المقصود: أن الإمام الشافعي اعتمد على الإجماع في النسخ فترك دليلاً لأجل أن العلماء أجمعوا على تركه لأنه منسوخ.
الجواب الثالث: أن قول القائل الحديث أو الخبر أو الآية حجة في نفسها وليست محتاجة إلى غيرها فهذا حق فليست الآية محتاجة للاحتجاج بها إلى غيرها، ومثل ذلك يقال في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حجة في نفسه، ولكن فرق بين هذا وبين أن يقال قد ثبت أن هذا لم يعمل به أحد فهذا مانع من العمل، فالأصل أن يعمل بالخبر وهو حجة في نفسه وليس بحاجة إلى غيره، لكن إن تبين أن هناك مانعًا يمنع من العمل به كأن يكون منسوخًا أو يجمع العلماء على تركه فهذا أمر آخر، ففرق بين أن يكون حجة في نفسه وهو كذلك وبين ترك الحجة لسبب آخر كأن تكون هذه الآية أو الحديث منسوخًا أو قد أجمع العلماء على تركه فلا تلازم بينهما.
* * *
الشبهة التاسعة
قرر بعض أهل العلم أن الإجماع الذي يحتج به الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة.
والجواب على هذا كالتالي:
الوجه الأول: أنه لا دليل على حصر الإجماع في كلام الإمام أحمد أو ابن تيمية على الصحابة ومن ادعى ذلك فيلزمه النقل.
الوجه الثاني: أن الإمام ابن تيمية نفسه نص في المجلد الحادي عشر في الصفحة الواحدة والأربعين بعد الثلاث مئة أن الإجماع الذي ينضبط … إلخ قال: هو إجماع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
الصحابة غالباً(1).
فعبر بالغالب فالتعبير بالغالب شيء واطراد ذلك دائماً شيء آخر ولا شك أن الإجماع الذي ينضبط في الغالب هو إجماع الصحابة لكن هذا شيء والاحتجاج بغير إجماع الصحابة شيء آخر.
الوجه الثالث: أن الإمام أحمد ينص في مسائله أن الصحابة أجمعوا على كذا ولم يختلف الصحابة على كذا فلما أراد أن يخصص الأمر بالصحابة نص على ذلك، وفي مواضع يقول أجمع المسلمون أو أجمع العلماء أو لم يختلف العلماء … إلى غير ذلك، فدل على أن الإمام أحمد لا يخص الإجماع بإجماع الصحابة.
ومثل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه يذكر الإجماع في مواضع ويريد به إجماع الصحابة، وتارة ينص على إجماع الصحابة، وفي مواضع يطلق ولا يخص الأمر بالصحابة، فدل على أنه لا يخصص الإجماع بإجماع الصحابة.
الوجه الرابع: أن الإمام أحمد في أقل الحيض قال: يوم وليلة، ثم قال: وأعلى ما في الباب قول عطاء(2).
وعطاء قطعًا ليس حجة في نفسه وإنما لأنه صورة من صور الإجماع فهو سبيل المؤمنين في هذه المسألة، وتقدم الكلام على أن قول السلف صورة من صور الإجماع وسبيل المؤمنين دليل من أدلة الإجماع.
وأيضًا مما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن اتفاق أئمة المذاهب الأربعة ليس حجة--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (11/ 341).
حيث قال: «الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالبا».
(2) انظر: «مسائل أبي داود» (152)، و «مسائل ابن هانئ» (148).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
بالإجماع(1).
فهو لا يريد بذلك إجماع الصحابة؛ لأن المذاهب الأربعة جاءت بعد الصحابة.
* * *
الشبهة العاشرة
قال بعضهم الإجماع الذي هو حجة هو المعلوم من الدين بالضرورة دون غيره، وعليه يحمل كلام الإمام أحمد لما قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الأدلة جاءت بحجية الإجماع متى ما تصور ولم تخص ذلك بالمعلوم من الدين بالضرورة ولا غيره أي لم تخص ذلك بالإجماع الضروري ولا الظني بل هي شاملة لجميع أنواع الإجماع فمتى وقع الإجماع فهو حجة.
الوجه الثاني: أن الإمامين الشافعي وأحمد حكوا إجماعات في مسائل ليست من الإجماع الضروري ولا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن أمثلة ذلك:
قال الإمام الشافعي في كتابه «الأم»: «لم يختلف المسلمون عليه فيما وصفت في الذين لم يبلغوا الحلم والمماليك لو حجوا وأن ليست على واحد منهم فريضة الحج»(2).
يعني يقرر أن حجهم صحيح لكنه لا يكفي عن الفريضة ويحكي على هذا الإجماع.--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (20/ 10).
حيث قال: «وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم؛ فليس حجة لازمة ولا إجماعا باتفاق المسلمين».
(2) انظر: «الأم» للشافعي (2/ 120).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
ويقول أيضًا: «لأن عليه دلائل منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مؤمن بكافر) والإجماع أن لا يقتل المرء بابنه إذا قتله»(1).
فهذا ليس من الإجماع الضروري ولا من المعلوم من الدين بالضرورة.
وقال أيضًا: «الإجماع على أن لا يقتل الرجل بعبده -وهذا كذلك- ولا بمستأمن بدار حرب ولا بإمرة في دار حرب ولا صبي»(2).
هذه المسائل كلها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة، وهناك نقولات عن الإمام أحمد مثلها.
ومن ذلك ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة(3)، وابن القيم في إغاثة اللهفان(4) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «لا يختلف المسلمون على أن الدم نجس». وهذا ليس من المعلوم من الدين بالضرورة.
ومن ذلك أيضًا قوله: «أجمعوا على أن التكبير - أي المقيد -، يبتدئ من غداة يوم عرفة»(5).
وكذلك قوله: «أجمعوا على أن أولاد المسلمين في الجنة»(6).
وقوله: «أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز»(7).--------------------------------------------
(1) انظر: «الأم» للشافعي (6/ 26).
(2) انظر: «الأم» للشافعي (6/ 26).
(3) انظر: «شرح العمدة» لابن تيمية (1/ 105).
(4) انظر: «إغاثة اللهفان» لابن القيم (1/ 273).
(5) انظر: «مسائل الكوسج» (1453)، و «المغني» لابن قدامة (2/ 292)، و «فتح الباري» لابن رجب (9/ 22،24).
(6) انظر: «أحكام أهل الملل» للخلال (1/ 66) بلفظ: «ليس فيه خلاف»، و «المغني» لابن قدامة (9/ 365) بلفظ: «ليس فيه اختلاف».
(7) انظر: «المغني» لابن قدامة (4/ 37).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وقوله في قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]: «أجمع الناس أن هذِه الآية في الصلاة»(1)، وهذا ليس من المعلوم من الدين بالضرورة.
إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي تكلم فيها الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهي ليست من المعلوم من الدين بالضرورة ومع ذلك احتجوا بها.
فحصر الإجماع عند الإمام أحمد أو الشافعي بأنه من المعلوم من الدين بالضرورة غلط يخالفه صنيعهم وقبل ذلك يخالفه التأصيل الشرعي، فإن الشريعة جعلت الإجماع حجة متى ما وجد.
* * *
الشبهة الحادية عشرة
قال بعضهم: عدم العلم بالمخالف لا يدل على الإجماع.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن مفهوم الإجماع أن ينطق طائفة ولا يخالفهم الآخرون هذا هو حقيقة الإجماع كما تقدم بيانه، وهذا موجود في عدم العلم بالمخالف كما تقدم بيانه أيضًا.
الوجه الثاني: أن صنيع الإمامين الشافعي وأحمد وغيرهما أنهم يحتجون بعدم العلم بالمخالف، وتقدم ذكر شيء من ذلك.
ولابن تيمية رحمه الله تأصيل بديع في مثل هذا، فمما قرره أن المسائل التي لا يعلم فيها خلاف حجةٌ ولا يصح لأحد أن يحدث قولاً جديداً إلا أن يعلم أن له سلفاً، حيث قال رحمه الله في «مجموع الفتاوى»: «وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي:--------------------------------------------
(1) انظر: «مسائل أبي داود» (223).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به … » إلى أخر كلامه(1).
فقد جعل هذا الاستقرائي.
وقال في رده على السبكي في مسألة في تعليق الطلاق: «فأنواع الإجماع التي يمكن الاستدلال بها ثلاثة: إجماع إحاطي، وإجماع إقراري، وإجماع استقرائي:
فالأول: ما يحيط علمًا بأن الصحابة أو التابعين كانوا عليه، مثل ما علمنا أنه من دين الرسول صلى الله عليه وسلم الظاهر المعروف الذي لا ينكره إلا من هو كافر به.
والثاني: أن يشتهر القول أو العمل في السلف فلا ينكره منكر؛ فهذا إجماع إقراري، فإن الأمة لا تجتمع على الإقرار على باطل، بل كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم في قوله وفعله وإقراره، فكذلك الأمة معصومة في قولها وفعلها وإقرارها، وهذا كجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأرض المفتوحة عنوة فيما بين المسلمين، وغير ذلك.
وإذا قيل في مثل ذلك: قد يكون بعضهم أنكرها.
قيل: لا يسقط الفرض بإنكار الخطأ إلا إذا ظهر الإنكار، ولو أنكر ذلك منكر لكان مما تتوافر الدواعي على نقله؛ كما نقلوا نزاع ابن عباس رضي الله عنهما في العول والعمريتين، ونزاع ابن الزبير رضي الله عنهما في ميراث المبتوتة، وأمثال ذلك.
وأما الثالث: فهو الإجماع الاستقرائي، وهو أن يتتبع العالم ما أمكنه من أقوال العلماء فلا يجد أحدًا خالف في ذلك»(2).
فقد جعل الإجماع أقساماً ثلاثة ويجعل الجميع حجة لكن له تعامل معها إذا خالفت نصاً.--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (19/ 267).
(2) انظر: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (1/ 611).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ومن كلامه المفيد أيضًا ما قاله في كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»: «لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا؛ مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه، حتى إن منهم من يعلق القول فيقول: "إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما يتبع، وإلا فالقول عندي كذا وكذا".
وذلك مثل من يقول: "لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد" وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم. ويقول آخر: "أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث" … »(1) ثم ذكر من خالف في ذلك.
وهذا تأصيل عظيم.
ومما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في رده على السبكي: «أن قول العالم لا أعلم فيه خلافاً يفيد الإجماع ولكنه أقل من قوله أجمعوا»(2). وهذا حق.
ومما يفيد الإجماع لكنه أقل مما قبله: «أن أقل من ذلك أن يقول: أجمع كل من نحفظ عنه»(3). وهذا أيضًا يفيد الإجماع ولكنه أقل فكلها مراتب تدل على الإجماع ولكنها متفاوتة، ويكفي أن تفيد إجماعاً من باب غلبة الظن، ولو كان أقل درجات غلبة الظن.
ومما يقوي غلبة الظن في مثل هذا ويجعل النفس تطمئن للعمل به أن يقال: المسألة التي يعرف أن عشرة من العلماء قالوا فيها بالحرمة مثلًا، وأراد أحد أن يخالفهم، ولا يعلم له سلفًا في مخالفتهم، فقوله خطأ لأنه محدث ومخالف لسبيل المؤمنين فيما يعلم، إذن لابد من الرجوع إلى قول الذين لم يعلم أن لهم مخالفًا، وأيضًا أي مسألة لم يحك عالم ذو استقراء فيها الإجماع يحتمل أن تكون--------------------------------------------
(1) انظر: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لابن تيمية (ص: 32).
(2) انظر: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (1/ 598 - 599).
(3) انظر: «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» لابن تيمية (1/ 598 - 599).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
إجماعية وأن تكون خلافية، ويغلب جانب الإجماعية بحكاية هذا العالم الإجماع فيكون إجماعًا من باب الظن الغالب.
* * *
الشبهة الثانية عشرة
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التسعينية(1) وغيرها أنّ عامة أهل البدع يخالفون الأدلة بحجة الإجماع ويكون إجماعهم مخروماً غير صحيح، فإذاً لا يصح الاستدلال بالإجماع في مخالفة الدليل، لئلا نوافق أهل البدع.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: لا شك أن هناك إجماعات مخرومة بيد أنَّ ذلك ليس مسوغًا لرد الإجماعات كلها، بل يبقى الإجماع حجة حتى يثبت أنه مخروم، كالحديث النبوي فلا شك أن ثمة أحاديث ضعيفة، لكن ليس هذا مسوغًا لرد الأحاديث الصحيحة، بل يقال: ما ثبت أنه صحيح فيحتج به حتى يتبين خلاف ذلك.
الوجه الثاني: إن هناك مسائل حكي فيها الإجماع فزعم قوم خرمه، وتبين خطأ زعمه، ومن أمثلة ذلك:
أن غير واحد من أهل العلم كالطحاوي(2) والقاضي عياض(3) وابن جرير(4):--------------------------------------------
(1) انظر: «التسعينية» لابن تيمية (2/ 492).
(2) نقله عنه القاضي عياض في «الشفا» (2/ 62).
وقال الطحاوي في «أحكام القرآن» (1/ 181): «الشافعي رحمه الله ذهب إلى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مفروضة على الناس بعقب التشهد في أواخر صلاتهم، وأن صلواتهم لا تجزيهم دون ذلك، وقد خالفه في ذلك من سواه من أهل العلم».
(3) انظر: «الشفا» للقاضي عياض (2/ 61).
(4) كابن جرير الطبري، نقله عنه القاضي عياض في «الشفا» (2/ 62).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
حكوا الإجماع على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست واجبة في التشهد الأخير.
فحاول بعض أهل العلم أن يبين أن هذا الإجماع مخروم فنقل ذلك عن أبي مسعود البدري وعن ابن مسعود الهذلي وعن أبي جعفر الباقر(1).
ثم تبين أن نقله عن ابن مسعود وهمٌ(2)، وإنما هو من قول أبي مسعود البدري، وإسناد أبي مسعود البدري ضعيف كما بينه البيهقي(3)
وغيره.
فلم يبق إلا النقل عن أبي جعفر الباقر الذي قال بعضهم فيه: إنه محفوظ. إلا أن إسناد أبي جعفر لا يصح؛ فيه حجاج بن أرطأة وهو معروف بضعفه(4).
والبيهقي مع أنه شافعي لما ساق إسناد أبي جعفر لم يسقه إلا من طريق ابن أرطاة، ومعلوم أن البيهقي يسعى إلى نصرة المذهب الشافعي- وقد ذكر عنه ابن تيمية في «الرد على البكري» أنه يذكر ما للشافعية دون ما عليهم(5) -، فلو كان عنده من طريق صحيح لبينه، وهو أراد أن ينصر قول الشافعية في هذه المسالة، وأراد أن ينسب هذا القول لأبي جعفر الباقر، ولم ينسبه إلا من طريق ضعيف.
ونسبه إلى الشعبي(6) بلا إسناد ولو كان عند البيهقي إسناد صحيح لما--------------------------------------------
(1) انظر تلك النقولات: في «السنن الكبرى» للبيهقي (2/ 379)،. وفي «جلاء الأفهام» (ص: 333)
(2) قال البيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 379) عقب رواية ابن مسعود: «كذا قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه والله أعلم».
قال ابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص:57): «فإن يحيى بن السباق وشيخه - وكلاهما من رجال الإسناد - غير معروفين بعدالة ولا جرح».
(3) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (2/ 379)، حيث قال: «تفرد به جابر الجعفي، وهو ضعيف».
وقال في «معرفة السنن والآثار» (3/ 69): «وجابر هذا هو الجعفي وهو ضعيف».
(4) وممن ضعفه ابن سعد. انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (6/ 359)
(5) انظر: «رد ابن تيمية على البكري» (1/ 78).
(6) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (2/ 379).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
تركه، فهذا يدل أنه لا ينبغي أن يندفع مع كل من أراد أن يخرم إجماعًا، بل لابد أن يتأكد من خرمه، ويتأكد من صحة الأسانيد إلى من ينسب إليهم المخالفة.
* * *
الشبهة الثالثة عشرة
قال بعضهم الإجماع الذي لا يقطع به هو من الظن، وبعبارة أخرى: الإجماع الذي لا يقطع بعدم المخالف هو من الظن، فكيف يترك الدليل إلى الظن؟
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: ينبغي أن يعلم أن الإجماع بنوعيه سواءً كان قطعياً أو ظنياً، أن قوته في كونه قاطعاً في دلالته كما تقدم بيانه.
فإذا تعارض في نظر المجتهد الإجماع الظني في ثبوته مع حديث أو آية فقد تعارض دليل قطعيٌ في دلالته -وهو الإجماع- مع نص قد يحتمل أكثر من وجه وقد يكون محتملًا فيظن أنه غير محتمل، لكن مما يقطع به أن دلالة الإجماع قطعية إذن إذا تعارض في الظاهر، فلا بد أن يراجع الناظر نفسه؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يقدح فيه من جهة دلالته وإنما يقدح فيه من جهة ثبوته، والبحث الآن في الدلالة، والنص المخالف للإجماع في الظاهر قد يقال إنه محتمل لأكثر من معنى، فمن حيث الأصل يقدم الإجماع؛ لأن معنى أن العلماء أجمعوا على هذا: أي أن أفهام العلماء اجتمعت على أن هذا الحكم حرام أو أن هذا الحكم مستحب إلى آخره .. فلا يصح رده إلا أن يقال إنه مخروم.
أما من جهة الدلالة فهو قاطع كما تقدم، فعلى هذا إذا تعارض نصٌ مع إجماع - ولو كان الإجماع ظنياً في ثبوته فإنه يُقدم؛ لأن دلالته لا تكون إلا قطعية بخلاف النص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
الوجه الثاني: غالب ما يظن من النصوص أنه معارض للإجماع فحقيقة الحال أن الإجماع مخصص أو مقيد أو مبين، ومن ذلك أن بعض العلماء ظن أن قول الصحابة بأن الصوم الذي يصام عن الولي هو صوم النذر دون غيره أن هذا مخالف لما روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». متفق عليه(1).
ولو تعامل مع قول الصحابة كعائشة وابن عباس الذي لم يخالف بأنه إجماع وأن هذا النص يحتمل أكثر من معنى لخصص هذا العام بفتاوى الصحابة ولم يحتج أن يجعل أقوالهم متعارضة مع النص؛ لذا ذهب بعض الشافعية كالنووي(2) وغيرهم إلى رد هذه الآثار بناءً على أنه ظنها تخالف النص، والأولى أن يعمل بالحجتين لا أن يرد أحدهما ويجعل قول الصحابة الذي لم يخالف مخصصًا لظاهر النص، كما هو قول الليث بن سعد(3)، وأحمد في رواية(4)، وابن القيم(5)، والألباني(6).
* * *
الشبهة الرابعة عشرة
قال بعضهم إذا صح الحديث وجب العمل به ولو لم يعلم من عمل به؛ لأنه حجة بلا خلاف.
وكشف هذه الشبهة أن يقال:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1952)، ومسلم (1147).
(2) انظر: «المجموع» للنووي (6/ 369)، و «شرح مسلم» للنووي (8/ 25).
(3) انظر: «شرح مسلم» للنووي (8/ 25).
(4) انظر: «شرح مسلم» للنووي (8/ 25)، و «الإنصاف» للمرداوي (7/ 506 - 507).
(5) انظر: «تهذيب السنن» (3/ 278 - 282)، و «الروح» (ص 120) وكلاهما لابن القيم.
(6) انظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (4/ 591).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
لا شك إذا صح الحديث فهو حجة في ذاته ولا يحتاج للاحتجاج به إلى أن ينظر من عمل به كما تقدم، لكن هذا شيء وترك العمل به لعارض كأن يكون منسوخاً، أو مجمعًا على تركه - مثلاً - شيءٌ آخر، وبحثنا في الثاني لا في الأول.
وقد فهم هذا أهل العلم بل نسبه بعضهم إلى السلف، وممن فهم ذلك الإمام الترمذي وهو من أئمة السنة ومن أئمة السلف فإنه لما أنهى جامعه قال: «كل ما في هذا الجامع قد عمل العلماء به إلا أنه حديثين أجمع العلماء على عدم العمل بهما»(1).
فقد ارتضى الترمذي هذا التأصيل، وليس الترمذي من المتأخرين إنما هو من المتقدمين، ومع ذلك ارتضاه، وإن كان نوزع في ظنه أن العلماء مجمعون على ترك العمل بالحديثين، وبعضهم مصر على أن قول الترمذي صحيح ومن خالفه فمخالفته غير صحيحة.
والمقصود أن الترمذي يقر هذا التأصيل بعيدًا عن المثالين الذين ذكرهما.
ومن الكلمات العظيمة في هذا ما قاله ابن رجب في كتابه «بيان فضل علم السلف على الخلف»: «فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم فأما ما اتفقوا على تركه فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا عن علم أنه لا يعمل به قال عمر بن عبدالعزيز: خذوا من الرأي ما يوافق ما كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم … »(2)، إلخ كلامه رحمه الله تعالى.
فهذا صريح من ابن رجب وهو ينقله عن أهل العلم أن العلماء اذا تركوا العمل بالحديث فإنه لا يعمل بهذا الحديث وهو يعزوه الى السلف، وصنيع--------------------------------------------
(1) انظر: «سير أعلام النبلاء» (13/ 274)، و «تذكرة الحفاظ» (2/ 154) وكلاهما للذهبي، بلفظ قريب.
(2) انظر: «بيان فضل علم السلف على الخلف» (ص:50 - 51).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الترمذي شاهد على هذا.
* * *
الشبهة الخامسة عشرة
قال بعضهم: ترك الحديث لعدم العلم بالمخالف عليه المتأخرون دون الشافعي و أحمد.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: تقدم أن الإمام الشافعي رحمه الله يقرر ترك العمل بالحديث إذا كان منسوخًا.
الوجه الثاني: تقدم صنيع الترمذي وما ذكره ابن رجب عن أهل العلم فإنهم تركوا العمل بالحديث إذا لم يُعمل به، فلا يصح نسبة ذلك إلى المتأخرين دون المتقدمين؛ لأن الترمذي متقدم وابن رجب يعزوه إلى المتقدمين.
* * *
الشبهة السادسة عشرة
قال بعضهم: إذا وجد نص لم يُعمل به فلابد وأن هناك من عمل به، ولا يلزم أن ينقل قول من عمل به (1)؛ لأن هناك قطعاً من عمل به، فلا يصح أن يقال: أن العلماء إذا أجمعوا على ترك العمل بالحديث؛ لأن هذا لا يتصور.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه إذا وجد من عمل به من العلماء فلا بد أن ينقل لنا من عمل به حتى لا يظن أن في المسألة إجماعًا والإجماع حجة.
الوجه الثاني: تقدم كلام الشافعي في النسخ وأنه-رحمه الله تعالى- ترك حديثاً؛ لأن العلماء--------------------------------------------
(1) أي: بمجرد وجود النص ولو لم يقف أهل العلم على من عمل به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
أجمعوا على نسخه، فهو لا يقر بهذا اللازم.
والوجه الثالث: أنه لا دليل على هذه الدعوى ومن أراد أن يدعيها فيلزمه الدليل.
* * *
الشبهة السابعة عشرة
قال بعضهم: مخالفة من قوله ليس حجة مما حكي عليه الإجماع أعذر من مخالفة من قوله حجة وهو الكتاب والسنة، فكيف تترك الحجة وهو الكتاب والسنة إلى من قوله ليس حجة؟
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الإجماع حجة فإذا تبين أن العلماء مجمعون على ترك حديث فالمخالف للإجماع مخالف لحجة شرعية يأثم بذلك، وفرق بين مخالفة أفراد أهل العلم ومخالفة إجماعهم، فكما أن القرآن والسنة حجة فكذلك الإجماع حجة، فكما أنه لا يعذر بتركه الكتاب والسنة بلا مبرر ولا مسوغ شرعي كذلك لا يعذر بتركه الإجماع.
الوجه الثاني: أن مثل هذا إنما يقال إذا تعارض نص من كتاب أو سنة مع إجماع، والواقع أنه لا تعارض بينهما؛ لأن الإجماع قاطع لابد أن يقدم إما بتخصيص أو بتقييد أو بتبيين أو أن يقال بالنسخ كما صرح بذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وصرح به غيرهم من أهل العلم.
* * *
الشبهة الثامنة عشرة
قال بعضهم: إن طائفة من أهل العلم قالوا أقوالاً لم يسبقوا إليها فدل هذا على جواز إحداث قول جديد.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
الوجه الأول: إن هناك فرقًا بين تأصيل العالم وعمله فقد يخطئ ويظن أن له سلفاً، فلا يؤخذ من عمله تأصيل إذا خالف تأصيله، وإنما يقال: أخطأ في تنزيل هذا الأصل على الفرع لا أن ينقض الأصل.
فلو قال عالم: إن الأمر يقتضي الوجوب. ولم يقل بالوجوب في مسألة فيها أمر وليس هناك صارف، فلا يقال: إن له قولاً آخر في دلالة الأمر على الوجوب، بل يقال أخطأ في تنزيل هذا الأصل على هذا الفرع.
الوجه الثاني: أن مقتضى هذا القول جواز إحداث قول جديد، وهذه طامة والبحث معه مختلف عن البحث مع البقية؛ لأن من يجوز إحداث قول جديد حقيقة قوله أن الإجماع ليس حجة؛ لأن أي إجماع يجوز أن يخالف بإحداث قول جديد لذا كل دليل يدل على أن الإجماع حجة ردٌّ على هذا.
ويقال أيضًا: كل دليل يدل على أن المحدثات ممنوعات في الشرع كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ»(1)، ردٌّ عليه وتقدم بيان هذا.
* * *
الشبهة التاسعة عشرة
قال بعضهم: قال الإمام إسحاق بن راهويه في «مسائل إسحاق بن منصور»: قيل لإسحاق بن راهويه: إن أخاك أحمد بن حنبل أجاب فيها بمثل جوابك فقال: ما ظننت أن أحدًا يوافقني(2).
فهذا يدل على أن إسحاق بن راهويه يرى إحداث قول جديد؛ لأنه قال في مسألة لا يظن أن أحدا يوافقه عليها.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).
(2) انظر: «مسائل إسحاق بن منصور» (5/ 2075)، بلفظ: «ظننت أنّ أحداً لا يتابعني عليه».
واللفظ أعلاه انظره في «المحلى» لابن حزم (5/ 247).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وكشف هذه الشبهة: أن هذا غير صحيح؛ وذلك أنه كان لا يظن أحدًا من معاصريه، أو من العلماء المشهورين في زمانه لا أنه يرى نفسه أحدث هذا القول.
وبأسلوب آخر يقال: كلام إسحاق يحتمل أنه يجوز إحداث قول جديد ويحتمل أنه لا يظن أحدًا من العلماء المعاصرين له يوافقه في هذا القول، وقطعاً يحمل على الثاني دون الأول؛ لأنه ليس إسحاق ولا غيره من أئمة السنة يرون جواز إحداث قول جديد ولو رأوا ذلك لنقل عنهم ولنسبه أهل العلم لهم.
* * *
الشبهة العشرون
قال بعضهم: درج العلماء على تقديم الكتاب والسنة على الإجماع ويجعلون الإجماع آخر مراتب الأدلة، فيقول: دل على هذا الكتاب والسنة والإجماع، إذن إذا تعارض الإجماع والحديث أو الإجماع والآية تقدم الآية أو الحديث.
يقال: أما تقديم الكتاب والسنة على الإجماع من جهة الترتيب فلا شك في هذا، وليس البحث في مثل هذا بل البحث فيمن يظن من النصوص أنه مخالف للإجماع هل يقدم هذا الظن أو يقدم الإجماع الذي هو قطعي في دلالته.
وبطريقة أخرى يقال: إنه إذا ظن مجتهد أن هذا النص يدل على كذا فمهما علت مكانته فإنه ما بين أن يقطع أو يظن، وقطعه وظنه محتمل للخطأ فإذا ظن أن النص مخالف للإجماع فقطعاً الإجماع مقدم على ظنه لأن الإجماع قاطع، وهذا بخلاف فهمه فهو يحتمل الخطأ، فيقدم المعصوم القاطع على الفهم الظني المحتمل.
ولو ضبط هذا لانكشفت مسائل كثيرة؛ لأن كثيرًا ممن يريد رد الإجماع في ظاهر النصوص يفترض التعارض والواقع لا تعارض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
الشبهة الحادية والعشرون
قال بعضهم: لا إجماع في علوم الآلة لأنه لا نصوص فيها ولا إجماع إلا وهو مستند على نص.
ولكشف هذه الشبهة ينبغي أن يعلم أن علوم الآلة نوعان:
النوع الأول: علوم آلة ترجع إلى المتكلمين وأقوالهم وما كان كذلك فالمقترض أن لا يبحث بحثًا شرعيًا، ويشمل هذا النزع علوم الآلة التي ترجع إلى اللغة فالحجة فيها إلى كلام أهل اللغة.
النوع الثاني: علوم آلة مستندة على بحث شرعي فلا بد أن يرجع فيها إلى أدلة شرعية.
ففي أصول الفقه الأمر يقتضي الوجوب، والإجماع حجة، والنهي يقتضي التحريم … إلخ، هذه من علوم الآلة وهي مجمع عليها، أجمع الصحابة على أن الأمر يقتضي الوجوب(1)، وأجمعوا على أن النهي يقتضي التحريم(2).
إذن هذا النوع الثاني المتعلق بالشرعيات من علوم الآلة لا بد أن له أدلة شرعية ما بين إجماع أو غيره ومن ذلك أدلة تنوزع في دلالتها.
* * *
الشبهة الثانية والعشرون
قال بعضهم: حقيقة مخالفة التابعي للصحابي إحداث قول جديد، فهل يعني هذا أن التابعي يرى إحداث قول جديد؟--------------------------------------------
(1) انظر: «الإحكام» للآمدي (2/ 148)، و «روضة الناظر» لابن قدامة (1/ 556).
(2) انظر: «الإحكام» للآمدي (2/ 190).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
وكشف هذه الشبهة: أن هناك فرقا بين تأصيل العالم وعمله، فقد يَظنُ التابعي أن له سلفاً من الصحابة وبناءً على هذا أحدث قولاً جديداً، وقد لا يكون التابعي يعلم أن هناك صحابياً خالفه فقال باجتهاده، فلا يلزم من أن التابعي إذا خالف الصحابي أن يكون ممن يرى جواز إحداث قول جديد.
* * *
الشبهة الثالثة والعشرون
قال بعضهم: يعمل بالإجماع وعدم العلم بالمخالف ولا إشكال في ذلك، وإنما الإشكال في جزئية واحدة وهي إذا عارض دليلًا من كتاب وسنة فيقدم الكتاب والسنة على هذا الإجماع، وقطعاً هذا لا يكون في الإجماع القطعي وإنما يكون في الإجماع الظني.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه إذا أقر بأن الإجماع حجة فإذن ينبغي أن يتعامل مع النص والإجماع بأنهما حجتان تعارضا فالجمع بينهما أولى من إلغاء أحدهما، والإجماع قاطع في دلالته والنص لا يلزم أن يكون كذلك حتى لو ظن ذلك المجتهد.
أما الإجماع لأنه قاطع فتقدّم دلالة الإجماع إما بتخصيص عام أو تقييد مطلق أو تبين مجمل أو الإجماع على ترك النص لأنه منسوخ.
الوجه الثاني: إذا أجمع العلماء على أن هذا النص منسوخ ينبغي أن يعلم أن الناسخ ليس الإجماع في نفسه وإنما ما استند عليه الإجماع وهو النص الآخر، فحقيقة الأمر إذا اختلف إجماع مع نص فالخلاف بين نصين إلا أن دليل الإجماع فيه مزية زيادة على كونه مستندًا على نص أنه قطعي في دلالته.
الوجه الثالث: لو التُزم هذا التأصيل وهو أن الإجماع حجة إلا إذا عارض
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
الظني منه نصًا لصار الخلاف قليلاً مع من يرى تقديم النص على الإجماع لكن إذا دقق في صنيع أصحاب هذا التأصيل اتضح أنهم يتوسعون حتى في المسائل الأخرى التي ليس فيها نص وإنما عمومات وغير ذلك مما يفزعون إليها ويردون الإجماعات بسببها، ثم لو قبل قولهم تنزلاً فإنه لا يكاد يوجد، ولو وجد فيقال: رد الإجماع الظني لأنه مخالف للنص ظنٌ محتمل للخطأ والصواب، أما دلالة الإجماع قاطعة حتى ولو كان ظنيًا في ثبوته فإنه ليس محتملًا في دلالته، فيقدم دلالة المقطوع على دلالة المحتمل المظنون، ويوجه النص بما يناسبه من تقيد أو تخصيص أو تبيين أو نسخ أو إجماع على ترك العمل به.
* * *
الشبهة الرابعة والعشرون
ذكر بعضهم أن النووي رحمه الله تعالى ذكر في شرحه على مسلم أن النص يعمل به ولو لم يعمل به أحد، ذكر هذا عند كلامه على صيام ستة من شوال فقال رحمه الله تعالى في «شرحه على مسلم»: «ودليل الشافعي - أي الذين قالوا بصيام ستة من شوال - وموافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها»(1)، هذا الشاهد.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن صنيع النووي نفسه على خلاف ذلك، فالنووي رحمه الله تعالى وافق الترمذي(2) على عدم قتل شارب الخمر في الرابعة واعتمد الإجماع(3) وقرر في أكثر من موضع في «شرح على مسلم» وكتابه «المجموع» على أن الإجماع ينسخ.--------------------------------------------
(1) انظر: «شرح مسلم» للنووي (8/ 56).
(2) انظر: «جامع الترمذي» (4/ 48) عقب حديث (1444).
(3) انظر: «شرح مسلم» للنووي (11/ 217).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
بل وذكر ما هو أشد من ذلك وهو: «أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة أكثر من أربع تكبيرات على الجنازة» ومع ذلك قال: «لكن الإجماع انعقد على أنه لا يكبر إلا أربعا»(1).
فجعل جميع التكبيرات التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم الزائدة على أربع منسوخة بالإجماع وأن السنة التكبير أربعًا فحسب.
الوجه الثاني: صنيع النووي الكثير على خلاف ذلك، لذلك من يتبنى أمثال هذه المسائل تراهم لا يعولون على النووي، ويشددون في الكلام عليه.
الوجه الثالث: أن عبارة النووي مشكلة فينبغي أن يتوقف فيها أو تحمل على معنى يستقيم مع باقي كلامه؛ لأنه في «شرحه مسلم» نفسه وفي كتابه «المجموع» وفي غيرهما قرر على أن الإجماع ناسخ وذكر أكثر من نص ترك العمل به؛ لأن العلماء قد أجمعوا على تركه.
الوجه الرابع: لنفترض جدلاً أن النووي رحمه الله تعالى ذهب إلى هذا القول، فيقال إنه أخطأ وإن قول غيره مقدم على قوله لما تقدم ذكره في الأوجه السابقة.
وأخيرًا هذه هي أشهر الشبه والإشكالات التي تذكر من بعض أهل السنة في رد الإجماع أو رد الاستدلال به في مواضع أو إضعافه أو قبوله في حالات دون أخرى بلا برهان مستقيم.--------------------------------------------
(1) انظر: «المجموع» للنووي «المجموع» (5/ 230). وقد تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)