عمداً أو ترك الصلاة أو غير ذلك؛ فيلزم وجود الحكم لأن الأسباب الشرعية يخلف بعضها بعضاً، فإذا قلت: لذاته خرجت هذه النقوض، فإن هذه الأسباب كلها بالنظر لذاتها إذا قطعنا النظر عن كونها لها شروط أو أبدال أو موانع لزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، وإنما لا
يلزم ذلك في الحالين، إذا عرض لها هذه الأمور فهي بالنظر إلى ذاتها تقتضي ذلك، وبالنظر إلى الأمور الخارجية يتأخر عنها ذلك، ولا تنافي بين اقتضاء الشيء بالات وبين تخلفه للعوارض.
والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فالأول احتراز ممن المانع والثاني احتراز من السبب والمانع أيضاً، والثالث احتراز من مقارنته لوجود السبب، فيلزم الوجود عند وجوده أو قيام المانع فيقارن العدم، والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لدائته، فالأول احتراز من السبب والثاني احتراز من الشرط والثالث احتراز من مقارنة عدمه لوجود السبب، فالمعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده وعدمه.
مثال الشرط: الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة ولا يلزم من وجوده وجوبها لاحتمال عدم النصاب، ولا عدم وجوبها لاحتمال وجود النصاب. وكذلك جمع الشروط. أما إذا قارن وجود السبب فإنه يلزم وجوب الزكاة ولكن لا لذاته بل لذات وجود السبب؛ أو يقارن وجود الشروط قيام المانع الذي هو الدين فيلزم العدم لكن للمانع لا لذات الشرط، فالشرط بالنظر إلى ذاته لا يلزم من وجوده شيء وإنما يتأتى اللزوم بالنظر إلى الأمور الخارجة كما تقدم في السبب؛ وكذلك القول في تقرير المانع.
فوائد خمس: الأولى الشرط وجزء العلة كلاهما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم فهما يلتبسان، والفرق بينهما أن جزء العلة مناسب في ذاته والشرط مناسب في غيره كجزء النصاب، فإنه مشتمل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
على بعض الغنى في ذاته. ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى وإنما هو مكمل للغنى الكائن في النصاب.
إذا رتب الشارع الحكم مع أوصاف وأناطه بها فإن كانت كلها مناسبة فهي كلها علة واحدة، وكل واحد منهما جزء علة إن لم نجد بعضها استقل بالحكم كالقصاص مع القتل العمد العدوان؛ فإن الثلاثة سبب للقصاص، وكل واحد منها جزء علة: لأن بعضها لم نجده استقل بوجوب القصاص.
وإن وجدنا بعضها يستقل بالحكم كان كل واحد منها علة مستقلة، فإن اجتمعت ترتب الحكم، وإن انفرد بعضها ترتب الحكم أيضاً، كالبكارة والصغر مع الإجبار إن اجتمعا فللأب الإجبار، وإن انفرد أحدهما كالثيب الصغيرة أو البكر المعنسة فله الإجبار على الخلاف، هذا إذا كانت كلها مناسبة فلا شرط فيها بل هي علة واحدة أو علل كما تقدم.
وإن كان بعضها مناسباً وبعضها غير مناسب فالمناسب العلة وغير المناسب شرط لضرورة توقف الحكم على وجوده، ولا بد في عادة الشرط من أن يكون مكملاً لحكمة السبب وهو الوصف الآخر، كالحول مع النصاب، لما وقف صاحب الشرع وجزء العلة من جهة المناسب وعدمها.
الثانية إذا اجتمعت أجزاء العلة ترتب الحكم وإذا اجتمعت العلل المستقلة ترتب الحكم أيضاً، فما الفرق بين الوصف الذي هو جزء العلة وبين الوصف الذي هو علة مستقلة والفرق بينهما أن جزء العلة إذا انفرد لا يثبت معه الحكم كأحد أوصاف القتل العمد العدوان، فإن المجموع علة سبب القصاص، وإذا انفرد جزء العلة لا يترتب عليه القصاص والوصف الذي هو علة مستقلة إذا اجتمع مع غيره ترتب الحكم، وإذا انفرد ترتب الحكم أيضاً، كإيجاب الوضوء على من لامس وبال ونام، وإذا انفرد أحدها وجب الوضوء أيضاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
الثالثة: الحكم كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على وجود شرطه فيم يعلم كل واحد منهما؟
الجواب: يعلم بأن السبب مناسب في ذاته والشرط مناسبته في غيره كالنصاب مشتمل على الغنى في ذاته، والحول مكمل لحكمة الغنى في النصاب بالتمكن من التنمية.
الرابعة الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام: منها ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، ومنها ما يمنع ابتداءه فقط، ومنها ما اختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني، فالأول كالرضاع يمنع ابتداء حكم النكاح واستمراره إذا طرأ عليه، والثاني كالاستبراء يمنع ابتداء النكاح ولا يبطل استمراره إذا طرأ عليه، والثالث كالإحرام بالنسبة إلى وضع اليد على الصيد، فإنه يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداءً، فإن طرأ على الصيد فهل تجب إزالة اليد عنه؟ فيه خلاف بين العلماء، وكالطول (1) يمنع من نكاح الأمة ابتداءً فإن طرأ عليه فهل يبطله؟ خلاف، كوجود الماء يمنع من التيمم ابتداءً فإن طرأ بعد فهل يبطله فيه خلاف.
مثال طرو الرضاع على النكاح أن يتزوج بنتاً في المهد فترضعها أمه فتصير أخته من الرضاع فتحرم عليه، والمستبرأة كالمعتدة لا يجوز العقد عليها صوناً لماء الغير عن
الاختلاط، فإذا غصبت امرأة متزوجة أو زنت اختياراً أو وطنت بشبهة فإنه تستبرأ من هذا الماء ليتبين هل منه ولد فيلحق بالغير في وطء الشبهة أو يلاعن منه في الزنا، ومع ذلك فالنكاح لا يبطل بهذا الاستبراء، فقد قوى الاستبراء على منع المبادئ، وما قوى على قطع الفادي، والمحرم لا يحل له أن يضع يده على الصيد، والإحرام يمنع من وضع الصيد؛ فإن أحرم وهو عنده فهل يجب عليه إفلاته أم لا؟ فيه خلاف.--------------------------------------------
(1) الطول: القدرة على تكاليف الزواج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
الخامسة الشروط اللغوية أسباب لأنه يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية كالحياة مع العلم، والشرعية كالطهارة مع الصالة، والعادية كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوانات.
إذا قلت إن دخلت الدار فأنت حر، يلزم من دخول الدار الحرية ومن عدم دخولها عدم الحرية، وهذا هو شأن السبب، أن يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته كما تقدم تحديده، وأما الحياة فلا يلزم من وجودها معرفة مذهب مالك، ويلزم من عدم الحياة عدم معرفته، وهذا هو حقيقة الشرط كما تقدم تحديده، ويلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة حيث كانت شرطاً في صورة القدرة عليها، ولا يلزم من وجود الطهارة صحة الصلاة لاحتمال عدم الصلاة بالكلية، أو يصليها بدون شرط أو ركن، وقولي في بعض الحيوانات احتراز عما يحكى عن الحياة أنها تمكث تحت التراب في الشتاء بغير غذاء وقيل تتغذى بالتراب فلا يحترز عنها حينئذ.
الفصل السادس عشر في الرخصة والعزيمة
الرخصة جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعاً، والعزيمة طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي، ثم الرخصة قد تنتهي للوجوب كأكل المضطر الميتة، وقد لا تنتهي كإفطار المسافر، وقد يباح سببها كالسفر، وقد لا يباح كالغصة بشرب الخمر.
الرخصة مشتقة من الترخص، والرخص هو اللين، فهي من حيث الجملة من السهولة المسامحة واللين.
وفسرها الإمام فخر الدين في المحصول بجواز الإقدام مع قيام المانع، وذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
مشكل؛ لأنه يلزم منه أن تكون الصلوات الخمس رخصة والحدود والتعازير والجهاد والحج رخصة، لأن ذلك جميعه يجوز الإقدام عليه، وفيه مانعان؛ أحدهما ظواهر النصوص المانعة من
التزامه، وهو قوله تعالى «وما جعل الله عليكم في الدين من حرج» (1) ، وقوله تعالى «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (2) ، وقوله عليه الصلاة والسلام «لا ضرر ولا ضرار» ، وجميع ذلك يمنع أن تجب هذه الأمور علينا لأنه حرج وعسر وضرر، غير أن ما فيها من المصالح العاجلة والمثوبات الآجلة هو المعارض الذي لأجله خولفت ظواهر هذه النصوص. وثانيهما صورة الإنسان مكرمة معظمة لقوله تعالى «ولقد كرمنا بني آدم» (3) ، وقوله تعالى «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» (4) ، والمكرم المعظم يناسب أن لا تهلك بنيته بالجهاد ولا يلزم المشاق والمضار، ولذلك قلت أنا في حدي: مع اشتهار المانع اشرعي، وأريد باشتهار المانع نفور الطبع الجيد السليم عند سماع قولنا أكل فلان الميتة، أو أفطر في رمضان، أو شرب الخمر للغصة، ونحو ذلك، وعلى هذا تخرج هذه النقوض عن حد الرخصة؛ فإنه لا ينفر أحد من قولنا أقيم الحد على الإنسان، ولا صلى الإنسان، ونحو ذلك، ولا يستعظم كيف اجتمع ذلك مع وصف الإنسانية كما يستعظم اجتماع الأكل مع الميتة والإفطار مع رمضان، ومع هذا الاحتراز لا يسلم الحد عن الفساد.
فإن في الشريعة رخصاً لم ألهم لها حالة ذكرى لهذا الحد وهي الإجازة رخصة من بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه، والسلم رخصة لما فيه من الغرر بالنسبة إلى المرئي، والقراض والمساقاة رخصتان لجهالة الأجرة فيهما، والصيد رخصة لأكل الحيوان مع اشتماله على دمائه ويكتفى فيه بمجرد جرحه وخدشه، ومع ذلك فلا ينفر أحد إذا ذكر له ملابسة هذه الأمور، فلا يكون حدي جامعاً.--------------------------------------------
(1) 78 الحج.
(2) 185 البقرة.
(3) 70 الإسراء.
(4) 4 التين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
ثم استقراء الشريعة يقتضي أن ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة، ولو قلَّت على البعد، ولا مفسدة إلا وفيها مصلحة وإن قلت على البعد ولو في الكفر فإن فيه تعظيم أهله وعصابته لمن شايعهم وعداوة أهل الحق له وطلب دمه وماله. وكذلك تقول في الإيمان، وإذا كان هذا في أعظم الأشياء مصلحة وأعظمها مفسدة فما ظنك بغيرهما، وقد قال الله تعالى في الخمر والميسر «قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما» (1) ، وعلى هذا ما في الشريعة حكم إلا وهو مع المانع الشرعي، لأنه لا يمكن أن يراد بالمانع ما سلم عن المعارض الراجح، فإن أكل الميتة وغيره وجد فيه معارض راجح على مفسدة الميتة، فحينئذ ما المراد إلا المانع المغمور بالراجح المعارض له، وحينئذ تندرج جميع الشريعة لأن كل حكم فيه مانع مغمور لمعارضته لما تقدم.
والذي تقرر عليه حالي في شرح المحصول وهنا أني عاجز عن ضبط الرخصة بحد جامع مانع، أما جزئيات الرخصة من غير تحديد فلا عسر فيه إنما الصعوبة فيه الحد على ذلك الوجه، وقولي وقد لا يباح سببها كالغصة لشرب الخمر، أريد أنه لا يباح لأحد أن
يغص نفسه حتى يشرب الخمر ولا لغير شرب الخمر، بل الغصة حرام مطلقا.
وقال في المحصول: العزيمة هي جواز الإقدام مع عدم المانع.
فيرد عليه أن أكل الطيبات ولبس الثياب من العزائم لأنه يجوز الإقدام عليها، وليس فيها مانع على زعمه في المانع، ولا يمكن أن تكون من العزائم؛ فإن العزائم مأخوذة من العزم وهو الطلب المؤكد فيه، ولا طلب في هذه الأمور فلذلك زدت في حدي: طلب الفعل مع عدم اشتهار المانع الشرعي، فقيد الطلب ليخرج أكل الطيبات ونحوها، وعدم اشتهار المانع احتراز من الرخصة إذا طلبت كأكل المضطر الميتة وقصدت بأصل الطلب (2) ولم أعين الوجوب لأن المالكية قالوا إن السجدات المندوب السجود عند تلاوتها عزائم، فقالوا عزائم القرآن إحدى عشرة سجدة، فذكرت الطلب ليندرج المندوب والواجب.--------------------------------------------
(1) 219 البقرة.
(2) الأولى أن يكون: وقصدت أصل الطلب بحذف الباء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
الفصل السابع عشر في الحسن والقبح
حسن الشيء وقبحه يراد بهما ما يلائم الطبع أو ينافره كإنقاذ الغرقى واتهام الأبرياء وكونهما صفة كمال أو نقص نحو العلم حسن والجهل قبيح، أو كونه موجباً للمدح أو الذم الشرعيين، والأولان عقليان إجماعاً والثالث شرعي عندنا لا يعلم ولا يثبت إلا بالشرع، فالقبيح ما نهى اله تعالى عنه والحسن ما لم ينه عنه.
وعند المعتزلة هو عقلي لا يفتقر إلى ورود الشرائع، بل العقل يستقل بثبوته قبل الرسل، وإنما الشرائع مؤكدة لحكم العقل فيما علمه ضرورة كالعلم بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، أو نظراً كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع، أو مظهرة لما لا يعلمه العقل ضرورة ولا نظراً، كصوم آخر يوم من رمضان، وتحريم أول يوم من شوال.
وعندنا الشرائع الواردة منشئة للجميع، فعلى رأينا لا يثبت حكم قبل الشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم إن كل ما يثاب بعد الشرع فهو ثابت قبله، وخلافاً للأبهري من أصحابنا القائل بالحظر مطلقاً، وأبي الفرج القائل بالإباحة مطلقاً، وكذلك قال بقولهما جماعة من المعتزلة فيما لا يطلع العقل على حاله كآخر يوم من رمضان وأول يوم من شوال. لنا قوله تعالى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (1) نفى التعذيب قبل البعثة فينتفي ملزومه وهو الحكم.
احتجوا بأننا نعلم بالضرورة حسن الإحسان وقبح الإساءة.
قلنا محل الضرورة مورد الطباع وليس محل النزاع.--------------------------------------------
(1) 15 الإسراء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
معنى قولي الأولان عقليان إجماعاً: أنا وافقنا المعتزلة على أن الحسن والقبح بهذين التفسيرين يستقل العقل بإدراكهما من غير ورود الشرائع، فيدرك العقل أن الإحسان ملائم والإساءة منافرة، وأن العلم كمال والجهل نقص.
أما كون الفعل يثيب الله عليه أو يعاقب، فهذا لا يعلم إلا بالشرع عندنا وبالعقل عندهم، فمن أنقذ غريقاً ففي فعله أمران: أحدهما كون الطباع السليمة تنشرح له وهذا عقلي، وثانيهما أن الله تعالى يثيبه على ذلك وهذا محل النزاع وكذلك من غرَّق إنساناً ظلماً فيه أمران أحدهما كونه يتألم منه الطبع السليم وهذا عقلي، وثانيهما كونه يعاقبه الله تعالى عليه وهذا محل النزاع، فهذا تلخيص محل النزاع.
وكذلك يدرك العقل أن العلم كمال وأن الجهل نقص وإن لم يبعث الله الرسل، كما يدرك أن خمسة في خمسة بخمسة وعشرين، وجميع الأحكام العقلية من الحسابيات والهندسيات، وكذلك الأمور العادية كالطيبات وغيرها لا يتوقف دركها على الشرائع، وكذلك الأمور الإلهية فيما يجب لله تعالى ويستحيل عليه أو يجوز في أفعاله يكفي فيها العقل، وأما وقوع أحد طرفي الجائز على الله تعالى فلا يستقل العقل به، ولا يتوقف كله على الشرائع، بل قد يكفي فيه الحواس الخمس أو إحداها، كما ندرك أن الله تعالى خلق الرائحة في المسك واللون في الثلج والصوت في الجنين والخشونة فيا لقنفذ، أو بقرائن الأحوال كخجَل الخجِل ووجَل الوجِل وغير ذلك.
وأما الثواب والعقاب العاجل في الدنيا أو الآجل في الآخرة أو أ؛ وال القيامة أو الأحكام الشرعية فإن هذا ونحوه لا يعلم عندنا إلا بالرسائل الربانية، وعندهم تدرك الأحكام والثواب والعقاب وكثير من أحوال القيامة بالعقل: فإنهم يوجبون بالعقل خلود الكافر وصاحب الكبيرة في النار، وخلود المؤمن ووجوب دخوله الجنة، وغير ذلك مما هو عندهم من باب العدل وفروع الحسن والقبح، ونحن عندنا هذه الأمور كلها يجوز على الله تركها وفعلها، ولا نعلم وقوعها وعدم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
وقوعها إلا بالشرائع، فالقبيح عندنا ما نهى الله تعالى عنه، والحسن ما لم ينه الله تعالى عنه، وعند المعتزلة القبيح هو المشتمل على صفة لأجلها يستحق صاحبه الذم، والحسن ما ليس كذلك، ومقصودهم بالصفة المفسدة، ومقصودنا ومقصودهم بقولنا وقولهم في الحسن ما ليس كذلك، والاكتفاء بمطلق هذا السبب أمران:
أحدهما أن تكون الأفعال الإلهية حسنة لصدق عدم النهي عليها، ويندرج أيضاً فعل الساهي والغافل وأفعال البهائم. ولو قلنا الحسن هو المأمور به لم تندرج الأفعال الإلهية لعدم الأمر فيها.
وثانيهما: أن ينطبق على قوله تعالى «ليجزينهم الله أحسن ما عملوا» (1) مفهومه أن الله تعالى لا يجازيهم على الحسن وهو كذلك، إذا فسرنا الحسن بما ليس منهياً عنه، كان أدنى رتبة الإباحة أو أعلى رتبة المطلوب، فيكون المباح الحسن والمطلوب الأحسن والجزاء إنما يقع في المطلوب، فالجزاء إنما هو في الأحسن لا في الحسن، فقد عملنا بالآية مفهوماً ومنطوقاً.
ثم المدرك عند المعتزلة في هذه المسألة أن الله تعالى حكيم فيستحيل عليه تعالى إهمال المفاسد لا يحرمها، وإهمال المصالح فلا يأمر بها، فكذلك كل ما هو ثابت بعد الشرع هو ثابت قبله، إذ لو لم يثبت قبله لوقع إهمال المفاسد والمصالح؛ فالعقل عندهم أدرك أن الله تعالى حكم بتحريم المفاسد، وإيجاب المصالح، لا لأن العقل هو الموجب، والمحرم، بل الموجب والمحرم هو الله تعالى، ولكن ذلك عندهم يجب له لذاته لكونه حكيماً، كما يجب له لذاته كونه عليماً.
ونحن نقول معنى كونه تعالى حكيماً كونه تعالى متصفاً بصفات الكمال من العلم العام المتعلق والقدرة العامة التأثير، والإرادة النافذة ونحو ذلك من صفاته تعالى، لا بمعنى أنه تعالى يراعي المصالح والمفاسد، بل له تعالى أن يضل الخلق أجمعين وأن يهديهم أجمعين، وأن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، فكل نعمة منه فضل--------------------------------------------
(1) 38 النور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
وكل نقمة منه عدل، والخلائق دائرون بين فضله وعدله؛ فعندنا لا يثبت حكم قبل الشرع، ولا يجب شكر المنعم إلا بالشرع، وعندهم ذلك كله عقلي بالتفسير الذي تقدم من إدراك العقل لا من حكمه، والحاكم هو الله تعالى في الجميع.
ولما كانت هذه قاعدتهم قالوا في الكذب الضار أن قبحه مدرك بالضرورة، إذ كونه كذباً جهة قبح، وكونه ضرراً جهة قبح، والصدق النافع حسن بالضرورة، لأن كونه صدقاً جهة حسن، وكونه نفعاً جهة حسن، فلا مدخل للنظر هنا، بل الصدق الضار مجال النظر لاحتمال أن يرجح مصلحة الصدق على مفسدة الضرر فيقضي بالحسن، أو بالعكس فيقضي بالقبح، أو يستويان فيجب التوقف، وكذلك الكذب النافع ينقسم إلى الأقسام الثلاثة، فالكذب من العظيم أقبح منه من الحقير، وفيا لشيء الحقير أقبح منه في حفظ المال الخطير أو النفس المؤمنة الزكية، فلا بد من النظر في كل صورة حتى يقضي بحسنها أو بقبحها، أو
يتوقف فيها، وقد يتعذر النظر كآخر يوم من رمضان لا يقدر العقل أن يدرك فرقاً بينه وبين أول يوم من شوال، بل الشرائع عندهم إذا وردت عرفتهم أنه كان فيه مصلحة، وفي أول يوم من شوال مفسدة، وأما عندنا فلا ضرورة ولا نظر، ولا الشرع كاشف بل منشئ في الجميع، وعندهم الشرائع إما مؤكدة فيما تقدم علمه، أو كاشفة فيما لم يتقدم علمه.
لنا أن العالم حادث؛ فهو إما أن يكون فيه مصالح أو لا يكون، فإن كان الأول فقد أخر الله تعالى فعل المصالح دهوراً لا نهاية لها، فلا يقال أن الله تعالى لا يهمل المصالح، وحينئذ لا يجزم العقل بثبوت الأحكام قبل الشرائع ولا بمراعاة المصالح، وإن كان العالم ليس فيه مصالح، وقد فعل الله تعالى مالا مصلحة فيه، فلا يكون العقل جازماً بأن الله تعالى لا يفعل إلا ما فيه مصلحة، بل يجوز عليه فعل لا حكمة فيه على رأيهم، وذلك يخرم قاعدة الحكمة بتفسيرهم، فهذا برهان قاطع على بطلان الحسن والقبح العقليين، ولم أره مسطوراً، وقد نقلت في شرح المحصول طرقاً عديدة عن الأصحاب، وبينت ما عليها من الإشكال وأخرت هذه الطريقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
احتجوا بأنه لولا مراعاة المصالح والمفاسد، لكان تخصيص الفعل المعين من بين سائر الأفعال بالحكم المعين من بين سائر الأحكام ترجيحاً من غير مرجح، لكن ما خصص بعضها بالتحريم وبعضها بالوجوب وبعضها بالإباحة، دل على أن الوجوب للمصالح والتحريم للمفاسد والإباحة لعرو الفعل عنهما أو لاستوائهما فيه، وذلك هو المطلوب.
جوابه: أن الأمر كما ذكرتم في مراعاة المصالح والمفاسد، لكن على سبيل التفضل لا على سبيل الوجوب، ولم يحصل لكم دليلكم إلا أصل المراعاة لا وجوبها، فنقول بموجب دليلكم.
تنبيه: قول من قال من الفقهاء بأن الأفعال قبل الشرع على الحظر أو على الإباحة ليس هو موافقاً للمعتزلة، بل هو من أهل السنة، غير أنه قال ذلك لمدارك شرعية، أما دليل كونها على التحريم متقدماً، فلقوله تعالى «ويسئولونك ماذا أحل لهم» (1) ومفهومه أن المتقدم قبل الحل هو التحريم، وكذلك قوله تعالى «أحلت لكم بهيمة الأنعام» (2) ومفهومه أنها كانت قبل ذلك محرمة، فدل على أن حكم الأشياء كلها كانت على الحظر، وأما دليل الإباحة فقوله تعالى «خلق لكم ما في الأرض جميعاً» وقوله تعالى «أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» (3) وذلك يدل على أن الإذن في الجميع بهذه المدارك الشرعية الدالة على الحل قبل ورود الشرائع، فلو لم ترد هذه النصوص لقال هؤلاء الفقهاء لا علم لنا بتحريم ولا إباحة.
وتقول المعتزلة المدرك عندنا العقل فلا يضرنا عدم ورود الشرائع، فمن هنا افترق هؤلاء الفقهاء من المعتزلة.
وأما قولي وكذلك قال بقول الأبهري وأبي الفرج جماعة من المعتزلة فيما لم--------------------------------------------
(1) 4 المائدة.
(2) 1 المائدة.
(3) 50 طه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
يطلع العقل عليه، فلا شك أن الشيخ سيف الدين قال اختلف جماعة من المعتزلة البصريين وغيرهم في حكم ما لم يدركه العقل ضرورة ولا نظراً من الأشياء قبل الشرع، فقيل بالحظر وقيل بالإباحة، وحكاه الإمام فخر الدين عاماً في جميع الأفعال وهو مناف لقواعد الاعتزال من جهة أ، القول بالحظر مطلقاً يقتضي تحريم إنقاذ الغريق وإطعام الجائع وإكساء العريان وذلك تأباه قواعد الاعتزال، والقول بالإباحة مطلقاً يقتضي إباحة القتل والفساد في الأرض، وذلك تأباه قواعد الاعتزال أيضاً؛ فلذلك اخترت طريق سيف الدين على طريق الإمام فخر الدين، لأن ما لم يطلع العقل على مفسدته ولا مصلحته أمكن أن يكون محظوراً، ولا منافاة بينه وبين إيجاب ما تُعلم مصالحه، لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيكون حراماً غائباً؛ كأخذ مال الغير شاهداً، وأمكن القول بإباحته وليس فيه إباحة مفسدة معلومة فلا تتناقض قواعد القوم بأنه تصرف لا ضرر فيه على المالك الذي هو الله تعالى، ولا على المنتفع الذي هو العبد، فوجب أن يكون مباحاً كالتنزه على بستان الغير والنظر لنهره وداره.
غير أني بعد وضع هذا الكتاب رأيت كلام أبي الحسين في كتابه المعتمد في أصول الفقه، وقد حكى عن شيعة المعتزلة الخلاف مطلقاً من غير تقييد، كما حكى الإمام، فرجعت إلى طريقة الإمام، وقد قررت ذلك نقلاً وبحثاً في شرح المحصول.
وأجاب أصحابنا عن مدركي الإباحة والحظر المتقدمين أن من شرط القياس اتحاد باب المقيس والمقيس عليه، فلا تقاس العقليات إلا على العقليات، والعاديات إلا على العاديات، والشرعيات إلا على الشرعيات. أما العقليات على الشرعيات أو العاديات أو بالعكس فلا، وحينئذ نقول الحظر في مال الغير والإباحة في النظر لبستانه؛ إن ادعيتم أنهما عقليان منعناكم ذلك، فإنه لا مدرك عندنا إلا الشرع، وإن قلتم هما شرعيان سلمنا ذلك، غير أن القياسين يبطلان لأن المقيس حكم عقلي إذ هو ما قبل الشرائع، والمقيس عليه شرعي، فما اتحد الباب، فلا يصح القياس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
فائدة: الاستدلال بقوله تعالى «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» (1) لا يتم إلا بمقدمتين؛ فإنه لا يلزم من نفي التعذيب نفي التكليف، لاحتمال أن يكون المكلف أطاع فلا تعذيب حينئذ، مع أن التكليف واقع، أو يكون عصى، غير أن العذاب قد تأخر إلى بعد البعثة، كما تأخر عن بعد البعثة إلى يوم القيامة، فلا بد من مقدمتين وهما قولنا
كلفوا قبل البعثة لتركوا عملاً بالغالب، فإن الغالب على العالم العصيان لقوله تعالى «وما وجدنا لأكثرهم من عهد» (2) وقوله تعالى «وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله» (3) فهذه إحدى المقدمتين، الثانية أنهم لو تركوا لعوقبوا عملاً بالأصل، لأن الأصل ترتيب المسبب على سببه، والعصيان سبب العقوبة فيترتب عليه فتنتظم ملازمتان هكذا: لو كلفوا لتركوا، ولو تركوا لعذبوا؛ فالعذاب لازم التكليف ولازم اللازم لازم، فانتفاء اللازم الأخير يقتضي انتفاء الملزوم الأول، كما أن انتفاء شرط الشرط يقتضي انتفاء المشروط، فلذلك يلزم من انتفاء العذاب قبل البعثة انتفاء التكليف قبل البعثة، وهو معنى قولي: نفي التعذيب قبل البعثة فينتفي ملزومه.
ومعنى قولي محل الضرورة مورد الطباع، وليس محل النزاع أن العقل إنما أنما أدرك حسن الإحسان من جهة أنه ملائم للطبع لا من جهة أنه يثاب عليه، وقبح الإساءة من جهة منافرتها للطبع لا من جهة أنه يعاقب عليها، والضرورة حينئذ إنما هي في مورد الطباع الذي هو الملاءمة والمنافرة، لا في صورة النزاع الذي هو الثواب والعقاب.--------------------------------------------
(1) 15 الإسراء.
(2) 102 الأعراف.
(3) 116 الأنعام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
الفصل الثامن عشر في بيان الحقوق
فحق الله تعالى أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه، والتكاليف عن ثلاثة أقسام حق لله تعالى فقط كالإيمان، وحق للعبد فقط كالديون والأثمان، وقسم اختلف فيه هل يغلب فيه حق الله تعالى أو حق العبد كحد القذف، ومعنى حق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط وغلا فما من حق للعبد إلا فيه حق لله تعالى وهو أمره تعالى بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه.
هذا هو تفسير الحقوق باعتبار اصطلاح العلماء، فإذا قالوا الصلاة حق لله تعالى إنما يريدون أنه أوجبها ولم يريدوا صورة الفعل، وقد ورد في الحديث الصحيح ما يرد هذا وهو «أن السائل سأل رسول الله b فقال ما حق الله على عباده فقال رسول الله b أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال فما حق العباد على الله قال إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم، ففسر حق الله تعالى بفعلهم لا بأمره تعالى بذلك الفعل، فقال أن يعبدوه، فيحتمل أن يكون أراد عليه الصلاة والسلام العبادة من حيث هي مأمور بها وهو الظاهر، لأن الفعل لو وقع ولم يقصد به هذا لم يكن عبادة، فلا بد في العبادة أن يقصد بها أمر الله تعالى وامتثاله، ويحتمل أن يكون حذف الأمر وهو مراده تقديره حقه تعالى أمره بأن يعبدوه ولا
يشركوا به شيئاً؛ فحذف الأمر وحرف الجر، أو يكون عبَّر بالعبادة عن المتعلق به وهو الأمر مجازاً لا لأنه حذف الأمر.
واختلف العلماء في حد القذف فقيل هو حق للعبد لأنه جناية على عرضه وقيل حق لله تعالى؛ كما نقول في الأعضاء إن حفظها هو حق لله تعالى، كذلك الأعراض، ولو أذن أحد في عضو من أعضائه لم يصح إذنه. والقول الثالث الفرق بين أن يصل إلى الإمام فيغلب حق الله تعالى لوصوله لنائبه، وإن لم يصل إلى الإمام كان حقاً للعقد فيصح إسقاطه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
الفصل التاسع عشر في العموم والخصوص والمساواة والمباينة وأحكامها
الحقائق كلها أربعة أقسام إما متساويات وهما اللذان يلزم من وجود كل واحد منهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه، كالرجم وزنا المحصن، وإما متباينان وهما اللذان لا يجتمعان في محل واحد كالإسلام والجزية، وإما أعم مطلقاً وأخص مطلقاً وهما اللذان يوجد أحدهما مع وجود كل أفراد الآخر من غير عكس كالغسل والإنزال المعتبر، فإن الغسل أعم مطلقاً، والإنزال أخص مطلقاً، وإما كل واحد منهما أعم من وجه وأخص من وجه، وهما اللذان يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه كحل النكاح مع ملك اليمين، فيوجد حل النكاح بدون ملك اليمين في الحرائر، ويوجد الملك بدون حل النكاح في موطوءات الآباء من الإماء، ويجتمعان معاً في الأمة التي ليس فيها مانع شرعي، فيستدل بوجود المساوي على وجود مساويه وبعدمه على عدمه، وبوجود الأخص على وجود الأعم، وبنفي الأعم على نفي الأخص، وبوجود المباين على عدم وجود مباينه، ولا دلالة في الأعم على نفي الأخص وبوجود المباين على عدم وجود مباينه، ولا دلالة في الأعم من وجه مطلقاً، ولا في عدم الأخص، ولا وجود الأعم.
دليل الحصر أن المعلومين إما أن يجتمعا أو لا. الثاني: المتباينان. والأول لا يخلو إما أن يصدق كل واحد منهما في جميع موارد الآخر أو لا، الأول المتساويان والثاني إن صدق أحدهما في كل موارد الآخر من غير عكس فهو الأعم مطلقاً، والأخص مطلقاً، وإلا فهو الأعم من وجه من وجه، والأخص من وجه، مثلتها بهذه المثل الفقهية لأنها أقرب لطلبة العلم، وأمثلها أيضاً بالموارد العقلية. فالمتساويان كالإنسان، والضاحك بالقوة، يلزم من وجود كل واحد منهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه؛ فلا إنسان إلا وهو ضاحك بالقوة، ولا ضاحك بالقوة إلا وهو إنسان، وتعني بالقوة كونه قابلاً له ولم يقع، ويقابله الضاحك بالفعل، وهو المباشر للضحك، والمتباينان كالإنسان والفرس، فما هو إنسان ليس بفرس، وما هو فرس ليس بإنسان، فيلزم من صدق أحدهما على ملح عدم صدق الآخر، والأعم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
مطلقاً والأخص مطلقاً كالحيوان والإنسان، فالحيوان صادق في جميع أفراد الإنسان ولا يوجد الإنسان بدون الحيوان البتة.
والأعم من وجه ضابطه أنهما يجتمعان في صورة وينفرد كل واحد منهما بصورة؛ كالحيوان والأبيض، فإن الحيوان إن وجد بدون الأبيض في السودان، ووجد الأبيض بدون الحيوان في الجير والحجر الأبيض والثلج، واجتمعا معاً في الحيوانات البيض، فلا يلزم من وجود الأبيض وجود الحيوان، ولا من وجود الحيوان وجود الأبيض، ولا من عدم أحدهما عدم الآخر، فلا جرم ولا دلالة فيه مطلقاً لا في وجوده ولا في عدمه.
بخلاف الأعم مطلقاً: يلزم من عدم الحيوان أن عدم الإنسان، ومن وجود الإنسان الذي هو الأخص وجود الحيوان، ولا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم، لأن الحيوان قد يبقى موجوداً في الفرس وغيره من أنواعه. ففائدة هذه القاعدة الاستدلالات ببعض الحقائق على بعض، وتمثيلي المتساويين بالرجم وزناً المحسن بناءً على أن اللائط لا يرجم، أما لو فرعنا على أه يرجم كان الرجم أعم من الزنا عموماً مطلقاً، كالغسل والإنزال المعتبر، فإن الغسل أعم مطلقاص لوجوده بدون الإنزال في انقطاع دم الحيض، والتقاء الختانين، وعدم ذلك من أسباب الغسل.
الفصل العشرون في المعلومات
المعلومات كلها أربعة أقسام؛ نقيضان، وهما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان كوجود زيد وعدمه، وخلافان وهما اللذان يجتمعان ويرتفعان كالحركة واللون، وضدان وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما مع الاختلاف في الحقيقة، كالسواد والبياض؛ ومثلان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وهما اللذان لا يجتمعان ويمكن ارتفاعهما مع التساوي في الحقيقة كالبياض والبياض.
دليل الحصر أن المعلومين إما أن يمكن اجتماعهما أو لا، فإن أمكن فهما الخلافان، وإن لم يمكن، فإما أن يمكن ارتفاعهما أو لا. الثاني النقيضان والأول لا يخلو إما أن يختلفا في الحقيقة أو لا، الأول الضدان، والثاني المثلان.
سؤال: كيف يقال في حد الضدين إنهما يمكن ارتفاعهما، والحركة والسكون ضدان ولا يمكن ارتفاعهما عن الجسم، والحياة والموت لا يمكن ارتفاعما عن الحيوان، والعلم والجهل لا يمكن ارتفاعهما عن الحي؟
جوابه: أن إمكان الارتفاع أعم من إمكان الارتفاع مع بقاء المحل، فنحن نقول
يمكن ارتفاعهما من حيث الجملة، وهما ممكنا الرفع مع ارتفاع المحل، فقبل العالم لا متحرك ولا ساكن، ولا من العالم حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل فصح الحد.
فائدة: الخلافان قد يتعذر ارتفاعهما الخصوص حقيقة غير كونهما خلافين، كذات واجب الوجود سبحانه مع صفاته، وقد يتعذر افتراقهما كالعشرة مع الزوجية خلافان، ويستحيل افتراقهما، والخمسة مع الفردية، والجوهر مع الأكوان، وهو كثير، ولا تتنافى بين إمكان الافتراق والارتفاع بالنسبة إلى الذات، وتعذر الارتفاع بالنسبة إلى أمر خارجي عنهما.
فائدة: حصر المعلومات كلها في هذه الأربعة الأقسام حق لا يخرج منها شيء إلا ما توحد الله تعالى به وتفرد به فإنه ليس ضد الشيء ولا نقيضاً ولا مثلاً ولا خلافاً لتعذر الرفع، وهذا حكم عام في ذاته تعالى وصفاته العلى لتعذر رفعها بسبب وجوب وجودها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
الباب الثاني في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه
الواو لمطلق الجمع في الحكم دون الترتيب في الزمان:
قال جماعة من الكوفيين إنها للترتيب، لنا قوله تعالى «ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة» (1) وقوله تعالى «وقولوا حطة وادخلوا الباب» والقصة واحدة فلو كانت للترتيب لزم التناقض وهو محال، وقوله تعالى حكاية عن كفار العرب «وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم» (2) فلو كانت للترتيب لكانوا معترفين بالحياة بعد الموت والبعث، وليس كذلك، وقيل في هذه الآية إن المراد تموت كبارنا وتولد صغارنا فنحيا، فلا يلزم الاعتراف بالبعث على القول بالترتيب. والظاهر من اللفظ هو القول الأول، وأن مرادهم نحيا ونموت، والواو لا تفيد الترتيب، ولأن الواو قد تدخل فيما لا يمكن الترتيب فيه كقولنا: تضارب زيد وعمرو، ولا ترتيب في ذلك؛ فدل على أنها ليست للترتيب. احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «بئس الخطيب أنت» لما قال الخطيب: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، وأمره بأن يقول من يعص الله ورسوله فقد غوى، ولولا أن الواو للترتيب لما كان بين اللفظين فرق، ولما سمع عمر رضي الله عنه الشاعر يقول: كفى الشيب … والإسلام للمرء ناهيا.--------------------------------------------
(1) 58 البقرة.
(2) 24 الجاثية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
قال له لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، ولولا أنها للترتيب لما كان بينهما فرق.
والجواب على الأول أن الترتيب له سببان أداة لفظية وحقيقة زمانية، فاللفظية نحو الفاء وثم، والحقيقة الزمانية هي أن أجزاء الزمان مرتبة بذاتها، فلا يقع الحال قبل الماضي، ولا المستقبل قبل الحال، ولا حين إلا قبل حين بعده، وبعد حين قبله، واجتماع الأزمان محال، فإذا كانت أجزاء الزمان مرتبة هكذا بعضها قبل بعض، والواقع في المرتب مرتب، وفي السابق سابق على الواقع في اللاحق، فالمنطوق به أولاً متقدم لتقدم زمانه على المنطوق به آخر التأخر زمانه، ولذلك أنا نقدم المفعول على الفاعل لشرفه بالحقيقة الزمانية فقط، فنقول أنشد النبيَّ حسانُ بن ثابت، ولا لفظ مرتب هنا، بل الزمان فقط، إذا تقرر هذا فنقول إذا قال الخطيب ومن يعص الله ورسوله، فقد حصل الترتيب بالحقيقة الزمانية
عندنا، واتجه عتب الخطيب عند عدمها، فلم قلتم أن الترتيب لأداة لفظية؟ بل لما ذكرنا، وهو مجمع عليه وما ذكرتموه مختلف فيه، وإضافة كلام الشارع للمتفق عليه أولى. وهو الجواب عن الثاني.
فائدة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» فقد جمع بينهما في الضمير كما جمع الخطيب، فما الفرق وما الجواب؟
الجواب من وجهين: أحدهما ذكره الشيخ عز الدين عبد السلام - قدس الله روحه - فقال: إن منصب الخطيب حقير قابل للزلل؛ فإذا نطق بهذه العبارة قد يتوهم فيه لنقصه أنه إنما جمع بينهما في الضمير لأنه أهمل الفصل بينهما في الضمير والفرق، فلذلك امتنع لما فيه من إيهام التسوية، ومنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غاية الجلالة والبعد عن الوهم والتوهم، فلا يقع بسبب جمعه عليه الصلاة والسلام وإيهام التسوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
وثانيهما: ذكره بعض الفضلاء فقال: كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة واحدة، وتقدم الظاهر من الجملة يبعد استعمال الظاهر موضع الضمير، بل الضمير هو الحسن، وكلام الخطيب جملتان إحداهما مدح والأخرى ذم، فلذلك حسن منه استعمال الظواهر مكان المضمرات.
والفاء للتعقيب والترتيب والتسبب نحو سها فسجد.
قال الإمام فخر الدين: الفاء للتعقيب بحسب الإمكان، احترازاً من قولهم دخلت بغداد فالبصرة، فإنه إذا كان بينهما ثلاثة أيام فدخل بعد الثلاثة فهذا تعقيب عادة، أو بعد خمسة أو أربعة فليس بتعقيب، ولا يشترط في تعقيب دخول البصرة أن يكون تليه بالزمن الفرد فذلك مستحيل، فلا يكون الوضع له.
وقولنا للتعقيب احتراز من (ثُم) فإنها للتراخي والتسبب، كما في قولنا سها فسجد، وسرق فقُطع، وزنا فرُجم، أي هذه المقدمات أسباب لما بعدها، والدليل على أنها للترتيب أنها يجب دخولها في جواب الشرط إذا كان جملة اسمية نحو: من دخل داري فله دينار، قال النحاة لو لم يقل (فله) بل قال (له) بغير فاء لكان إقراراً بالدينار ولزمه دفعه له، ولم يكن تعليقاً للدينار على دخول الدار، وكان الشرط المتقدم يبقى لغواً بغير جواب. وكذلك إن دخلت الدار فأنت طالق أو فأنت حر، لو حذف الفاء طلقت وعتق العبد في الحال، لأن الموجب لتعليق الطلاق إنما هو الفاء في الجملة الاسمية، فإذا عدمت انقطع الكلام عما قبله فصار إنشاء لا تعليقاً؛ من حيث دلالة اللفظ لا من حيث الإرادة والفتيا؛ فإذا كانت الفاء هي التي ترتب دل على أنها للترتيب.
وثم للتراخي.
هذا حقيقتها؛ فتقتضي أن ما بعدها وقع بعد ما قبلها وبينهما فترة، بخلاف الفاء وقد تستعمل لتراخي الرتب دون الزمان من باب مجاز التشبيه، كقوله تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)