فتقدم عليها، ولأن الإضمار أقل فيكون مرجوحاً، ولأن التخصيص في بعض الحقيقة بخلاف المجاز.
هذه الأمور مرجوحة بالنسبة إلى أضدادها كما تقدم أول هذا الباب، لكنها إذا تعينت وفقد الراجح الذي هو الأصل، فإن انفرد واحد منها حمل اللفظ عليه، وإن اجتمع منها اثنان فأكثر ولم يتعذر الجمع بينها حمل اللفظ عليه، وإن اجتمع منها اثنان فأكثر ولم يتعذر الجمع بينها حمل اللفظ عليها إن دل على الجمع قرينة وإلا اقتصر على واحد منها تقليلاً لمخالفة الدليل بحسب الإمكان؛ لأن (1) أسباب الترجيح ما تقدم ذكره، فأولى الكل التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل، ثم النسخ، فالتخصيص يرجح بأن اللفظ يبقى في بعض الحقيقة كلفظ المشركين إذا بقي في الحربيين، وخرج غيرهم، والحربيون هم بعض المشركين، فهو مجاز أقرب للحقيقة.
الوجه الثاني: أن البعض إذا خرج بالتخصيص بقي اللفظ مستصحباً في الباقي من غير احتياج إلى قرينة وهذان الوجهان لا يوجدان في غير التخصيص، والمجاز والإضمار كلاهما يحتاج إلى قرينة.
واختلف قول الإمام فخر الدين فقال في المحصول: هما سواء، لأن كل واحد محتاج للقرينة. وقال في المعالم: المجاز أرجح من الإضمار لكثرة المجاز في اللسان، والإضمار أقل منه، والكثرة تدل على الرجحان، وهما يقدمان على النقل، لأن النقل لا يحصل إلا بعد اتفاق الكل على إبطال الوضع الأول وإنشاء وضع آخر وذلك متعذر أو متعسر، والمجاز والإضمار والتخصيص تكفي فيها القرينة فقدمت عليه، وقدم النقل على الاشتراك؛ لأن النقل إن عُلم حمل اللفظ على المعنى الثاني، وإلا حمل اللفظ على المسمى الأول، فلا
يوجد اللفظ معطلاً أصلاً، وأما الاشتراك فإنه إن فقدت فيه القرينة بقي معطلاً مجملاً، فكان مرجوحاً بالنسبة إلى تلك الأربعة والنسخ إبطال الحكم بعد إرادته فيحتاط فيه أكثر، فلا ينسخ المتواتر بالآحاد، وتخصيصه بها وبالقرائن.--------------------------------------------
(1) في نسخة من المخطوطات: لكن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
مثال تعارض الاشتراك والنقل قوله b «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» يقول الشافعي رضي الله عنه: الطهارة في عرف الشرع منقولة إلى إزالة الحدث أو الخبث، ولا حدث، فيتعين الخبث. يقول المالكي: الطهارة لفظها مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار والغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لأنه مستعمل فيها حقيقة إجماعاً، والأصل عدم التغيير.
مثال الاشتراك والإضمار قوله تعالى «امسحوا برءوسكم» (1) يقول الشافعي رضي الله عنه يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس، لأن الباء مشتركة بين الإلصاق في الفعل القاصر وبين التبعيض في الفعل المتعدي، فتكون هنا للتبعيض لأنه فعل متعد؛ فلو قال امسحوا رءوسكم لصح، يقول المالكي هنا مضمر تقديره امسحوا ماء أيديكم برءوسكم، فالرأس ممسوح بها، والفعل لا يتعدى للآلة بغير باء وقد تقدم في باب الحروف بسطه (2) مثال الاشتراك والمجاز يقولا لمالكي لا تحل المبتوتة (3) إلا بالوطء لقوله تعالى «حتى تنكح زوجاً غيره» (4) والنكاح حقيقة في التداخل مجاز في العقد، والأصل عدم المجاز، يقول سعيد بن المسيب رضي الله عنه: بل هو مشترك بين التداخل، والعقد، لأنه مستعمل فيهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون مجملاً، فيسقط الاستدلال به، مثال تعارض الاشتراك والتخصيص قوله تعالى «فانكحوا ما طاب لكم من النسا» (5) يقول المالكي: الطيب ميل النفس، وقد مالت نفس العقد على الأربع فيجوز له زواجهن، يقول الشافعي لو حمل على ميل النفس لزم التخصيص بالنساء اللاتي تحرم عليه، بل المراد بالطيب: الحلال، والنزاع في كون الأربع حلالاً، مثال تعارض النقل والإضمار قوله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) 6 المائدة.
(2) انظر في الباء في باب الحروف.
(3) المبتوتة: المطلقة ثلاثاً.
(4) 230 البقرة.
(5) 3 النساء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
«والصائم المتطوع أمير نفسه» يقول الشافعي: يجوز إبطال الصوم المتطوع به لأنه وكله إلى مشيئته بعد نقله للصوم الشرعي، فيقول المالكي ليس منقولاً بل هو في مسماه اللغو، ومعنى الكلام الذي من شأنه أن يتطوع أمير نفسه، وسماه متطوعاً باعتبار ما يؤول إليه، وهذا الإضمار أولى من النقل.
مثال تعارض النقل والمجاز قوله b «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» ويقول الحنبلي الصلاة منقولة للعبادة المخصوصة فمن تركها كفر، يقول المالكي الصلاة الدعاء
لغة والدعاء طلب، ومن أعرض عن طلب الله فهو كافر، واستعمالها في هذه العبادة مجاز، والمجاز أولى من النقل.
مثال تعارض النقل والتخصيص قوله تعالى «الذين يظاهرون من نسائهم» (1) الآية يقول المالكي فيلزم الظهار من الأمة لأنها من نسائه يقول الشافعي لفظ النساء صار منقولاً في عرف الشرع للحرائر المباحة فلا يتناول الأمة محل النزاع، ولو لم يكن منقولاً لزم التخصيص بذوات المحارم فإنهن من نسائه.
مثال تعارض الإضمار والمجاز قوله تعالى «إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم (2) » الآية يقول المالكي والشافعي: تقديره إذا قمتم محدثين، ولولا هذا الإضمار لكان الأمر بالطهارة بعد الصلاة، يقول السائل هذا المحذور يزول بجعل القيام مجازاً عبر به عن إرادة القيام.
مثال تعارض الإضمار والتخصيص قوله تعالى «فكلوا مما أمسكن عليكم» (3) والضمير في أمسكن عام، فيقول المالكي الكلب طاهر لاندراجه فيها مع جواز أكل ما أمسك ولو كان نجساً لحرم حتى يغسل والأصل عدم ذلك. يقول الشافعي: يلزم جواز أكل كل ما أمسك بعد القدرة عليه من غير ذكاة، وليس كذلك، فيلزم التخصيص، بل هنا إضمار تقديره كلوا من حلال ما أمسكن عليكم، وكون موضع فمه حلالاً محل النزاع.--------------------------------------------
(1) 3 المجادلة.
(2) 6 المائدة.
(3) 4 المائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
مثال تعارض المجاز والتخصيص قوله تعالى «وأتموا الحج والعمرة لله» (1) يقول الشافعي الأمر للوجوب فتجب العمرة، يقول المالكي تخصيص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما، لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز.
وفي هذه المواطن مباحث ومثل كثيرة نقلتها في كتاب شرح المحصول وجعلتها مسائل خلاف مستقلة ومعها مباحث شريفة هنالك لا يحتمل هذا الشرح المختصر ذلك.--------------------------------------------
(1) 196 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
الباب الرابع في الأوامر وفيه ثمانية فصول
الفصل الأول في مسماه ما هو
أما لفظ الأمر فالصحيح أنه أهم لمطلق الصيغة الدالة على الطلب من سائر اللغات لأنه المتبادر للذهن منها، هذا مذهب الجمهور، وعند بعض الفقهاء مشترك بين القول والفعل، وعند أبي الحسين مشترك بينه وبين الشأن والشيء والصفة، وقبل هو موضوع للكلام النفساني دون اللساني وقيل هو مشترك بينهما.
يتحصل أن الأمر والهي وما سواهما مما يتعلق بالكلام هل ذلك موضوع للساني أو النفساني، أو مشترك بينهما؟ ثلاثة مذاهب. حجة الأول المبادرة للفهم، وحجة الثاني بيت الأخطل وهو:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليل
وحجة الاشتراك الجمع بين الأدلة، والاشتراك هو المشهور، وإذا قلنا بأنها حقيقة في اللساني فقط فيكون مدلولها لفظاً وهو القدر المشترك بين جميع صيغ الأوامر، وعلى هذا اختلفوا هل هي مشتركة بين القول المذكور وبين الفعل؟ نحو قولنا: كنا في أمر عظيم إذا كنا في الصلاة - وقال أبو الحسين هو موضوع مع القول المذكور للشيء أيضاً نحو قولنا ائتني بأمر ما، أي شيء، وللشأن نحو قوله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
تعالى «وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر» (1) معناه ما شأننا في إيجادنا إلا ترتب مقدورنا على قدرتنا وإرادتنا من غير تأخر كلمح بالبصر، والصفة كقول الشاعر:
عزمت على إقامة ذي صباح … لأمر ما يُسوِّد من يَسُود
أي لصفة ما يسود من يسود.
وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر فهو موضوع عند مالك رحمه الله، وعند أصحابه للوجوب، وعند أبي هاشم للندب، وللقدر المشترك بينهما عند قوم، وعند آخرين لا يعلم حاله.
في الأمر سبعة مذاهب: للوجوب، للندب، للقدر المشترك بينهما - اللفظ مشترك
بينهما، لأحدهما، لا يعلم حاله، للإباحة، الوقف في ذلك كله، ذكرها الإمام فخر الدين في المحصول، والمعالم بعضها هنا وبعضها هنا، حجة الوجوب قوله عليه الصلاة والسلام «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» ولفظة (لولا) تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة، والندب في السواك ثابت، فدل على أن الأمر لا يصدق على الندب بل ما فيه مشقة، وذلك إنما يتحقق في الوجوب. وقوله تعالى لإبليس «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» (2) ذمه على ترك المأمور به، وذلك يقتضي الوجوب، لأن الذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم. وقوله تعالى «وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون» (3) ذمهم على ترك الركوع إذ أمروا به، هو دليل الوجوب.
حجة الندب: أن الأمر ورد تارة للوجوب كما في الصلوات الخمس وتارة للندب كصلاة الضحى، ومن القسمين صور كثيرة في الشريعة، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو رجحان الفعل وجواز--------------------------------------------
(1) 50 القمر.
(2) 12 الأعراف.
(3) 48 المرسلات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
الترك، لأنه الأصل من جهة براءة الذمة، وهذا بعينه هو مدرك القدر المشترك بينهما، إلا أنا نسكت عن جواز الترك ونقول هو مستفاد من الأصل لا من اللفظ، وحجة أنه لأحدهما لا بعينه وروده في القسمين، والأصل عدم الاشتراك، ولم يدل دليل على أنه أخص بأحدهما، فيجزم بالوضع، ويتوقف في تعيين الموضوع له حجة الإباحة أن الأقسام كلها مشتركة في جواز الإقدام، فوجب القول به حتى يكون اللفظ حقيقة في الجميع، والأصل عدم اعتبار الخصوصيات.
وحجة القاضي في التوقف في جميع الأقسام: تردد الصيغة بينهما، فلو علم أنه موضوع لأحدهما بعينه فإما بالعقل ولا مجال له في اللغات، أو بالنقل وهو إما تواتر أو آحاد، والأول باطل، وإلا لحصل العلم وارتفع الخلاف. والثاني لا يفيد إلا الظن، وهو لا يكفي في القواعد الأصولية.
والجواب أن المعلوم من حال الصحابة رضوان الله عليهم المبادرة لحمله على الوجوب كقوله عليه الصلاة والسلام في المجوس «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب» لما رواه عبد الرحمن بن عوف، ولم يتوقفوا في حمله على الوجوب، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام «خذوا عني مناسككم» ، «صلوا كما رأيتموني أصلي» وغير ذلك من أوامره عليه الصلاة والسلام. وقال الله تعال «وما آتاكم الرسول فخذوه» (1) ، وأما قول القاضي لو علم بالتواتر لحصل العلم فمسلم. قوله: وارتفع الخلاف ممنوع؛ فإن التواتر لا يلزم عمومه لجميع الناس، فقد تتواتر قضية في الجامع يوم الجمعة بأن المؤذن سقط من
أعلى المنار ولا يعلم بقية أهل البلد ذلك فضلاً عن البلاد النائية، وإذا لم يعلم أمكن الخلاف ممن لا يبلغه ذلك التواتر.
وهو عنده أيضاً للفور وعد الحنفية، خلافاً لأصحابنا المغاربة والشافعية وقيل بالوقف.
قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: الذي ينصره أصحابنا أنه على الفور، وأخذ--------------------------------------------
(1) الحشر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
من (1) قول مالك إنه للفور من أمره بتعجيل الحج، ومنعه من تفرقة الوضوء، وعدة مسائل في مذهبه، ووافق القاضي أبو بكر الشافعية في التراخي؛ واختلف العلماء هل صح في الوجوب فقط أو يعمهما؟ قال وهو الصحيح، واتفقوا على أن الخلاف لا يتصور إذا قلنا إنه للتكرار والدوام؛ بل يتعين الفور.
واختلف القائلون بالفور فقيل لا يتصور ذلك إلا إذا تعلق الأمر بفعل واحد، وقيل يتصور ذلك إذا تعلق مجمله أفعال. ثم اختلف القائلون بأنه يقتضي فعلاً واحداً فتركه، هل يجب عليه الإتيان بدله بنفس الأمر الأول أو لا يجب إلا بنص آخر؟ فأكثرهم على الأول.
والقائلون بالتراخي اختلفوا هل يجوز تأخيره إلى غير غاية، فقال بعضهم إلى غير غاية على الإطلاق، وقيل إلى غير غاية بشرط السلامة، فإن مات قبل الفعل أثم، وقيل لا إثم عليه إلا أن يغلب على ظنه فواته ولم يفعله، وفصَّل آخرون فقالوا إ، غلب على ظنه أنه لا يموت فمات لم يأثم كرامي السهم يغلب على ظنه السلامة، وهو مختار القاضي أبي بكر، والقائلون بالتأخير اختلفوا، فمنهم من قال لا يجوز التأخير إلا إلى بدل، وهو العزم على أدائه في المستقبل ليفارق المندوب، وقيل العزم ليس ببدل بل هو شرط في جواز التأخير. والقائلون بأنه بدل اختلفوا، فمنهم من قال بدل من نفس الفعل، وقيل بدل من تقديمه، واحتج من قال بأن التراخي لا يتأتى إلا في الواجب أن التراخي معناه لا يأثم بالتأخير، وذلك متعذر في المندوب، لتعذر الإثم في نفسه في المندوب، وجوابه: أنه قد يندب على التراخي كما في صدقة التطور، وقد يكون على الفور كما في تحية المسجد.
حجة التراخي في الواجب: أن الأمر إنما يدل على الطلب وهو أعم من الوجوب على التعجيل، فوجب أن لا يدل على الفور إلا بدليل فيكون مخيراً وهو التراخي.--------------------------------------------
(1) لعل لفظة (من) زائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
حجة الفور قوله لإبليس «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» (1) فلولا الفور لكان من حجة إبليس أن يقول إنك أمرتني بالسجود ولم توجب على الفور فلا أعتب، وحجة القول بأنه إذا فات لا يلزم مثله في وقت آخر إلا بدليل منفصل: إن الأوامر تابعة للمصالح، وكون الأوقات المستقبلة مساوية للوقت الحاضر أمراً مشكوكاً فيه، فوجب أن لا يجب إلا بأمر جديد يدل على مساواة الزمن الثاني للأول في المصلحة. فإن الأصل عدمها فضلاً عن مساواتها.
حجة القول بأنه يلمه في الزمن الثاني بالأمر الأول: أن الأمر دل على أصل الفعل والزمن الفوري والدال على المركب دال على مفرداته بالتضمن، وقد تعذر أحد الجزئين وهو الزمن الفوري، فيوجب أن يبقى الأمر متعلقاً بالجزء الآخر، وهو أصل الفعل، فيفعله المأمور في أي زمان شاء بعد ذلك.
وهو عنده للتكرار، قاله ابن القصار من استقراء كلامه، وخاله أصحابه وقيل بالوقف، لنا قوله تعالى لإبليس ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك رتب الذم على ترك المأمور به في الحال، وذلك دليل الوجوب والفور، وأما التكرار للصحة للاستثناء في كل زمان من الفعل.
قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: مذهب أصحابنا للمرة الواحدة، وقاله كثير من الحنفية والشافعية، قلت: وقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي في كتاب اللمع: إن القائلين بالتكرار قالوا بذلك في أزمنة الإمكان دون أوقات الضرورات، فيكون على هذا إطلاق غيره محمولاً على تقييده، وقولي في أصل الكتاب: عنده، أريد مالكاً، ويدل على التكرار أنه لو لم يكن للتكرار لامتنع ورود النسخ عليه بعد الفعل، ولأنه ضد النهي، وهو لتكرار، فيكون للتكرار؛ لأن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على مثله، كما نصبوا (بلا) قياساً على (أن) وهي ضدها، وحجة المرة الواحدة أنه ورد التكرار كما في الصلوات الخمس، وللمرة الواحدة كما في الصلاة على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، والأصل عدم المجاز--------------------------------------------
(1) 12 الأعراف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
والاشتراك، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو أصل الفعل حجة الوقف تعارض الأدلة.
فإن علق على شرط فهو عنده وعند جمهور أصحابه، والشافعية للتكرار، خلافاً للحنفية.
القائلون بالتكرار عند عدم الشروط قائلون به مع الشرط بطريق الأولى، لأن الشروط اللغوية أسباب، والحكم يتكرر بتكرر سببه، فيجتمع أمران لتكرار الوضع والسببية. وأما من قال بعدم التكرار عد عدم التعليق، فاختلفوا عند التعليق، فمنهم من طرد أصله وقال بعدم
التكرار، ومنهم من خالف أصله لأجل السببية الناشئة من التعليق. قال القاضي عبد الوهاب: القائلون بعدم التكرار في الأمر المطلق قالوا به عند تكرار الشرط والصفة وهو قول كثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي، وقال الباقون من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة: لا يقتضيه، قال وهو الصحيح.
واختلف في النهي إذا قلنا إنه لا يقتضي التكرار، فهل يتكرر عند تكرر الشرط والصفة؟ وقال الصحيح تكرار النهي عند التعليق بخلاف الأمر. حجة القول بعدم التكرار عند وجود الشرط كقوله: إن زالت الشمس فصل، أو الصفة كقوله تعالى «الزانية الزاني فاجلدوا» أن هذا ليس فيه إلا الربط بالشرط. والصفة، والربط أعم من كونه يوصف بالدوام، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فوجب أن لا يدل على التعليق على التكرار، حجة التكرار أن الصفة والشرط يجريان مجرى العلة، والحكم يتكرر بتكرر علته.
مسألة: قال القاضي عبد الوهاب: فإن كرر الأمر كقوله اضرب زيداً اضرب زيداً أو صل ركعتين صل ركعتين. قال: فالصحيح التكرار؛ كأن الأمر أوجب أو الندب، ما لم يمنع مانع، وقيل لا يتكرر. وقال بعد الواقفية بالوقف، قال والخلاف في ذلك إنما يتصور في الأمر الثاني إذا كان من جنس الأمر، أما غير الجنس فيتعين أن يكون مستأنفاً، وهو متفق عليه نحو صل صم، وكذلك لا يتصور الخلاف أيضاً إلا قبل صدور الفعل الأول، فإذا قال له صم بعد أن صام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
يوماً تعين الاستئناف، حجة التكرار أن الأصل أن الفظ يحقق مقتضاه وأن يفيد معناه، وقد تكرر فيتكرر المعنى، حجة عدم التكرار أن الأول محقق والثاني يحتمل أن يكون إنشاء ويحتمل التأكيد، فلا يحمل على الإنشاء إلا بدليل (1) لأن الأصل براءة الذمة.
مسألة: قال القاضي عبد الوهاب: موانع التكرار أمور: أحدها إنه يمتنع التكرار إما عقلاً كقتل المقتول وكسر المكسور، وكذلك صم هذا اليوم، أو شرعاً كتكرار العتق في عبد فإنه كان يمكن أن يكون العتق كالطلاق. يتكرر ويكمل بالثلاث، وثانيها أن يكون الأمر الأول مستغرقاً للجنس فيتعين حمل الثاني على الأول، وكذلك الخبر كقوله: اجلدوا الزناة، أو خلقت الخلق فيتعين حمل الثاني على الأول وثالثها أن يكون هنالك عهد أو قرينة حال يقتضي الصرف للأول.
مسألة: قال: وإذا عطف على الأول أمر آخر ليس ضد الأول بل خلافه حمل على
التكرار نحو: اركعوا واسجدوا، وإن كان ضده فكذلك؛ لأن الشيء لا يؤكد بضده، ويشترط في ذلك أن يكون في وقتين نحو أكرم زيداً وأهنه (2) ، وإن اتحد الوقت حمل على التخيير، ولا يحمل على النسخ، لأن من شرطه التراخي حتى يستقر الأمر الأول ويقع التكليف والامتحان به، وتكون الواو حينئذ بمعنى (أو) حتى يحصل التخيير، وإن ورد الثاني بمثل الأول، لأن العطف يقتضي التغاير، واختاره القاضي أبو بكر، وهو الذي يجيء على قول أصحابنا. وقيل يكون الثاني هو عين الأول، وكما أن العطف يقتضي التغاير فالأصل براءة الذمة، ولا بد في هذا المذهب من التفصيل المتقدم من إمكان التكرار واستحالته.
لنا اتفاق النحاة على أن الشيء لا يعطف على نفسه، ولذلك منعوا العطف في التأكيد نحو رأيت زيداً نفسه وعينه، لأن التأكيد غير المؤكد، ولم يمنعوه في النعت لأن النعت غير المنعوت نحو رأيت زيداً الظريف والعاقل.--------------------------------------------
(1) الأولى أن يقول: بدليل منفصل.
(2) 4 في الأصل أو أمنه، ولصواب ما أثبتناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
فرع غريب: (1) إذا كان الأول مستغرقاً للجنس والثاني يتناول بعضه كقوله تعالى «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى (2) قيل يكون الثاني نقضاً للأول. قال القاضي عبد الوهاب: والصحيح أن ذلك محمول على ما سبق للوهم عند السامع من التفخيم والتعظيم للاسم المذكور، ثانياً اهتماماً به، فأفرد بالذكر؛ لأن العرب إذا اهتمت بنوع من جنس أو فرد منه أفردته بالذكر اهتماماً، ومنعاً له من أن يعتقد أن العموم مخصوص به وأنه يجوز خروجه منه، فمع التنصيص يمتنع ذلك، وإن كان الثاني أعم من الأول نحو: اقتلوا أهل الأوثان، واقتلوا جميع المشركين ففيه الخلاف المتقدم. قال: والصحيح التفخيم أيضاً والبداءة بما هو أهم، وإن كان غالب الكلام أن يؤخر، فقد تقدم.
فرع: قال الإمام فخر الدين: إذا تكرر الأمر والأول منكَّر والثاني معرَّف، نحو صل ركعتي صل الركعتين، أو صل الصلاة. يصرف للأول لأنها لام العهد، فإن عطف نحو صل ركعتين وصل الركعتين أو صل الصلاة فعند أبي الحسين الأشبه الوقف لأن العطف يعارضه لام العهد، فيجب الوقف. قال: وعندي يحمل على التغاير، لأن لام الجنس كما تستعمل للعهد تستعمل لبيان حقيقة الجنس؛ كقول السيد لعبد اشتر لنا الخبز واللحم، فما تعينت معارضتها للعطف، قال والأشبه إذا عطف العام على الخاص الوقف لأنه ليس ترك ظاهر العموم أولى من ترك ظاهر العطف.
ويدل على الإجزاء عند أصحابه خلافاً لأبي هاشم؛ لأنه لو بقيت الذمة مشغولة بالفعل لم يكن أتى بما أمر به؛ والمقدر خلافه؛ وهذا خلف.
الكلام في هذه المسألة شبيه بالكلام في مفهوم الشرط، فإذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار فلم تدخل، يقول القاضي الشرط لا مفهوم له يدل على--------------------------------------------
(1) في واحدة من المخطوطات: مرتب.
(2) 238 البقرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
عدم طلاقها عند عدم الدخول، بل عدم طلاقها مأخوذ من الاستصحاب في العصمة السابقة، والقائلون بالمفهوم يقولون عدم الطلاق من ذلك ومن مفهوم الشرط كذلك هنا الإنسان ولد بريئاً من الحقوق كلها، ورد الأمر باقتضاء شغل الذمة بذلك الفعل، فإذا أتى به كان الإجزاء وهو براءة ذمته بعد ذلك مستفاداً من الاستصحاب للبراءة لا من الإتيان بالمأمور به، وغيره يقول بل بالأمرين، والإجزاء عبارة عن سقوط التكليف.
وقولي عند أصحابه، أعني مالكاً رحمه الله، وما ذكرته من الدليل هو مستند الإمام في المحصول وليس بشيء؛ لأنه قال إن الأمر لو لم يدل على الإجزاء لبقي الأمر إما متعلقاً بذلك الفعل الواقع أو بغيره، والأول محال، لئلا يلزم تحصيل الحاصل، والثاني يقتضي أنه ما أتى بما أمر به، والمقدر خلافه فلا يبقى الأمر متعلقاً بعد الإتيان بالمأمور به.
هذا هو بسط ما ذكرته في الأصل، وهو قول الإمام في المحصول، غير أنه جعل عدم الدلالة نفس الدلالة على العدم، فإنه أنما بين أن الأمر لم يبق متعلقاً، وعدم تعلقه عدم دلالته، ومقصود هذه المسألة الدلالة على البراءة، وهي الدلالة على العدم وأين أحدهما من الآخر؟! فسورة الإخلاص فيها عدم الدلالة على وجوب الزكاة، وليس فيها دلالة على عدم وجوب الزكاة، فتأمل ذلك. واختلفت عبارة العلماء في هذه المسألة فبعضهم يقول الأمر يدل على الإجزاء بمعنى أنه يدل على وجوب فعل لو فعل أجزأ وبرئت الذمة، والأمر يدل بوسط، وبعضهم يقول الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء وهذا بغير وسط فهو أولى، قال القاضي عبد الوهاب: والذي يقتضيه مذهب أصحابنا المالكية أن الأمر يقتضي إجزاء المأمور به وهو قول جميع الفقهاء، قال وذهب أكثر من تكلم في الأصول إلى أنه لا يقتضي الإجزاء ومرادهم أنه لا يفيد بمجرده (1) أنه لا يلزم المكلف فعل مثله على وجه القضاء، لنا أنه يمتنع من العاقل الحكيم أن يقول لعبده افعل كذا فإذا فعلته على الوجه--------------------------------------------
(1) في الأصل بمجرد. بحذف الهاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
المعتبر لا يجزى عنك ويجب عليك الإتيان بمثله، ثم يلزم ذلك في المثل أيضاً، وذلك مخالف لطريقة العقلاء، بل المقصود حصول المصلحة، فإذا حصلت اكتفى العقلاء بها، هذه هو شأن اللغة.
وأما جواز تكليف ما لا يطاق وعدم اعتبار حصول المصالح حصلت أم لا فهذا إنما يبحث (1) بالنسبة إلى ما لا يحوز على الله تعالى، لا بالنسبة إلى اللغة، وكلامنا في اللغة من حيث هي لغة هل هي من هذا القبيل أم لا، لا في جهة الربوبية وما كان يجوز عليها.
والجواب عن الأول: أن كلامنا في الفعل المستجمع للشرائط في نفس الأمر لا في ظن المكلف فقط. وعن الثاني: أن تلك الأفعال مجزئة عن الأمر الوارد بالتمادي. وعن الثالث: أنا لا نسلم أن النهي لا يدل شرعاً على الفساد بل يدل عليه.
وعل النهي عن أضداد المأمور به عند أكثر أصحابه من المعنى لا من اللفظ خلافاً لجمهور المعتزلة وكثير من أهل السنة.
أريد بالضمير في قولي وأصحابه: مالكاً رضي الله عنه، وقولي من المعنى أريد به أن الأمر يدل بالالتزام لا بالمطابقة، قال القاضي عبد الوهاب في الملخص: قال المتكلمون ومن وافقهم في إثبات الصفات ونفي خلق القرآن أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إذا كان ذا ضد واحد، وعن جميع أضداده إذا كان له أضداد، وقاله الأشعري--------------------------------------------
(1) في نسخة: يجب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وغيره، وقيل يشترط في ذلك أن يكون وجوباً لا ندباً، حكاه القاضي أبو بكر، وقال: ويشترط فيه أيضاً أن يكون مضيقاً لأن الموسع لا ينهى عن ضده لقبول الوقت لهما، وقال القاضي هو نهي عن ضده كان وجوباً أو ندباً، وقالت إن كان وجوباً نظاهر وإن كان ندباً يكون النهي عن الضد على سبيل الكراهة، وفي الأول على سبيل التحريم.
ومن محاسن العبارة في هذه المسألة أن يقال: إن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، فإذا قال له اجلس في البيت فقد نهاه عن الجلوس في السوق والحمام والمسجد والطريق وجميع المواضع، فإذا قال لا تجلس في البيت؛ فقد أمره بالجلوس في أحد المواضع ولم يأمره بالجلوس في كلها. لنا أن الأمر بالشيء يدل على الوجوب؛ ومن لوازم الوجوب ترك جميع الأضداد، والدال على الشيء دال على لوازمه؛ فالأمر دال بالالتزام على ترك جميع الأضداد.
احتجوا بأن الآمر بالشيء قد يكون غافلاً عن ضده والغافل عن الشيء لا ينهى عنه.
وجوابه: أن القصد إنما يشترط في الدلالة باللفظ التي هي استعمال اللفظ، أما دلالة اللفظ فلا، وهذا من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل الدلالة باللفظ، وقد تقدم الفرق بينهما، وأن دلالة الالتزام من هذه دون تلك.
واعلم أن هذه المباحث تتعلق بالكلام اللساني. أما الكلام القديم النفساني فنفس الأمر هو نفس ما هو نهي؛ لأن كلام الله تعالى واحد، ولا يقال بالالتزام بل هو هو، ولا دلالة للنفساني توصف بالتزام (1) ولا مطابقة، بل الفرق بينهما من حيث التعلق فقط والحقيقة واحدة.
ولا يشترط فيه علو الآمر، خلافاً للمعتزلة، واختار الباجي من المالكية والإمام فخر الدين وأبو الحسين والمعتزلة الاستعلاء، ولم يشترط غيرهم--------------------------------------------
(1) في الأصل: بالالتزام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
الاستعلاء ولا العلو، والاستعلاء في هيئة الأمر من الترفع وإظهار القهر؛ والعلو يرجع على هيئة الآمر من شرفه وعلو منزلته بالنسبة إلى المأمور.
قال القاضي عقد الوهاب في الملخص: الذي عليه أهل اللغة وجمهور أهل العلم اشتراط العلو واختاره هو أيضاً أعني القاضي عبد الوهاب، وقال الإمام فخر الدين إن الذي عليه المتكلمون أنه لا يشترط لا علو ولا استعلاء لأنه صيغة موضوعة لمعنى، فيصح مع هذه الصفات وأضدادها كالخبر والاستفهام والترجي والتمني، فإنها تصدق مع العلو والدنو والاستعلاء والتواضع، ولا يختلف الحال بحسب اختلاف حال المتكلمين بها، حجة العلو أنه لا يحسن في العادة أمرت الله إذا دعوته، ولا أمرت الملك ولا أمير المدينة، مع أن قولنا اهدنا واغفر لنا يا ربنا هي صيغة الأمر، وكذلك مخاطبات الملوك والأمراء، ولما تعذر تسمية ذلك أمراً في العرف وجب أن يقال إنه لغة كذلك، لأن الأصل عدم النقل والتغيير، فوجب أن يكون العلو شرطاً وتكون هذه الصيغة مع الدنو مسألة، وفي حق الله تعالى خاصة تسمى دعاء، ومع التساوي تسمى التماساً.
حجة الاستعلاء في أن من صدر منه الأمر برفق لا يقال آمر ومع الاستعلاء يقال له آمر، ولذلك يصفون من فعل ذلك بالحمق، ويقولون للعبد أتأمر سيدك إذا استعلى في لفظه، وإذا لم يستعل لا يقولون له ذلك، فدل على أن الاستعلاء شرط، ويرد على الفريقين أن الله تعالى يقال لهذه الصيغة في كتابه أمر إجماعاً، مع أن الله تعالى خاطب عباده أحسن الخطاب وألينه، فقال «اتفقوا الله الذي تساءلون به» (1) وفي موضع آخر «الذي خلقكم من نفس واحدة» إلى غير ذلك من التذكير بجميل نعمه وجزيل إحسانه، ومعلوم أن هذا ضد الاستعلاء، وقالت بلقيس لقومها «ماذا تأمرون» (2) وهي أعلى منهم، وقال دريد بن الصمة:--------------------------------------------
(1) 1 النساء.
(2) 1 النساء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
أمرتهمُ أمري بمنعرج اللوى … فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
وكان المأمور من هو أعظم منه في قومه، وقال عمرو بن العاص لمعاوية رضي الله عنهما:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني … فأصبحت مسلوب الإمارة نادماً
ومعاوية أعلى منه؛ فدل على عدم اشتراط العلو.
وأما كوننا لا نسمي طلبنا من الله تعالى أمراً فللأدب، وكذلك مع الملك وغيرهم، ولا يلزم من ترك إطلاق اللفظ للأدب أن لا يكون لغة كذلك، كما أنا لا نسمي الله تعالى علامة ولا سبحيا وإن كانت المسميات بذلك موجودة، ولكن حصل المنع لأجل إيهام التأنيث في العلامة (1) وأن العطاء بالسبحية التي لا تكون إلى في جسم؛ فكذلك هنا.
ولا يشترط فيه إرادة المأمور به ولا إرادة الطلب خلافاً لأبي علي وأبي هاشم من المعتزلة؛ لنا أنها معنى خفي يتوقف العلم به على اللفظ فلو توقف اللفظ عليها لزم الدور.
الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في الإرادة ثلاثة مواطن: أحدها أنه هل يشترط إرادة استعمال اللفظ في الوجوب أم لا؟ فقالوا صيغة الأمر تستعمل في خمسة عشر محملاً. منها الوجوب، والندب، والتهديد، والتخيير، وغير ذلك، فلا يتعين الوجوب إلا بالإرادة. وأجيبوا بأنها موضوعة للوجوب، فينصرف للوجوب بمجرد الوضع كسائر الألفاظ، والمحتاج للنية إنما هو المجاز.
وثانيها: إرادة المأمور به فعندهم لا يأمر الله تعالى إلا بما يريد وعندنا ليس بين الأمر والإرادة ملازمة بل يأمر بما يريد في حق الطائع وربما لا يريد في حق--------------------------------------------
(1) في الأصل: إيهام تاء التأنيث في العلامة. والأولى حذف لفظة التاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
العاصي وبسط هذا في كتاب أصول الدين (1) .
ونقول الآن: إن الله تعالى علم أن الكافر لا يؤمن وعلم أن خلاف معلومه تعالى محال، وعلم أن الإرادة لا تتعلق بالمحال، فمن المحال إرادته تعالى الإيمان للكافر مع أنه مأمور به إجماعاً، فقد وجد الأمر بدون الإرادة.
وثالثها: أن هذه الإرادة التي هي إرادة المأمور به هل تفيد الصيغة أمرية فتصير أمراً، ومع غير هذه الإرادة الصيغة تكون تهديداً أو غيره، فقيل لهم هذه الصيغة التي هي الأمرية
إن قامت بحرف واحد كان ذلك الحرف وحده أمراً وإن قامت بأكثر من حرف قام الشيء الواحد بمحلين وهو محال.
الفصل الثاني ورود الأمر بعض الحظر
إن ورد بعض الحظر اقتضي الوجوب عند الباجي ومتقدمي أصحاب مالك وأصحاب الشافعي والإمام فخر الدين، خلافاً لبعض أصحابنا وأصحاب الشافعي في قولهم بالإباحة، كقوله تعالى «وإذا حللتم فاصطادوا» (2) بعد قوله تعالى «لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم» (3) لأن الأصل استعمال الصيغة في مسماها.
قال القاضي عبد الوهاب في الملخص الحظر قسمان تارة يرد معلقاً بغاية أو شرط--------------------------------------------
(1) الله تعالى يفعل ما يريد ويحم بما شاء. فالإرادة غير الأمر فهو يأمر الكافر بالإيمان ولا يريده منه وينهاه عن الكفر ويريده منه. وإني أرى أن المعتزلة قد جانبهم الصواب في مسائل حينما قاسوا الله عز شأنه على البشر تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
(2) 2 المائدة.
(3) 95 المائدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
أو علة، فإذا ورد الأمر بعد زوال ما علق الحظر عليه أفاد الإباحة عند جمهور أهل العلم، كقوله عليه الصلاة والسلام «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الرأفة، (1) فكلوا منها وادخروا» وكالآية المتقدمة وكذلك «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض» (2) بعد قوله تعالى «وذروا البيع» (3) وتارة يرد غير معلل بعلة عارضة ولا معلق بشرط، فمذهب مالك وأصحابه أنه للإباحة ولذلك احتج على عدم لزوم الكتابة بقوله إنما ذلك توسعة من الله على عباده.
وقال أكثر أهل الأصول أنه يقتضي الوجوب، وأنه يحمل على ما كان يحمل عليه ابتداءً من وجوب أو ندب، إن قلنا إنه موضوع للندب، أو على الوقف إن قلنا بالوقف.
وحكى الإمام فخر الدين أن الحظر إذا ورد بعد الأمر هل يحمل على التحريم أم لا؟ قولان. وتقرير هذا الفصل أن الوجود والعدم مستويان بالنسبة إلى الفعل لأنه ممكن وكل ممكن يستوي الوجود والعدم بالنسبة إليه، والأمر يرجح جهة الوجود، والنهي يرجح جهة العدم؛ فالوجود والعدم بالنسبة إلى الفعل ككفتي الميزان، والأمر والنهي يرجحان، فإذا ورد الأمر ابتداءً ورد على استواء من الكفتين فيحصل به الرجحان في كفة الوجود، وإذا ورد بعد الحظر ورد بعد ترجيح كفة العدم بالنهي فيحص هو في الكفة الأخرى فيحصل التساوي فهذا هو الفرق بين حصول الأمر ابتداء وبعد الحظر عند من فرَّق، ومقتضي هذا الفرق أن يحمل النهي على الإباحة إذا ورد بعد الوجوب، فمنهم من طرد أصله في الفرق، ومنهم من ترك الفرق وفرَّق بين الأمر والنهي، فقال إن النهي يعتمد المفاسد والأمر يعتمد المصالح،
وعناية صاحب الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أعظم من غايتهم بتحصيل المصالح، فلذلك راعينا هذا الفرق في الأمر وحملنا الأمر على الإباحة--------------------------------------------
(1) وفي رواية الدافة، وهي الجماعة التي تأتي من بلد إلى بلد.
(2) 10 الجمعة.
(3) 9 الجمعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وألغينا المصلحة، ولم نفعل ذلك في النهي اهتماماً بدرء المفاسد، ولأنا إذا قلنا يحمل النهي على التحريم أوجبنا الترك وهو على وفق الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل، وإذا حملنا الأمر على الوجوب قلنا بالفعل وهو على خلاف الأصل. فهذان فرقان عظيمان بين الأمر والنهي لمن خالف أصله في الأمر، أما من طرد أصله فلا يحتاج لهذين الفرقين، ثم استقراء النصوص بعد هذا الكتاب والسنة يحكم بين الفِرَق (1) .
الفصل الثالث في عوارضه
مذهب الباجي والإمام فخر الدين وجماعة من أصحابنا أنه إذا نسخ الوجوب يحتج به على الجواز لأنه من لوازمه، ومنع من ذك بعض الشافعية وبعض أصحابنا.
الجواز يطلق بتفسيرين أحدهما: جواز الإقدام كيف كان حتى يندرج تحته الوجوب وغيره، وثانيهما استواء الطرفين وهو المباح في اصطلاح المتأخرين، والأول لا شك أنه لازم للوجوب، والثاني ضده، فلا يكون لازماً له.
وظاهر كلام العلماء أنهم يريدونه، ووجه تقريره أنا نجعله لازماً من الأمر والناسخ، فالأمر دال على جواز الإقدام، والنسخ دال على جواز الإحجام؛ فيحصل مجموع الجوازين من الأمر وناسخه، غير أن مجموع الجوازين لا يتعين للإباحة بمعنى استواء الطرفين، بل يقبل الندب، وأيضاً فينبغي أن تكون الدعوى هكذا: إذا نسخ بقي إما للإباحة أو الندب من الأمر وناسخه لا من الأمر فقط.
ومن هذه المسألة أن يرد الأمر ثم يقول الآمر رفعت الوجوب عنكم فقط--------------------------------------------
(1) في الأصل تحكم بين الفرق. والصحيح ما أثبتناه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)