أصلاً. فلا يليق بالمنعم عليه المطلوب منه الشكر أن ينسى من بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، ويضيف النعم إلى غيره، بل يذكرها مضافة منسوبة إلى مولاها والمنعم بها، وهو المنعم على الإطلاق كما قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} 1. فهو المنعم بجميع النعم في الدنيا والآخرة وحده لا شريك له. فإن ذلك من شكرها، وضده من إنكارها. ولا ينافي ذلك الدعاء والإحسان إلى من كان سببًا أو جزء سبب في بعض ما يصل إليك من النعم من الخلق. قال المصنف: وفيه اجتماع الضدين في القلب.--------------------------------------------
1 سورة النحل آية: 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
[36- باب قول الله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 1]
اعلم أن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، كمن يجري على لسانه ألفاظ من أنواع الشرك الأصغر لا يقصدها.
فإن قيل: الآية نزلت في الأكبر.
قيل: السلف يحتجون بما أنزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس، وغيره فيما ذكره المصنف عنه بأنواع من الشرك الأصغر، وفسرها أيضًا بالشرك الأكبر، وفسرها غيره بشرك الطاعة، وذلك لأن الكل شرك. ومعنى الآية: أن الله تبارك وتعالى نهى الناس أن يجعلوا له أندادًا، أي: أمثالاً في العبادة والطاعة، وهم يعلمون أن الذي فعل تلك الأفعال، فهو ربهم وخالقهم، وخالق من قبلهم، وجاعل على الأرض فراشًا، والسماء بناء، والذي أنزل من السماء ماء فأخرج به من أنواع الثمرات رزقًا لهم. فإذا كنتم تعلمون ذلك فلا تجعلوا له أندادًا. قال ابن القيم: فتأمل--------------------------------------------
1 سورة البقرة آية: 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
هذه، وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة، وخلوصها من كل شبهة وريب وقادح إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال، فكيف تجعلون له أندادًا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله؟!.
[صور من الشرك الأصغر]
قال المصنف: قال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي. وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان هذا كله به شرك" رواه ابن أبي حاتم.
ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم، كما قال المصنف وسنده جيد.
قوله: "هو الشرك أخفى من دبيب النمل … " إلى آخره أي: إن هذه الأمور من الشرك خفية في الناس، لا يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل، وضرب المثل لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل، فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء، فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه، ولهذا جاء في حديث أبي موسى قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" 1. رواه أحمد والطبراني.
قوله: "وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي"، أي: إن من الحلف بغير الله، الحلف بحياة المخلوق وسيأتي الكلام عليه.
قوله: "وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص"، أي: السراق.--------------------------------------------
1 أحمد (4/403) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 509)
والمعنى أن من الشرك نسبة عدم السرقة إلى الكلبة التي إذا رأت السراق نبحتهم، فاستيقظ أهلها وهرب السراق. وربما امتنعوا من إتيان المحل الذي هي فيه خوفًا من نباحها، فيعلم بهم أهلها كما روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن ابن عباس قال: "إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه يقول: لولاه لسرقنا الليلة".
قوله: "ولولا البط في الدار لأتى اللصوص". البط بفتح الموحدة: طائر معروف يتخذ في البيوت، وإذا دخلها غريب صاح1 واستنكره، وهو الإوز بكسر الهمزة وفتح الواو ومعناها كالذي قبله. والواجب نسبة ذلك إلى الله تعالى، فهو الذي يحفظ عباده ويكلؤهم بالليل والنهار كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} 2.
قوله: "وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت"، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله.
قوله: "وقول الرجل: لولا الله وفلان لا تجعل فيها فلان"، هكذا ثبت بخط المصنف بلا تنوين، والمعنى: لا تجعل فيها أي: في هذه الكلمة فلانًا فتقول: لولا الله وفلان، بل قل: لولا الله وحده، ولا تقل: لولا الله وفلان فهو نهي عن ذلك.
قوله: "هذا كله به". أي: بالله شرك، وأعاد الضمير على الله، لأنه قد تقدم ذكر اسمه عز وجل فتبين أن هذه الأمور ونحوها من الألفاظ الشركية الخفية كما نص عليه ابن عباس رضي الله عنه.
قال: وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" 3. رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم.--------------------------------------------
1 في الطبعة السابقة: صلح.
2 سورة الأنبياء آية: 42.
3 سنن الترمذي: كتاب النذور والأيمان (1535) ، وسنن أبي داود: كتاب الأيمان والنذور (3251) ، ومسند أحمد (2/69 ،2/86 ،2/125) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 510)
ش: قوله: "عن عمر بن الخطاب". هكذا وقع في الكتاب، وصوابه عن ابن عمر كذلك أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم. وصححه ابن حبان. وقال الزين العراقي في "أماليه": إسناده ثقات.
قوله: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" 1. قال بعضهم ما معناه: رواه الترمذي بأو التي للشك، وفي ابن حبان والحاكم عدمها. وفي رواية للحاكم: "كل يمين يحلف بها دون الله شرك" وفي "الصحيحين "من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" 2. وعن بريدة مرفوعًا: "من حلف بالأمانة فليس منا" 3. رواه أبو داود. والأحاديث في ذلك كثيرة، وقد تقدم كلام ابن عباس في عده ذلك من الأنداد، وقال كعب: "إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف بالله صادقًا أو كاذبًا، ولا تحلف بغيره". رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت". وأجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله، أو بصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره. قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع. انتهى ولا اعتبار بمن قال من المتأخرين: إن ذلك على سبيل كراهة التنْزيه، فإن هذا قول باطل. وكيف يقال ذلك لما أطلق عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كفر أو شرك، بل ذلك محرم. ولهذا اختار ابن مسعودرضي الله عنه أن يحلف بالله كاذبًا، ولا يحلف بغيره صادقًا. فهذا يدل على أن الحلف بغير الله أكبر من الكذب. مع أن الكذب من المحرمات في جميع الملل فدل ذلك أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات.
فإن قيل: إن الله تعالى أقسم بالمخلوقات في القرآن.
قيل: ذلك يختص بالله تبارك وتعالى، فهو يقسم بما شاء من خلقه; لما في ذلك من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته، وإلهيته--------------------------------------------
1 سنن الترمذي: كتاب النذور والأيمان (1535) ، وسنن أبي داود: كتاب الأيمان والنذور (3251) ، ومسند أحمد (2/69 ،2/86 ،2/125) .
2 أبو داود: الجهاد (2612) ، وأحمد (5/352) .
3 الترمذي: الدعوات (3383) ، وابن ماجه: الأدب (3800) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 511)
وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى، فالله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه. وقد نهانا عن الحلف بغيره فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله. قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أقسم بالله فأحنث أحب إلي من أن أقسم بغيره فأبر. وقال مطرف بن عبد الله: "إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها" ذكرهما ابن جرير.
فإن قيل: قد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي سأله عن أمور الإسلام فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفلح وأبيه إن صدق" رواه البخاري، وقال للذي سأله: "أي الصدقة أفضل أما وأبيك لَتُنَبِأَنَّه" 1. رواه مسلم ونحو ذلك من الأحاديث.
قيل: ذكر العلماء عن ذلك أجوبة.
أحدها: ما قاله ابن عبد البر في قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" هذه اللفظة غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها إسماعيل بن جعفر "أفلح والله إن صدق" 2. قال: وهذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ: "أفلح وأبيه" لأنها لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلاً، وزعم بعضهم أن بعض الرواة عنه صحف قوله: "وأبيه" من قوله: "والله" انتهى. وهذا جواب عن هذا الحديث الواحد فقط ولا يمكن أن يجاب به عن غيره.
الثاني: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم به، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف ذكره--------------------------------------------
1 البخاري: الزكاة (1452) ، ومسلم: الإمارة (1865) ، والنسائي: البيعة (4164) ، وأبو داود: الجهاد (2477) .
2 البخاري: الإيمان (46) ، ومسلم: الإيمان (11) ، والنسائي: الصلاة (458) والصيام (2090) والإيمان وشرائعه (5028) ، وأبو داود: الصلاة (391) والأيمان والنذور (3252) ، وأحمد (1/162) ، ومالك: النداء للصلاة (425) ، والدارمي: الصلاة (1578) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 512)
البيهقي وقال النووي: إنه المرضي.
قلت: هذا جواب فاسد، بل أحاديث النهي عامة مطلقة ليس فيها تفريق بين من قصد القسم وبين من لم يقصد، ويؤيد ذلك أن سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه حلف مرة باللات والعزى، ويبعد أن يكون أراد حقيقة الحلف بهما، ولكنه جرى على لسانه من غير قصد على ما كانوا يعتادونه قبل ذلك، ومع هذا نهاه النبي صلى الله عليه وسلم. غاية ما يقال: أن من جرى ذلك على لسانه من غير قصد معفو عنه، أما أن يكون ذلك أمرًا جائزًا للمسلم أن يعتاده فكلا. وأيضًا فهذا يحتاج إلى نقل أنّ ذلك كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم، وأن النهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف وأنى يوجد ذلك؟
الثالث: أن مثل ذلك يقصد به التأكيد لا التعظيم، وإنما وقع النهي عما يقصد به التعظيم.
قلت: وهذا أفسد من الذي قبله، وكأن من قال ذلك لم يتصور ما قال، فهل يراد بالحلف إلا تأكيد المحلوف عليه بذكر من يعظمه الحالف والمحلوف له؟ فتأكيد المحلوف عليه بذكر المحلوف به مستلزم لتعظيمه. وأيضًا فالأحاديث مطلقة ليس فيها تفريق، وأيضًا فهذا يحتاج إلى نقل أن ذلك جائز للتأكيد دون التعظيم وذلك معدوم.
الرابع: أن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، فما جاء من الأحاديث فيه ذكر شيء من الحلف بغير الله فهو قبل النسخ، ثم نسخ ذلك ونهي عن الحلف بغير الله. وهذا الجواب ذكره الماوردي. قال السهيلي: أكثر الشراح عليه، حتى قال ابن العربي: روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يحلف بأبيه حتى نهي عن ذلك قال السهيلي: ولا يصح ذلك، وكذلك قال غيرهم. وهذا الجواب هو الحق، يؤيده أن ذلك كان مستعملاً شائعًا. حتى ورد النهي عن ذلك كما في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" 1.--------------------------------------------
1 البخاري: الزكاة (1452) ، ومسلم: الإمارة (1865) ، والنسائي: البيعة (4164) ، وأبو داود: الجهاد (2477) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 513)
رواه البخاري، ومسلم. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" 1. وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "ولا تحلفوا بآبائكم" 2. رواه مسلم. وعن سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه قال: حلفت مرة باللات والعزى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم انفث عن يسارك ثلاثًا وتعوذ ولا تعد" 3. رواه النسائي، وابن ماجة، وهذا لفظه. وفي هذا المعنى أحاديث، فما ورد فيه ذكر الحلف بغير الله، فهو جار على العادة قبل النهي، لأن ذلك هو الأصل حتى ورد النهي عن ذلك.
وقوله: "فقد كفر أو أشرك"، أخذ به طائفة من العلماء فقالوا: يكفر من حلف بغير الله كفر شرك، قالوا: ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد إسلامه بقول: لا إله إلا الله. فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك. وقال الجمهور: لا يكفر كفرًا ينقله عن الملة، لكنه من الشرك الأصغر كما نص على ذلك ابن عباس وغيره، وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأن هذا كفارة له مع استغفاره كما قال في الحديث الصحيح: "ومن حلف فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" 4. وفي رواية: "فليستغفر"، فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم، حيث حلف به لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قدر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره لكن الذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبًا. فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف بالله كما قال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ--------------------------------------------
1 أحمد (3/361) .
2 البخاري: المناقب (3836) ، ومسلم: الأيمان (1646) ، والترمذي: النذور والأيمان (1533 ،1534) ، والنسائي: الأيمان والنذور (3766 ،3767 ،3768) ، وأبو داود: الأيمان والنذور (3249) ، وابن ماجه: الكفارات (2094) ، وأحمد (2/7 ،2/8 ،2/11 ،2/17 ،2/20 ،2/76 ،2/98 ،2/142) ، ومالك: النذور والأيمان (1037) ، والدارمي: النذور والأيمان (2341) .
3 أحمد (4/55) .
4 النسائي: الزينة (5103) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 514)
يَمُوتُ} 1 فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته، أو تربته فهو أكبر شركًا منهم، فهذا هو تفصيل القول في هذه المسألة.
والحديث دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله مطلقًا، لأنه لم يذكر فيه كفارة للحلف بغير الله ولا في غيره من الأحاديث، فليس فيه كفارة إلا النطق بكلمة التوحيد، والاستغفار. وقال بعض المتأخرين: تجب الكفارة بالحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وهذا قول باطل ما أنزل الله به من سلطان، فلا يلتفت إليه وجوابه المنع.
قال المصنف: وقال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا".
ش: هكذا ذكر المصنف هذا الأثر عن ابن مسعود ولم يعزه. وقد ذكره ابن جرير بغير سند أيضًا. قال: وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر نحوه، ورواه الطبراني بإسناد موقوفًا هكذا. قال المنذري: ورواته رواة الصحيح.
قوله: "لأن أحلف بالله … " إلى آخره. "أن" هي المصدرية، والفعل بعدها منصوب في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء. و "أحب" خبره، ومعناه ظاهر. وإنما رجح ابن مسعودرضي الله عنه الحلف بالله كاذبًا على الحلف بغيره صادقًا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. ذكره شيخ الإسلام. وفيه دليل على أن الحلف بغير الله صادقًا أعظم من اليمين الغموس، وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. وفيه شاهد للقاعدة المشهورة وهي: ارتكاب أقل الشرين ضررًا إذا كان لا بد من أحدهما.
قال: وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا ما شاء الله--------------------------------------------
1 سورة النحل آية: 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 515)
وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" 1. رواه أبو داود بسند صحيح.
ش: هذا الحديث رواه أبو داود، كما قال المصنف، ورواه أحمد وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي وله علة وله شواهد، وهو صحيح المعنى بلا ريب. وسيأتي الكلام على معناه في باب ما شاء الله وشئت إن شاء الله.
قال: وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
هذا الأثر رواه المصنف غير معزو، وقد رواه عبد الرزاق، وابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" عن مغيرة قال: كان إبراهيم يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ويرخص أن يقول: أعوذ بالله ثم بك، ويكره أن يقول: لولا الله وفلان، ويرخص أن يقول: لولا الله ثم فلان، لفظ ابن أبي الدّنيا، وذلك والله أعلم؛ لأن الواو تقتضي مطلق الجمع; فمنع منها للجمع، لئلا توهم الجمع بين الله وبين غيره، كما منع من جمع اسم الله، واسم رسوله في ضمير واحد. و"ثم" إنما تقتضي الترتيب فقط، فجاز ذلك لعدم المانع.
ومطابقة الحديثين والأثرين للترجمة ظاهرة على ما فسر به ابن عباس رضي الله عنهما الآية.--------------------------------------------
1 أبو داود: الأدب (4980) ، وأحمد (5/384 ،5/393 ،5/398) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 516)
باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله
…
[37- باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله]
أي: من الوعيد; لأن ذلك يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، إذ القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 516)
قال: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حَلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله" 1. رواه ابن ماجة بسند حسن.
ش: هذا الحديث رواه ابن ماجة في "سننه" وترجم عليه "من حُلف له بالله فليرض" 2. حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، ثنا أسباط بن محمد عن محمد بن عجلان، عن نافع عن ابن عمر قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" 3 الحديث. وهذا إسناد جيد على شرط مسلم عند الحاكم وغيره، فإنه متصل ورواته ثقات، بل قد روى مسلم عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا" 4. وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" عن ابن عمر بلفظ: "لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" 5. وليس فيه هذه الزيادة.
قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" 6. تقدم ما يتعلق به في الباب قبله.
قوله: "من حلف بالله فليصدق" 7، أي: وجوبًا; لأن الصدق واجب، ولو لم يحلف بالله فكيف إذا حلف به؟ وأيضًا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم الله فكيف إذا أكده باسم الله؟ .
قوله: "ومن حُلف له بالله فليرض" 8 أي: وجوبًا كما يدل عليه قوله: "ومن لم يرض فليس من اللَّه" 9. ولفظ ابن ماجة: "ومن لم يرض بالله فليس من الله" 10. وهذا وعيد كقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} 11. قال ابن كثير: أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوي وغيرها، ما لم يفض إلى إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها فلا يقبل حلفه، ولهذا لما "رأى عيسى عليه السلام رجلاً يسرق فقال له: سرقت قال:--------------------------------------------
1 ابن ماجه: الكفارات (2101) .
2 ابن ماجه: الكفارات (2101) .
3 ابن ماجه: الكفارات (2101) .
4 البخاري: الجمعة (1194) ، ومسلم: الحج (1399) ، والنسائي: المساجد (698) ، وأبو داود: المناسك (2040) ، وأحمد (2/4 ،2/57 ،2/58 ،2/65 ،2/72 ،2/80 ،2/101 ،2/107 ،2/155) ، ومالك: النداء للصلاة (402) .
5 البخاري: الأيمان والنذور (6646) ، ومسلم: الأيمان (1646) ، والترمذي: النذور والأيمان (1534) ، وأبو داود: الأيمان والنذور (3249) ، وأحمد (2/7 ،2/11 ،2/17 ،2/20 ،2/76 ،2/98 ،2/142) ، ومالك: النذور والأيمان (1037) ، والدارمي: النذور والأيمان (2341) .
6 ابن ماجه: الكفارات (2101) .
7 ابن ماجه: الكفارات (2101) .
8 ابن ماجه: الكفارات (2101) .
9 ابن ماجه: الكفارات (2101) .
10 ابن ماجه: الكفارات (2101) .
11 سورة آل عمران آية: 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 517)
كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني" 1. رواه البخاري وفيه وجهان.
أحدهما: قال القرطبي: "ظاهر قول عيسى عليه السلام للرجل سرقت أنه خبر جازم، لكونه أخذ مالاً من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا نفي لذلك، ثم أكده باليمين. وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو ما أذن له صاحبه في أخذه، أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء".
قلت: وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم "رأى عيسى رجلاً يسرق"، فأثبت صلى الله عليه وسلم سرقته.
الثاني: ما قاله ابن القيم: "إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا. فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح [كما في الأعراف 21] ".
قلت: هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وحدثت عن المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوي، كمن يتحاكم عند الحاكم فيحكم على خصمه باليمين، فيحلف فيجب عليه أن يرضى.--------------------------------------------
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3444) ، ومسلم: الفضائل (2368) ، والنسائي: آداب القضاة (5427) ، وابن ماجه: الكفارات (2102) ، وأحمد (2/314 ،2/383) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 518)
[38- باب قول: ما شاء الله وشئت]
أي ما حكم التكلم بذلك، هل يجوز أم لا؟ وإذا قلنا: لا يجوز فهل هو من الشرك أم لا؟ .
قال: عن قتيلة "أن يهوديًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت" 1. رواه النسائي وصححه.
ش: هذا الحديث رواه النسائي في "السنن" و "اليوم--------------------------------------------
1 النسائي: الأيمان والنذور (3773) ، وأحمد (6/371) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 518)
والليلة". وهذا لفظه في "اليوم والليلة" أخبرنا يوسف بن عيسى قال: ثنا الفضل بن موسى قال: أنا مسعر عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن يسار، عن قتيلة امرأة من جهينة "أن يهوديًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تنددون و [إنّكم] تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي عليه السلام إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة، ويقول أحدكم: ما شاء الله ثم شئت". ورواه عن أحمد بن حفص حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن مغيرة عن معبد بن خالد عن قتيلة امرأة من جهينة قالت: دخلت يهودية على عائشة فقالت: إنكم تشركون وساق الحديث، ولم يذكر عبد الله بن يسار، والمشهور ذكره، وقد رواه ابن سعد، والطبراني، وابن منده، وأشار ابن سعد إلى أنها ليس لها غيره.
قوله: "عن قتيلة"، هو بضم القاف وفتح التاء بعدها مثناة تحتية مصغرًا بنت صيفي الجهنية، أو الأنصارية صحابية.
قوله: "إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت". هذا نص في أن هذا اللفظ من الشرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اليهودي على تسمية هذا اللفظ تنديدًا أو شركًا. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك.
وقول: "ما شاء الله ثم شئت"، وإن كان الأولى قول: ما شاء الله وحده، كما يدل عليه حديث ابن عباس وغيره، وعلى النهي عن قول: ما شاء الله وشئت جمهور العلماء، إلا أنه حكي عن أبي جعفر الداودي ما يقتضي جواز ذلك احتجاجا بقوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا إِلَاّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} 1. وقوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} 2. ونحو ذلك. والصواب القول الأول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك وقال لمن قال له ذلك: أجعلتني لله ندًّا. وأقر اليهودي على تسميته تنديدًا وشركا، ومن المحال أن يكون هذا أمرًا جائزًا. وأما ما احتج من القرآن، فقد ذكروا عن ذلك جوابين:--------------------------------------------
1 سورة التوبة آية: 74.
2 سورة الأحزاب آية: 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 519)
أحدهما: أن ذلك لله وحده، لا شريك له، كما أنه تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته فكذلك هذا.
الثاني: أن قوله: "ما شاء الله وشئت"، تشريك في مشيئة الله، وأما الآية فإنما أخبر بها عن فعلين متغايرين، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن رسوله أغناهم. وهو من الله حقيقة، لأنه الذي قدر ذلك، ومن الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذا الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم أنعم عليه بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في الفعل الواحد، فالكلام إنما هو فيه، والمنع إنما هو منه.
فإن قلت: قد ذكر النحاة أن "ثم" تقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم كالواو فلم جاز ذلك بثم؟ ومنع منه الواو. وغاية ما يقال: إن "ثم" تقتضي الترتيب بخلاف الواو، فإنها تقتضي مطلق الجمع، وهذا لا يغير صورة الاشتراك قبل النهي عن ذلك، إنما هو إذا أتى بصورة التشريك جميعًا، وهذا لا يحصل إلا بالواو بخلاف ثم، فإنها لا تقتضي الجمع، إنما تقتضي الترتيب، فإذا أتى بها زالت صورة التشريك والجمع في اللفظ. وأما المعنى، فلله تعالى ما يختص به من المشيئة، وللمخلوق ما يختص به، فلو أتى بثم وأراد أنه شريك لله تعالى في المشيئة كلولا الله ثم فلان، مثلاً لم يوجد ذلك فالنهي باق بحاله، بل يكون في هذه الصورة أشد ممن أتى بالواو مع عدم هذا الاعتقاد. ويشبه ذلك الجمع بين اسم الله واسم غيره في ضمير واحد، ولهذا "أنكره النبي صلى الله عليه وسلم على الخطيب قال: ومن يعصهما فقد غوى، فقال له: بئس الخطيب أنت" 1.
قوله: "فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة"، تقدم ما يتعلق بالحلف بغير الله قريبًا.
وفي الحديث من الفوائد: معرفة اليهود بالشرك الأصغر، وكثير ممن يدعي الإسلام لا يعرف الشرك الأكبر، بل يصرف خالص العبادات من الدعاء والذبح، والنذر لغير الله ويظن أن ذلك--------------------------------------------
1 مسلم: الجمعة (870) ، والنسائي: النكاح (3279) ، وأبو داود: الصلاة (1099) والأدب (4981) ، وأحمد (4/256 ،4/379) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 520)
من دين الإسلام، فعلمتَ أن اليهود في ذلك الوقت أحسن حالاً ومعرفة منهم. وفيه فهم الإنسان إذا كان له هوى كما نبه عليه المصنف، وأن المعرفة بالحق لا تستلزم الإيمان ولا العمل، وقبول الحق ممن جاء به، وإن كان عدوًّا مخالفًا في الدين، وإن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر لا يمرق به الإنسان من الإسلام.
قال: وله أيضًا عن ابن عباس "أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء اللَّه وشئت. قال: "أجعلتني لله ندًّا ما شاء الله وحده" 1.
ش: هذا الحديث رواه النسائي، كما قال المصنف لكن في "اليوم والليلة" وهذا لفظه: أخبرنا علي بن خشرم عن عيسى، عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في بعض الأمر فقال: ما شاء اللَّه وشئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجعلتني لله عدلاً؟ قل: ما شاء الله وحده" 2. ورواه ابن ماجة في الكفارات من "السنن" عن هشام بن عمار، عن عيسى نحوه. ولفظه: "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت … " 3 الحديث. وقد تابع عيسى على هذا الحديث سفيان الثوري، وعبد الرحمن وجعفر بن عون عن الأجلح وكلهم ثقات. وخالفهم القاسم بن مالك وهو ثقة فرواه عن الأجلح، عن أبي الزبير عن جابر، والأول أرجح. ويحتمل أن يكون عن الأجلح عنهما جميعًا.
قوله: "أجعلتني لله ندًّا"، هذه رواية ابن مردويه، والرواية عند النسائي وابن ماجة "أجعلتني لله عدلاً" والمعنى واحد. قال ابن القيم: ومن ذلك أي: من الشرك بالله في الألفاظ قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وذكر الحديث المشروح. ثم قال: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة - كقوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} 4.--------------------------------------------
1 أحمد (1/224) .
2 أحمد (1/214) .
3 ابن ماجه: الكفارات (2117) .
4 سورة التكوير آية: 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 521)
فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من يركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض. والله وحياة فلان أو يقول: نذرًا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانًا. فوازن بين هذه الألفاظ، وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش. يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله ندًّا بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه ندًّا لرب العالمين. فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعًا وتعبدًا، والطواف بالبيت والدعاء، كل ذلك محض حق لله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي "مسند" الإمام أحمد: "أن رجلاً أتى به النبي صلى الله عليه وسلم قد أذنب فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال: عرف الحق لأهله" 1.
قلت: إذا كان هذا كلامه صلى الله عليه وسلم لمن قال له: ما شاء الله وشئت فكيف بمن يقول فيه [البوصيري في البردة] ؟!:
154-فإن من جودك الدنيا وضرتها … ومن علومك علم اللوح والقلم.
ويقول في همزيته:
427-هذه علتي وأنت طبيبي … ليس يخفى عليك في القلب داء.
وأشباه هذا من الكفر الصريح.
قال: ولابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عُزَيْر بن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم--------------------------------------------
1 أحمد (3/435) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 522)
تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته قال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ قلت: نعم قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم: كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا: ما شاء الله وحده".
ش: هذا الحديث لم يروه ابن ماجة بهذا اللفظ عن الطفيل، إنما رواه عن حذيفة ولفظه: حدثنا هشام بن عمار ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان "أن رجلاً من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلاً من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أما والله إن كنت لأعرفها لكم قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" 1. ورواه أحمد والنسائي بنحوه. وفي رواية للنسائي أن الراوي لذلك هو حذيفة نفسه. هذه رواية ابن عيينة، ثم ذكر ابن ماجة حديث الطفيل هذا فساق إسناده ولم يذكر اللفظ. فقال: حدثنا ابن أبي الشوارب، ثنا ابن عوانة عن عبد الملك، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، هذا لفظ ابن ماجة. وهكذا رواه حماد بن سلمة وشعبة وابن إدريس عن عبد الملك، فقالوا: عن الطفيل وهو الذي رجحه الحفاظ، وقالوا: ابن عيينة وهم في قوله: عن حذيفة فقد تبين أن هذا الحديث المذكور لم يروه ابن ماجة بهذا اللفظ، لكن رواه أحمد والطبراني بنحو مما ذكره المصنف.--------------------------------------------
1 ابن ماجه: الكفارات (2118) ، وأحمد (5/72) ، والدارمي: الاستئذان (2699) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)
قوله: "عن الطفيل" هو ابن سخبرة وفي حديثه هذا أنه أخو عائشة لأمها، وكذا قال الحربي. وقال: الذي عندي أن الحارث بن سخبرة قدم مكة، فحالف1 أبا بكر فمات، فخلف أبو بكر على أم رومان فولدت له عبد الرحمن وعائشة، وكان لها من الحارث الطفيل بن الحارث، فهو أخو عائشة لأمها. وقيل غير ذلك. وهو صحابي ليس له إلا هذا الحديث قال البغوي: لا أعلم له غيره.
قوله: "رأيت فيما يرى النائم". كما روى أحمد، والطبراني.
قوله: "على نفر من اليهود" وفي رواية أحمد، والطبراني: "كأني مررت برهط من اليهود فقلت: من أنتم فقالوا: نحن اليهود. والنفر رهط الإنسان وعشيرته"، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه. قاله أبو السعادات.
قوله: "فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله"، أي: نعم القوم أنتم لولا ما أنتم عليه من الشرك، والمسبة لله بنسبة الولد إليه وهذا لفظ الطبراني، ولفظ أحمد قال: أنتم القوم.
قوله: "قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد". عارضوه بذكر شيء مما في المسلمين من الشرك الأصغر فقالوا له: هذا الكلام، أي: نعم القوم أنتم لولا ما فيكم من الشرك.
وكذلك جرى له مع النصارى.
قوله: "فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت". وفي رواية أحمد: "فلما أصبح أخبر بها من أخبر"، وفي رواية الطبراني: "فلما أصبحت أخبرت بها أناسًا".--------------------------------------------
1 في الطبعة السابقة: فخالف وهو تصحيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)