«ثم كان من الذين آمنوا» (1) فرتبة الإيمان متراخية في العلو والشرف عن رتبة الإطعام والإعتاق المتقدمتين عليه فلذلك دخلت ثم، وكذلك قوله تعالى «ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» (2) فإن السجود وإن وقع أولاً لكن رتبته كانت أشرف فرتبته متراخية. وكذلك قول الشاعر
إن من ساد ثم ساد أبوه … ثم قد ساد قبل ذلك جده
ما بعد ثم هو قبل، غير أن المقصود هو التراخي في الرتب، فيقصد أن أباه كان أعظم رتبة منه، وجده كان أعظم رتبة من أبيه، فهذا المحسن للفظ ثُم.
وحتى وإلى للغاية:
نحو بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، أو سرت حتى دخلت مكة. واختلف العلماء في ابتداء الغاية وانتهائها هل يندرجان في المغيا أم لا؟ على أربعة أقوال: ثالثها الفرق بين أن تكون الغاية من الجنس فتندرج أم لا فلا تندرج؛ فإن كان المبيع رماناً والشجرتان رمانتان اندرجتا، وإلا فلا. الرابع: الفرق بين أن يكون الفصل بينهما أمراً حسياً كما في قوله تبارك وتعالى: «ثم أتموا الصيام إلى الليل» (3) فلا يندرج لأن الظلام متميز عن النهار بالبصر، أو لا فيندرج كما في قوله تعالى «وأيديكم إلى المرافق» (4) هذه الأربعة أنقلها في انتهاء الغاية، وأما ابتداؤها فلا أنقل فيه إلى قولين.
فائدة: المغيا لا بد أن يتكرر قبل الغاية بعد ثبوته، فإذا قلت سرت إلى مكة من مصر، فلا بد أن تثبت حقيقة لسير قبل مكة ويتكرر قبلها، أما ما لا يتكرر فلا تتصور فيه الغاية، فلذلك قال بعض علماء الحنفية أن العامل في قوله تعالى:--------------------------------------------
(1) 17 البلد.
(2) 11 الأعراف.
(3) 178 البقرة.
(4) 6 المائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
«إلى المرافق» ليس هو اغسلوا أيديكم، لأن غسل اليد لا يثبت إلا بعد غسل المرافق، لأن اليد اسم لها من الإبط إلى الأصابع، وغسل هذا لا يثبت قبل المرافق فضلاً عن تكرره، بل الثابت قبل المرفق بعض اليد، فيكون تقدير الآية اغسلوا أيديكم واتركوا من آباطكم إلى المرافق، فإلى المرافق غاية للترك لا للغسل، والترك ثبت قبل المرفق وتكرر إلى المرفق، وتفرع على هذا أن الغاية لا تدخل في المغيا، فلا تدخل المرافق في الترك، فيغسل مع المغسول، وهذا بحث حسن.
فائدة: حكاية العلماء الخلاف في اندراج انتهاء الغاية، ينبغي أن يحمل على (إلى)
دون (حتى) بسبب تضافر قول النحاة على أن حتى لها شروط: أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها وداخلاً في حكمه وآخر جزء منه، أو متصلاً به فيه معنى التعظيم أو التحقير، فنصوا على اندراج ما بعدها في الحكم، فما بقي لدخول الخلاف في اندراجه معنى، بل يندرج ليس إلا ويحمل الخلاف على (إلى) ، فإنه ليس فيها نقل يعارضنا.
و (في) للظرفية والسببية نحو قوله صلى الله عليه وسلم «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» .
كونها للسببية أنكره جماعة من الأدباء، والصحيح ثبوته، فإن النفس ليست ظرفاً للإبل، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الإسراء «فرأيت في النار امرأة حميرية عُجِّل برحها إلى النار لأنها حبست هرة حتى ماتت جوعاً وعطشاً فدخلت النار فيها» معناه بسببها لأنها ليست في الهرة، ومنه «أحب في الله وأبغض في الله» ، أي أحب بسبب طاعة الله وأبغض بسبب معصية الله.
واللام للتملك نحو المال لزيد، والاختصاص نحو هذا ابن لزيد، والاستحقاق نحو السرج للدابة، والتعليل نحو هذه العقوبة للتأديب، وللتأكيد نحو إن زيداً لقائم، وللقسم نحو قوله تعالى «لنسفعاً بالناصية» (1) .--------------------------------------------
(1) 15 العلق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
ضابط التمليك أن يضاف ما يقبل الملك لمن يقبله، فيفيد الملك، ومنه قلنا العبد لملك لقوله عليه الصلاة والسلام «من باع عبداً وله مال» والمواطن في ذلك ثلاثة: موطن لا يقبل الملك نحو المال المجمل، وموطن يقبل الملك وهو معين نحو المال لزيد، فيفيد لذلك في الثاني إجماعاً وعدمه في الأول إجماعاً، وموطن غير معين نحو قوله تعالى «إنما الصدقات للفقراء» (1) الآية فمن لاحظ قبول النوع للملك قال اللام للملك، ومن لاحظ عدم التعيين وعدم الحصر قال تمليك غير المحصور ولا يتصور جعلها للاختصاص. فالواحد والعدد المحصور متفق عليهما في إفادة الملك، وغير المحصور مختلف فيه، وقولنا في الاختصاص: هذا ابن لزيد أولى من قولنا أب لزيد فإن الأب لا يلزم اختصاصه بهذا الابن، فقد يكون له أولاد أخر، وأما الابن فلا يكون له أب واحد، والفرق بين الاستحقاق والاختصاص أن الاستحقاق أخص، فإن ضابطه ما شهدت به العادة، كما شهدت للفرس بالسرج والحمار بالبرذعة والدار بالباب، فهذا هو الاستحقاق. وقد يختص الشيء بالشيء من غير شهادة عادة، فإنه ليس من لازم الشيء أن يكون له ولد كما تقول في الفرس مع السرج.
والباء للإلصاق نحو مررت بزيد، والاستعانة نحو كتبت بالقلم، والتعليل نحو سعدت بطاعة الله، والتبعيض عند بعضهم، وهو منكر عند بعض أئمة اللغة.
بقي المصاحبة نحو خرج زيد بثيابه، وبمعنى (في) نحو سكنت بمصر، والقائلون بالتبعيض اشترطوا أن تكون مع فعل يتعدى بنفسه، حتى لا تكون للتعدية، وزعموا أن من ذلك قوله تعالى «وامسحوا برءوسكم» (2) فإن العرب تقول مسحت رأسي ومسحت برأسي، فلم يبق فرق إلا التبعيض، وليس كذلك، بل تقول: (مسح) له مفعولان يتعدى لأحدهما بنفسه والآخر بالباء، ولم تخير العرب بين المفعولين في هذه الباء، بل عينتها لما هو آلة المسح، فإذا قلت مسحت يدي بالحائط فالرطوبة--------------------------------------------
(1) 60 التوبة.
(2) 6 المائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
الممسوحة على يدك، والحائط هو الآلة التي أزلت بها عن يدك، وإذا قلت مسحت الحائط بيدي فالشيء المزال هو على الحائط، ويدك هي الآلة المزيلة، وكذلك مسحت يدي بالمنديل، المنديل آلة، والمنديل بيدي، فالتنظيف إنما وقع في المنديل لا في يدك، هذه قاعدة عربية، ولم تخير العرب في ذلك، وحيث قالت العرب مسحت رأسي، فالشيء المزال إنما هو عن الرأس، وحيث قالت برأسي، فالشيء المزال عن غيرها وقد أزيل بها.
ولنا قاعدة أخرى إجماعية وهي أن الأئمة أجمعت على أن الله تعالى لم يوجب علينا إزالة شيء عن رءوسنا ولا عن جميع الأعضاء، بل أوج علينا أن ننقل رطوبة أيدينا لرءوسنا وجميع أعضاء الوضوء، وعلى هذا يتعين أن يكون الرأس له آلة مزيلة عن غيرها. لا أنها مزال عنها؛ فيتعين الباء فيها للتعدية؛ لأن العرب لا تعدي مسح للآلة بنفسها بل بالباء، فالباء ليست للتبعيض في الآية بل للتعدية، لأنها على زعمهم لا تكون للتبعيض إلا حيث يتعدى الفعل بنفسه.
وأو إما للتخير نحو قوله تعالى «هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً» (1) أو للإجابة نحو اصحب الفقهاء أو الزهاد، وله الجمع بينهما بخلاف الأول، أو للشك نحو جاءني زيد أو عمرو، أو للإيهام نحو جاءني زيد أو عمرو، وكنت عالماً بالتي منهما وإنما أردت التلبيس على السامع، بخلاف الشك، أو التنويع نحو العدد إما زوج أو فرد، أي هو متنوع إلى هذين النوعين.
يصح الإيهام والإيهام بالباء موحدة من تحتها والياء باثنتين من تحتها؛ لأن المقصود التلبيس على السامع، وأنت في الشك لا تعلم الآتي منهما، وهذه فروق بحسب كل واحدة منها على حدته، والفرق بين التخيير والإباحة والثلاثة الباقية أن الثلاثة الأخيرة لا تكون إلا في الخبر، والتخيير والإباحة لا يكونان إلا في--------------------------------------------
(1) 95 المائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
الأمر فهذا فرق عام، والفرق الأول خاص، ومن التنويع قولنا العالم إما جماد أو نبات أو حيوان؛ أي هو متنوع إلى هذه الأنواع الثلاثة.
و (إن) وكل ما تضمن معناها: للشرط نحو إن جاء زيد جاء عمرو، ومن دخل داري فله درهم، وما تصنع أصنع، وأي شيء تفعل أفعل، ومتى أطعت الله سعدت، وأين تجلس أجلس.
(إذا) تتضمن معنى الشرط أيضاً نحو إذا جاء زيد فأكرمه، وقد تعرى عن الشرط نحو قوله تعالى «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى» (1) أي أقسم بالليل في حالة غشيانه والنهار في حالة تجليه، فهي ظرف محض، وإذا كانت للشرط تقبل إن يعلق عليها المعلوم والمشكوك نحو إذا زالت الشمس فصل، فزوالها معلوم الوقوع، وإذا جاء زيد فائتني؛ فمجيه مشكوك في وقوعه، ولا يعلق على أن إلا المشكوك في وقوعه فلا يقال إن زالت الشمس فصل.
فائدة: قد وقعت (إن) في كتاب الله تعالى في غير ما موضع مع إن الله بكل شيء عليه فهل ذلك مجاز، لفقدان الشرط أم لا؟ والحق أنه حقيقي لا مجاز؛ لأن القرآن عربي، ومعنى ذلك أنه لو نطق بهذا الكلام عربي لكان وضعه أن يكون شاكَّاً والله تعالى وضع القرآن ونظمه كما نظمته العرب، أن لو كانوا متكلمين بذلك الكلام من حيث النظم لا من حيث وجوه الإعجاز، فإذا قال الله تعالى «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا» (2) لو تكلم بهذا الكلام عربي لكان وضعه الشك فيه؛ فما استعملت (إن) إلا في موضعها.
فائدة: التعليق ينقسم أربعة أقسام مطلق على مطلق نحو إن جاء زيد فأكرمه؛ على مطلق الإكرام على مطلق المجيء، وعام على عام نحو كلما دخلت الدار فكل عبد لي حر، فكل دخلة معلق عليها، وتعق كل عبد معلق على كل دخلة، وعام على مطلق نحو إن دخلت الدار فكل عبد لي حر، ومطلق على عام نحو متى دخلت الدار--------------------------------------------
(1) 1 الليل.
(2) 23 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
فأنت حر، علق حريته على كل فرد من أفراد الأزمنة التي يقع الدخول فيها.
وينشأ من هذه القاعدة فوائد جليلة عظيمة.
منها: أن اليمين تنحل بالمرة الواحدة في قولنا: متى دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مراراً لا تطلق إلا مرة واحدة، وإن كان الأصوليون والفقهاء نصوا على أن متى وحيث وأين من صيغ العموم، لأن المعلق عليه وإن كان عاماً إلا أن المعلق مطلق، فانحلت اليمين بالمرة، ومنها الفرق بين قول الفقهاء: إذا قال كلما دخلت الدار فعليّ درهم، وبين قولهم إذا قال: إن دخلت الدار أو متى دخلت الدار فعليّ درهم؛ أن لزوم الدرهم يتكرر في الأول دون الثاني، بسبب أنه في الأول علق عاماً على عام فيتكرر، وفي الثاني مطلق على عام فلم يتكرر، ولذلك يتكرر عليه الطلاق في كلما دون متى ما وإن وإذا.
ومنها أن (إذا) وإن كانت مطلقة في الزمان مثل (إن) لكنها تدل على الزمان مطابقة لأنها من أسمائه (وإن) وإن كانت مطلقة في الزمان مثل إذا إلا أنها لا تدل على الزمان إلا بطريق الالتزام؛ لأنها لم توضع للزمان بل لربط أرم ما بما دخت عليه، وذلك لا بد فيه من الزمان؛ فدلت على الزمان التزاماً. وبالجملة هذه قاعدة شريفة يُعلم منها مباحث كثيرة في الأصول والفروع فينبغي أن تضبط.
(ولو) مثل هذه الكلمات في الشرط نحو لو جاء زيد أكرمته، وهي تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فمتى دخلت على ثبوتين فهما نفيان، أو على نفيين فهما ثبوتان، أو على ثبوت ونفي فالثابت منفي والمنفي ثابت.
من خصائص الشرط أن يدخل على المستقبل ليس إلا كما تقدم أن عشر حقائق تتعلق بالاستقبال: منها الشرط وجزاؤه، (ولو) تدخل على الماضي نحو لو زرتني أمس زرتك اليوم، فينبغي أن لا تكون للشروط، لكنها فيها ربط جملة بجملة فأشبهت الشرط من هذا الوجه، فقيل لها حرف شرط. مثال دخولها على النفيين قولك لو لم يأتين زيد لم أكرمه، فيدل كلامك على أنه أتاك وأكرمته، ومثال الثبوتين لو جاءني زيد أكرمته، فما جاءك ولا أكرمته، ومثال النفي والثبوت لو لم يأتني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
زيد عتبته، فقد أتاك وما عتبته، والثبوت والنفي نحو قولك لو أتاني زيد لم أعتبه يقتضي أنه ما أتاك وقد عتبته.
وعلى هذه القاعدة أشكل قوله عليه الصلاة والسلام «نعم العبد صهيب؛ لو لم يخف الله لم يعصه» (1) يقتضي أنه خاف وعصى، وذلك ذم والكلام سيق للمدح وإبعاد طوره عن المعصية، وهي قد دخلت على نفيين فيتعين أن يكونا ثبوتين فيلزم ما تقدم، فقال ابن عصفور (لو) هنا بمعنى إن، (وإن) إذا دخلت على نفيين لا يكونان ثبوتين، فلا يلزم المحذور المتقدم. وقال الخسروشاهي: أصل (لو) إنما هي للربط فقط، وانقلاب النفي للثبوت أو الثبوت للنفي، إنما جاء من العرف، والحديث جاء بقاعدة اللغة دون العرف. وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله إن المسبب الواحد إذا كان له سبب واحد لزم انتفاؤه، لأنه يثبت مع السبب الآخر، وغالب الناس أن طاعتهم لله تعالى للخوف، فإنهم إذا لم يخافوا عصوا ولا يطيعوا، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن صهيباً اجتمع في حقه سببان: الخوف والإجلال لله تعالى، فلو انتفى الخوف لم تصدر منه المعصية لأجل الإجلال، فلو لم يخف الله لم يعصه، وهذا غاية المدحة، كما تقول لو لم يمرض زيد لمات، أي
بالهرم، فإنه سبب آخر للموت، وحيث قلنا يلزم من النفي الثبوت إذا كان للفعل سبب واحد، فكلام النحاة محمول عليه.
فائدة: قال ابن يعيش - في شرح المفصل - (لو) تكون بمعنى (إن) تقول أعجبني لو قام زيد؛ أي قيامه، ومنه قوله تعالى «ودوا لو تدهن فيدهنون» (2) وقوله تعالى «ود كثير من أهل الكتاب لو يردوكم من بعد إيمانكم كفاراً» (3) ، فالمفعوف هو لو وما بعدها، وكذا الفاعل في المثال الأول وهو غريب.--------------------------------------------
(1) أظن أنه من كلام عمر رضي الله عنه.
(2) 9 القلم.
(3) 159 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
ولولا تدل على انتفاء الشيء لوجود غيره لأجل أن لا نفت النفي الكائن مع لو فصار ثبوتاً، وإلا فحكم لو لم ينتقض، لقوله صلى الله عليه وسلم «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة المرتبة على تقدير ورود الأمر.
الأصل فيما تدخل عليه لو مما هو ثابت في ظاهر اللفظ أن يكون منفياً في المعنى، فلما كان منفياً في المعنى (ولا) حرف نفي، والنفي إذا دخل على النفي صار ثبوتاً فلا جرم كان اسم لولا وجوداً؛ فقلنا تدل على انتفاء الشيء الذي هو جوابها لوجود غيره الذي هو اسمها، ونفي جواب لولا يحكم على معناه بالنفي، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي ثبوته، فهذا تقرير كون حكم (لو) لم ينتقض.
وقولي على تقدير ورود الأمر: قصدت به التنبيه على أن قول النحاة لوجود غيره ليس هو كما يفهمه أكثر الناس: أن المراد وجوده بالفعل كما في قول عمر رضي الله عنه «لولا علي لهلك عمر» (1) فعليّ موجود حقيقة، والوجود في لولا أعم من كونه واقعاً، فإن المشقة في الحديث ليست واقعة ولا تقع، وإنما هي واقعة على تقدير ورود الأمر، وذلك التقدير لم يقع ولا يقع، فقصدت إفهام هذا العموم.
و (بل) لإبطال الحكم عن الأول وإيجابه للثاني نحو جاء زيد بل عمرو، وعكسها (لا) نحو جاء زيد لا عمرو، ولكن للاستدراك بعد الجحد نحو ما جاءني زيد لكن عمرو، ولا بد من أن يتقدمها النفي في المفردات، أو يحصل تناقض بين المركبات.
أصل (بل) لإبطال الحكم عن الأول، وقد تستعمل مجازاً للإضراب عن الحديث في الجمل، فهي لإبطال المخبر عنه، وقد تستعمل لقطع الخبر وإبطاله مجازاً لما بين المخبر والخبر من التعلق، والارتباط كقوله تعالى «بل ادّارك علمهم في الآخرة بل هم--------------------------------------------
(1) أي لولا علم علي، وكان رضي الله عنه من أكابر الصحابة لقد كان عمر يستفتيه. إنظر ذلك مفصلاً في مقدمة ابن القيم في كتابه «أعلام الموقعين» بتحقيقنا ط مكتبة الكليات الأزهرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
في شك منها بل
هم منها عمون» (1) لم تبطل شيئاً مما أخبر عنه تعالى، بل معنى، بل يكفي الحديث في هذه القصة ولندخل في قصة أخرى، وكذلك قوله تعالى «بل الذين كفروا في تكذيب» (2) للإضراب عن الخبر فيما تقدم دون المخبر عنه، والتناقض بين المركبات مثل قولك سافر زيد لكن عمرو مقيم، فالإقامة تناقض السفر، فكأنك قلت ما زيد مقر لكن عمرو، فإن قلنا سافر زيد لكن عمرو فقيه لم يجز لعدم التناقض بين السفر والفقه، فلم يوجد ما يقوم مقام النفي من التناقض (3) .
والعدد يذكر فيه المؤنث ويؤنث فيه المذكر، ولذلك قلنا إن المراد بقوله تعالى «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» (4) الأطهار دون الحيض لأن الطهر مذكر والحيضة مؤنثة، وقد ورد النص بصيغة التأنيث فيكون المعدود مذكراً لا مؤنثاً.
هذا من الثلاثة إلى العشرة، أما الواحد والاثنان فاكتفت العرب فيهما بلفظ الجنس والواحد والتثنية، فيحصل لفظ واحد والعدد والمعدود معاص، أعني الوحدة والجنس، والتثنية والجنس، يقولون رجل ورجلان فيتعين المقصود، وأما رجال فيحتمل الثلاثة وغيرها من مراتب الأعداد فلا ينضبط المراد، فأتوا بلفظ العدد مع اللفظ الدال على الجنس فقالو: ثلاثة رجال وثلاث نسوة، فذكروا مع المؤنث لئلا يجتمع تأنيثان أحدهما في العدد والآخر في المعدود، وأنثوا المذكر لضرورة الفرق، والأمر كذلك إلى العشرة، فيجري الأحد عشر والاثني عشر على تأنيث المؤنث وتذكير المذكر، كما كانا قبل الوصول إلى التركيب مع العشرة، ومن الثلاثة عشر إلى التسعة عشر يكون الكلام له صدر وهو ما دون العشرة--------------------------------------------
(1) 66 النمل.
(2) 19 البروج.
(3) أنظر معاني هذه الأدوات تفصيلاً في كتب النحو ولم أعلق عليها ملاحظاً أن هذا ليس مكانه.
(4) 238 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وعجز وهو العشرة، فأما الصدر فيجري الحال فيه كما كان قبل العشرة من تذكير المؤنث وتأنيث المذكر فلا تنتقض قاعدته، وأما عجز الكلام وهو العشرة فيخالف صدره، فيؤنث مع المؤنث ويذكر مع المذكر، فنقول جاني خمسة عشر رجلاً وخمس عشرة امرأة، ولا تزال كذلك إلى التسعة عشر، وإذا قلت ثلاثمائة ذكرت، لأنه جمع المائة وهي مؤنثة، وإذا قلت ثلاثة آلاف أنثت، لأن الألف مذكر فأنثت في هذين على قاعدة ما قبل العشرة تذكر المؤنث وتؤنث المذكر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ
يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، والعموم دون التخصيص، والإفراد دون الاشتراك، والاستقلال دون الإضمار، وعلى الإطلاق دون التقييد، وعلى التأصيل دون الزيادة، وعلى الترتيب دون التقديم والتأخير، وعلى التأسيس دون التأكيد، وعلى البقاء دون النسخ، وعلى الشرعي دون العقلي، وعلى العرفي دون اللغوي، إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك، لأن جميع ما ادعينا تقديمه ترجح عند العقل احتمال وقوعه على ما يقابله والعمل بالراجح متعين.
مُثل هذه: الأسد حقيقة في الحيوان المفترس مجاز في الرجل الشجاع، وقوله تعالى «وأن تجمعوا بين الأختين» (1) يحمل على عمومه دون التخصيص الذي هو الأختان الحرتان. دون المملوكتين، ولفظ النكاح يجعل لمعنى واحد وهو الوطء أرجح من كونه مشتركاً بينه وبين سببه الذي هو العقد (2) والاستقلال كقوله تعالى «أن يُقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض» (3) .
يقول الشافعي رضي الله عنه: يقتلوا إن قتلوا وتقطع أيديهم إن سرقوا، ونحن نقول الأصل عدم الإضمار، والإطلاق كقوله تعالى «لئن أشركت ليحبطن عملك» (4) قلنا مطلق الشرك محبط للعمل.--------------------------------------------
(1) 23 النساء.
(2) قد أطلق لفظ النكاح في القرآن الكريم على المعنيين.
(3) 33 المائدة.
(4) 65 الزمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
قال الشافعي رضي الله عنه بل يقيد بالوفاة على الكفر قلنا الأصل عدم التقييد.
ومثال الزيادة: قوله تعالى «لا اقسم بهذا البلد» (1) قيل لا زائدة وأصل الكلام أقسم بهذا البلد، وقيل ليست زائدة وتقدير الكلام لا أقسم بهذا البلد وأنت ليس فيه، بل لا يعظم ويصلح للقسم إلا إذا كنت فيه.
والتقديم والتأخير: كقوله تعالى «والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة» (2) الآية، فظاهرها أنه لا تجب الكفارة غلا بالوصفين المذكورين قبلها وهما الظهار والعود؛ وقيل فيها تقديم وتأخير تقديره والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون لما كانوا من قبل الظهار سالمين من الإثم بسبب الكفارة، وعلى هذا لا يكون العود شرطاً في كفارة الظهار.
ومثال التأكيد: قوله تعالى في سورة الرحمن «فبأي آلاء ربكما تكذبان» من أول السورة إلى آخرها، فإن جعلناه تأكيداً وهو مقتضى ظاهر اللفظ يلزم أن يكون التأكيد قد تكرر أكثر من ثلاث مرات، والعرب لا تزيد في التأكيد على ثلاث، فيحمل الآي في كل موطن على ما تقدم قبل لفظ ذلك التكذيب، ويكون التكذيب ذكر باعتبار ما قبل ذلك اللفظ خاصة فلا يتكرر منها لفظ فلا تأكيد البتة في السورة كلها، فقوله تعالى «يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (3) ، فبأي آلاء ربكما تكذبان» فالمراد بآلاء خروج اللؤلؤء والمرجان خاصة، وكذلك جميع السورة، وكذلك القول في سورة «والمرسلات» فإن ظاهر تكرير قوله تعالى «ويل يومئذ للمكذبين» إنه تكرار وتأكيد فيلزم الزيادة على الثلاث، فيحمل على المكذبين بما ذكر قبل كل لفظ على حياله، فيكون الجميع تأسيساً لا تأكيداً.
ومثال النسخ: اختلاف العلماء في إباحة سباع الطير، فقيل إنها مباحة لقوله تعالى «قل لا أجد فيما أوحي إلى مُحرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو--------------------------------------------
(1) 1 البلد.
(2) 3 المجادلة.
(3) 23 الرحمن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به» (1) فالحصر في هذه الأربعة يقتضي إباحة ما عداها ومن جملتها السباع، وورد نهيه b عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، فقيل ناسخ للإباحة وقيل ليس ناسخاً والأكل مصدر أضيف للفاعل دون المفعول، وهو الأصل في إضافة المصدر بنص النحاة، فيكون الخبر مثل قوله تعالى «وما أكل السبع» (2) ويكون حكمها واحداً، وبحثه مستقصى في الفقه في كتاب الذخيرة.
ومثال العقلي: قوله عليه الصلاة والسلام «الاثنان فما فوقهما جماعة» فإن حملناه على معنى الاجتماع وأنه حصل بهما فذلك معلوم بالعقل، وإن حملناه على حصول فضيلة الجماعة وذلك حكم شرعي وهو أولى، لأن رسول الله b إنما بعث لبيان الشرعيات.
ومثال العرفي: قوله b «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» إن حملناه على اللغوي وهو الدعاء لزم أن لا يتقبل الله دعاء بغير طهارة ولم يقل به أحد، فيحمل على الصلاة في العرف وهي العبادة المخصوصة فيستقيم.
فروع أربعة: الأول يجوز عند مالك والشافعي رضي الله عنهما وجماعةم ن أصحاب مالك استعمال اللفظ في حقائقه إن كان مشتركاص أو مجازاته أو مجازه وحقيقته، خلافاً لقوم، ويشترط فيه دليل يدل على وقوعه، وهذا الفرع مبني على قاعدة وهي أن المجاز ثلاثة أقسام جائز إجماعاً وهو ما اتحد محمله وقربت علاقته، وممتنع إجماعاً وهو مجاز التعقيد، وهو ما افتقر إلى علاقات كثيرة نحو قول القائل تزوجت بنت الأمير، ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة، معتمداً على أن النكاح ملازم للعقد الذي
هو ملازم للعاقد الذي هو ملازم لأبيه، ومجاز مختلف فيه وهو الجمع بين حقيقتين أو--------------------------------------------
(1) 145 الأنعام.
(2) 3 المائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
مجازين أو مجاز وحقيقة فإن الجمع بين حقيقتين مجاز، وكذلك النافي، لأن اللفظ لم يوضع للمجموع فهو مجاز فيه، فنحن والشافعية نقول بهذا المجاز، وغيرنا لا يقول به لنا قوله تعالى «إن الله وملائكته يصلون على النبي» والصلاة من الملائكة الدعاء ومن الله الإحسان فقد استعمل في المعنيين احتجوا بأنه يمتنع استعماله حقيقة لعدم الوضع مجازاً لأن العرب لم تجزه والجواب منع الثاني.
حرر الشيخ سيف الدين رحمه الله هذا الموضع فقال: اللفظة الوحدة من متكلم واحد في وقت واحد إذا كانت مشتركة بين معنيين أو حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، ولم تكن الفائدة فيهما واحدة هل يجوز أن يريد بها كلا المعنيين؟ خلاف فقصد باللفظة الواحدة الاحتراز عن اللفظتين فإنه يصح أن يريد بهما معنيين إجماعاً، وإن كان مشتركين فيهما، ويجوز للمتكلمين أن يريد أحدهما باللفظ المشترك أحد المعنيين ويريد الآخر المسمى الآخر إجماعاً وفي وقت واحد، احترازاً من إطلاق المتكلم الواحد اللفظ المشترك للمعنيين في وقتين، فإن ذلك جائز إجماعاً، فتقول: رأيت عيناً وتريد الباصرة، وفي وقت آخر رأيت عيناً وتريد الفوارة، وقوله ولم تكن الفائدة فيهما واحدة احترازاً من إطلاق اللفظ المشترك على معنيين مختلفين، والمقصود أمر مشترك بينهما، كما لو أطلقنا لفظ القرء ونريد به معنى الجمع أو الانتقال، أو غير ذلك من الأمور المشتركة بينهما، ولا نريد معه غيره، فهذا جائز إجماعاً بخلاف ما إذا أريد خصوص كل واحد منهما فهو محل الخلاف.
وبهذا يظهر بطلان استدلال الحنفية على أن المراد بآية الإقراء في العدة الحيض بقوله عليه الصلاة والسلام «اتركي الصلاة أيام إقرائك» فإن المراد الحيض إجماعاً، فيكون هذا بياناً للآية، مع أن المتكلم متعدد وفي وقتين، فجاز أن المتكلم الأول أراد الطهر والثاني أراد الحيض فلا دلالة في الحديث على ذلك قاله الشيخ سيف الدين الآمدي.
فوائد: الأولى - القائلون بجواز الجمع اشترطوا أن يا يمتنع الجمع بينهما.
الثانية: لم يقل منهم بوجوب الحمل عند التجرد إلا الشافعي والقاضي، ولم يوجب المعتزلة ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الفائدة الثالثة: اختلفوا في المنع هل هو لأجل الوضع أو القصد، والقائل بأنه للقصد الغزالي وأبو الحسين البصري.
الفائدة الرابعة: بعض من منع من التعميم في الإيجاب قاله في النفي كان اللفظ مفرداً أو جمعاً.
الفائدة الخامسة: قال ليس اللفظ المشترك عند الشافعي والقاضي إذا أريد به مجموع
مسمياته مجازاً بل حقيقة كسائر الألفاظ العامة في صيغة العموم، ولهذا حمله عند التجرد على العموم.
قلت: وكون المشترك من صيغ العموم وافق عليه المستصفى والبرهان وجماعة؛ حتى إن سيف الدين والجماعة لم يضعوا هذه المسألة إلا في باب العمومات.
وقال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح المعالم اختلف المعممون فمنهم من قال حقيقة ويعزى للشافعي وهو بعيد، ومنهم من قال بطريق المجاز، وإليه مال إمام الحرمين. قلت: مسمى العموم واحد كما تقدم والمشترك مسمياته متعددة فليس من صيغ العموم ولأن الفرض في لفظ وضع لكل واحد بخصوصه لا لمشترك بين أفراد بوصف الكلية، ومن شرط العموم أن تكون أفراده غير متناهية والمشترك أفراده متناهية، فإن وضع للمجموع كان المسمى واحداً بغير اشتراك والفرض أنه مشترك، ولعل الشافعي رضي الله عنه يريد بأنه حقيقة: أنه في كل فرد على حياله لا في الجميع، فلما كان مشتملاً على الحقيقة من حيث الجملة سماه حقيقة وسعاً، ويكون مدركه في الحمل على التعميم الاحتياط؛ ليحصل مقصود المتكلم قطعاً، وهو اللائق بمنصب هذا الإمام العظيم.
الفائدة السادسة: مثَّل شرف الدين بن التلمساني استعمال المشترك في النفي بقوله لا عين لي فهل يعم جميع مسميات العين أم لا؟
الفائدة السابعة: قال النقشواني اللفظ المشترك إما مفرد أو جمع والمفرد إما معرف باللام أو منكر، والجمع إما مذكور بلفظ الكل والجميع، نحو اعتدي بكل قرء، وعلى التقادير فإما مكرر، نحو اعتدي بقرء قرء أو اعتدي بالإقراء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
والإقراء، وكل ذلك إما في الثبوت أو النفي كما في النهي، أما المفرد المنكر غير المتكرر فلا يستعمل في معنييه نفياً ولا إثباتاً؛ لأن التنكير يقتضي التوحيد وهو يضاد الجمع، وإن كرر فقد جوز استعماله في جميع معانيه لاحتمال كل إطلاق لمعنى، والمذكور بلفظ الكل والجمع قالوا يجب الحمل على معانيه جميعاً لأنه لا كل ولا جمع في المفرد الواحد، لأن الحيض والطهر لا يمكن الحمل على جميع أفرادها فتعين الجمع بينهما، أما في مثل العين فقد يتصور ذلك فلا يجب الحمل، وإن كان بصيغة العموم أو مفرداً محلى باللام.
قلت: والظاهر أن هذا التقسيم من النقشواني لا أنه منقول ونقلته، لأن فيه مجالاً للنظر والتفصيل، وأقرب ذلك إذا كرر المنكر أمكن أن يقال لا يتعين اللفظ الثاني في معنى ثان لصدق اللفظ على الأول، وأمكن أن يقال بل يتعين لئلا يلزم التأكيد والتكرار وهو خلاف الأصل، وكذلك العطف يثير أيضاً نوعاً من النظر، لأن الشيء لا يعطف على نفسه فيتعين التغاير والجمع بخلاف صورة عدم العطف، وكذلك إذا جاء التعريف بعد التنكير
نحو اعتدي بقرء اعتدي بالقرء، هل يجعل اللام للعهد أو للعموم، موضع نظر، وكذلك إذا اجتمع العطف واللام يمكن القول بحصول التعارض؛ لما في العطف من موجب التغاير فيتعدد، وما في اللام من العهد فلا يتعدد؛ فكلها مباحث يمكن ملاحظتها.
سؤال: استشكل الإبياري قول القاضي بالعموم في المشترك مع أنه مُنْكِر لصيغ العموم حيث اتحاد المسمى، وإنكار الجمع أقرب في المشترك وهو مشكل كما قاله.
تنبه: الذين قالوا المانع من جهة القصد قالوا إنه باعتبار كونه مريداً لهذا الفرد غير مريد لذلك الفرد، وباعتبار كونه مريداً لذلك الفرد يكون مريداً له فيكون مريداً له ولا مريداً له، وكذلك كونه مريداً للحقيقة يقتضي أنه غير مريد للمجاز وكونه مريد للمجاز لا يكون مريداً للحقيقة، فيجتمع النقيضان، وإرادة اجتماع النقيضين محال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وجوابه: أن اجتماع النقيضين باعتبارين ليس محالاً، ولا يكونان نقيضين ولا تناقض بينهما، والإرادة وعدمها هنا باعتبار جهتين.
فائدة: احتجاجهم بآية الصلاة يرد عليه أنه يمكن إضمار الخبر عن الأول فلا يحصل مقصودهم، ويكون التقدير أن الله يصلي وملائكته يصلون، وكذلك قوله تعالى «ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض» إلى قوله تعالى «وكثير من الناس» (1) يمكن أن يقال يضمر ويسجد له كثير من الناس، فيكونان لفظين استعملا في معنيين فلا جمع، أو يكون لفظ السجود استعمل مطلق الانقياد دون خصوص الخضوع وخصوص وضع الجهة على الأرض، فيكون المراد واحداً فلا جمع.
فائدة: عادة جماعة يقولون: الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الدعاء؛ فقد جمع بين المعنيين، ويفسرون الصلاة في حق الله تعالى بالرحمة والدعاء، والدعاء مستحيل والرحمة مستحيلة لأنها رقة في الطبع، فيفسرون المستحيل بالمستحيل، وذلك غير جائز، فلذلك فسرتها بالإحسان؛ فأنه ممكن في حق الله تعالى، وقولي أول المسألة: وجماعة من أصحابنا أريد أصحاب مالك، وسبق القلم في الأصل إلى المالكية وصوابه ويجوز عند مالك والشافعي وجماعة من أصحاب مالك (2) .
الفرع الثاني: إذا تجرد المشترك عن القرائن كان مجملاً لا يتصرف فيه إلا بدليل بعين أحد مسمياته.
وقال الشافعي حمله على الجميع احتياطاً.
الفرع الثالث: إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح كلفظ الدابة
حقيقة مرجوحة في مطلق ما دب والدابة مجاز في الحمار، فيحمل على الحقيقة عند أبي حنيفة ترجيحاً للحقيقة على المجاز، وعلى المجاز الراجح عند أبي يوسف نظراً للرجحان.--------------------------------------------
(1) 18 الحج.
(2) قد قمت بإصلاحها في أول المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
وتوقف الإمام في ذلك كله للتعارض.
والظاهر مذهب أبي يوسف فإن كل شيء قُدِّم من الألفاظ إنما قدم لرجحانه والتقدير رجحان المجاز فيجب المصير إليه.
وهنا دقيقة وهي أن الكلام إن كان في سياق النفي والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة والطلاق، فيكون الكلام نصاً في نفي المجاز الراجح بالضرورة فلا يتأتى توقف الإمام، وإن كان في سياق الإثبات والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة فهو نص في إثبات الحقيقة المرجوحة بالضرورة، فلا يتأتى توقف الإمام، وإنما يتأتى له ذلك إن سلم له في نفي الحقيقة، والكلام في سياق النفي أو في إثبات المجاز والكلام في سياق الإثبات أو يكون المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة كالراوية والنجو.
وهذه المسألة مرجعها إلى الحنفية وقد سألتهم عنها ورأيتها مسطورة في كتبهم على ما أصف لك.
قالوا المجاز إن كان مرجوحاً لا يفهم إلا بقرينة قدمت الحقيقة إجماعاً، وإن غلب استعماله حتى ساوى الحقيقة، ولا راجح ولا مرجوح بالكلية، فالحقيقة مقدمة عند أبي يوسف، ولا خلاف أيضاً، وإن رجح المجاز فله حالتان، تارة تمات الحقيقة بالكلية فيرجح أبو حنيفة إلى أبي يوسف ويقدم المجاز الراجح اتفاقاً، وإن كانت الحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات فهذا موضع الخلاف، مثال المساوي لو حلف لا نكح والنكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فيحنث بالعقد في تساويهما. ومثال المجاز الراجح والحقيقة لا تراد، حلف لا يأكل من هذه النخلة واللفظ حقيقة في خشبها مجاز راجح في تمرها، وقد أميتت هذه الحقيقة فلا يأكل أحد خشبها فيوافق أبو حنيفة أبا يوسف، ولا يحنث إلا بالتمر. ولا يحنث بالخشب،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
ومثال ما يتعاهد مع رجحان المجاز قوله لأشربن من النهر فهو حقيقة بأن يشرب بفيه يكرع من النهر، مجاز راجح إذا شرب من أداة؛ لأنه إذا غرف بالكوز وشرب فقد شرب من الكوز لا من النهر، لكنه المجاز الراجح المتبادر، والحقيقة، قد تراجع فإنه قد يكرع بعض الرعاة وآحاد الناس من النهر بفيه فلا يبر عند أبي يوسف إذا شرب بفيه وكرع، بل من الأدوات لأنه المجاز الراجح، ولا يبر عند أبي حنيفة حتى يشرب بفيه من غير أداة. فهذا صورة المسألة وتحريرها.
وأما وجه بيان الحق فيها فقول الحنفية إنه إذا استوى الحقيقة والمجاز تقدم الحقيقة لأن الأصل تقديمها فغير متجه؛ لأن الحقيقة إنما قدمت لأنها أسبق للذهن من المجاز، وهذا السبق هو معنى قولنا الأصل في الكلام الحقيقة أي الراجح، فإذا ذهب هذا الرجحان بالتساوي بطل تقديم الحقيقة وتعين أن يكون الحق الإجمال والتوقف حينئذ؛ فتقديم الحقيقة حينئذ غير متجه، وقول الإمام ومن وافقه باطل بسبب أن المقدر رجحان المجاز، والرجحان موجب لتقدم الراجح في الألفاظ والأدلة والبينات وجميع موارد الشريعة فإهمال الرجحان هنا ليس بجيد.
ثم قولهم: إن اللفظ لا ينصرف لأحدهما إلا بالنية، مع أن القاعدة أن النية إنما يحتاج إليها إذا كان اللفظ متردداً بين الإفادة وعدمها، أما ما يفيد معناه أو مقتضاه قطعاً أو ظاهراً فلا يحتاج للنية، ولذلك أجمع الفقهاء على أن صرائح الألفاظ لا تحتاج إلى نية لدلالتها إما قطعاً أو ظاهراً وهو الأكثر، وكذلك النقود إذا غلبت وصارت ألفاظ العقود تنصرف إليها ظاهراً انصرف للنقد الغالب من غير قصد ولا تعيين، وكذلك الأعيان المستأجرة تتعين بظاهرها للمنفعة المقصودة منها عادة، فالبقر ينصرف بظاهره للحرث والفرس للكر والفر وأنواع الركوب، والجمل للحمل، والعمامة للرأس، والقميص للجسد، والقدوم للنجر، والمسحاة للحفر وغير ذلك.
والمعتمد في ذلك كله أو الظهور مغنٍ عن القصد والتعيين، إذا تقررت هذه القاعدة فنقول المجاز إن كان أجنبياً عن الحقيقة كالراوية والنجو فإن الرواية ليس بعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
أنواع الجمال، والنجو ليس بعض المواضع المرتفعة، بخلاف الحمار بعض أفراد الدابة، فإذا قال القائل ليس في الدار دابة فليس فيها حمار قطعاً؛ لأنا إن حملنا اللفظ على نفي الحمار انتفى، أو على نفي الحقيقة التي هي مطلق ما دب انتفى الحمار أيضاً؛ لأنه يلزم من نفي الأعم نفي الأخص، فصار الكلام نصاً في نفي المجاز الراجح فلا توقف على النية لانتفائه على كل تقدير، أما الحقيقة المرجوحة فهي منتفية على تقدير وغير منتفية على تقدير، فلما حصل التردد حسن توقيف الحكم عليها بالانتفاء على النية، وإن كان الكلام في سياق الثبوت كان نصاً في ثبوت أو المجاز الراجح ثبتت أيضاً؛ لأنه يلزم من ثبوت الأخص ثبوت الأعم، وإذا ثبت على كل تقدير امتنع توقيف إثبات الحكم لها على النية.
والمجاز لما كان ثابتاً على تقدير، وليس ثابتاً على تقدير، حسن توقيف الحكم له على النية، فصارت الصور خمساً يمكن التوقيف على النية في ثلاث إذا سلم التوقيف، وإلا فهو ممنوع للرجحان؛ فالثلاثة: المجاز الأجنبي إذ لا يلزم من ثبوت حقيقته ثبوته ولا من
ثبوته ثبوت حقيقته، وكذلك العدم والمجاز الراجح الذي هو بعض أفراد الحقيقة، والكلام في سياق الثبوت، والحقيقة المرجوحة، والكلام في سياق النفي، فهذا وجه البحث في هذه المسألة. المظهر أن الحق مذهب أبي يوسف وحده وإن توقف الإمام، إنما يتأتى في قسمين من الخمسة المتقدمة.
الفرع الرابع: إذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين فيقدم التخصيص والمجاز والإضمار والنقل والاشتراك على النسخ الأربعة الأول على الاشتراك والثلاثة الأول على النقل، والأولان على الإضمار، والأول على الثاني لأن النسخ يحتاط فيه أكثر لكونه يصير اللفظ باطلاً، فتكون مقدماته أكثر فيكون مرجوحاً، فتقدم لرجحانها عليه، والاشتراك مجمل عند عدم القرينة بخلاف الأربعة، والنقل يحتاج إلى اتفاق على إبطال وإنشاء وضع بعد وضع، والثلاثة يكفي فيها مجرد القرينة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)