Arabic source text

📘 দফউ দাওয়াল মুআরিদিল আকলি আনিল আহাদীছিল মুতাআল্লিকতি বি মাসায়িলিল ইতিকাদ (ঈসা আল-নামি)

📘 دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد (عيسى النعمي)

📘 দফউ দাওয়াল মুআরিদিল আকলি আনিল আহাদীছিল মুতাআল্লিকতি বি মাসায়িলিল ইতিকাদ (ঈসা আল-নামি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فمع كون هؤلاء الشُّفعاءِ أعظم الخلق جاهًا عند الله تعالى وقد رضي الله عنهم إلَّا أنَّه تعالى لم يقبل شفاعتهم؛ لعدم تحقُّق شَرْط الرِّضا عن المشفوع له. فلو كانت الشفاعة مقبولة من كل أحد دون قيد أو شرط؛ لَقَبِلَ الله شفاعة الرُّسلِ المتقدمة فلمَّا لم تُقبل = عُلِم أنه لا شريك له في ملكه، وأنه المانحُ مَن شاء من خلقه، الشفيعُ لمن ارتضاه لذلك.
وأما فيما يتعلق بالمعارضات العقلية المُساقة على نصوص الشفاعة لأهل الكبائر؛ فالجواب عنها في الفِقَرِ التَّالية:
الجواب عن المعارض الأول: وهو دعواهم: أن القول بالشفاعة يخرم أصل استحقاق الفاسق للعقوبة على جهة التأبيد =لا برهان عليه. فاستحقاق الفاسق أمرٌ، واستحقاقه لذلك على جهة الدوام أَمْرٌ آخر. فالأولُّ من معاقد الاتفاق بين أئمة السَّلف(1)؛ فلا مطعن فيه من هذه الحيثيَّة. لكنَّ ثبوتَ الاستحقاق لا يزيل ما كان ثابتًا قبل ذلك من استحقاق الثواب، وحينئذ لا يجري العقاب على جهة التأبيد والدوام بل يكون منقطعًا؛ لأن الضرورة الشرعية تنافي هذا القيد الذي رسموه. والقول باستحقاق العقوبة على جهة التأبيد هو توليد عن أَصلهم القاضي بامتناع اجتماع الثواب والعقاب في الشخص.
وقد تقدّم من قبلُ: أن دعوى الامتناع ليس محصلًا من براهين النقل ولا العقل؛ بل اجتماعهما ثابت بالنقل وجائز في العقل؛ لعدم تنافي الاستحقاقَيْن(2) ثم لو قُدِّر التقابل بينهما على وجه يستلزم سقوط أَحدهما = لكان سقوط الثواب ليس بأولى من سقوط العقاب، بل ثبوت الثَّوابِ أَولى؛ لأنَّ عمومات الوعد راجحة على عمومات الوعيد. إذ إنَّ عمومات الوعد أكثر، والترجيح بالكثرة ملحوظ في … الشرع(3) .--------------------------------------------
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (7/ 501)
(2) انظر: "شرح المقاصد" (5/ 141)
(3) انظر: "الأربعين في أصول الدين" للرازي (2/ 393 - 396) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)

ومنها: أنَّ تغليب جانب العفو والرحمة وما يناسبهما = أَكثرُ ثناء على الله تعالى. ولذا كتب على نفسه الرحمة، وتمدّح بها، وكثرت أسماؤه المشتقة منها(1)
وأما القول بأن تصحيح انقطاع عذاب الفاسق يستلزم تصحيح انقطاع عذاب الكافر؛ قياسًا عليه، بجامع التناهي في المعصية = فهو قياس فاسد الاعتبار؛ لكونه في مقابل النص، فلا يُقبَل. هذا أولاً.
ثانياً: أنه لو قُدِّر انتفاء النصّ الدالّ على انقطاع عذاب أهل الكبائر = لَمَا صَحَّ هذا القياس؛ لأنه مرتَّبٌ في الاعتقادات. والقياسُ لا يجري في هذا الباب. بل لو قُدِّر جواز هذا النَّظْم = لما صَحَّ هذا الاعتبار؛ لأن علّة الأصل غير متحققة في الفَرْع. فالكُفْرُ غير متناهٍ؛ لا من جهة قَدْره، ولا من جهة قُبْحه. فإن الشرك والكفر من أعظم الظلم، ولأنَّ الكافر يعتقده مذهبًا للأَبد، فأوجب ذلك له عذاب الأبد(2) .
بخلاف العاصي؛ فإنّه لا ينفك عن حال خوف العقاب، ورجاء المغفرة. وهذه أَحوال شريفة تقابل ما اقترفه من المعاصي في حال الغفلة عن تحقيق مقتضى اعتقاده. فلا يمكن؛ نقلًا ولا عقلًا -والحالُ هذه- التسويةُ بين المؤمن والكافر؛ لا من جهة الاعتقاد، ولا من جهة العَمَل، ولا من جهة العقوبة. والتسوية لا تقع إلا على وجه الشطط والمكابرة.
يقول الإمام القصّاب مبيّنًا المفارقة التي وقعت فيها الوعيدية؛ وعلى جهة التعيين المعتزلة: (إنْ أَوجدونا في القرآن كلِّه = أنّ الله لم يوجب الرحمةَ والفوزَ والجنةَ، إلا لمن لم يعصه طرفة عينٍ، أو عصاه فمات تائبًا =فالقولُ قولُهم(3) وإلاّ؛ فليُقِرّوا أَنَّ الخُلودَ لا يجب على من--------------------------------------------
(1) انظر: "إيثار الحق على الخلق"لابن الوزير (397) .
(2) انظر: "شرح المقاصد" (5/ 155) .
(3) أي: قول الوعيدية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)

آمن وعمل الصالحات. ولْيَعلموا أَنَّ هذا العادلَ - الذين يدعون الفَلسفة في معرفة عدلِهِ لا يُضِيع إيمانَ مؤمن وصالح عمله بذنب أذْنَبَه، فسوّى بينه وبين الكافر الذي لم يؤمن طرفة عين، ولا عمل من صالحِ عمله شيئًا. وما بال القضاء بالذنوب ينفي عن الله جل وتعالى محاماة عدله عندهم ولا ينفي عنه التسوية بين المؤمن والكافر في الخلود؟! وما بال إيمان الكافر إذا آمن لحظة يستعلي على كفره جميع عُمُره، وإحسان المؤمن عمره لا يستعلي على ذنب أذنبه؟ ومع إحسانه إِيمانه؛ أَلِأَنّ الذنب أَعظم من الكفر، وأوْزَنُ في الميزان منه؟! إن هذا منهم إلى تجوير الله - تعالى عن قولهم - أقربُ منه إلى تعديله(1) .
أما الجواب عن المعارض الثاني: وهو قياسهم قبح الشفاعة لمرتكب الكبيرة على قبح الشفاعة للمذنب المصرّ على جنايته في الدنيا = فيقال:
هذا قياس فاسد؛ لأنه لا يُسلَّم بإطلاق قبح العلّة في الأصل ليصح تعديتها إلى الفَرْعِ؛ ذلك أَنَّ الشفاعةَ للمُذْنِبِ لا تكون قبيحةً في الدُّنيا بإطلاق؛ إلا إذا عُلم من حاله عَزْمُهُ على المخالفة، وإِصرارُه على المعاودة. والقطْعُ بدوام العقد على الإصرار -فيما يتعلق بمرتكب الكبيرة في الآخرة- = متعذّرٌ.
ثم على تقدير صحة هذا القياس فإنه يلزم الوعيدية طردُهُ؛ بأن يسلّموا بأن العقوبة الأخروية لأهل الكبائر متناهية، كما أن العقوبة الدنيوية للمذنب المُصر متناهية. فإن أبوا التسليم = انتقض قياسُهم وبَطل. وقد سبقت الإبانة أن القياس إذا كان في معارضة النصوص يكون فاسد الاعتبار.--------------------------------------------
(1) نكت القرآن (4/ 143 - 144) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)

وأما الجواب عن المعارض الثالث: وهو دعواهم أن الشفاعة لأهل الكبائر تستلزم أحد ممتنعَيْن. .الخ
فيقال: دعوى امتناع الشفاعة لأهل الكبائر لعدم استحقاق الثواب فرع عن أَصلين فاسدين:
الأول: القول بالإحباط.
الثاني: أن دخول الجنة مستحَقٌّ بالعمل؛ على جهة المقابلة والعوض.
أما الأول: فقد سبق أن الدلائل الشرعية قد تضافرت على أن الكبيرة لا تحيط بثواب الفاسق فتحبطه.
وأما الثاني: فإن دخول الجنة ليس مستحَقًا على العمل على جهة العوض؛ بل دخولها على جهة التفضُّل والرحمة من الله تعالى؛ كما قال عز وجل على لسان أهل الجنة: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} فاطر: 35 فإذا استقر فساد هذين الأصلين = عُلم بذلك بطلان ما بُني عليهما. والأدلة متظاهرة على أن الله يُشفّع نبيه صلى الله عليه وسلم فيمن شاء من أهل الكبائر، فيتحصل بذلك فساد ما قدروه من عدم قبول الله لشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وأما جواب المعارض الرابع: فلا يسلَّم لهم أن لازم تصحيح الشفاعة التمادي في العصيان؛ لأن من ارتكب مَأْثَمًا لا يقطع بكونه ممن تناله الشفاعة. هذه واحدة.
وأخرى: أن إغلاق باب الشفاعة يستلزم لوازم باطلة أشنع من اللوازم التي ذكروها. ومن ذلك: تكذيب النصوص المتواترة الدالة على إثبات الشفاعة. وكذلك؛ فإن إغلاق هذا الباب يستلزم الوقوع في الإياس والقنوط من رحمة الله تعالى(1) فإذا تعارض تقديم خصوص متعلق--------------------------------------------
(1) انظر: "إيثار الحق على الخلق" (391) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)

الرجاء على عموم متعلق الخوف = كان تقديم الأوّل أوْلى؛ لتعدد الشواهد عليه(1) كقوله تعالى: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55)} الحجر. وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} الممتحنة: 6 وقوله تعالى: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)} المائدة: 84 والبراهين على هذا التقديم لا يفي المقام ببيانها.

وأما جواب المعارض الخامس: فيقال: إنَّ ما ذكروه من اللزوم كاذب؛ لعدم صدق الرَّابط بين المُقدِّمة ونتيجتها؛ فالشَّفاعة ليست مقصورة على المُذنبين، بل إنَّها -كما سبق -قد تكون لتخفيف الحِساب ورِفْعة الدَّرجات، هذا مِن جِهةٍ.
ومن جِهة ثانية: فإنَّه من المعلوم تجْويز الوعيدية طلب المغفرة والرحمة من الله؛ وهذا مما لا يُخالفهم فيه أَهلُ السُّنَّة؛ فيلْزمهم على هذا التجويز: أن يكون طلب المغفرة والرَّحمةِ من الله تعالى، هو في حقيقة الأمر= دعاءً بأن يكون الطالب للمغفرة والرَّحمةِ مِن العصاة المُجْرمين؛ ليصح دعاؤه!.فما كان جوابهم عن هذا اللازم كان جواب مخالفيهم من أهل السُّنَّة لهم عما أوردوه سواء بسواء.
ثُمَّ إنّه يقال: ما من عبدٍ إلَّا والتقصير في حقِّ ربِّه تعالى يحيط به مِن كُلِّ جانب مهما بالغ في التحوط وإِحراز الكمال؛ فهو مُفتقِرٌ إلى عَفو خالقه ومولاه، مُشْفِقٌ أَن يكون مِن الهالكين؛ ومن ادَّعى سلامته من الذَّنب حال سؤاله الشَّفاعةَ=فإنَّه لا يمكنه أن يدَّعي الحِفْظَ من المُقارفة للمعاصي فيما يستأْنِف من الوقت. وعليه فطلب الشَّفاعة بهذا المعنى غير منكور لمن عرف طبيعة البشر.--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق، الصفحة نفسها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)

والعجيب حقًّا أنَّ المعتزلة تختزل الشَّفاعة في زيادة المثوبات ورفعة الدَّرجات، مع كون ذلك مما يناقض مذهبهم الَّذي يقضي بأنَّ دخول الجنَّة مُستحقٌّ بالعمل لا برحمة الله تعالى لئلا يوجب ذلك تنغيص النعمة بوقوع المِنّة من الله بذلك! =و مكمن هذا التناقض لدى المعتزلة؛ أن زيادة المَثوبات، ورِفعة الدَّرجات، مِنَّة من الله يوجب تنغيص النِّعمة على أَهلها؛ فيلزم على ذلك تَرك سؤالها من الله، وهذا مخالف لإجماع المُسلمين.
فتحرّر ممَّا سبق=أنَّ إثباتَ الشَّفاعةِ لا يستلزم ما ذكروه، ومَنْ عَلِم أنّ القطْع بكونه ممن يناله العفو قبل دخول النار متعذّر، وأنّ من الشفاعة ما يكون من النار بعد دخولها = حمله ذلك عن الانْزجار عن ركوب المحارم. فإذا انضاف إلى ذلك ما يترتب عليها في الدُّنيا والبَرْزخ من المؤاخذة والجزاء = كان ذلك له من أَعظم الصوارف عن الذنوب.
وبعد بيان سُقوط هذه المُعارضات؛ يبقى النظر في مَسَالك المخالفين مع تلك النصوص، بعد أنْ أَبَوْا التسليم لما دلت عليه.
فأمَّا المَسْلَكُ الأول: وهو رَدّها بدعوى كونها مضطربة لا تصح، أو أنها أخبار آحاد لا تُقبل. فيقال:
ليس بين صحيح تلك الأحاديث اضطراب وتعارض، ولم ينصّ على ذلك أَحد من أئمة هذا الشأن. وأما اختلاف نصوص الشفاعة لاختلاف متعلقاتها = فلا يُعدّ اضطرابًا؛ لأنّ اختلاف التنوع مقبول سائغ، لا اختلاف التضادّ.
وأما دعوى أنها أخبار الآحاد لا تُقبل = فغير سديد؛ لأن هذه النصوص قد استفاضت وتواترات. وقد نَصّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة الحفاظ:
كالقاضي عياض رحمه الله حيث قال: (قد جاءت الآثارُ التي بلَغَتْ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)

بمجموعها التواترَ بصحتها في الآخرة لمُذنبي المؤمنين، وأجمع السَّلفُ الصَّالحُ ومَن بعدهم من أهل السُّنَّة عليها)(1)
والإمام ابن تيميَّة رحمه الله إذ قال مُقرِّرًا ذلك: (فقد تَواترتِ الأحاديثُ عن النَّبى فى أنَّه يخرجُ أَقوامٌ من النَّار بعد ما دخلوها، وأنَّ النبىَّ [صلى الله عليه وسلم] يشفع في أَقوامٍ دَخَلوا النَّارَ. وهذه الأَحاديثُ حجةٌ على الطَّائفتين الوعيدية الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: لا ندرى هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا)(2)
والحافظ الذَّهبي حيثُ قال: (فشفاعته لأهل الكبائر منه أمته، وشفاعته نائلة؛ من مات يشهد أن لا إله إلاّ الله، فمن ردَّ شفاعته، وردَّ أحاديثها جهلًا منه = فهو ضال جاهل قد ظن أنها أجبار آحاد، وليس الأمر كذلك، بل هي من المتواتر القطعي)(3)
بل قال ابن جرير رحمه الله: (فإن الأخبار المرويةعن رسول الله صلى الله عليه وسلم متظاهرة بنقل من يمتنع في نقله الخطأ، والسهو، والكذب، ويوجب نقله العلم، أنه ذكر أن الله جلّ ثناؤه يخرج من النار قومًا بعدما امتحشوا وصاروا حممًا بذنوب كانوا أصابوها في الدنيا، ثم يدخلهم الجنة، وأنه قال: (شفاعة لأهل الكبائر من أمتي)، وأنه عليه السلام يشفع لأمته إلى ربه عز وجل فيقال (أَخْرِج منها من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمان)، في نظائر لما ذكرنا من الأخبار التي إن لم تثبت صحتها = لم يصح عنه خبرٌ صلى الله عليه وسلم)(4) .--------------------------------------------
(1) "إكمال المعلم"للقاضي عياض (1/ 822)
(2) "مجموع الفتاوى" (7/ 486)
(3) إثبات الشفاعة"للإمام الذهبي (20)
(4) "التبصير في معالم الدين"للإمام ابن جرير الطبري (185 - 186)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)

وعلى تقدير انتفاء التواتر عن هذه الأَخبار الصحيحة فخبر الآحاد متى صَحَّ كان حُجّةً وجب الأخذ بمقتضاه -كما سلف بيانُه-.
أما الجواب عن المسلك الثاني: وهو المعارضة لها بأدلة الوعيد، فإنه من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، فلا بد من العَمَل بالكتاب كله. وسابلة أَهل السنة والجماعة في هذا الباب الجمعُ بين نصوص الوعد ونصوص الوعيد، وتفسير بعضها ببعض، فإن أدلة الشرع تفسر بعضها بعضًا.
وبمقتضى هذا الأَصل يتحرر القول في فهْم أدلة الوعيد؛ فإنه لا يقال بمُوجِبِها على وجه العموم دون أن تنزّل على المُعيّن؛ لأن مُوجِب الذَّنبِ قد يتخلّف عنه لمانع من موانع لُحوق الوعيدِ(1)؛ إما بالعفو المحض من الله تعالى، أو بالعفو المقيد بسبب.
هذا السبب المانع؛ إما أن يكون ناشئًا من العبد، أو من غيره.
فالأول: كالتوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية.
والثاني: كالشفاعة(2) .
والقول بلحوق الوعيد لكلّ مُعيَّن مما لا يلتزمه الوعيدية أنفسُهم، فإنَّهم يخصون عموم الوعيد باشتراط التوبة، وهذا من محال الاتفاق بينهم وبين أهل السنة؛ إلَاّ أنَّ أهلَ السُّنَّةِ يُتبِعون هذا الشَّرطَ والمخصّص ما دلت عليه الدلائل من الموانع التي تمنع من إنفاذ الوعيد. وتخصيص عموم أدلة الوعيد بشرط دون آخر، مع كون كليهما مدلولًا عليه بالشَّرْعِ =يُعدّ من تناقض الوعيدية.--------------------------------------------
(1) انظر: "مجموع الفتاوى" (20/ 287)
(2) انظر: "المصدر السابق" (7/ 487)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)

أما الجواب عن المسلك الثالث: وهو تأويل نصوص خروج مرتكب الكبيرة من النَّار بخروجه في الدنيا من استحقاق العقاب بعد تحققه فيهم = فباطل من وجهين:
الأوّل: أنه تقدير في النص بما لم يشهد له السياق ولا الدلائل الخارجية. والأَصل في خطاب المتكلم أنه جارٍ على السداد، وأنه لا يفتقر إلى تقدير = والتقدير خروج عن الأصل بلا موجب لذا قال الإمام الزّجاج-رحمه الله: (لا يجوزُ الإِضمار إلَاّ أن يجري ذِكرٌ، أو دليلُ ذكرٍ بمنزلة الذِّكرِ(1) .
الثاني: أنَّ سياقَ الحديث يُبْطِلُه؛ فإِنّ في آخره تأقيت الخروج ببعديّة الامْتِحاشِ والصيرورة إلى التفحُّم. وهذا مما ينقض تقدير الخروج في الدنيا.
وأما تأويلها بأن هذه النصوص علّقت الخروجَ على أمر مُحالٍ؛ لِيُفهَم منها المنْعُ والتبعيد = فمغالطة؛ لأن الدخول ليس في حال التفحم، ليصح توجيه هذا الاعتراض؛ وإنما بعد إحياء الله لهم، كما جاء فيها: (فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)(2)

* * *--------------------------------------------
(1) "معاني القرآن"للزَّجاج (4/ 331)
(2) سبق تخريجه في المطلب الأول.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)

‌‌الفصل الثاني

دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن
الأحاديث المتعلّقةِ بتوحيد العبادة
وفيه مبحث واحدٌ:
- مبحث: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حديث: (لا تشدّ الرّحال)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)

‌‌مبحث:
دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث: (لا تُشدّ الرّحال)
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سَوْقُ حديث: ((لا تُشدّ الرّحال. . . .)
- المطلب الثاني: سَوْق المُعارِض العقلي على حديث: ((لا تُشدّ الرّحال … ))
- المطلب الثالث: دفع دعوى المُعارِض العقلي عن حديث ((لا تُشدّ الرّحال … ))

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)

‌‌المطلب الأول: سَوْق حديث: (لا تُشدّ الرحال. . .)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجدَ: المسجد الحرامِ ومسجدالرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى) متفق عليه(1).
عن قُزعة مولى زياد قال سمعتُ أبا سعيد الخُدري رضي الله عنه يُحدِّث بأربع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأعجبنَنِي، وآنقنني(2) قال: (لاتسافر المرأة مسيرة يومين إلَاّ معها زَوجُها، أو ذو مَحْرم، ولا صوم في يومين: الفطرِ والأَضْحَى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعدِ العصرِ حتى تغرب الشمس، ولا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي) متفق عليه(3).
وعن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أَنتَ سمعتَ هذا مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم،؟ قال: فأقولُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أسمع؟! قال: سمعتُه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تَشُدُّوا الرِّحالَ إلَا إلى ثلاثةِ مساجد: مَسجِدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) وسمعته يقول: (لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في: كتاب"العمل في الصلاة"،باب"فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة" (2/ 60 - رقم [1189])،ومسلم في: كتاب"الحج"،باب "لا تُشَدَّ الرِّحال إلَاّ إلى ثلاثة مساجد" (2/ 1014 - رقم [1397])
(2) آنقنني: أي أعجبْنَني. والأنَقَ -بالفتح-: الفَرح والسرور. والشيء الأنيقُ: المُعْجِب =انظر" النهاية في غريب الحديث"لابن الأثير (50)
(3) رواه البخاري في: كتاب "العمل في الصلاة"باب"فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة" (2/ 61 - رقم [1197]) ومسلم في: كتاب "الحج"، باب "سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره" (2/ 975 - رقم [827])

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)

محرم منها، أو زوجها)(1)

* * *

تمهيد:
قبل سَوْق دعاوى المخالفين التي اعترضوا بها على هذا الحديث؛ لصرْف دلالته، كان لزامًا التعرُّض لبيان مسائل تتعلق بهذا الحديث. هذه المسائل يمكن إجمالُها في ثلاثة أنظار:
الأول: بيان علاقة هذا الحديث بتوحيد العِبادة.
الثاني: بيان دلالة الحديث على تحريم شَدّ الرحل إلى مكان بعينه للعبادة.
الثالث: بيان الانفكاك بين تحريم شدّ الرحل والسفر لزيارة قبور الصالحين والأنبياء، وبيان مشروعية زيارة هذه القبور الزيارة الشرعية، دون إنشاءِ سفرٍ لها.
أمّا النظرُّ الأول: بيان علاقة هذا الحديث بتوحيد العبادة:
فوجه إدخال هذه المسألة في توحيد العبادة، أَن الشَّريعة قصدت حسم مادة الشرك من تعلّق القلوب بالبقاع والأمكنة بالحجِّ إليها، والتماس البركة منها، فالسَّفر إلى بقعة من البقاع غير ما استثناه الشَّارعُ صار وسيلة للوقوع في الشِّرك الأكبر، خصوصًا ما تراه في العصور المتأخرة من الحج إلى المشاهد والقبور، وطلب الغياث من أَصحابها، والنذر والذَّبح لها، والطواف بها، والسجود لها إلى غير ذلك مما يُناقض أَصل التّوحيد، ويخْرِم أُسّ الملة؛ لذا درج عددٌ مِن أَهل--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في: كتاب ""،باب"" (2/ 975 - رقم [827])

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)

العلمِ على تضمين مسائل توحيد الإلهية الكلام على مسألة شدِّ الرحال إلى المشاهد والقبور(1) .
ثم إن من رأى جواز شدِّ الرِّحال إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، كمثل السَّفر إلى المشاهد والقبور =فلا بد أَنّه قد قصد بسفره هذا التَقرُّب، ولا ريب أَنَّ العبادات مبناها على التوقيف، ولا تصحُّ إلَاّ بشرطين اثنين:
الأوّل: تجريد التوحيد لله تعالى؛ بألاّ نعبد إلاّ إيّاه.
الثاني: تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ بألاّ نعبد الله إلاّ بما شرعه وبلّغه عن الله تعالى. وهذان الشرطان هما جماع الدّين. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} الكهف.(2)
ولهذا نصَّ أهلُ العلم على بيان أن العبادات موقوفةٌ على النصّ ومَوْرِدِهِ، وأنّها مبنيّةٌ على الحظر؛ وعلةُ ذلك هو ما ذكره الطوفي بقوله: (العباداتُ حقّ الشَّرعِ خاصٌ به، ولا يمكن معرفة حقِّه كمًّا، وكيفًا، وزمَانًا، ومكانًا =إلَّا مِن جِهتهِ؛ فيأتي به العبدُ على ما رسَمَ له سيِّدُهُ)(3) فمن تعبد الله بالسَّفر وشدِّ الرحل إلى بقعة لم تأذن الشَّريعة في--------------------------------------------
(1) انظر: مثلاً: "الدُّر النضيد" للإمام الشَّوكاني (1/ 384 =ضمن الفتح الربَّاني)،و "معارج الألباب" للعلامة حُسين النُّعمي (2/ 790 - ومابعدها) و"تيسير العزيز الحميد"للعلامة سليمان بن عبدالله (1/ 635)
(2) العبودية (137)
(3) "التعيين في شرح الأَربعين" (279) و الطوفي (بعد 670 - 717 هـ) هو: سليمان بن عبدالقوي ابن عبدالكريم الطُّوفي الصرصري ثم البغدادي، من علماء الحنابلة، اتهم بالتشيع والانحراف في الاعتقاد، من مصفاته: "شرح مختصر الروضة"، و"شرح الأربعين للنووي"، و"الإِكسير في قواعد التفسير"=انظر: "الذيل على طبقات الحنابلة"لابن رجب الدمشقي (4/ 404)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)

قصدها =ففعله بدعة. وقد صحَّ من حديث أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أَحدث في أَمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)(1)
وبذلك تستبين وجه إيراد هذا الحديث في طيّ هذا المبحث.
وأمَّا النظر الثاني: بيان دلالة الحديث على تحريم شَدّ الرحل إلى مكان بعينه للعبادة.
فإن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد) تضمّن المنْعَ والنّهي عن شدّ الرحال إلى بقعة للعبادة؛ إلاّ إلى ما قَصَر النبي صلى الله عليه وسلم شدّ الرّحل إليه من المساجد الثلاثة. وقد تقرّر في الأصول: أن صيغة: (لا تُشدّ الرحال) هي خبرٌ في معنى النهي، والنَّهيُ المجرّدُ من القرائن يقتضي التحريم(2) . والتعبير بصيغة: (لا) المفيدة للنفي أبلغُ في الخطاب من النهي بصيغة: (لا تشدّوا)

وبيان ذلك: أنَّ النَّفي متضمن للنَّهي وزيادة، وذلك أنَّ الشّارع أَخبر أن شدّ الرحل إلى بقعة غير المساجد الثلاثة منفيٌّ، فلم يكن ثابتًا قبل ذلك، ولا ينبغي وقوعه.
وفي تقرير ذلك يقول الإمام الطِّيبي رحمه الله: (قوله: (لا تُشدّ الرحال): كناية عن النهي عن المسافرة إلى غيرها من المساجد؛ وهو أبلغ مما لو قيل: لا يسافر؛ لأنّه صوّر حالة المسافرة وتهييء أسبابها، وعدّتها من المراكب والأدوات، والتزوّد، وفِعْل الشدّ، ثم أخرج النهيَ مخرج الإخبار؛ أي: لا ينبغي، ولا يستقيم أن يقصد الزيارة بالرحلة إلا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري كتاب "الصلح" باب"إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مرود" (3/ 184 - رقم [2697])،ومسلم كتاب"الأقضية" باب"نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور" (3/ 1343 - رقم [1718])
(2) انظر: "تحقيق المراد"للعلائي (274)،و"قواطع الأدلَّة"للسمعاني (1/ 251)، و"شرح الكوكب المنير" (4/ 78)، و"إِرشاد الفحول" (1/ 406)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

هذه البقاع الشريفة؛ لاختصاصها بالمزايا والفضائل(1) .
فإن قيل: قد منع بعضهم(2) ورود النهي بغير صيغته المعروفة: " لا تفعل"؛ فلا مُستَمسَك لمن مَنَع شدّ الرحل إلى غير هذه المساجد الثلاثة.
فالجواب عن هذا الاعتراض من وجهين:
الأوّل: أنه قد ذهب المحققون من أهل الأصول إلى إلحاق (الخبر الذي في معنى النهي) إلى الصِّيَغ المفيدة للنهي. كما ذهب إلى ذلك القفّال الشاشي، وغيره(3) . واستدلوا على ذلك بدخول النَّسْخ فيه. ومن المعلوم أَنَّ الأخبار المَحْضَة لا يلحقُها النَّسْخ.
الثاني: أنّه على فرْض التسليم بامتناع ورود النهي بغير صيغته، فإنّه قد وردَ النهي مصرّحًا به في حديث بلفظ: (لا تشدّوا الرحال)؛ فبطل بذلك توجيه مَن صرف دلالة الحديث عن المنع والتحريم.
وأمّا مَن حَمَل صيغة النفي المقتضية للنهي هنا على محامل؛ منها: " نفي الأفضلية "، كما هو اختيار طائفة من متأخري أَتباعِ المَذَاهِبِ؛ كالإمام ابن الملك(4)،وابن قدامة(5)، والنَّووي(6)، وغيرهم = فهذا الحمل ممتنع؛ لأمور:--------------------------------------------
(1) "الكاشف عن حقائق السنن"للطيبي (2/ 224)،و الطيبي (-743 هـ):هو الحسين بن محمد ابن عبدالله الطيبي إمام في علم الوحيين، عُرف بإقباله على استخراج الدَّقائق من الكتاب والسُّنّة، من مصنفاته: "شرح مشكاة المصابيح"،و "حاشية على الكَشَّاف"،و"التبيان في المعاني والبيان"=انظر: "البدر الطالع" (241)
(2) كابن الزملكاني المالكي.
(3) انظر: "البحر المحيط" (2/ 371)،و القفَّال الشَّاشي (291 - 365 هـ) هو: محمد بن علي بن إسماعيل القفَّال الكبير، من كبار فقهاء الشَّافعية كان على مذهب الاعتزال أول أمره ثم انتحل مذهب أبي الحسن الأشعري، من مصنفاته "شرح الرسالة"=انظر: "سير أعلام النُّبلاء" (16/ 283)،و"طبقات الشّافعية" (3/ 200)
(4) انظر: "مبارق الأَزهار"لابن المَلك (1/ 483) وابن الملك (كان موجودًا في سنة 791 هـ) هو: عبداللطيف بن عبدالعزيز بن أمين بن فرشتا، الشهير=بـ (ابن الملك) من علماء الحنفية برع في جملة من العلوم، من مُصنفاته: "شرح المنار"في أُصول الفقه، و"شرح الوقاية"=انظر: "الفوائد البهية"للكنوي (107)،و"الأعلام"للزِرِكْلي (4/ 59)
(5) انظر: "المغني"لابن قدامة (3/ 118)
(6) انظر: "شرح صحيح مسلم "للإمام النَّووي (9/ 168)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

الأول: أنّه جاءَ مصرّحًا بالنَّهي في الرِّواية الأُخرى: (لا تشدّوا) كما سبق.
الثاني: أَنَّ الحديثَ فَهم منه الصحابةُ - رضوان الله عليهم - التحريمَ والمنعَ؛ كما سيأتي بيانه - بحول الله تعالى -.
ومما يكشف أَنَّ النَّهي في الحديث المرادُ به التحريم لا غير = ورود النَّهي - في إحدى طُرق حديث أبي سعيد - عن شدّ الرحال مُقْتَرِنًا بالنِّهي عن ثلاثة أمور أُخَر قد عُلم تحريمُها في الشَّرعِ؛ وهي:
سفر المرأة بغير محرم، وصوم يومي الفطر والأَضحى، والصلاة بعد الصبح والعصر(1) =فدلَّ على أَنَّ شَدَّ الرِّحال آخذٌ حُكمها.
فتخصيص شدّ الرحل إلى غير هذه المساجدِ الثلاثةِ بالتنزيه دون الباقي = لا شكّ أنّه لا مسوّغ له، والحديث يدفعه.(2)
ثم إنّه يقال: إذا قيل بامتناع النهي وأنّ معنى الحديث: أنّه لا يُشرع، وليس بواجب، ولا مستحبّ؛ فيقال: لا ريب أنّ من أنشأ السَّفر، وشدَّ الرحال إلى تلك القبور أو البقاع؛ إنما قصد العبادة بفعله، والعبادة إنما تتحصَّل بواجب أو مستحبّ؛ فإذا حصل الاتفاق على أَنَّ السفر إلى القبور ليس بواجبٍ ولا مستحب = كان مَن فعلَه على وجه التعبُّد مبتدعًا مخالِفًا للإجماع، والتعبُّد بالبِدَع ليس بمباح.(3)
بقي أن يقال: إن دلالة النهي تشمل جميع ما يقع في حيّزها من المواضع والبقاع التي تُقصد للعبادة، وهذا الشمول يدلّ عليه القصر--------------------------------------------
(1) سبق سوقه في المطلب الأول.
(2) انظر: " الثمر المستطاب " للعلامة محمد ناصر الدين الألباني (2/ 562)
(3) انظر: "الصَّارم المُنكِي" لابن عبد الهادي (34)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

الواقع في الحديث؛ فهو قصْر حقيقي(1)؛
ذلك أَنَّ الاستثناءَ المُفَرّغَ(2) يُقدَّرُ فيه المستثنى منه بأعم الأحوال.(3)
والتقدير: لا تُشدّ الرحال إلى بقعة؛ كما قرّره الحافظُ ابنُ حجر العسقلاني(4) ابتداءً ، ولا يلزم على هذا التقدير منعُ السفر إلى زيارة صالحٍ، أو قريبٍ، أو سفرٍ لطلب العلم؛ كما ظنّه القسطلاني(5)،وغيره كأحمد زيني دحلان؛ حيث قال في تأويل هذا الحديث، وإيراد ما ظنّه لازمًا لمن قال بعمومه: (وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد … )
فمعناه: أن لا تُشدّ الرحال إلى مسْجِدٍ لأجلِ تعظيمه والصلاة فيه إِلَاّ إلى المساجد الثلاثة؛ فإنها تُشدّ إليها لتعظيمها، والصلاة--------------------------------------------
(1) القَصر عند أَهل المعاني: تخصيصُ شيءٍ بشيءٍ بعبارة كلاميّة تدلُّ عليه، وهو نوعان: النوع الأول: حقيقيٌ =وهو: ما كان مضمونه موافقاً للواقع، كقولنا "لا إله إلَاّ الله" أي لا يوجد في الوجود كلِّه معبود بحقٍّ إلَاّ الله

النوع الثَّاني: إضافيٌّ =وهو: مبنيَّ على النَّظَر لشيءٍ آخر يُقابل المُخصَّص به فقط، لإبطال دخول ذلك المقابل، كقولنا: "إنّما الكاتب زيدٌ" أي لا عمرو ردَّاً على من زعم أن عمرواً كاتبٌ انظر: "المطوَّل شرح تلخيص المفتاح "للتّفتازاني (204)، "موجز البلاغة" لمحمّد الطاهر عاشور (19)،و"مُعجم البلاغة العربيّة"لبدوي طبَّانة (542،179)
(2) الاستثناءُ المُفرَّغُ: هو الذي تُرك منه المستثنى منه فَفرغ الفعل قبل (إلَّا) وشُغِل عنه بالمُستثنى المذكور بعد (إلَّا) =انظر: "أَوضح المسالك"لابن هشام (2/ 250)،و"شرح الحدود النحوية "للفاكهي (367)،و"مُعجم القواعد العربيّة" لعبدالغني الدقر (465)
(3) انظر: "شرح الكافية في النحو"للرّضي (2/ 151)
(4) انظر: " فتح الباري "لابن حجر (3/ 82)،و"عمدة القاري" للعيني (7/ 252)
(5) انظر: "إرشاد السَّاري"للقسطلاني (2/ 344)،والقسطلاني (851 - 923 هـ):هو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبدالملك القسطلاني الأصل المصري الشَّافعي إمام مقرئ، من مُصنفاته: "الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز"،و"العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية"،و"المواهب اللدنية"=انظر: "البدر الطالع"للشوكاني (116)،والموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء واللغة (1/ 369)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

= وهذا التقدير لا بدّ منه، ولولم يكن التقدير هكذا لاقتضى منْع شدّ الرحال للحجّ، والجهاد، والهجرة من دار الكفر، ولطلب العلم، وتجارة الدنيا، وغير ذلك؛ ولا يقول بذلك أحدٌ)(1)
وهو كما قال: لا يقول بهذا أحد. ولا يِرِدُ هذا اللازم على مَنْ سلّم بعموم الحديث؛ ذلك أن هذه المصالح الديني منها والدنيوي، لا يُقصَد فيها مكانٌ بعينه، وإنّما مرام أصحابها ذلك المطلوب حيث كان صاحبه؛ وبه يندفع هذا اللازم.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد … ) يتناول المنع من السفر إلى كلّ بقعةٍ مقصودةٍ؛ بخلاف السفر للتجارة، وطلب العلم، ونحو ذلك؛ فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله؛ فإنه هو المقصود حيث كان(2) .
وكذلك يُعلَم خطأُ مَن جعل القصْر الواردة في الحديث إضافيًا لا حقيقيًا؛ أي: قَصَر النهي عن شدّ الرحال على أيّ مسجدٍ سوى المساجد الثلاثة المتقدّم ذكرُها في الحديث دون غيرها من المواضع؛ فهو ليس قصْرًا حقيقيًا عامًّا؛ بل منحصرٌ في حيّز المساجد فقط.
فترى " يوسف الدجوي " يقول ناثرًا سخائمه على شيخ الإسلام رحمه الله -إِيهامًا منه أنه هو المتفرّد بهذا القول-: (ولْنرجعْ إلى مَن قبلهم من رؤسائهم وأئمتهم، لنرى إمامهم(3) ابن تيمية الذي قدّموه على جميع--------------------------------------------
(1) الدرر السَّنِيّة في الرّد على الوهابية (6)، وأَحمد زيني دحلان (1232 - 1304 هـ):هو أحد فقهاء ومؤرخي مكة، ولد بمكة وتولى الإفتاء والتدريس، توفي بالمدينة، من تصانيفه: "خلاصة الكلام في أُمراء البلد الحرام"،و"السيرة النبوية"=انظر: "الأعلام"للزركلي (1/ 129 - 130)
(2) "مجموع الفتاوى"لابن تيمية (27/ 21) وانظر: له أيضاً: " قاعدة عظيمة " (94)
(3) يعرّض بأتباع الدعوة الإصلاحية السلفية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

الأئمة كيف منع شَدّ الرحال لزيارته صلى الله عليه وسلم، وجعل السفر للزيارة سفرَ معصيةٍ لا يصحّ فيه قصر الصلاة، خارقًا بذلك إجماعَ المسلمين؛ غير مستحْيٍ من سيّد المرسلين! ودليله الذي استند إليه واستنبط منه ما لم يستنبطه أحدٌ من الأولين والآخرين هو: منعُه صلى الله عليه وسلم من شدّ الرحال إلاّ(1) لأحد المساجد الثلاثة، ففهم من ذلك النهي: أنَّ الرِّحالَ لا تُشدُّ للزيارة؛ بناءً على خبالٍ قام برأسه أنّ القصر حقيقيّ لا إضافيّ. ولو كان كما فهم ذلك المجتهد الكبير؛ لكان شدّ الرحال لصلة الرحم، أو زيارة الإخوان، أو التجارة، أو غير ذلك = محرَّمًا؛ فإذًا تقفُ مصالح العالم، وتتعطّل أمور الدين والدنيا! ولو تبصّر قليلًا لعلِمَ ما أراد صلى الله عليه وسلم من أنّ المساجد متساوية في الفضل، فكلها سواء؛ إلاّ هذه المساجد الثلاثة؛ وذلك ظاهرٌ لا خفاءَ فيه؛ فإن الأصل أن الشيء يستثنى جنسه القريب. فإذا قلنا: ما ماتَ إلاّ زيدٌ؛ كان معناه: ما مات إنسانٌ إلا زيدٌ. وليس معناه: ما مات حيوان إلاّ زيدٌ. ومَن فهم ذلك كان من الحيوان، لا من الإنسان)(2)
وكلام " الدجوي " -بنظرة عجْلى فيه- قد انطوى على أَغاليط عدة، مع التغافل عما اشتمل عليه كلامُه من ضروب القصْب. وإنما ينصبّ الحديث معه حول المغالطات العلميّة التي انتظمها كلامه السالف:
فيقال: أمّا عدّ " الدجوي " القولَ بتحريم شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من مفردات الإمام ابن تيمية رحمه الله؛ فقولٌ لا يصدُر إلا عن أحد رجلين:--------------------------------------------
(1) في الأصل المطبوع: " إلى "
(2) "مقالات وفتاوى الشيخ يوسف الدجوي " (1/ 358 - 359)،والدجوي (1287 - 1365 هـ) هو: يوسف بن أحمد بن نصر بن سويلم الدجوي، فقيه مالكي من علماء الأزهر، كف= =بصره في طفولته بمرض الجدري، من تآليفه: "خلاصة علم الوضع"، "تنبيه المؤمنين لمحاسن الدين"=انظر: "الأعلام" للزركلي (7/ 216)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)