قَوْلُهُ: «إذا كانت العلة واحدةً».
وهي في المثال السابق: الطواف علينا.
قَوْلُهُ: «بحيث لا يكون بينهما فرق».
أي بين وجود العلة في الأصل والفرع.
وينبغي أن يعلم أنَّ العِلَّة من حيث المعنى: هي المؤثِّر في حكم الأصل: أي هي سبب حكم الأصل، فإذا أمكن وجودها في الفرع، فإنَّ حكم الفرع كحكم الأصل؛ لأنَّ الشريعة لا تُفرِّق بين المتماثلات، فهي من حكيم عليم، وشريعةٌ محكمةٌ.
قَوْلُهُ: «وهذا مبني على الجمع بين المتماثلين في الحكم، والتفريق بين المتخالفين».
هذا أمرٌ مهمٌّ، وهو أنَّ مرجع القياس إلى أنَّ الشريعة محكمةٌ، فهي لا تجمع بين المختلفات، ولا تُفرِّق بين المتماثلات، وإلى هذا كلِّه يرجع القياس، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية(1)، وابن القيم(2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 9).
(2) إعلام الموقعين (2/ 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
قَوْلُهُ: «وهو حجَّة عند جمهور الأصوليين».
والصواب أن يقال: إنَّه حُجَّةٌ عند جميع العلماء، فالاحتجاج بالقياس الصحيح مجمعٌ عليه، وأوَّل مَن خالف في حُجِّيته النَّظام المعتزلي، كما أنَّ النظام المعتزلي أول من خالف في حجية الإجماع، فقد ذكر ابن عبد البر(1) أنَّ النَّظام المعتزلي أول من خالف في القياس، وذكره أيضًا ابن قدامة(2)، وقبله الغزالي(3).
قَوْلُهُ: «ويتفاوت تفاوتا كثيرا في قوته وضعفه».
أي ليس القياس على درجةٍ واحدةٍ، بل يختلف باختلاف ظهور علَّتِه في الأصل، وإمكان تحقُّقِها في الفرع، لذلك يقسِّم العلماء القياس إلى قياس جليٍّ، وقياس خفيٍّ.
وتنزيل العلَّة في الفرع على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: أن تكون العلة منصوصةً بوضوحٍ في الأصل، فيقوم الأصولي بخطوةٍ واحدةٍ، وهي تنزيلها على الفرع، ويسمى هذا بـ «تحقيق المَناط»: أي بـ
«تحقيق العلة على الفرع».--------------------------------------------
(1) جامع بيان العلم وفضله (2/ 856).
(2) روضة الناظر (2/ 184).
(3) المستصفى (ص 301).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
القسم الثاني: أن تكون العلَّة في الأصل، لكنَّها ليست واضحةً كالقسم الأول، بل فيها احتمال، فيحتاج الأصولي إلى خطوتين:
الخطوة الأولى: تنقيح العلَّة في الأصل: أي التأكد من علة الأصل.
ثم الخطوة الثانية: تنزيلها على الفرع، ويسمى هذا بـ «تنقيح المناط».
القسم الثالث: ألَّا تكون العلة واضحةً في الأصل، كوضوح القسم الثاني، بل تحتاج إلى دراسة واستنباطات، والنَّظر إلى أشباهها، فيحتاج الأصولي إلى خطوات ثلاثة:
الخطوة الأولى: ذكْر العِلَل المحتملة عن طريق الاستنباط.
والخطوة الثانية: التَّرجيح بين العلل المحتملة.
والخطوة الثالثة: تنزيل العلة المرجَّحة على الفرع، وهذا يسمى بـ «تخريج المناط».
تنبيه:
إنَّ الكلام في القياس مزلة أقدام؛ لأنَّه راجعٌ إلى الاجتهاد، قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الفقيه في التأويل والاجتهاد، والمراد بالاجتهاد: أي القياس، وقد عدَّ الإمام الشافعي القياس كالميتة، لا يُصار إليه إلَّا عند الضرورة(1): أي إذا لم يوجد دليلٌ غير القياس استدل بالقياس، قاله الزركشي في البحر المحيط.--------------------------------------------
(1) الرسالة (ص 598).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
وبعد هذا سيذكر المصنف قواعد فقهية، وقد تقدَّم في أول الشرح ذكر الفرْق بين القواعد الفقهية وأصول الفقه.
قَوْلُهُ: «ومن القواعد المقرَّرة: أنَّ اليقين لا يزول بالشك».
هذه أحد القواعد الخمسة الكلية، وتدلُّ عليها أدلةٌ كثيرةٌ، ومن أوضح ذلك ما أخرج مسلم (361) عن أبي هريرة، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه، أخرج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرجن من المسجد، حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»، ففي هذا الحديث الإبقاء على الأصل، وهو الطهارة.
قَوْلُهُ: «والأصل بقاء ما كان على ما كان».
أي سواءٌ كان نفيًا أو إثباتًا، فالأصل بقاء المنفي منفيًا، وبقاء المثبت مثبتًا، قاله ابن القيم في إعلام الموقعين عند بحث الاستصحاب(1).
وهذه القاعدة فرعٌ عن القاعدة السابقة، كما ذكره المصنِّف في الشرح.
قَوْلُهُ: «ولا يزال الضَّرر بالضَّرر».
هذه القاعدة متعلقةٌ بقاعدة: «الضرر يزال»، وهو أحد القواعد الخمسة الكلية.--------------------------------------------
(1) (1/ 296).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
ومعنى هذه القاعدة: أنَّه يجب أن يزال الضرر، وأن الضرر محرَّمٌ في الشرع، قال تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}] البقرة: 231 [.
ومن أمثلة هذه القاعدة: أنه لا يجوز أن يدفع أحدٌ القتل عن نفسه بقتل غيره، وهذا بالإجماع، حكاه ابن تيمية(1)، وقرره ابن رجب(2).
وينبغي أن تُقيَّد هذه القاعدة بألَّا يُزال الضرر بضررٍ إذا كانا متساويين، أو أن يزال الضرر الأصغر بالضرر الأكبر، أمَّا إذا أُزِيلَ الضَّرر الأكبر بالضرر الأصغر، فهذا واجبٌ، وقد تقدَّم بيان هذا في أوائل الشرح.
قَوْلُهُ: «والضرورات تبيح المحظورات».
هذه فرعٌ عن القاعدة السابقة، وذلك أنَّه لا محرَّم مع الضرورة، قال تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}] الأنعام: 119 [.
وفرقٌ بين الضرورة والحاجة، فإنَّ الحاجة لا تُبيح المحظورات إلَّا في حالةٍ واحدةٍ؛ إذا عمَّت الحاجة.
قَوْلُهُ: «والعَجْز يُسْقِطُ الواجبات».
أي لا واجب مع العجز، قال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}] التغابن: 16 [.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (28/ 468) (28/ 504).
(2) جامع العلوم والحكم (1/ 234).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا أمرتكم بشيءٍ فأْتُوا منه ما استطعتم»(1).
قَوْلُهُ: «والمشقَّة تجلب التيسير».
هذه أحد القواعد الخمسة الكلية، والتي قبلها فرعٌ عنها، ويدلُّ عليه ما تقدَّم ذكره فيما قبلها.
قَوْلُهُ: «والرجوع إلى العرف في كثير من الأمور».
هذه القاعدة متعلقةٌ بقاعدة «العادة محكَّمةٌ»، وهذه أحد القواعد الخمسة الكلية، فإنَّه يُرجع إلى العرف إذا لم يُوجد دليل شرعي، ولم تكن اللغة مرادةً.
ومن أدلة الرجوع إلى العرف قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}] الأعراف: 199 [، وقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}] البقرة: 229 [.
وما ثبت عند الشيخان من حديث هِنْد مع زوجها أبي سفيان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك»(2).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (7288) ، ومسلم (1337).
(2) أخرجه البخاري (2211) ، ومسلم (1714).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
قَوْلُهُ: «والأصل في العبادات المنْع؛ فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله».
ذكر هذه القاعدة فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره، قاله ابن تيمية(1).
والدَّليل على هذه القاعدة قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}] الشورى: 21 [.
وما أخرج الشيخان من حديث عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»(2).
قَوْلُهُ: «والأصلُ في العادات الإباحة؛ فلا يحرُم منها إلا ما حرَّمه الله ورسوله».
والدليل على هذا قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}] الأنعام: 119 [.
وجه الدلالة: أنَّ المحرَّم قد بُيِّن، وما لم يُبيَّن فهو مباحٌ، وليس محرَّمًا، ويدخل في ذلك العادات والأعيان، بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على حِلِّ الأعيان(3).--------------------------------------------
(1) القواعد النورانية (ص 164).
(2) أخرجه البخاري (2697) ، ومسلم (1718).
(3) مجموع الفتاوى (21/ 538).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
قَوْلُهُ: «وكل ما دلَّ على مقصود المتعاقدين والمتعاملين من الأقوال والأفعال انعقدت به العقود».
هذه القاعدة ترجع إلى قاعدة «الأمور بمقاصدها»، وهي أحد القواعد الخمسة الكلية، ويدلُّ عليها ما أخرجه الشيخان عن عمر عن رسول اله أنَّه قال: «وإنَّما لكل امرئ ما نوى»(1).
وقد ذكر الفقهاء في الطلاق غير الصريح أنَّه لا يكون طلاقًا إلا بالنِّية، وقرر العلماء كالزركشي الشافعي أنَّ الأعمال المحتملة يرجع فيها إلى المقاصد(2). وطبقه تأصيلًا وعمليًّا في عدم التكفير بالأمور المحتملة الشافعي(3) ، وأحمد(4) ، وابن تيمية(5) ، وابن جب(6).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) ينظر: المنثور في القواعد الفقهية (ص 118).
(3) الأم (4/ 250).
(4) ينظر: بدائع الفوائد (4/ 42).
(5) الصارم المسلول (3/ 963).
(6) فتح الباري (1/ 114).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
قَوْلُهُ: «والمقاصد والنِّيات تعتبر في المعاملات كما تعتبر في العبادات».
وهذه القاعدة فرعٌ من قاعدة «الأمور بمقاصدها»، وما تقدَّم ذِكرُه من الدليل دليلٌ على هذه القاعدة، فمن صلَّى ركعتين بعد أذان الفجر فيحتمل أنَّها الراتبة، وأنَّها الفريضة، والذي ميَّز هذه من هذه النِّية.
قَوْلُهُ: «ويعمل عند التعارض بأقوى المرجحات».
ويستوي في ذلك المرجِّحات المتَّصلة والمنفصلة، وهذا داخلٌ في عموم قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ}] الزمر: 55 [.
قَوْلُهُ: «ولذلك قد يعرض للمفضول من المرجِّحات ما يصير به مساويا للفاضل، أو أفضل منه».
وهذا صحيحٌ، وله أمثلةٌ كثيرةٌ، منها:
أنَّ أفضلَ الذكر بالإجماع القرآن، كما حكاه ابن تيمية(1)، وإذا أذَّن المؤذِّن يشتغَل بإجابته والدعاء، وإن كان مفضولا، ويُترك الأفضل، وهو قراءة القرآن.
ومثل ذلك يُقال في عدم قراءة القرآن في الركوع والسجود، مع أنَّه أفضل من التعظيم والدعاء إلَّا أن الشريعة نهت عنه؛ كما أخرج مسلم عن علي بن أبي--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (19/ 120).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
طالب، وابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإنِّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا»(1).
فبهذا ينتهى من التعليق على هذا المتن المفيد الذي هو فيما أعلم أحسن متن مختصر في علم أصول الفقه، جمع مع اختصاره الأهم الذي يستفيد منه المبتدئ في دراسة علم أصول الفقه.
أسأل الله أن يجزي العلامة ابن سعدي خيرًا على هذا المتن، وعلى غيره مما قدَّم من العلوم النافعة، وأسأل الله أن يتقبَّل مني ومنكم، إنَّه الرحمن الرحيم.--------------------------------------------
(1) مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه (479) ، ومن حديث علي رضي الله عنه (480).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)