوة العريان وقتل الكفار، فالقسم الأول جعله الشرع على الأعيان تكثيراً للمصلحة، والقسم الثاني على الكفاية لعدم الفائدة في الأعيان.
هذه القاعدة هي سر ما يشرع على الكفاية وما يشرع على الأعيان، تكرار المصلحة وعدم تكررها فمن علم ذلك علم ما هو الذي يكون على الكفاية، وما هو الذي يكون على الأعيان في الشريعة، غير أنه يشكل على هذه القاعدة صلاة الجنازة فإنها على الكفاية مع أن مصلحتها المغفرة للميت وذلك غير معلوم الحصول، فينبغي أن يصلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
عليه أبداً ويكون على الأعيان، بخلاف إنقاذ الغريق فإن مصلحته حصلت ويتعذر تكررها.
والجواب: أن مصلحة صلاة الجنازة حصول المغفرة ظناً، وقد حصل ظن المغفرة بالدعاء في المرة الأولى لقوله تعالى «ادعوني أستجب لكم» (1) ولأنه لا يحصل القطع أبداً والشرع إنما يكلف بالمصالح التي يمكن تحصيلها قطعاً أو ظناً، وهذا لا يمكن أن يحصل فيه القطع، فلو لم يكن الظن كافياً لتعذر التكليف.
فوائد ثلاث: الأولى الكفاية والأعيان كما يتصوران في الواجبات يتصوران في المندوبات، كالأذان والإقامة والتسليم والتشميت وما يفعل بالأموات من المندوبات، فهذه على الكفاية وعلى الأعيان، كالوتر والفجر وصيام الأيام الفاضلة وصلاة العيدين والطواف في غير النسك والصدقات.
هذه مندوبات يكتفى فيها ببعض الناس، كما اكتفى في الواجبات بالبعض، وقصدت بهذه الفائدة التنبيه على أن الندب يوصف بالكفاية، وأكثر الناس إنما يتخيلون ذلك في الفروض الواجبة، فلذلك نبهت عليه.
الثانية: نقل صاحب الطراز وغيره أن اللاحق بالمجاهدين وقد كان سقط عنه الفرض يقع فعله فرضاً بعد ما لم يكن واجباً عليه، وطرد غيره من العلماء في سائر فروض الكفاية، كمن يلحق بمجهزي الأموات من الأحياء، وبالساعين في تحصيل العلم من العلماء، فإن ذلك الطالب للعلم يقع فعله واجباً، معللاً لذلك بأن مصلحة الوجوب لم تتحقق ولم تحصل إلا بفعل الجميع، فوجب أن يكون فعل الجميع واجباً ويختلف ثوابهم بحسب مساعيهم.
الوجوب يتبع المصلحة، فإذا لم تحصل المصلحة بقي الخطاب بالوجوب ومن أوقع مصلحة الوجوب استحق ثواب الواجب، والجميع موقع لمصلحة الوجوب، فوجب اشتراكهم في ثواب الواجب، والكلام حيث لم تتحقق المصلحة، أما من جاء بعد تحققها فلا.--------------------------------------------
(1) 60 غافر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
الثالثة: الأشياء المأمور بها على الترتيب أو على البدل قد يحرم الجمع بينها، كالمباح والميتة من المرتبات وتزويج المرأة من أحد الكفؤين من المشروع على سبيل البدل، وقد يباح كالوضوء والتيمم من المرتبات والسترة بأحد الثوبين من باب البدل، وقد تستحب كخصال الكفارة في الظهار وخصال كفارة الحنث فيما يشرع على البذل.
المرتبات هي التي لا يجوز فعل الثاني إلا عند تعذر الأول حساً أو شرعاً وذوات البدل هي التي يتخير المكلف بينها كثياب السترة وإباحة التيمم مع الوضوء، إذ معناه صورة التيمم، أما التيمم الشرعي المبيح للصلاة فلا تتصور حقيقته مع الوضوء، لأنه حينئذ غير مشروع طهارة، وإن أبيحت صورته، وكفارة الظهار مرتبة، وكفارة حنث اليمين مخير فيها على البدل، والكل يستحب الجمع بين خصالها من العتق والكسوة والإطعام والصيام، لأنها مصالح وقربات تكثر وتجمع، وإن كان بعضها إذا انفرد لا يجزئ في المرتبة.
فرع: اختار القاضي عبد الوهاب أن الأمر المعلق على الاسم يقتضي الاقتصار على أوله، والزائد على ذلك إما مندوب أو قساط.
هذه المسألة مشهورة بالأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها، قولان للعلماء، وكثير من الفقهاء غلط في تصويرها حتى خرَّج عليها ما ليس من فروعها، ظاناً أنه من فروعها، فقال أبو الطاهر وغيره في قول الفقهاء. التيمم إلى الكوعين أو إلى المرفقين أو إلى الإبطين ثلاثة أقوال أن ذلك يتخرج على هذه القاعدة، هل يؤخذ بأوائل الأسماء فيقتصر على الكوع أو بأواخرها فيصل إلى الإبط؟ ويجعلون كل ما هو من هذا الباب مخرَّجاً على هذه القاعدة، وهذا باطل إجماعاً، ومنشأ الغلط إجراء أحكام الجزئيات على الأجزاء والتسوية بينهما، ولا خلاف أن الحكم في الكل لا يقتصر به على جزئه، فلا تجزئ ركعة عن ركعتين في الصبح، ولا يوم عن شهر رمضان في الصوم ونظائره كثيرة.
إنما معنى هذه القاعدة إذا علق الحكم على معنى كلي له محال كثيرة وجزئيات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
متباينة في العلو والدناءة والكثرة والقلة، هل يقتصر بذلك الحكم على أدنى المراتب لتحقق المسمى بجملته فيه أو يسلك طريق الاحتياط فيقصد في ذلك المعنى الكلي أعلى المراتب؟ هذا موضع الخلاف، ومثاله إذا قال رسول الله b «إذا ركعت فاطمئن راكعاً» فأمر بالطمأنينة، فهل يكتفى بأدنى رتبة تصدق فيه الطمأنينة، أو يقصد أعلاها؟ وكذلك قوله عليه
الصلاة والسلام «خللوا الشعر وأنقوا البشرة» يقتضي التدليك، هل يقتصر على أدنى رتبة التدليك أو أعلاها؟ فهذه صورة هذه القاعدة في الجزئيات في المحل لا في الأجزاء، ثم الفرق أن الجزء لا يستلزم الكل، والجزئي يستلزم الكلي، فلذلك أجزأ الثاني دون الأول؛ فأدنى رتب الموالاة موالاة، وليست الركعة ركعتين، ولا اليوم شهراً.
وعبارة القاضي صحيحة في قوله يقتضي على أوله، أي أول رتبة، فمن فهم أول أجزائه فقد غلط. وقوله: والزائد على ذلك إما مندوب أو ساقط، فالمندوب كزيادة الطمأنينة، والساقط كزيادة التدلك، فإن الشرع لم يندب لزيادة التدلك كما ندب لزيادة الطمأنينة، ووجب الاقتصار على أول الرتب جمعاً بين الدال على الوجوب، وأن الأصل براءة الذمة. كما أنه لو وجب عتق رقبة واقتصرنا على ما يسمى رقبة أجزأ وإن كانت أدنى الرقاب، ولا يجب علينا أن تعتق رقبة بألف دينار. فهذه صورة القاعدة ومدركها من حيث النظر.
الفصل السابع في وسيلته
وعندنا وعند جمهور العلماء ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب، لتوقف الواجب عليه، فالقيد الأول احتراز من أسباب الوجوب وشروطه وانتفاء موانعه، فإنها لا تجب إجماعاً مع التوقف عليها، وإنما الخلاف فيما تتوقف عليه الصحة بعد الوجوب، والقيد الثاني احترازاً من توقف فعل العبد بعد وجوبه على تعلق علم الله تعالى وإرادته وقدرته بإيجاده، ولا يجب على المكلف تحصيل ذلك إجماعاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
وقالت الواقفية إن كانت الوسيلة سبب المأمور به وجبت وإلا فلا، لم الوسيلة إما أن يتوقف عليها المقصد في ذاته أو لا يتوقف. والأول إما شرعي كالصلاة على الطهارة، أو عرفي كنصب السلم لصعود السطح، أو عقلي كترك الاستدبار لفعل الاستقبال. والثاني نجعله وسيلة إما بسبب الاشتباه نحو إيجاب خمس صلوات لتحصيل صلاة منسية، أو كاختلاط النجس بالطاهر والمذكاة بالميتة والمنكوحة بالأخت، أو لتيقن الاستيفاء كغسل جزء من الرأس مع الوجه، أو إمساك جزء من آخر الليل مع نهار الصوم.
أجمع المسلمون على أن ما يتوقف الوجوب عليه من سبب أو شرط أو انتفاء مانع لا يجب تحصيله إجماعاً، فالسبب كالنصاب يتوقف عليه وجوب الزكاة ولا يجب تحصيله إجماعاً وإلا فإنه يتوقف عليها وجوب الصوم، ولا يجب الإقامة لأجله إجماعاً وكالدين يمنع وجوب الزكاة ولا يجب دفعه حتى تجب الزكاة إجماعاً، فكل ما يتوقف عليه الوجوب لا يجب تحصيله إجماعاً.
وإنما النزاع فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد تحقق الوجوب فقيل يجب لتوقف الواجب عليه، وقيل لا يجب لأن الأمر ما اقتضى إلا تحصيل المقصد، أما الوسيلة فلا، ولأنه إذا ترك المقصد كصلاة الجمعة أو الحج فإنه يعاقب عليه، أما المشي إلى الجمعة أو الحج فلم يدل على دليل على أنه يعاقب عليه مع عقابه على المقصد، وإذا لم يستحق عقاباً عليه لم يكن واجباً، لأن استحقاق العقاب من خصائص الوجوب، فمعنى قولنا مطلقاً، أي أطلق الوجوب فيه فيصير معنى الكلام الواجب المطلق إيجابه، ففرق بين قول السيد لعبده اصعد السطح، وبين قوله إذا نصب السلم اصعد السطح، فالأول: مطلق في إيجابه فهو موضع الخلاف، والثاني: مقيد في إيجابه فلا يجب تحصيل الشرط فيه إجماعاً.
وأما قولنا إذا كان مقدوراً فاحتراز عن المعجوز عنه، فإنه لا يجب بناءً على نفي التكليف بما لا يطاق وإن كنا نجوزه، ومن الشرط المعجوز عنها تعلق صفات الله تعالى بفعل العبد من المحال أن يصلي حتى يقدر الله تعالى له أن يصلي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)