الفصل الحادي عشر خمس حقائق لا تتعلق إلا بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم وهي الأمر والنهي والدعاء والشروط وجزاؤه.
صوابه أن يقول بالمعدوم وبالمستقبل، فقولنا بالمعدوم احتراز من الحال، وقولنا المستقبل احتراز من الماضي، ولو قلت بالمستقبل لأجزأ لكن التصريح بالمعدوم أحسن لأنه أنص على اعتبار المعدوم في ذلك، وألحقت بعد وضع هذا الكتاب لهذه الخمسة، خمسة أخرى، صارت عشرة، وهي: الوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة، ووجه اختصاصها بالمستقبل أن الأمر والنهي والدعاء والترجي والتمني: طلب، وطلب الماضي متعذر، والحال موجود، وطلب تحصيل الحاصل محال، فتعين المستقبل، والشرط وجزاؤه ربط أرم يتوقف دخوله في الوجود على دخول أمر آخر، والتوقف في الوجود إنما يكون في المستقبل، فإذا قال ن دخلت الدار فأنت طالق، لا يمكن أن يكون المعلق عليه دخله مضت، ولا المشروط طلقة مضت، بل مستقبلة.
وأما الوعد والوعيد، فإنه زجر عن مستقبل أو حث على مستقبل بما تتوقعه النفس من خير في الوعد وشر في الوعيد والتوقع لا يكون إلا في المستقبل، والإباحة تخيير بين الفعل والترك، والتخيير إنما يكون في معدوم مستقبل؛ لأن الماضي والحاضر تعين، فتعين تعلق العشرة بالمستقبل، وينبني عليها فوائد كثيرة نبهت على بعضها في شرح المحصول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الفصل الثاني عشر حكم العقل بأمر على أمر
حكم العقل بأمر على أمر: إما غير جازم والاحتمالات إما مستوية فهو الشك، أو بعضها راجح والراجح هو الظن والمرجوح وهم، والجازم إما غير مطابق وهو الجهل المركب، أو مطابق وهو إما لغير موجب وهو التقليد أو لموجب وهو إما عقل وده فإن
استغنى عن الكسب فهو البديهي وإلا فهو النظري، أو حس وحده وهو المسحسوسات الخمس أو مركب منهما وهو المتواترات والتجريبات والحسيات والوجدانيات أشبه بالمحسوسات، فتندرج معها في الحكم.
الشك اسم لاحتمالين فأكثر مستوية، فسماه مركب ومسمى الظن والوهم بسيط، لأن الظن اسم للاحتمال الراجح والوهم للاحتمال المرجوح، والجهل المركب سمي بذلك لتركبه من جهلين؛ فإنه يجهل ويجهل أنه يجهل كأرباب البدع والأهواء، فإنهم يجهلون الحق في نفس الأمر، وإذا قيل لهم أنتم عالمون أو جاهلون؟ قالوا عالمون، فقد جهلوا جهلهم، فاجتمع لهم جهلان فيه فسمي جهلاً مركباً. وقد جمع المتنبي ثلاث جهالات في بيت حيث قال:
ومن جاهل بي وهو يجهل جهله … ويجهل علمي أنه بي جاهل
وكذلك كل من اعتقد في رجل أنه صالح وهو طالح، أو طالح وهو صالح وكل من اعتقد شيئاً على خلاف ما هو عليه، والجهل المركب يقابله الجهل البسيط، وهو أن يجهل ويعلم أنه يجهل، كما إذا قيل له أنت تعلم عدد شعر رأسك أو تجهله؟ يقول أجهله، فإذا قيل له فأنت تعلم أنك جاهل بذلك؟ يقول نعم. وهذه العبارة لا تجمع الجهل المركب كله؛ فقد يدخل الجهل المركب في التصورات، فإن من تصور الحقائق على خلاف ما هي عليه فهو جاهل جهلاً مركباً، كمن يتصور الإنسان أنه الحيوان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
فقط، وإذا طابق الحكم بغير موجب فهو تقليد؛ كما يعتقد عوام المسلمين قواعد عقائدهم عن أئمتهم، فإذا سئلوا عن أدلة تلك القواعد لا يعلمون أدلتها.
فالتقليد هو أخذ القول من قائله من غير مستند وقد يكون مطابقاً كما تقدم، وغير مطابق كتقلد عوام الكفار وأهل الضلال لرؤسائهم وأحبارهم.
والعقلي المستغني عن الكسب كقولنا الواحد نصف الاثنين، فإن تصور المحكوم به والمحكوم عليه كاف في الجزم بإسناد أحدهما إلى الآخر، فهذا بديهي من التصديقات والبديهي من التصورات هو الغني عن الحدود والاكتساب بها، كأحوال النفس من جوعها وعطشها وألمها ولذاتها وغير ذلك، فإن هذه الحقائق ضرورية للبشر ولا يحتاج في معرفتها لتعلم ولا كسب بحد، بخلاف تصور معنى الحكم الشرعي والحقائق الخفية، فيحتاج فيها للحدود والرسوم الضابطة لها، وكذلك ما احتاج من التصديقات للكسب بالأدلة والبراهين فهو كسبي نحو حدوث العالم وكون الواحد عشر سدس الستين، وجميع المطالب المحتاجة للفكر، والعلوم الحسية هي العلوم المتفادة عن الحواس الخمس، وهي كلها في الرأس،
فأربعة خاصة به، وواحد يتعداه إلى غيره وهو اللمس، والمختصة السمع والبصر والذوق والشم.
فائدة: قال بعض اللغوين قولهم محسوسات لحن فإن الفعل المأخوذ من الحواس رباعي تقول أحس زيد بكذا، قال الله تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر. وأما حس الثلاثي فله ثلاثة معان أخر، تقول العرب حسه إذا قتله، وحسه إذا مسحه، ومنه حس الفرس، وحس إذا ألقى عليه الحجارة المحماة لينضج، فهذه الثلاثة يقول للمفعول فيها محسوس، وأما الحواس فمحس مثل مكرم ومعطى، وجميع الأفعال الرباعية فيكون جمعها محسات بضم الميم لا محسوسات، غير أن أكثر اللغويين يتوسعون في هذا الباب، ووقعت هذه العبارة لجمع كثير من الفضلاء كابي علي وغيره، وكأنهم نحوا بها نحو معلومات لاشتراك الجمع في الإدراك.
فائدة: قال بعض الفضلاء: هذا معنى قول العرب ضربت أخماسي في أسداسي، أي فكرت بحواسي الخمس في جهات الست لأن الجمع ست: فوق وأسفل وقدام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وخلف ويمنة ويسرة، ولقد أحس الحريري وأوجز حيث جمعها في بيت من الشعر في الملحمة حيث قال:
ثم الجهات الست فوق وورا … ويمنة وعكسه بلا مرا
فأخذ كل جهة وترك ضدها ليتنبه السامع له، وبقي معه بقية في البيت لا يحتاجها فخشاها بقوله بلا مرا، وقيل ليس من هذا بل من إظماء الإبل، والأخماس والأسداس ترجع إلى أيام ورودها للماء لخمس أو سدس، فإذا وقعت المغالطة من الراعي ضرب الخمس في السدس وأخرها عن شربها (1) . ووجه تركب المستند في المتواترات من الحس والعقل أنه لا بد من سماع أخبار جماعة عن الأمر المتواتر فهذا حظ السمع، ثم إن قال العقل هؤلاء يستحيل تواطؤهم عن الكذب حصل العلم فهذا حظ العقل، وإن لم يقل ذلك لم يحصل العلم، وكذلك التجريبات وتسمى المجربات أيضاً نحو كون الليمون حامضاً والصبر مراً والتمر حلواً ونحو ذلك، فإن أول مرة يباشر الحس ذلك النوع يجوز
العقل أن يكون ذلك الفرد من ذلك النوع أصابه عارض أوجب له ذلك، كما توجد المرارة في بعض أفراد الفقوس والخيار والنوع في نفسه ليس كذلك، فإن كثرت تكرار ذلك على الحس والعقل قال العقل عند حد من الكثرة في التكرار: كلي ليمونة حامضة وكل تمرة حلوة، فهذه المقدمة هي نصيب العقل لا بد منها، وعندما يحصل العلم، وكذلك الحدسيات كنقد الفضة ونضج الفاكهة فإن البصر يدرك أول مرة الدرهم الرديء فلا يعرفه، فيقال له إنه رديء فيتأمله ويتكرر ذلك عليه كثيراً حتى يحصل عند العقل قرائن لا يمنك التعبير عنها، فيقول لأجلها كل ما كان كذا فهو درهم رديء.
فهذه المقدمة هي تصيب العقل، وعندها يحصل العلم، واشتركت المتواترات والحدسيات والمجريات في أن أول مرة ربما حصل الشك وعند التكرار الظن، وبعد ذلك قد--------------------------------------------
(1) وأصل ذلك أن شيخاً كان في إبله ومعه أولاده رجالاً يرعونها قد طالت غربتهم عن أهلهم. فقال لهم ذات يوم ارعوا إبلكم ربعاً فرعوا ربعاً نحو طريق أهلهم. فقالوا لو رعيناها خمساً فزادوا يوماً قبل أهلهم. فقالوا لو رعيناها سدساً؛ ففطن الشيخ لما يريدون فقال ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس ما همتكم رعيها إنما همتكم أهلكم، وأنشأ يقول: … وذلك ضرب أخماس أراه … لأسداس عسى أن لا تكونا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
يحصل العلم وقد لا يحصل، وأنها تحتاج للحس والعقل، غير أن الفرق بينها أن المتواترات تختص بالأخبار والحدسيات تحتاج إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، والمجربات لا تحتاج إلى نظر حالة القضاء على الجزئيات، فإذا قال لك أحد أن معي مسك هي هو عطر أم لا؟ قلت هو عطر، أو معي ليمونة هل هي حامضة أم لا؟ قلت هي حامضة، أو معي حنظلة هل هي مرة أم لا؟ قلت مرة، من غير احتياجك إلى نظر في ذلك الفرد، أما لو قال لك معي درهم هل هو جيد أم لا؟ قلت حتى أنظر غليه. أو معي رمانة هل هي نضيجة أم لا؟ قلت حتى أنظر إليها. أو عندي رجل هل هو شجاع أو جبان؟ قلت حتى أنظر إليه. فهذا هو الفرق بينها.
سؤال: يلزم أن الاستدلال بوجود العالم على وجود الصانع من هذا الباب وليس كذلك، بل هو عقلي، فإن الحس إذا شاهد الصنعة قال لها صانع، فقد اجتمع الحس والعقل، ولو فقد أحدهما لم يحصل العلم.
جوابه: إن هذا عقلي والملازمة بينهما عقلية، والفرق بينه وبين المجربات والحدسيات من وجوه: الأول إن هذا عقلي وتلك عادية، وثانيها هذا يكفي فيه مطلق المشاهدة، وتلك لا بد فيها من التكرار، وثالثها إن هذا يكون في مادة الوجوب وتلك في مادة الإمكان. وإنما كانت الوجدانيات أشبه بالحسيات لأن الحس لا يدرك إلا جزئياً فلا يسمع كل صوت ولا يمكن أن يذوق كل طعم ولا يلمس كل لبونة أو حرارة، بل فرداً خاصاً من ذلك النوع، فمدركات الحس أبداً جزئية، والعقل هو المدرك للأمور الكلية فهو الذي يقول كل مسك عطر وكل ليمونة حامضة؛ فمدركات العقول كليات ومدركات الحواس جزئيات، والوجدانيات أمور جزئية فإنه لا يقوم بالإنسان كل جوع ولا كل عطش، بل فرد من ذلك، فهي جزئية وليست حسية لأن من فقد حواسه كلها وجد ألمه، وليست عقلية لأنها
جزئية، فلذلك ألحقها العلماء بالحسيات دون العقليات، وهي قبيل قائم بذاته غيرهما.
فائدة: اختلف العلماء هل الحواس مع العقل كالحجاب مع الملك أو كالطاقات؟ فقيل كالحجاب، والحواس تدرك أولاً ويحصل لها العلم ثم تؤدي تلك العلوم الجزئية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
للنفس فتحكم عليها، وتقول كل ما كان كذا فهو كذا، وقيل بل الحواس طاقات والنفس كملك في بيت له خمس طاقات قبالة كل طاقة مشاهدات ليست قبالة الأخرى، والنفس التي هي الملك تنظر من كل طاقة لقبيل من المدركات لا توجد إلا هنالك، ويدل على الأول أن البهائم لا عقل لها وهي تدرك بحواسها، فدل ذلك على أن الحواس مستقلة بالإدراك دون النفس، ويدل على المذهب الثاني أن الإنسان إذا نام وفتحت عيناه لا يدرك شيئاً مع وجود العين بجملتها: السبع طبقات وثلاث رطوبات والعصب الأجوف والروح الباصرة، ولا يزال كذلك غير مدرك حتى يستيقظ فيأتي شيء للبصر وجميع الحواس، وحينئذ يحصل الإدراك، فدل على أن الحواس طاقات للنفس.
الفصل الثالث عشر في الحكم وأقسامه
الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، فالقديم احتراز من نصوص أدلة الأحكام فإنها خطاب الله تعالى وليست حكماً وإلا اتحد الدليل والمدلول، وهي محدثة، والمكلفين احتراز من المتعلق بالجماد وغيره، والاقتضاء احتراز عن الخبر وقولنا أو التخيير ليندرج المباح.
إني اتبعت في هذا الحد الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى مع أني غيرت بالزيادة في قولي القديم، ومع ذلك فلفظ الخطاب، والمخاطبة إنما يكون لغة بين اثنين وحكم الله تعالى قديم فلا يصح فيه الخطاب، وإنما يكون ذلك في الحادث، والصحيح أن يقال كلام الله القديم، فالكلام لفظ مشترك بين القديم واللساني الحادث كما تقدم فيه حكاية ثلاثة أقوال، وقولي القديم ليخرج الحادث من الألفاظ التي هي أدلة الحكم فإنها كلام الله تعالى وهو متعلق بأفعال المكلفين نحو قوله تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
«أقيموا الصلاة» (1) فلو كانت حكماً لا تحد الدليل والمدلول، وقولي المكلفين احتراز عن المتعلق بالجماد مثاله قوله تعالى «ويوم نسير الجبال» (2) فإنه كلام متعلق بالجبال وهو جماد ونحو هذا، فإذا قلنا المتعلق بأفعال المكلفين خرج هذا النوع وقولي بالاقتضاء احتراز من الخبر فإن قوله تعالى «وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس» (3) كلام متعلق بأفعال المكلفين وليس حكماً بل هو خبر عن تكليف تقدم.
ويدخل في الاقتضاء أربعة أحكام اقتضاء الوجود بالوجوب: أو الندب واقتضاء العدم بالتحريم، أو الكراهة، فتبقى الإباحة لم تندرج، فقلت أو التخيير لتندرج الإباحة وتكمل الأحكام الخمسة تحت الحد فيكون جامعاً، وقبل ذلك لم يجمع؛ فإن قلت أو للشك وهو لا يصلح في الحد قلت (أو، وأما) لها خمسة معان الإباحة والتخيير نحو أصحاب العلماء أو الزهاد فلك الجمع بينهما، وخذ الثواب أو الدينار (4) فليس لك الجمع بينهما، والشك نحو جاءني زيد أو عمرو وأنت لا تدري الآتي منهما، والإبهام نحو جاءني زيد أو عمرو وأنت تعلم الآتي منهما، وإنما قصدت الإبهام على السامع خشية مفسدة في التعيين، والتنويع نحو العدد إما زوج أو فردي أي العدد متنوع لهذين النوعين فأو هنا للتنويع أي الحكم الشرعي متنوع لهذين النوعين بلا شك وقد قال بعض الفضلاء في مثل هذا السؤال هذا حكم بالترديد لا ترديد في الحكم، والثاني هو الشك دون الأول لأنه جزم لا شك.
فإن قلت إذا سلمنا أن (أو) لها خمسة معان فالمشتركات لا تصلح في الحدود لإجمالها.
قلت: قد تقدم في أول الكتاب في الكلام عن الحد أن المجاز والاشتراك يجوز دخولهما في الحد إذا دل السياق أو القرائن على تعيين المجاز أو المشترك.--------------------------------------------
(1) 43 البقرة.
(2) 47 الكهف.
(3) 34 البقرة.
(4) كان الأولى أن يمثل بهذا المثال: تزوج هند أو أختها، فإنه لا يصح الجمع بينهما. وهذا هو معنى التخيير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وعلى الحد بعد هذا كله أسئلة أحدها أن تفسير الحكم بالكلام القديم لا يستقيم، لأنه صفة فعل العبد تقول: فعل واجب وفعل حرام، وصفة الحادث أولى أن تكون حادثة. وثانيها أنه يعلل بالحوادث فيقال حلت المرأة بالعقد وحرمت بالطلاق، والمعلل بالحوادث حادث. وثالثها: أنه يوصف بأنه مسبوق بالعدم فيقال حلت المرأة بعد أن لم تكن حلالاً، والمسبوق بالعدم حادث. ورابعها أنه قد تعلق بفعل غير المكلفين فلا يكون جامعاً كإيجاب الضمان على الصبيان والمجانين في أموالهم. وخامسها أنه غير جامع لخروج أحكام الوضع عنه وهي نصب الأسباب كالزوال لوجوب الظهر، والشروط، كالحول شرط للزكاة، والموانع، كالحيض يمنع من الصلاة، والتقديرات الشرعية وهي إعطاء المعدوم حكم الموجود كتقدير الملك للمعتق عنه في الكفارة حتى يبرأ من الكفارة ويثبت الولاء له وتقدير تقدم الملك للعتق عنه في الكفارة حتى يبرأ من الكفارة ويثبت له الولاء له وتقدير تقدم الملك في الدية للمقتول خطأ قبل موته بالزمن الفرد حتى يصح أن يؤرث عنه، وإعطاء الموجود حكم المعدوم كتقدير نفي الإباحة السابقة في الأمة بردها
بالعيب، وتقدير عدم الطلاق في حق المطلق في المرض عند مالك رحمه الله تعالى حتى ترث مع البينونة وهو كثير في الشرع، وقد بينت في كتاب الأمنية أنه لا يخلو باب من الفقه عنه.
والجواب عن الأول: أن الشيء قد يوصف بما ليس قائماً به، كقولنا في قيام الساعة أنه مذكور ومعلوم بذكر قام بنا وعلم قام بنا، ووصف الفعل بالأحكام من هذا القبيل، وإنما يلزم الحدوث من الصفة في الحادث إذا كانت تقوم به كالسواد والبياض، والأقوال المتعلقة بالأفعال لا تكون صفات لها وإلا لكان القول صفة للمعدوم والمستحيل، فإنا نخبر عنه، وإذا قال السيد لعبده أسرج الدابة فقد أوجب عليه الإسراج، والإسراج واجب عليه إيجاب قام بالسيد دون الإسراج، وكذلك إذا أباحه له وعن الثاني أن علل الأحكام معرفات لا مؤثرات والمعروف يجوز أن يتأخر عن المعرف كما عرف الله تعالى بصنعته، وعن الثالث أن معنى قولنا حلت المرأة بعد ما لم تكن حلالاً أنها وجدت الحالة التي تعلق بها الحل في الأزل وهي حالة اجتماع الشرائط وانتفاء الموانع؛ فإن التعلق في الأزل إنما كان متعلقاً بهذه الحالة، فالحدوث في المتعلق لا في المتعلق بكسرها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ولا في التعلق خلافاً لمن قال إن التعلق حادث، وقد صرح بذلك تاج الدين في الحاصل وغيره، فإن الذي يحيل حصول علم في الأزل بلا معلوم يحيل حصول أمر في الأزل بلا مأمور، وإذا كان له مأمور فله به اختصاص، وذلك الاختصاص هو التعلق، والتعلق قديم. وعن الرابع أن الوجوب في تلك الحالة إنما هو على الولي أن يخرج من مال المحجور، أما المحجور عليه فلا وجوب عليه ولا حكم. وعن الخامس أنه سؤال صحيح والحد ليس جامعاً لكل ما هو حكم شرعي بل أحد نوعيه خاصة وهو أحكام التكليف، أما الوضع فلا، وهو أحكام لا تعلم إلا من قبل الشرع تعبدنا الله تعالى باتباعها؛ فالإيجاب بعد الزوال قيد في الوجوب وهو غير الوجوب المطلق وسببه الزوال حكم شرعي، وتختلف فيه الشرائع.
فالحق أن نقول في الحد الحكم الشرعي هو كلام الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو ما يوجب ثبوت الحكم أو انتفائه، فما يوجب ثبوت الحكم هو الأسباب وما يوجب انتفاءه هو الشرط بعدمه أو المانع بوجوده، فيجتمع في الحد (أو) ثلاث مرات، وحينئذ يستقيم ويجمع جميع الأحكام الشرعية، وهذا هو الذي أختاره، ولم أر أحداً ركَّب الحد هذا التركيب.
واختلف في أقسامه فقيل خمسة: الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، وقيل أربعة والمباح ليس من الشرع، وقيل اثنان التحريم والإباحة وفسرت بجواز الإقدام الذي سشمل الوجوب والندب والكراهة والإباحة، وعليه يتخرج قوله عليه الصلاة والسلام «أبغض المباح إلى الله تعالى الطلاق» فإن البغضة تقتضي رجحان الترك والرجحان مع التساوي محال.
والأول هو المشهور (1) ومنشأ الخلاف في أن المباح هل هو من الشرع أم لا لاختلافهم في تفسير المباح، فمن فسره بنفي الحرج ونفي الحرج ثابت قبل الشرع، أفلا يكون من الشرع، ومن فسره بالإعلام بنفي الحرج، والإعلام به إنما يعلم من قبل الشرع فيكون شرعاً، وتفسير الإباحة بنفي الحرج مطلقاً حتى يندرج فيها--------------------------------------------
(1) يقصد بالأول هنا: ألقول الأول الذي أدخل الإباحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
الوجوب والمكروه هو اصطلاح المتقدمين وبه وردت السنة في الحديث المتقدم؛ وتفسيرها باستواء الطرفين هو اصطلاح المتأخرين، فإذا اندرج فيها المكروه، ويكون الطلاق من أشد المكروهات فيفهم الحديث حينئذ، وإلا يتعذر فهمه، لأن (أفعل) في لسان العرب لا يضاف إلا لجنسه، فلا تقول زيد أفضل الحمير. (وأبغض) صيغة تفضيل وقد أضيفت إلى المباح المستوي الطرفين فيكون المبغوض بل الأبغض مستوي الطرفين وهو محال.
فالواجب ما ذم تاركه شرعاً والمحرم ما ذم فاعله شرعاً، وقيد الشرع احتراز عن العرف، والمندوب ما رجح فعله على تركه شرعاً من غير ذم، والمكروه ما رجح تركه على فعله شرعاً من غير ذم، والمباح ما استوى طرفاه في نظر الشرع.
تنبيه: ليس كل واجب يثاب على فعله ولا كل حرام يثاب على تركه أما الأول فكنفقات الزوجات والأقارب والدواب ورد المغصوب والودائع والديون والعواري فإنها واجبة، فإذا فعلها الإنسان غافلاً عن امتثال أمر الله تعالى فيها وقعت واجبة مجزئة مبرئة للذمة ولا ثواب حينئذ. وأما الثاني فلأن المحرمات يخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يشعر بها فضلاً عن القصد إليها حتى ينوي امتثال أمر الله تعالى فيها، فلا ثواب حينئذ، نعم متى اقترن قصد الامتثال في الجميع حصل الثواب.
قوله ما ذم فاعله عليه إشكال من جهة أنه قد لا يفعل فلا يوجد فاعله ولا الذم المترتب عليه، وكذلك قولهم تاركه قد لا يوجد تاركه بأن يفعل الواجب وهو كثير، فتخرج هذه الصور كلها من الحد فلا يكون جامعاً.
وجوابه: أن التحديد قد يقع بذوات الأوصاف، كقولنا ما رجح فعله على تركه وقد
يقع بحيثيات الأوصاف نحو هذا ومعناه هو الذي بحيث إذا ترك ترتب الذم عليه، وهذه الحيثية ثابتة له فعل أو ترك؛ فتنبه لهذه القاعدة فهي غريبة وقد بسطتها في شرح المحصول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادة
وهي خمسة الأول الأداء وهو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعاً لمصلحة اشتمل عليها الوقت، فقولنا في وقتها احتراز من القضاء، وقولنا شرعاً احتراز من العرف، وقولنا اشتمل عليها الوقت احتراز من تعيين الوقت لمصلحة المأمور به لا لمصلحة في الوقت، كما إذا قلنا الأمر للفور فإنه يتعين الزمن الذي يلي ورود الأمر ولا يوصف بكون أداء في وقته ولا قضاء بعد وقته وكمن بادر لإزالة منكر وإنقاذ غريق فإن المصلحة هنا في نفس الإنقاذ سواء كان في هذا الزمان أو في غيره. وأما تعيين أوقات العبادة فنحن نعتقد أنها المصالح في نفس الأمر اشتملت عليها هذه الأوقات وإن كنا لا نعلمها، وهكذا كل تعبدي معناه أنا لا نعلم مصلحته لا أنه ليس فيه مصلحة، طرداً لقاعدة الشرع في عادته في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل، فقد تلخص أن التميز في الفوريات لتكميل مصلحة المأمور به. وفي العبادات لمصلحة في الأوقات تظهر الفرق.
قولي؛ إذا قلنا الأمر للفور لأنه يتعين الزمن الذي يلي ورود الأمر، ليس كذلك، بل قال القاضي أبو بكر رحمه الله لا بد من زمان لسماع الصيغة وزمان لتقييم معناها، وفي الثالث يكون الامتثال، وهو متجه لا يتأتى المخالفة فيه، وقولي طرداً لقاعدة الشرع في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل احتراز من قول المعتزلة إنه تعالى يراعيها على سبيل الوجوب العقلي ويستحيل عليه تعالى خلاف ذلك، وعند أهل الحق له أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد، ومثال ما ذكرته أن ملكاً لو كانت عادته أن لا يخلع الأخضر إلا على الفقهاء، فرأيناه خلع أخضر على من لا نعرفه اعتقدنا أنه فقيه لقاعدة ذلك الملك، ولما استقرينا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
لشرائع وجدناها مصالح، ولا يأمر الله تعالى فيها إلا بخير ولا ينهى إلا عن ضرر، ووجدنا أشياء لم نعلم ما هي وهي قليلة بالنسبة لما علمناه، قلنا هي من جنسها مصالح كتعيين زمان رمضان للصوم، والأوقات المعينة للصلاة نصب الزكاة والحدود وغير ذلك، وغيرت قيود الجماعة بسب أنهم يقولون الأداء إيقاع الواجب في وقته والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته فيرد عليهم الطم والرم (1) من الصور التي ذكرناها.
الثاني القضاء وهو إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينه الشرع لمصلحة فيه.
ينتقض هذا الحد بأن العلماء يقولون حجة القضاء مع أن وقتها غير معين بالتفسير المتقدم، وتسميتهم ما أدركه المسبوق من الصلاة أداء ما يصليه بعد الإمام قضاءً يقولون هل يكون قاضياً فيما فاته أو بانياً خلاف للعلماء، وبقوله تعالى: «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض (2) » ، مع أنها في وقتها، وقد سماها الله تعالى قضاءً. والجواب: أن القضاء في اللغة نفس الفعل كيف كان كقول الشاعر: …
وعليهما مسرودتان قضاهما … داود أو صنع السوابغ تبع (3)
فسمي فعله للزرديات قضاء، وليس المسمى اللغوي هو المحدود بل الاصطلاحي، فلا يرد اللغوي عليه، وهو الذي في الآية، وأما قضاء الحج وصلاة المسبوق فهو اصطلاحي، غير أن الجواب عنه أن القضاء في اصطلاح العلماء له ثلاثة معان: أحدهما إيقاع الفعل الواجب خارج وقته كما تقدم تحريره. وثانيها ما وقع بعد تعيين بسببه والشروع فيه، وهذا هو القضاء في الحج؛ لأنه لما أحرم به وتعين بالشروع سمي بعد ذلك قضاءً. وثالثها ما فعل على خلاف نظامه ومنه قضاء الصلاة، فإن وضع الجهر--------------------------------------------
(1) الطم والرم: الكثرة.
(2) 10 الجمعة.
(3) المسرد: الدرع. والسوابغ: الطويلة الواقية. وتُبَّع: لقب ملوك اليمن القدامى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
في صلاة المغرب مثلاً أن يكون قبل السر، فإذا وقع آخر الصلاة فقد وقع على خلاف نظامه، وإذا كان اللفظ مشتركاً بين ثلاثة معان وحددنا أحدها لا يرد عليه الباقي نقضاً لاختلاف الحقائق، كما أن من حد الحدقة الباصرة لا يرد عليه الذهب نقضاً لأنه يسمى عيناً.
تنبيه: لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه عنه الإمام والمازري وغيرهما من المحققين خلافاً للقاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء؛ فإن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمن الحيض، والحرام لا يتصف بالوجوب وبسط ذلك ذكرته في الفقه، ثم تقدم السبب قد يكون مع الإثم كالمعتمد المتمكن، وقد لا يكون كالنائم والحائض، والمزيل للإثم قد يكون من جهة العبد كالسفر وقد لا يكون كالحيض، وقد يصح معه الأداء كالمرض، وقد لا يصح أما شرعاً كالحيض أو عقلاً كالنوم.
قولي خلافاً للقاضي عبد الوهاب معناه أنه قال إن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه، فاشترط في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك شرطاً عاماً، ووافقه الحنفية، غير أنهم صرحوا بأن الصوم واجب عليها وجوباً موسعاً، والقاضي وغيره لم أره تعرض لوصف التوسعة في ذلك.
احتج القائلون بالوجوب بأمور أحدها: عمومات النصوص الدالة على وجوب الصوم. وثانيها: أنها تنوي قضاء رمضان فلولا تقدم الوجوب وإلا لكان هذا واجباً مبتدأ فلا حاجة لإضافته لرمضان. وثالثها؛ أنه مقدر بقدر الفائت من رمضان فأشبه تقدير قيم المتلفات بها فيكون بدلاً كالقيمة بدلاً من المنقوم، ويقوم مقام ما تقدم من الوجوب كما تقوم القيمة مقام المتلف، ولذلك سميت قيمة.
والجواب عن الأول: أن ظواهر النصوص معارضة بأدلة العقل القطعية، فإن الصوم حرام راجح الترك، وما كان راجح الترك لا يكون راجح الفعل قطعاً، وكيف يتصور فيمن منع من الفعل أن يلزم بذلك الفعل إلا بناءً على تكليف ما لا يطاق وليس واقعاً في الشريعة؟! وإذا تعارضت القواطع والظواهر قدمت القطعيات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وعن الثاني أن العبادة لا بد لها من نية مخصصة مميزة لها عن غيرها، وهذا القضاء ليس نفلاً ولا كفارة ولا نذراً ولا تجدد سببه، فتعين إضافته لذلك السبب، فلم يبق له معنى إلا إضافته لرمضان ليتميز عن غيره، لا لأنه تقدمه وجوب. وعن الثالث أن التعذر في رمضان جعله الشرع سبباً لوجوب ما هو قدره؛ فلذلك تبعه في المقدار لا لتقدم الوجوب؛ لأن السبب كذلك نصبه الشارع.
قالت الحنفية: لا يرد علينا مصادمة الوجوب والتحريم في زمن واحد، لأنا لم نعين زمن الحيض للوجوب، بل قلنا هو على التوسعة، بخلاف القاضي عبد الوهاب.
قلت: وإن لم يرد عليهم هذا الإشكال يرد عليهم أن الواجب الموسع شأنه أن يفعل في أول الوقت إن شاء المكلف، وهذه لو أرادت أن تصوم في زمن الحيض منعت، فلم يبق للوجوب ظرف إلا بعد الحيض، وهو متفق عليه، فذكر التوسعة مغالطة لا يحصل منها طائل بل يتعين. أما مذهب القاضي أو مذهب المازري بعدم الوجوب مطلقاً وهذه الحجاج وأجوبتها مبسوطة في الفقه في كتاب الذخيرة.
وقولي: المزيل للإثم قد يصح معه الأداء المرض، والمرض قسمان تارة يسقط الوجوب لأجل فرط المشقة لطفاً بالمكلف من غير فساد عضو ولا نفس، فهذا يصح معه الأداء كالصلوات الخمس جزماً وتارة يكون الصوم محرماً يفضي لهلاك نفس أو عضو فهذا
قال الغزالي في المستصفي: يحتمل إذا فعل لا يجزئ عنه لأنه حرام، والحرام لا يجزئ عن الواجب، ويحتمل تخرجه على الصلاة فيا لدار المعصوبة، فإنه تصح: لأنه مطيع لله تعالى بصومه وجان على النفس بالفساد كما جنى الغاصب على منافع المغصوب وفيه احتمال.
فائدة: العبادة قد توصف بالأداء والقضاء كالصلات الخمس، وقد لا توصف بهما كالنوافل، وقد توصف بالأداء وحده كالجمعة والعيدين.
تمثيلي بالعيدين إنما هو على مذهب مالك رحمه الله، وإلا فالشافعي وأحمد رضي الله عنهما يقولان بالقضاء أيضاً في العيدين وكل صلاة نافلة لها سبب، وعلى الجمعة إشكال من جهة أن العرب لا تصف الشيء بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها، فلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
يقولون للحائط أنه أعمى وإن كان لا يبصر لأنه لا يقبل البصر عادة، وكذلك لا يقولون له أصم لأنه لا يقبل السماع، ولذلك قال الإمام فخر الدين في المحصول: إن العبادة لا توصف بالإجزاء إلا إذا أمكن وقوعها على وجهين الإجزاء وعدمه أما على وجه واحد فلا، كمعرفة الله تعالى، كذلك هنا لما كانت الجمعة لا تقبل القضاء ينبغي أن لا تصف بالأداء، ويحتمل أن يجاب عنه: بأن الامتناع المعتبر هو العقلي كالمعرفة أو العادي كالجدار، وأما هبنا فالجمعة قابلة عادة وعقلاً أيضاً أن يدخلها القضاء، لكن الشرع هو الذي منع، فالمنع الشرعي أحفض رتبة في إطلاقات اللغات؛ فإن اللغات إنما تنبني على ما هو معود كالعقل والعادة، وأما خصوص الشرائع فأمور لا تخطر ببال واضع اللغة حتى تقع، وقد لا تقع فلا يبنى عليها قواعد اللغة العامة.
الثالث: الإعادة وهي إيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إيقاعها على خلل في الأجزاء، كمن صلى بدون ركن، أو في الكمال كصلاة المنفرد.
هذا هو لفظ المحصول في اشتراط الوقت، وأما مذهب مالك فإن الإعادة لا تختص بالوقت بلفي الوقت إن كان لاستدراك المندوبات أو بعد الوقت كفوات الواجبات.
الرابع: الصحة وهي عند المتكلمين ما وافق الأمر، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء، والبطلان يتخرج على المذهبين فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث صحيحه عند المتكلمين، لأن الله تعالى أمره أن يصلي صلاة يغلب ظنه طهارته، وقد فعل فهو موافق للأمر، وباطله عند الفقهاء لكونها لم تمنع من ترتيب القضاء، وأما فساد العقود فهو خلل يوجب عدم ترتيب آثارها عليها إلا أن تلحق بها عوارض على أصولنا في البيع الفاسد.
اتفق الفريقان على جميع الأحكام، وإنما الخلاف في التسمية؛ فاتفقوا على أنه موافق لأمر الله وأنه مثاب، وأنه لا يجب عليه القضاء إذا لم يطلع عل الحدث،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع، وإنما اختلفوا في وضع لفظ الصحة هل يضعونه لما وافق الأمر سواء وجب القضاء أم لم يجب، أو لما لا يمكن أن يتعقبه قضاء. ومذهب الفقهاء أنسب للغة؛ فإن النية إذا كانت صحيحة من جميع الجهات إلا من جهة واحدة فإن العرب لا تسميها صحيحة وإنما تسمى صحيحاً ما لا كسر فيه البتة بطريق من الطرق، وهذه الصلاة هي مختلة على تقدير الذكر فهي كالآنية المكسورة من وجه.
ووجه تخريج البطلان على المذهبين أنا إن فسرنا الصحة بموافقة الأمر كان البطلان مخالفة الأمر، وإن فسرنا الصحة بما أسقط القضاء كان البطلان ما أمكن أن يترتب فيه القضاء، وآثار العقود هي التمكن من البيع والهبة والأكل والوقف وغير ذلك.
وأما العوارض التي تلحق بها على أصولنا فذلك أن النهي يدل على الفساد عندنا وعند الشافعية، وعلى الصحة عند الحنفية، فطرد الحنفية أصلهم، وقالوا: إذا اشترى أمة شراءً فاسداً جاز له وطؤها، وكذلك جميع العقود الفاسدة، وطرد الشافعية أصلهم وقالوا يحرم عليه الانتفاع مطلقاً وإن بيع ألف بيع وجب نقض الجميع، ونحن خالفنا أصلنا وراعينا الخلاف في المسألة، وقلنا إن البيع الفاسد يفيد شبهة الملك فيما يقبل الملك، فإذا لحقه أحد أربعة أشياء تقرر الملك بالقيمة وهي حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها على تفصيل في ذلك في كتب الفروع، فهذه هي العوارض.
الخامس: الإجزاء؛ وهو كون الفعل كافياً في الخروج عن عهدة التكليف وقيل ما أسقط القضاء.
الإجزاء شديد الالتباس بالصحة، فإن الصلاة الصحيحة مجزئة، وقولنا الكافي في الخروج عن العهدة هو معنى قولنا في الصحة هي موافقة الأمر، وقولنا هنا ما أسقط القضاء هو مذهب الفقهاء في الصحة فيلزم أن يكونا مسألة واحدة، فلم عملوهما مسألتين؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
والجواب: أن العقود توصف بالصحة ولا توصف بالإجزاء، وكذلك النوافل من العبادات توصف بالصحة دون الإجزاء، وإنما يوصف بالإجزاء ما هو واجب، فلذلك استدل جماعة من العلماء على وجوب الأضحية بقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بردة بن نيار «تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك» بحينئذ الصحة أعم من الإجزاء بكثير، فبما حقيقتان متباينتان فأمكن جعلهما مسألتين.
وقولهم الإجزاء ما أسقط القضاء غير متجه، ومن جهة أن الذي يسقط القضاء هو
المجزئ لا الإجزاء؛ فالأولى لصاحب هذا المذهب أن يقول وهو كون الفعل مسقطاً للقضاء فيجعله صفة في الفعل لا نفس الفعل.
وحكى الإمام فخر الدين أنه قيل إنه سقوط القضاء، فجعله صاحب هذا المذهب نفسالسقوط، فيلزمه حيث وجد سقوط القضاء يوجد الإجزاء وليس كذلك، بل من مات في وسط الوقت ولم يصل أو صلى صلاة فاسدة فإنه وجد في حقه سقوط القضاء ولم يوجد الإجزاء، فإن القضاء إنما يتوجه بعد خروج الوقت وبقاء أهلية التكليف، والميت ليس أهلاً لتكليف، ولأنا نعلل سقوط القضاء بالإجزاء، والعلة مغايرة للمعلول، فلا يكون الإجزاء نفس سقوط القضاء.
الفصل الخاس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام
وهي ثلاثة السبب والشرط وانتفاء المانع فإن الله تعالى شرع الأحكام وشرع لها أسباباً وشروطاً وموانع، وورد خطابه على قسمين خطاب تكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته وغير ذلك كالعبادات، وخطاب وضع لا يشترط فيه شيء من ذلك وهو الخطاب بكثير من الأسباب والشروط والموانع، وليس ذلك عاماً فيها، فلذلك نوجب الضمان على المجانين والغافلين بسبب الإتلاف لكونه من باب الوضع الذي معناه أن الله تبارك وتعالى قال إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أن حكمت بكذا ومن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
ذلك الطلاق بالإضرار والإعسار والتوريث بالأنساب، وقد يشترط في السبب العلم كإيجاب الزنا للحد والقتل للقصاص.
لا يوجد متوقف عليه وهو كما ما يتوقف عليه إلا أحد هذه الثلاثة في العقليات والشرعيات والعبادات.
وقولي وهو كمال ما توقف عليه احتراز من جزء السبب وجزء الشرط، فإن جزء السبب يتوقف عليه، وكذلك جزء الشرط، بخلاف جزء المانع لا يتوقف على انتفائه؛ بل يكفي انتفاء تلك الحقيقة، ويكفي في انتفائها انتفاء جزء من أجزائها إذ لو كان الجزء أيضاً مانعاً لكان ذلك موانع لا مانعاً، وسميت الأحكام الخمسة خطاب تكليف توسعاً في العبارة، فإن التكليف من الكلفة والمشقة، وذلك إنما يتحقق في الواجب للكلفة في تركه أو المحرم للكلفة في فعله وما عداهما لا كلفة في فعله ولا في تركه؛ لأن الكلفة هي توقع العقوبة الربانية، وهي لا توجد في غيرهما، ولذلك نقول: الصبي غير مكلف وإن كان مندوباً للحج والصلاة عل الأصح؛ فغلب لفظ التكليف على الثلاثة الأخر تجوزاً وتوسعاً، ويدل على
اشتراط العلم في التكليف قوله تعال «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً (1) » نفي التعذي حتى يحصل العلم بالتبليغ للسامع، وقوله تعالى «رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل» (2) يدل على أن الحجة للخلق من جهة الجهل بعدم التبليغ، وبقوله تعالى «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» (3) ، والتكليف مع عدم العلم تكليف بغير الوسع، ولإجماع الأمة على أن من وطئ امرأة يظنها زوجته أو شرب خمراً يظنه خلاً لا يأثم لعدم العلم، وكذلك العاجز غير مكلف إجماعاً.
ويشترط مع العلم والقدرة شروط أخر تختص بكل عبادة منها شروط، كما يشترط في الصلاة البلوغ، والزوال والإقامة في الجمعة، والصوم ودوران الحول في الزكاة، وهو كثير مبسوط في كتب الفقه. ويسمى القسم الآخر خطاب وضع به لأنه شيء وضعه الله تعلى في شرائعه لا أنه أمر به عباده ولا أناطه بأفعالهم من--------------------------------------------
(1) 51 الإسراء.
(2) 165 النساء.
(3) 233 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
حيث هو خطاب وضع، فلا يشترط العلم ولا القدرة في أكثر خطاب الوضع نحو التوريث بالأسباب؛ فإن الإنسان إذا مات له قريب دخلت التركة في ملكه وإن لم يعلم ولا ذلك بقدرته، حتى لو كان فيها رقيق يعتق عليه عُتق، وكذلك يطلق بالإعسار، وإن كان الزوج مجنوناً غير عالم وعاجزاً عن النفقة، وكذلك يجب الضمان بالإتلاف وإن لم يعلم المتلف ما أتلفه لكونه غافلاً أو مجنوناً ولا قدرة له على التحرز من ذلك وهو كثير في الشريعة، وبعض الأسباب يشترط فيه العلم والقدرة وهو كل ما كان فيه جناية كالزنا وشرب الخمر ونحوه مما هو سبب للعقوبة؛ فإن قواعد الشرع تتقاضى أنه لا يعاقب من لم يقصد المفسدة، ولم يشعر بها إذا وقعت بغير كسبه، ولذلك اشترط في كل سبب هو جناية: العلم والقدرة. بخلاف المثل السابقة لأنها ليست أسباب عقوبات، فإن الإتلاف وإن كان جناية إلا أنه ليس بسبب عقوبة، بل الغرامة جابرة لا زاجرة، والعقوبة لا تكون إلا زاجرة.
ويستثنى من أسباب العقوبات نوع آخر ليس منها وهو أسباب انتقال الأملاك في المنافع والأعيان والأبضاع فإنه يشترط في هذه الأسباب العلم والرضا لقوله عليه الصلاة والسلام «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» فكان ذلك أصلاً في انتقال الأملاك والمنافع والأعيان والأبضاع فيشترط العلم لأنه شرط في الرضا؛ فلذلك قلت وليس عدم الاشتراط عاماً في خطاب الوضع، بل هذا هو شأنه حتى يعرض له أمر خارج يوجب له اشتراط ذلك، وبقي من خطاب الوضع التقادير الشرعية وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، وإعطاء المعدوم حكم الموجود كتقدير الأثمان في الذمم والأعيان في السَّلم في ذمة المسلم إليه، والذمة نفسها هي من جملة المقدرات، فإنها معنى شرعي مقدر في المحل قابل للإلزام والإلزام، وقد تقدم من مثلها جملة في حد الحكم.
فائدة: قد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف، وقد ينفرد خطاب الوضع في شيء واحد، ويكون ما يترتب عليه من خطاب التكليف في شيء آخر، مثال اجتماعهما في شيء واحد الزانا والسرقة والعقود، فإنها أسباب تعلق بها التحريم أو الوجوب أو الإباحة في العقود، وهي أسباب العقوبات وانتقال الأملاك، وكذلك الوضوء والستارة شرطان فهما خطاب وضع، وواجبان فهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
خطاب تكليف، والزواج واجب أو مندوب أو مباح، وهو سبب الإباحة، والطلاق كذلك وهو سبب تحريم، والقتل حرام وهو سبب حرمان الإرث، واللعان سبب التحريم ونفي الولد، وهو واجب أو مباح، فاجتمع الأمران. مثال انفراد الوضع زوال الشمس، وجميع أوقات الصلوات أسباب لوجوبها ورؤية الهلال سبب لوجوب رمضان، وصلاة العيدين والنسك، وهذه التجددات ليس في قطعها خطاب تكليف، ودوران الحول شرط، والحيض مانع، والبلوغ شرط، وجميع ما يترتب على هذه هو شيء آخر غيرها، فالوضع في شيء والتكليف في شيء آخر، ولا يتصور انفراد التكليف إذ لا تكليف إلا وله سبب أو شرط أو مانع، وأبعد الأمور عن ذلك الإيمان بالله تعالى ومعرفته وهما سببان لعصمة الدم والمال، والكفر والنفاق وهما سببان للإباحة فيهما.
إذا تقرر هذا فنقول: السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، فالأول احتراز من الشرط، والثاني احتراز من المانع، والثالث احتراز من مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع، فلا يلزم من وجوده الوجود أو إخلافه بسبب آخر، فلا يلزم من عدمه العدم.
إنما قلت احتراز من الشرط لأنه لا يلزم من وجود الشرط ولا عدم، وقولي يلزم من عدمه العدم احتراز من المانع فإن عدم المانع لا يلزم منه شيء، كما تقول الدين مانع من الزكاة، فإذا لم يكن عليه دين لا يلزم أن تجب عليه الزكاة، لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا أن لا تجب الزكاة لاحتمال أن يكون عنده نصاب حال عليه الحول، وكذلك دوران الحول شرط، ولا يلزم من وجوده وجوب الزكاة لاحتمال فقره، ولا عدم وجوب الزكاة لاحتمال غناه، فإن قارن السبب فقدان الشرط كالنصاب قبل الحول فإنه لا يلزم من وجود الحكم الذي هو وجوب الزكاة، وكذلك وجود المانع الذي هو الدين لا يلزم الوجود، وكذلك إذا أخلف السبب سبب آخر لا يلزم العدم، كما إذا فقد الزنا لا يلزم أن لا يجب الجلد لإخلافه بالقذف، وكذلك الردة بسبب القتل فقد تخلفها جناية القتل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)