فالذي حدث هو أنه لما مات ابنه إبراهيم حدثت ظاهرة فلكية وهي كسوف الشمس، وهذا شيء طبيعي حدوثه. لكن بعض الناس قالوا: كسفت الشمس لموت إبراهيم.
لقد مات إبراهيم، وكسفت الشمس في نفس اليوم، وربط الناس بين الحدثين، فلو كان الرسول يريد التأييد ولو عن طريق الأكاذيب، لصمت عن ذلك. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم -برأه الله - يرفض كل أكذوبة من كل لون لتأييده، ولهذا صعد المنبر غاضبا وقال: «أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد أو لحياته. فإذا رأيتم شيئا من ذلك، فادعوا الله وصلوا» .
ط - شهود الصلب:
لعل هذه واحدة من أهم عناصر قضية الصلب، وإنها لترينا أن شهود الصلب كن نساء وقفن ينظرن من بعيد ذلك الذي علق على الصليب، ولم تكن هناك فرصة للتحقق والمعاينة عن قرب.
يقول مرقس: " وكانت أيضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة. اللواتي أيضا تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل. وأخر كثيرات صعدن معه إلى أورشليم " (15: 40 -41) .
وكذلك يقول متى في (27: 55 -56) .
ويقول لوقا: " وكان جميع معارفه ونساء كن تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظن ذلك " (23: 49) .
ويقول يوحنا: " وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية " (19: 25) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
ويقول جون فنتون: " لقد هرب التلاميذ عند القبض على يسوع، ورغم أن بطرس قد تبعه من بعيد إلى فناء دار رئيس الكهنة، فإننا لا نسمع عنه شيئا أكثر من هذا، بعد إنكاره ليسوع.
إن مرقس ومتى ولوقا يخبروننا أن شهود الصلب كن نساء تبعن يسوع من الجليل إلى أورشليم، وقد رأين دفنه، واكتشفن القبر خاليا صباح الأحد، وقابلن يسوع (بعد قيامته) (1) .
ويعلق العلماء على ما قاله يوحنا عن وجود مريم أم المسيح عند الصليب بقولهم: " إنه من غير المحتمل أساسا أن يكون قد سمح بوقوف أقارب يسوع وأصدقائه بالقرب من الصليب " (2) .
كذلك تقول دائرة المعارف البريطانية تعليقا على اختلاف الأناجيل في شهود الصلب: " نجد في الأناجيل (الثلاثة) المتشابهة أن النساء فقط تبعن يسوع، وأن القائمة التي كتبت بعناية واستفاضة لا تضم والدته - وأنهن كن ينظرن من بعيد " (مرقس 15: 40) .
ولكن في يوحنا نجد أن والدته مريم تقف مع مريمين أخريين والتلميذ المحبوب تحت الصليب، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ المحبوب إلى خاصته.
هذا بينما لا تظهر والدته في أورشليم - حسبما ذكرته المؤلفات القديمة - إلا قبيل عيد العنصرة وفي رفقة إخوته (أعمال الرسل 1: 14) (3) .
من ذلك نتبين أن شهود الأحداث الرئيسية التي قامت عليها العقائد المسيحية وهي الصلب، والقيامة، والظهور، إنما كن - على أحسن الفروض - نساء شاهدن ما شاهدن من بعيد، ثم قمن بعد ذلك بالرواية والتبليغ. . .--------------------------------------------
(1) تفسير إنجيل متى: ص455.
(2) تفسير إنجيل مرقس: ص431.
(3) ج13، ص99.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
التعليق على أحداث الصلب:
والآن يحق لنا التعليق على أحداث الصلب فنقول: إن اعتماد كتاب أحد الأناجيل على ما رواه كاتب إنجيل آخر، كان أولى به أن يوجد تآلفا بين الأناجيل، ويمنع التناقض والاختلاف بينها. ولكن ما حدث كان على النقيض من ذلك.
وإذا أخذنا بما ترويه الأناجيل عن الصلب وأحداثه، لوجدناها قد اختلفت فيه من الألف إلى الياء.
ويكفي أن يراجع القارئ ما ذكرته الأناجيل عن حادث القبض وملابساته - المحاكمات - توقيت الصلب (اليوم والساعة) - صرخة اليأس على الصليب - شهود الصلب، كل ذلك وغيره كثير يكفي للقول بأن الأناجيل اختلفت فيما بينها اختلافا بعيدا. وهو اختلاف يكفي لرفضه ما يذكره أحد الأناجيل - على الأقل - إذا أخذنا برواية الإنجيل الآخر. فأيهما نأخذ به، وأيهما نرفضه؟
رب قارئ درج على الإيمان التقليدي بما ترويه الأناجيل، لا يجد مفرا الآن من أن يقول: " إنما العلم عند الله ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
نهاية يهوذا الخائن
لقد انفرد إنجيل متى -دون بقية الأناجيل - بالحديث عن نهاية يهوذا، كذلك تحدث سفر أعمال الرسل الذي سطره لوقا عن كيفية هلاكه. ولنرجع الآن إلى هذين المصدرين لنرى كيف هلك يهوذا، وما إذا كانا قد اتفقا في الحديث عن هذا الجزء الخطير، والذي له علاقة مؤكدة بقضية الصلب أم أنهما اختلفا كالعادة.
يقول متى: " حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دِينَ ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلًا: قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا فقالوا ماذا علينا، أنت أبصر.
فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه.
فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. لهذا سمي هذا الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم.
حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب - 27: 3 - 10) .
ويقول جون فنتون: " إن متى يستخدم الفترة ما بين قرار السهندرين والمحاكمة أمام بيلاطس، في أخبار قرائه عن نهاية يهوذا. وعند هذه النقطة نجد أن متى لا يتبع مرقس الذي لم يورد أي ذكر ليهوذا بعد القبض على يسوع. ويذكر متى أن يهوذا غير رأيه بعد أن رأى يسوع قد دينَ، فأرجع النقود إلى أعضاء السهندرين واعترف لهم بجرمه. . ثم هو يضع النقود في خزينة الهيكل، ويمضي ليخنق نفسه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
ويقول رؤساء الكهنة إنه طالما كانت تلك النقود ثمنا لحياة، فلا يحل وضعها في خزينة الهيكل، ولهذا يشترون بها قطعة من الأرض مقبرة للغرباء. وهذا يحقق نبوءة يرجعها متى إلى أرميا (خطأ) ولكنها في الواقع من كتاب زكريا الذي لعب من قبل دورا هاما في رواية متى.
ولقد سجل لوقا موت يهوذا في (أعمال الرسل 1: 18) ، وتتفق روايته مع رواية متى في جزء منها، بينما تختلف في جزء آخر " (1) .
إننا قبل أن نذهب لمعرفة ما سجله لوقا عن موت يهوذا في سفر أعمال الرسل يخبرنا جون فنتون: أنه اتفق مع متى في جزء من الرواية، وخالفه في جزء آخر، كما أن متى أرجع قصة حقل الدم إلى نبوءة ظنها - خطأ - من سفر أرميا بينما هي لها شبيه في سفر زكريا.
وتقول رواية لوقا المشار إليها - في سفر أعمال الرسل: " في تلك الأيام قام بطرس في وسط التلاميذ. وكان عدة أسماء نحو مائة وعشرين. فقال أيها الرجال الإخوة كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقال بفم داود عن يهوذا. . فإن هذا اقتنى حقلًا من أجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه، وصار ذلك معلوما عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما أي حقل دم؛ لأنه مكتوب في سفر المزامير لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن وليأخذ وظيفته آخر " (1: 15 - 20) .
فعلى حسب رواية لوقا تجد - كما يقول جون فنتون: " أن يهوذا نفسه الذي يشتري الحقل ثم هو يموت هناك، ولهذا سمي ذلك الحقل حقل دم. إن هذا يعني: إما أن كلًا من متى ولوقا كان لديه مدخلًا مستقلًا لمثل تلك--------------------------------------------
(1) تفسير إنجيل متى: ص431.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
القصص عن يهوذا، أو أن لوقا اختصر رواية متى وأدخل إليها بعض التغييرات " (1) .
وسواء أكان هذا أو ذاك، فإن هذا واحد من بين مئات الأدلة على أننا نتعامل مع كتب مؤلفة بكل معنى الكلمة، لا علاقة لها بوحي الله.
إن ما اتفق عليه متى ولوقا - وصمت عنه مرقس ويوحنا - هو أن يهوذا الخائن قد هلك في ظروف مريبة، لكن روايتهما اختلفت في ثلاثة عناصر هي:
الأول - يتعلق بكيفية موته، وفيها يروي متى أن يهوذا قد انتحر بخنق نفسه، بينما يروي لوقا أنه مات ميتة دموية، انشق فيها وسطه وانسكبت جميع أحشائه.
الثاني - ويتعلق بمشتري الحقل، فيروي متى أن رؤساء الكهنة هم الذين اشتروه، بينما يروي لوقا أن يهوذا كان هو الشاري.
الثالث - كذلك اختلفت روايتا متى ولوقا في سبب تسمية الحقل باسم: حقل دم، فرواية متى ترجع ذلك لكونه اشتري بنقود كانت ثمنا لبيع دم بريء، بينما يرد لوقا تلك التسمية إلى الميتة الدموية التي ماتها يهوذا.
إن ما يذكره متى ولوقا عن هلاك يهوذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو: أن يهوذا قد اختفى في فترة الاضطراب التي غشيت أحداث الصلب وملابساته.--------------------------------------------
(1) تفسير إنجيل متى: ص431.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
تنبؤات المسيح بآلامه
لقد تأثرت الأناجيل - التي كتُب أقدمها وهو إنجيل مرقس بعد أن بدأ بولس كتابة رسائله بأكثر من 15 سنة - بنظرية سفك دم المسيح فدية عن كثيرين، تلك التي روج لها بولس وجعلها إنجيله الوحيد الذي يبشر به. فهو يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: " إني لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا " (2: 2) .
ولما كان من المتوقع أن يتحدث المسيح عن آلامه ورفضه باعتبارها ظواهر اقترنت دائما بحمل رسالات السماء، فإنا نجد إنجيل مرقس يضع ما يمكن اعتباره أساسا لكل ما قيل عن التنبؤات بالآلام المرتقبة. فهو يروي حديث المسيح لتلاميذه: " كيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويرذل " (9: 12) .
ولقد طور متى هذا القول فجعله تنبؤا بصلب المسيح إذ يقول على لسانه:
" ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت. ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه "20: 18 -19) .
ومن المعلوم أن إنجيل مرقس كان مصدرا رئيسيا لمتى، ومن المعلوم كذلك أن إنجيل متى هو الإنجيل الوحيد الذي نسب للمسيح تنبؤه بالقتل صلبا.
ولقد رأينا فيما سبق كيف طور متى ما قيل عن آية يونان، فقد بدأها مرقس بقوله: " خرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه، فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية " (8: 11 -12) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
ولقد طورها لوقا فقال:
" وفيما كان الجموع مزدحمين ابتدأ يقول هذا الجيل شرير، يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي؛ لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضا لهذا الجيل " (11: 29 - 30) .
أما متى - الذي اعتمد على مرقس وكتب إنجيله بعد لوقا أيضا - فإنه حول ذلك القول الذي ينسب للمسيح، بما قدمه من إضافات وتعديلات، إلى نبوءة خاطئة، وذلك في قوله:
" حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية، فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إِلا آية يونان النبي؛ لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال " (12: 38 - 40) .
ولقد بينا خطأ هذه النبوءة عند الحديث عن التنبؤات التي استحال تحقيقها.
يبقى بعد ذلك ما ينسب للمسيح من قوله إن ابن الإنسان سوف يتألم كثيرا ويرفض من جيله، ماذا يعني قول كهذا؟
يقول تشارلز دود: " لقد سجلت أقوال بأن يسوع تنبأ بأن الآلام تنتظره هو وتابعيه، وغالبا ما استحسن ذلك الاعتقاد في أن الإنذار بموته - وهو القول الذي تكرر ذكره منسوبا ليسوع في الأناجيل - إِنما هو تنبؤ خرج من واقع الأحداث، أي بعد وقوعها (حيث عاصر جيل المسيح اختفاءه فجأة، وقتل شخص على الصليب لم يسمح لتلاميذه بالاقتراب منه) .
إن رجال الكنيسة لم يستطيعوا الاعتقاد بأن ربهم كان جاهلا بما كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
ينتظره. ويمكن التسليم صراحة بأن دقة بعض هذه التنبؤات قد ترجع إلى ما عرفته الكنيسة من حقائق فيما بعد.
وفي الواقع إن الانطباع الذي نخرج به من الأناجيل ككل هو أن يسوع قاد أتباعه إلى المدينة بمفهوم واضح هو أن أزمة تنتظرهم هناك، وقد يصيبه وأتباعه بسببها آلام مبرحة.
وإن الفقرة المتميزة في هذا المقام هو ما ذكره مرقس في (10: 35 - 40) (عندما تقدم أبناء زبدي إلى المسيح طالبين مشاركته المصير والملكوت فقال لهما: أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا، وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟ فقالا له: نستطيع. فقال لهما يسوع: أما الكأس التي أشربها أنا فتشربانها وبالصبغة التي أصطبغ أنا تصطبغان. .) .
فنجد هنا أن ابني زبدي قد تأكدا أنهما سيشربان الكأس التي يشربها سيدهما ويصطبغان بصبغته. إن مفهوم الكلام هنا لا شك فيه.
وبالنسبة للتنبؤ بمشاركة الأخوين (ابني زبدي) لسيدهما مصيره فإنها تعتبر واحدة من التنبؤات التي لم تتحقق بمعناها الطبيعي.
وبما أن الصليب كان هو الوسيلة الوحيدة المألوفة للإعدام تحت حكم الرومان فإن ما توحي به تلك الفقرة هو أنه أراد تهيئتهم لا من أجل المعاناة فقط، بل للموت. وما من شك في أنه يمكن قبول الرأي الذي يقول بأن التنبؤات التي نجدها في الأناجيل ليست أكثر من انعكاس لتجارب الكنيسة الأولى التي تكونت فيها التعاليم المسيحية. ومن المؤكد أن بعضا من هذه التنبؤات -على الأقل - قد كونتها تلك التجارب. . وفضلًا عن ذلك تظهر بعض الآثار لتنبؤات نسبت ليسوع ولم تتحقق " (1) .--------------------------------------------
(1) من كتاب: «أمثال الملكوت» ، ص41 - 47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
تنبؤات المسيح بنجَاته من القتل
المسيح يرفض كل محاولة لقتله:
منذ أن بدأ المسيح دعوته حتى آخر يوم فيها نجد الأناجيل تذكرنا بين الحين والحين برفضه فكرة قتله واستنكارها تماما، ثم هو قد عمل كثيرا لإحباط جميع المحاولات التي رآها تبذل من اليهود لقتله.
يقول إنجيل يوحنا: " أجابهم يسوع وقال تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني لماذا تطلبون أن تقتلوني. .؟
لكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد حدثكم الحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم " (7: 16 - 19، 8: 37 - 40) .
ولأن المسيح إنسان عادي ككل البشر فإنه يجهل ما يخبئه له القدر، ولذلك اتخذ من الاحتياطات ما يجنبه الوقوع في براثن أعدائه من اليهود. ولو كان يعلم أنهم سيقبضون عليه في يوم معين، فلم - إذن - تلك الاحتياطات؟ يقول إنجيل يوحنا: " كان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل لأنه لم يرد أن يتردد في اليهود لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه " (7: 1) .
" فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه. فلم يكن يسوع أيضا يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية " (11: 53 - 54) .
هذا - ونكتفي الآن بذكر عدد من التنبؤات الواضحة التي قالها المسيح بنجاته من القتل، والتي تتفق وتلك الاحتياطات التي اتخذها للمحافظة على حياته.
1 - حدث ذات مرة في إحدى محاولات القبض عليه أن " أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداما ليمسكوه.
فقال لهم يسوع: أنا معكم زمانا يسيرا بعد، ثم أمضي للذي أرسلني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
ستطلوبني ولا تجدونني، حيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " (يوحنا 7: 32 - 34) .
لا نظن أحدا يشك في وضوح هذا القول الذي يعني أن اليهود حين يطلبون المسيح لقتله فلن يجدوه لأنه سيمضي للذي أرسله، أي سيرفعه الله إِليه كما سبق أن رفع إيليا (إلياس) وشاهده تلميذه اليشع (اليسع) وهو يصعد إلى السماء.
2 - وفي موقف آخر من مواقف التحدي بين المسيح واليهود، أكد لهم نبوءته السابقة وأن محاولاتهم ضده ستنتهي برفعه إلى السماء:
" قال لهم يسوع أيضا أنا أمضي وستطلوبنني وتموتون في خطيتكم، حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا.
فقال اليهود ألعله يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا؟
فقال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا ولست أفعل شيئا من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علمني. .
والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " (يوحنا 8: 21 - 29) .
لكن ذلك المصلوب صرخ يائسا على الصليب قائلًا: إلهي إلهي لماذا تركتني؟
3 - ولقد كانت آخر أقوال المسيح لتلاميذه في تلك اللحظات التي سبقت عملية القبض مباشرة، وهو تأكيده لهم أن الله معه دائما ولن يتركه:
" هو ذا تأتي ساعة، وقد أتت الآن، تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي. وأنا لست وحدي لأن الآب معي. . لكن ثقوا أنا قد غلبت العالم " (يوحنا 16: 32 - 33) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
ومن المؤكد أن ذلك المصلوب قد تركه إلهه، كما قال بلسانه في صرخته اليائسة، ومن المؤكد كذلك أن ذلك المصلوب قد غلبه أعداؤه وقهره الموت وأخضعه لسلطانه.
4 - وفي آخر مواجهة عاصفة حدثت بين المسيح والكهنوت اليهودي كان قوله:
" إني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب. ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل " (متى 23: 39، 24: 1) .
إن التحدي في هذا القول واضح، ذلك أن المسيح يؤكد لأعدائه أنهم لن يروه منذ تلك الساعة حتى يأتي في نهاية العالم " بقوة ومجد كثير ". لكن ذلك المصلوب رآه الكهنوت اليهودي أسيرا في قبضته أثناء المحاكمة، ثم رأوه بعد ذلك معلقا على الخشبة قتيلا قد أسلم الروح والمشيئة، ولم يبق منه إلا جسد خامد فقد نبض الحياة.
وأستعير لغة المسيح في الإنجيل، اكتفاء بهذا القدر فأقول: " من له أذنان للسمع فليسمع، ومن يسمع فعليه أن يعقل. . . "
وقبل أن نذهب لسماع ما تقوله المزامير، أرجو أن يكون معلوما أن تراجم أسفار العهدين القديم والجديد تتغير من حين لآخر وفقا للدراسات التي يقوم بها علماء الكتاب المقدس، إما لتدقيق الترجمة، أو للتخلص من التناقضات والاختلافات.
وكمثال نجد أنه في واحدة من طبعات الكاثوليك للعهد الجديد أنها عندما تحدثت عن نهاية الخائن يهوذا (في الإصحاح الأول من سفر أعمال الرسل) فإنها جعلته يخنق نفسه، ليتفق هذا مع ما يقوله إنجيل متى، أما طبعة البروتستانت فلا تزال تروي نهاية يهوذا بأن نقمة حلت به " إذ سقط على وجهه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها " وهذا شيء مختلف تماما عن عملية الانتحار خنقا.
كذلك ظهرت طبعات حديثة للمزامير تختلف كثيرا عما في الطبعات المتداولة لها. وإذا كان داود هو الاسم الذي يرتبط بأغلب المزامير، فإن العلماء مختلفون فيما يتعلق بحقيقة قائل كل مزمور وتاريخه وظروفه، كما أن هناك خلافا حول ترقيمها. ولقد بينا ذلك في مناسبة سابقة، وكيف أن الترجمة المتداولة للمزمور 69 -كمثال - تقول في بعض فقراتها:
" حينئذ رددت الذي لم أخطفه ".
" ويجعلون في طعامي علقما ".
بينما تقول الترجمة الحديثة له في نظير ذلكما العددين:
" كيف أرد الذي لم أسرقه أبدا؟ ".
" أعطوني لطعامي سما ".
فالاختلاف بينهما واضح، سواء في المضمون أو في زمن الفعل.
الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب:
إن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب وسفك الدم، فتلك نظرية بولسية أقحمها بولس في مسيحية المسيح الحقة. وهذا شيء نستطيع تبيانه من الأناجيل:
1 - بينما كان المسيح يسير خارجا " إذا واحد تقدم وقال له أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟
فقال له: لماذا تدعوني صالحا؟ ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله. ولكن إن أردت أن تدخل الحياة، فاحفظ الوصايا. قال له: أية الوصايا؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
فقال يسوع: لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد بالزور. أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك.
قال له الشاب: هذه كلها حفظتها منذ حداثتي، فماذا يعوزني بعد؟ قال له يسوع: إن أردت أن تكون كاملًا فاذهب وبع أملاك واعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني " (متى 19: 16 - 21) .
ومن الملاحظ أن المسيح قبل أن يجيب السائل إلى سؤاله، فقد صحح صيغة السؤال، فنفى الصلاح عن نفسه، ورده إلى الله الذي تفرد في ذاته وصفاته. وبذلك قرر المسيح على رؤوس الأشهاد أن " لله المثل الأعلى في السموات والأرض "، وأن أي خلط بين الله - سبحانه - وبين المسيح، إنما هو قول مردود وكفر مرفوض.
ومن ذلك يتبين أن الخلاص الحق يقوم على الإيمان بالله الواحد، ثم العمل الصالح. ولا مجال للحديث هنا عن الصلب أو الصليب، فتلك كلها مسميات قال بها بولس وتلاميذه، ما أنزل الله بها من سلطان.
2 - في يوم الدينونة تكون النجاة بالعمل الصالح بعيدا عن الصلب وفلسفاته، بل وحتى اسمه. فهناك " يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا. . رِثوُا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبا فآويتموني. عريانا فكسوتموني. مريضا فزرتموني. محبوسا فأتيتم إليَّ.
فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يا رب متى رأيناك جائعا فأطعمناك. أو عطشانا فسقيناك. ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك؟
فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما أنكم فعلتم بأحد إخوتي الأصاغر، فبي فعلتم. ثم يقول الملك للذين عن اليسار: اذهبوا عني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته؛ لأني جعت فلم تطعموني. .
حينئذ يجيبونه هم أيضا قائلين: يا رب متى رأيناك جائعا؟
فيجيبهم قائلًا: الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر، فبي لم تفعلوا.
فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي، والأبرار إلى حياة أبدية " (متى 25: 34 - 46) .
هكذا يدان الناس: أهل البر والعمل الصالح إلى الحياة الأبدية السعيدة، وأهل الشر والبخل إلى عذاب أبدي.
ومرة أخرى لا دخل لفلسفة الصلب والفداء في إنقاذ أهل الشر، فلن تنفعهم في شيء.
3 - يقول يعقوب في رسالته: إن الدينونة التي تحدد المصير الأبدي للإنسان تقوم على ركيزتين هما: إيمان بالله الواحد يصحبه عمل صالح، وبدونهما لا فائدة ترجى. وإن كلا منهما لا علاقة له بالصلب وسفك الدم، من قريب أو بعيد: " أنت تؤمن بأن الله واحد. حسنا تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون. ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل أن الإيمان بدون أعمال ميت؟ بالأعمال يتبرر الإنسان، لا بالإنسان وحده " (2: 19 - 24) . إن " الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم " (1: 27) .
من ذلك وغيره كثير وكثير جدا، نتبين أن الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب على الإطلاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
وبهذا نكون قد انتهينا من بحث قضية الصلب وما يتعلق بها، ويبقى أمامنا بحث قضية القيامة والظهور، وهو ما سوف نبحثه في الجلسة القادمة.
تعقيب الدكتور محمد جميل غازي:
وتد عقب الدكتور محمد جميل غازي على ما انتهى إليه الصلب بقوله:
نضع الآن مجموعة من الأسئلة حول الصلب والفداء، موجهة إلى المسيحيين لعلنا نجد لها إجابة إن تيسر الوقت في جولة أخرى. وهذه الأسئلة هي:
1 - ادعى المسيحيون أن صلب المسيح كان لتحقيق العدل والرحمة، فأي عدل وأي رحمة في تَعذيب غير مذنب وصلبه؟
قد يقولون: إنه هو الذي قبل ذلك، ونقول لهم إن من يقطع يده أو يعذب بدنه أو ينتحر، فإنه مذنب، ولو كان يريد ذلك.
2 - إذا كان المسيح ابن الله، فأين كانت عاطفة الأبوة وأين كانت الرحمة حينما كان الابن الوحيد يلاقي دون ذنب ألوان التعذيب الصلب مع دق المسامير في يديه؟
3 - ما هو تصور المسيحيين لله - جل في علاه - الذي لا يرضى إلا أن ينزل العذاب المهين بالناس، والعهد في الله - الذي يسمونه الآب ويطلقون عليه: الله محبة، الله رحمة - أن يكون واسع المغفرة، كثير الرحمات؟
4 - من هذا الذي قيد الله سبحانه وتعالى وألزمه وجعل عليه أن يلتزم العدل وأن يلتزم الرحمة، وأن يبحث عن طريق للتوفيق بينهما، بين العدل والرحمة، بأن ينزل ابنه الوحيد، في صورة ناسوت، يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
5 - يدعي المسيحيون أن ذرية آدم لزمهم العقاب بسبب خطيئة أبيهم، وفي أي شرع يلتزم الأحفاد بأخطاء الأجداد - خاصة وأن الكتاب المقدس ينص على أنه " لا يقتل الأباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء. فكل إنسان بخطيئته يقتل " (تثنية 16: 24) ؟
6 - إذا كان صلب المسيح عملًا تمثيليا على هذا الوضع، فلماذا يكره المسيحيون اليهود ويرونهم آثمين معتدين على السيد المسيح؟
إن اليهود - وخاصة يهوذا الأسخريوطي - كانوا حسب الفهم المسيحي لموضوع الصلب أكثر الناس عبادة لله، لأنهم بذلك نفذوا إرادة الله التي قضت بصلب ابنه فقاموا هم بتنفيذ ذلك العمل.
7 - هل كان نزول ابن الله وصلبه للتكفير عن خطيئة البشر ضروريا، أم كانت هناك وسائل أخرى من الممكن أن يغفر الله بها خطيئة البشر؟
ماذا يقول المسيحيون للإجابة عن مثل هذا السؤال، كما يقدمه كاتب مسيحي هو القس بولس ساباط، إذ يقول:
" لم يكن تجسد الكلمة ضروريا لإنقاذ البشر، ولا يتصور ذلك مع القدرة الإلهية الفائقة الطبيعية " - ثم يسترسل هذا الكاتب، فيذكر السبب في اختيار الكلمة لتكون فداء لخطيئة البشر، فيقول:
" إن الله على وفرة ما له من الذرائع إلى فداء النوع البشري وإنقاذه من الهلاك الذي نتج من الخطيئة ومعصية أمره الإلهي، قد شاء - سبحانه - أن يكون الفداء بأعز ما لديه، لما فيه من القوة على تحقيق الغرض وبلوغه سريعا ". إن أبسط الذرائع لدى الله - سبحانه - إذا استخدمنا لغة ذلك القس، هي أن يقول الله: عفوت عنك يا آدم. إن هذا ما يقوله القرآن الكريم {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
ونصرخ في وجه هذا الكاتب فنقول إنه ليس من الحكمة في شيء أن نفتدي بدينار ما نستطيع أن نفتديه بفلس.
ثم هناك إجابة أخرى عن هذا السؤال نقتبسها من كاتب مسيحي آخر هو الأب بولس اليافي الذي يقول:
" مما لا ريب فيه أن المسيح كان باستطاعته أن يفتدي البشر ويصالحهم مع أبيه بكلمة واحدة أو بفعل سجود بسيط يؤديه باسم البشرية لأبيه السماوي لكنه أبى إلا أن يتألم، ليس لأنه مريض بتعشق الألم أو لأن أباه ظالم يطرب لمرأى الدماء، وبخاصة دم ابنه الوحيد، وما كان الله بسفاح ظلوم، لكن الإله الابن شاء مع الله الآب أن يعطي الناس أمثولة خالدة من المحبة تبقى على الدهر وتحركهم على الندامة لما اقترفوه من آثام وتحملهم على مبادلة الله المحبة ".
ومرة أخرى نصرخ في وجه هذا المؤلف مؤكدين أنه صور الداء أدق تصوير عندما تكلم عن الدماء والقسوة، لكنه عندما بدأ يجيب ويصف الدواء تعثر وكبا ولم يقل إلا عبارات جوفاء لا تحمل أي معنى.
8 - ونعود إلى القس بولس ساباط، ونسأله كما سأل: إذا كان الكلمة قد تجسد لمحو الخطيئة الأصلية، فما العمل في الخطايا التي تحدث بعد ذلك؟ يجيب هذا الكاتب بما يلي:
" إذا عاد الناس إلى اجتراح الخطايا، فالذنب ذنبهم لأنهم نسوا النور وعشوا عنه مؤثرين الظلمة بإرادتهم ".
ومعنى هذا أن خطيئة واحدة محيت، وأن ملايين الخطايا سواها بقيت وجدت بعد ذلك. وسيحاسب الناس على ما اقترفوه، وبعض ما اقترفوه أقسى من عصيان آدم. فلقد أنكر بعض الناس وجود الله، وهاجمه آخرون وسخروا من جنته وناره. فلماذا كانت ظاهرة التجسد لخطيئة واحدة، وتركت خطايا أكبر، لا تعد ولا تحصى؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
9 - أين كان عدل الله ورحمته منذ حادثة آدم حتى صلب المسيح؟ ومعنى هذا أن الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - ظل حائرا بين العدل والرحمة ألوف السنين، حتى قبل المسيح منذ ألفي عام فقط أن يصلب تكفيرا عن خطيئة آدم.
10 - يلزم - كما في جميع الشرائع - أن تتناسب العقوبة مع الذنب، فهل يتم التوازن بين صلب المسيح على هذا النحو وبين الخطيئة التي ارتكبها آدم؟
11 - هذا - إلى أن خطيئة آدم التي لم تزد عن أن تكون أكلا من شجرة نهي عنها قد عاقبه الله عليها - باتفاق المسيحين والمسلمين - بإخراجه من الجنة، ولا شك أنه عقاب كاف، فالحرمان من الجنة الفينانة والخروج إلى الكدح والنصب عقاب ليس بالهين. وهذا العقاب قد اختاره الله بنفسه، وكان يستطيع أن يفعل بآدم أكثر من ذلك، ولكنه اكتفى بذلك. فكيف يستساغ أن يظل مضمرا السوء غاضبا ألوف السنين حتى وقت صلب المسيح؟
12 - وقد مرت بالبشر منذ عهد آدم إلى عهد عيسى أحداث وأحداث وهلك كثيرون من الطغاة وبخاصة في عهد نوح حيث لم ينج إلا من آمن بنوح واتبعه وركب معه السفينة. . فهؤلاء هم الذين رضي الله عنهم، فكيف تبقى بعد ذلك ضغينة أو كراهية تحتاج لأن يضحي عيسى بنفسه فداء للبشرية.
13 - والكاتب المسيحي الذي أسلم - عبد الأحد داود وكان مطرانا للموصل - ينتقد قصة التكفير عن الخطيئة هذه انتقادا سليما فيقول: " إن من العجيب أن يعتقد المسيحيون أن هذا السر اللاهوتي، وهو خطيئة آدم وغضب الله على الجنس البشري بسببها ظل مكتوما عن كل الأنبياء السابقين ولم تكتشفه إلا الكنيسة بعد حادثة الصلب ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
14 - ويقول هذا الكاتب - عبد الأحد داود -: " إن ما حمله على ترك المسيحية هو هذه المسألة وظهور بطلانها، إذ أمرته الكنيسة بأوامر لم يستسغها عقله وهي:
أ - نوع البشر مذنب بصورة قطعية ويستحق الهلاك الأبدي.
ب - الله لا يخلص أحدا من هؤلاء المذنبين من النار الأبدية المستحقة عليهم بدون شفيع.
جـ - الشفيع لا بد أن يكون إلها تاما وبشرا تاما ".
ويدخل هذا الكاتب في نقاش طويل مع المسيحيين بسبب هذه الأوامر، فهم يرون أن الشفيع لا بد أن يكون مطهرا من خطيئة آدم، ويرون أنه لذلك ولد عيسى من غير أب لينجو من انحدار الخطيئة إليه من أبيه.
ويسألهم الكاتب: ألم يأخذ عيسى نصيباً من الخطيئة عن طريق أمه؟
ويجيب هؤلاء: بأن الله طهر مريم من الخطيئة قبل أن يدخل الابن رحمها.
ويعود الكاتب يسأل: إذا كان الله يستطيع - التطهير - هكذا في سهولة ويسر إذ يطهر بعض خلقه، فلماذا لم يطهر خلقه من الخطيئة كذلك بمثل هذه السهولة وذلك اليسر، بدون إنزال ابنه وبدون تمثيلية الولادة والصلب؟ ونضيف إلى نقاش عبد الأحد داود، أن قولهم بضرورة أن يكون الشفيع مطهراً من خطيئة آدم، مما استلزم أن يولد عيسى من غير أب أو أن يطهر الله مريم قبل دخول عيسى رحمها، يحتاج إلى طريق طويل معقد، وكان أيسر منه أن ينزل ابن الله مباشرة في مظهر الإنسان دون أن يمر بدخول الرحم والولادة. ونضيف كذلك أن اتجاه المسيحيين هذا يتعارض مع اتجاه مسيحي آخر، هو أن ابن الله دخل رحم مريم ليأخذ مظهر الإنسان وليتحمل في الظاهر بعض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)