Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
في هذا الحديث فوائد: أولاً: حرص الصحابة رضي الله عنهم على الاستقامة والسؤال عن سبلها لأن الرجل سأل عن شيء يكون فيه محبة الله ومحبة الخلق.
ومن فوائد الحديث: أن كلمات النبي صلى الله عليه وسلم كلمات جامعة "ازهد في الدنيا" هذه كلمة موجزة ازهد في الدنيا يشمل الزهادة المال والزهادة في الجاه، والزهادة في المركوبات، الزهادة في المسكن، والزهادة في كل شيء، ولو أردت أن تعدد ما يتعلق بالدنيا لتعبت لكن الرسول صلى الله عليه وسلم جمعها في كلمة واحدة.
ومن فوائد الحديث: إثبات محبة الله عز وجل لقوله: "يحبك الله"، وأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله يحب محبة حقيقية، وأهل التعطيل يقولون إن الله لا يحب وأن محبته كناية عن ثوابه فيفسرون الشيء بلازمه مع إنكاره.
ومن فوائد الحديث: أن من لم يزهد في الدنيا وتعلق بها وصارت أكبر همه، فإن ذلك من أسباب انتفاء محبة الله عنه وهذا من المفهوم.
ومن فوائد الحديث: الحث على الزهد في الدنيا لأنها إذا كانت سبباً لمحبة الله فلا ينبغي للعاقل أن يفوت هذا.
ومن الفوائد الحديث: الحث على الزهد فيما أيدي الناس لماذا؟
لأجل أن ينال محبة الناس، أما الإنسان لو لم يزهد فيما في أيديهم فإن الناس سوف يستقلونه ولا يحبونه، مثلاً إنسان كلما رأى شخصاً ما يعجبه يقول: هذا جيد، ويرده يقول هذا لعل صاحبه يقول: تفضل، إذا لم يقل هذا ترقى إلى درجة أخرى يقول: هذا زين أعطني إياه وهكذا حتى يعطيه إياه ولا شك أن كثيراً من الناس إذا رأى من شخص أنه يحب ما في يده يعطيه إياه إذا لم يكن لضروراته لكنه سوف يستثقل هذا الرجل، وربما يكرهه حتى لو كان ذا عبادة وأحبه لله فستنقص محبته، كذلك ايضاً بعض الناس لا يطلب أموالهم على سبيل التملك لكن على سبيل الاستعارة يستعير، ربما وهو في غير حاجة لكن مرض في القلب أنه يطمع فيما في أيدي الناس، هذا لا شك أن الناس تقل محبتهم له.
من فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يسعى فيما يكون سبباً لمحبة الناس له دليل هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر الرجل على قوله بحب الناس وإلا لقال له: ما يهمك من حب الناس أحبوك أم كرهوك، لكن ينبغي للإنسان أن يفعل بكل ما يستطيع كل وسيلة توجب أن يحبه الناس وفضل الله يؤتيه من يشاء، أحياناً لا يملك الإنسان حتى يفعل ذلك لكن ينبغي للإنسان إذا لم يكن ذلك من طبيعته أن يتطبع به.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 341)

‌‌كيف يكون العبد محبوباً من الله؟
1415 - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي". أخرجه مسلمٌ.
"إن الله يحب": هذه جملة مؤكدة بـ "إن" والمحبة صفة حقيقة ثابتة لله عز وجل فهو سبحانه وتعالى يحب من شاء من الأشخاص والأعمال والأزمان والأماكن، محبة الله تتعلق بهذا كله، "أحب البلاد إلى الله مساجدها" هذه متعلقة بالأماكن، في الأزمان "أحب العمل إلى الله تعالى الصلاة على وقتها" هذا يتعلق بالأعمال والأزمان؛ لأن أول الزمن محبوب إلى الله عز وجل الأشخاص إن الله يحب المتقين هذا عموم هناك خصوص "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله وبحبه الله ورسوله"، هذه مقيدة بشخص، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي كان يقرأ ويختم "بقل هو الله أحد" لأنها صفة الرحمن، قال: "اخبروه بأن الله يحبه"، هنا يقول: إن الله يحب العبد هل العبودية الكونية أو الشرعية؟
العبد بالعبودية الشرعية؛ لأن العبد بالعبودية الكونية دون الشرعية لا يحب الله، كالكافر عبد الله -تعالى- بالعبودة الكونية؛ لأن الله تعالى يفعل فيه ما شاء. إذن العبد بالعبودية الشرعية، الصفة الثانية التقي يعني: متق لله عز وجل والتقوى: هي فعل ما يقي من عذاب الله بطاعة الله -تعالى- بأوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمل ما قيل في التقوى، "الغ ني" يعني: الغني عن غير الله هو غني بنفسه قانع بما أعطاه الله لا يسأل الناس ولا يلحف في المسألة، والوصف الرابع: "الخفي" إنسان خفي لا يحب الظهور، ولأن أهم ما عنده هو محبة الله له ورضا الناس عنه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رُب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" هذا الأشعث الأغبر المدفوع بالأبواب خفي ما يُعرف ولا يؤذن له فيدخل، وقال صلى الله عليه وسلم: "طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله إن كان في الساقة كان في الساقة وإن كان الحراسة كان في الحراسة ولا يبالي بنفسه -أي مكان يوضع فيه- إن شفع لم يشفع وإن سأل لم يعط" فالإنسان الخفي الذي لا يحب أن يتظاهر أمام الناس هذا هو الذي يحبه الله، أما الذي يحب أن يظهر وتجده إذا جلس في المجلس قام يتحدث وكأن لم يكن في المجلس سواه أو إذا جلس في مجلس قام يلحف في المسألة إذا

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 342)

كان حوله طالب علم ما تقول كذا ثم كيف تجمع بين هذا وبين هذا وكأنه يفصل ويبين أنه من أكبر العلماء، كن خفياً تكن عند الله تعالى عظيماً رفيعاً
في هذا الحديث فوائد: منها: إثبات محبة الله عز وجل لقوله: "إن الله يحب" ومنها الحث على هذه الأوصاف الأربعة وهي تحقيق العبودية لله عز وجل، والثاني التقوى والثالث الغني عما في أيدي الناس، والرابع الخفاء، هذه الصفات يحبها الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخبرنا بها إلا حثاً عليها.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يستغني عما في أيدي الناس بل ويستغني عن الناس فلا يطلبنّ من أحد شيئاً إلا عند الضرورة لا يطلب مالاً ولا يطلب مساعدة ولا يطلب شفاعة ولا يطلب أي شيء إلى عند الضرورة؛ لأنه لا يتحقق كونه غنياً إلا بهذا.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يكون خفياً لكن هل يلزم من ذلك أن نأمره بالعزلة؟
الجواب: لا، لا نقول: اعتزل الناس، لكن نقول: لا تحرص على إبراز نفسك، ثم اعلم أنك إذا أخفيت نفسك وكنت أهلاً لأن تظهر وتبرز فإن الله سوف يظهرك ويبرزك ويعلم الناس بك، أما العزلة فأصح الأقوال فيها أنها إذا كانت دفاعاً عن الدين فهي خير، وإلا فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
إذن خالط الناس واصبر على أذاهم، وقول الرسول: "ويصبر على أذاهم" يدل على أن هذا الرجل كان يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؛ لأن الذي لا يتعرض للناس لا يؤذونه، لكن الذي يتعرض هو الذي يؤذى، وقد قال لقمان لابنه: {يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} [لقمان: 17].

‌‌من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه:
1416 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". رواه الترمذي، وقال حسنٌ.
"من" هنا للتبعيض، وهي خبر مقدم، وتركه مبتدأ مؤخر، "ترك ما لا يعنيه" أي: ما لا يهمه ولا تتعلق به حاجته ولا ضرورته بل لا شأن له به، فإذا رأيت الرجل يترك هذا الشيء ولا يتعرض للسؤال عما لا يعنيه فاعلم أنه حسن الإسلام لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 343)

ففي الحديث فوائد: أولاً: أن الإسلام منه حسن ومنه ما ليس بحسن، وأن لحسن الإسلام علامات منها هذه العلامة.
ومن فوائد الحديث: الحث على ترك الإنسان ما لا يعنيه، وجه ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ذلك من حسن إسلام المرء، وبه نعرف أن أولئك القوم الذي يسألون الناس إذا رأوهم يتكلمون بكلام سر ماذا قال لك؟ وماذا أجبت؟ هل هذا يعنيك؟ أو يتحسسون على الناس ليسمعوا ما قالوا هل هذا يعنيك لا يعنيك، فالذي يعنيك ابحث عنه والذي لا يعنيك اتركه وأنت إذا سلكت هذا المسلك فإنك سوف تستريح؛ لأن الإنسان إذا بحث عن الأشياء التي لا تعنيه فقد يسمع ما لا يسره بل قد يسمع ما يسوءه.
ومن فوائد الحديث: أن ما يعني المرء فإن عليه أن يبحث عنه، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله" وهل من ذلك أي: من ترك ما لا يعني ألا يتكلم إلا بخير؟
الجواب: نعم، إذا كان لا يتكلم إلا بخبر فقد تركت ما لا يعنيك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". فإذا جمعت هذا الحديث مع الحديث الذي معنا صار في ذلك انضباط الأقوال وانضباط الأفعال.

‌‌النهي عن الإسراف في الأكل:
1417 - وعن المِقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه". أخرجه الترمذي وحسنه.
"يكرب" مجرورة بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه مركب تركيباً مزجياً، يعني: مزج أحد الاسمين بالآخر مثل حضرموت مركباً تركيباً مزجياً، وهناك تركيب يسمى تركيباً إسنادياً، مثل الشنفري وأصله: الشن فري، ومثل رجل يسمى شاب قرناها جاء شاب قرناها هذا مركب تركيباً إسنادياً، هناك تركيب إضافي مركب من مضاف ومضاف إليه مثل كتاب محمد، وهناك تركيب عددي يعني: يركب أحد العددين مع الآخر مثل ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، على كل حال هذه الأنواع تختلف من حيث الإعراب، المركب تركيباً مزجياً يرفع بالضمة وينصب بالفتحة ويجر بالفتحة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ" ما: نافية وملأ فعل ماضي ووعاء مفعول ملأ، وشراً صفة ومن بطن واضح.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أن يملأ الإنسان الآنية حليباً" بملأ الإنسان حليباً ليشربه الناس هذا طيب،

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 344)

يملأه طعاماً يأكله الناس هذا طيب لكن هذا الوعاء الذي ذكر الرسول -وهو البطن- هذا لا يملأه فما ملأت وعاء شراً منه، والبطن وعاء لأنه مقر الطعام والشراب، ويسمى المعدة يقول الرسول: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه" أي: من معدته؛ لأن ملأ البطن سبب للغفلة وكثرة النوم وسبب لأمراض تأتي من تركيب الغذاء وكثرته، والمعدة ليست كيساً يمتلأ طعاماً ثم يفرغ، المعدة معمل يعني: يشتغل بالطعام الذي يوضع فيه هذا المعمل إذا أثقلت عليه فلابد أن يتعب؛ ولهذا قال بعض الناس: لا تأكل طعاماً على طعام فإن إدخال الطعام على الطعام من المهلكات، ومثل لذلك قال: لو أعطيت رجالاً يعملون عملاً وقلت لهم: اعملوا هذا وهو عمل مؤلم ثم أتيت لهم بعمل آخر قلت لهم اعملوه ماذا يكون؟
سيتعبون إما أن يدعو العمل الأول على عَجِرَه وإما أن يتعبوا تعباً عظيماً، هكذا المعدة ولهذا نقول: لا تملأ المعدة، وما الأمراض الحديثة الأخيرة كمرض السكر ونحوه إلا بأسباب الكثرة - كثرة الأكل، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن الأمراض المركبة من الغذاء المركب الآن كم يقدم على الغداء من نوع؟
بعض الناس يقدم ثمانية أو تسعة أصنافاً هذه الأغذية تختلط ويختلط الغذاء بالدم جسم مركب من عدة أغذية ويطلب علاجاً، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله وهو حق: ولذلك كانت البادية أقل الناس أمراضاً مركبة وأسهلهم معالجة؛ لأن معالجتهم لا تحتاج إلى تعب.
هذا الحديث في آخره: "فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"، وهذا هو العدل، الطعام يحتاج إلى شراب، ولهذا يقول الله: {وكلوا واشربوا} [الأعراب: 187]. اجعل الطعام له الثلث والشراب الثلث وثلث للنفس لتتنفس ويتسع نفسك، وهذا لو أننا مشينا عليه ما أصبنا بالأمراض إلا أن يشاء الله، لكن هذا من أسباب الوقاية ويذكر أن بعض الأوروبيين لا يشبعون في الأكل، لكن يكثرون عدد الوجبات، نحن نأكل ثلاث مرات هم يأكلون خمس مرات، لكنهم لا يكثرون الأكل وهذا هو الترتيب الصحي كُل قليلاً وإذا جعت فكل.
في هذا الحديث فوائد: منها أن الشريعة الإسلامية جاءت بدواء القلوب، ودواء الأبدان.
وجه ذلك: أن هذا القدر من الغذاء هو المناسب للطلب تماماً.
ومنها: أن الشريعة الإسلامية جاءت بتوقي الأسباب الموجبة للأذى تؤخذ من النهي على ملء البطن لأنه موجب للأذى، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: لا يحل للإنسان أن يأكل أكلاً يتأذى به، بعض الناس الآن ما شاء الله يأكل كثيراً ويملأ بطنه حتى إنه لا يكاد يستطيع القيام من ملأ البطن ثم بعد ذلك يطلب أشربة تهضم، الواحد يلطخ بدنه بالنجاسة ثم يبحث ما يطهرها به؟ من الأصل لا تفعل.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 345)

فإن قال قائل: اليس أبو هريرة رضي الله عنه قد شرب لبناً حتى لم يجد له مكاناً؟
قلنا: بلى لكن النادر لا حكم له، وهذا شيء نادر والرسول صلى الله عليه وسلم عذره من أجل أنه كان جائعاً من قبل حتى يعرف قدر نعمة الله، وهذا من حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أحياناً يجعل للمرء ما يقابل حاله التي كان عليها حتى يعرف حكمة الله ونعمته كما فعل مع جابر في جمله.
جابر كان معه جمل قد أغيا وأراد جابر أ، يتركه فلحقه النبي صلى الله عليه وسلم فضرب الجمل ودعا له فانطلق الجمل يمشي حتى كان في أوائل القوم، وكان في الأول في أخريات القوم، وكان جابر سيسيبه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه صار الجمل على هذا الوجه ثم قال: بعنيه بأوقية فقال: لا، كان في الأول يريد أن يسيبه والآن امتنع أن يبيعه على أشرف الخلق، والرسول هو السبب أيضاً في أنه صار يمشي قوياً ومع ذلك أبى، لكنه قال: بعنيه فلما رأى النبي صلى الله وسلم متمسكاً به يعني لما رأى جابر النبي صلى الله عليه وسلم متمسكاً به باعه عليه، لما وصلا المدينة أعطاه الثمن، وقال له: "أتراني ماسكتك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك" هذا الكرم وهذا الامتحان أراد أن يمتحن هذا الرجل، كان بالأول كارهاً لهذا الجمل ثم صار راضياً به ثم باعه ثم جاءه الجمل والثمن، وأصل شراء النبي صلى الله عليه وسلم له من أجل الاختبار والامتحان إذن نقول: مما ينبغي للإنسان أن يأكل ثلثاً ويشرب ثلثاً ويتنفس في ثلث، هذا الذي ينبغي أن يكون عليه غذاؤك دائماً لكن النادر لا حكم له يعني: لو جاز لك الطعام أو الشراب وملأت بطنك منه أحياناً فلا بأس أما أن تجعل هذا ديدنك فلا.

‌‌التوبة فضلها وشروطها:
1418 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاءٌ، وخير الخطائين التوابين". أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وسنده قويٌّ.
"كل" مبتدأ و"خطَّاء" خبره، أي: كثير الخطأ، لأنه لم يقل: كل بني آدم يخطء، قال: "خطاء" أي كثير الخطأ وما أكثر خطأنا، والخطأ يدور على شيئين: إما ترك واجب وإما فعل محرم، وأينا سلم من ترك الواجب؟ نسأل الله العفو، أينا يسلم من ترك المحرم كذلك "وخير الخطائين التوابين" أي: الرجَّاعون عن خطئهم إلى الله عز وجل حتى لو تكرر؛ لأن كلمة خطاء تدل على الكثرة وخير الخطائين التوابون كلما أخطأ تاب، وشيء الخطائين هو الذي لا يتوب ولا يبالي ولا يهتم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 346)

ويستغفرون الله فيغفر لهم"، أنت وإن كثر خطؤك لا تيأس تُب إلى الله ويمحى الخطأ حتى ولو تكرر، واعلم أن التوبة هي: الرجوع إلى الله عز وجل من معصيته إلى طاعته وشروط قبولها خمسة:
الأول: إخلاص النية لله، والثاني: الندم على ما وقع، والثالث: الإقلاع عنه في الحال والرابع: العزم على ألا تعود، والخامس: أن يكون هبل رد التوبة.
الأول: الإخلاص لله وهذا أساس كل عمل صالح لابد فيه من الإخلاص لله وإلا كان مردوداً كما قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".
الثاني: الندم بحيث يتحسر ويتأسى، والا يكون فعله للذنب وعدمه سواء.
والثالث: الإقلاع عن الذنب.
والرابع: العزم على ألا يعود.
والخامس: أن يكون قبل وقت رد التوبة، لو تاب الإنسان إرضاءً لوالده لا تقرباً إلى الله تعالى أتقبل التوبة؟
لا، لابد من الإخلاص لله عز وجل لو تاب بلا ندم وأقلع عن الذنب لكن كأن الذنب لم يمر عليه ولا نَدِمَ ولا تأثر هذا أيضاً لا تقبل توبته؛ لأنه لابد من أن يشعر الإنسان بأنه مذنب.
والثالث: لو تاب الإنسان من السرقة، إنسان سرق وتاب من السرقة، ولكن المال المسروق لم يرده إلى صاحبه أيقبل؟ لا، لأنه لم يقلع.
إذا قال قائل: الإقلاع بالنسبة للأموال واضح أن الإنسان يرد الأموال إلى أهلها، لكن إذا كان الإنسان لا يعلم أهلها بأن كان قد أخذ دراهم من إنسان وتاب ولكن لا يدري وهذا يقع أحياناً، مثلاً يأخذ من صاحب الدكان حاجة وينتقل صاحب الدكان ولا يدري أين ذهب ماذا يصنع؟
يتصدق بها تخلصاً منها لصاحبها، فإن تصدق بها تقرباً إلى الله لم تنفعه ولم تنفع صاحبها، لأنها لا تقبل حيث إنها حرام، ولن تنفع صاحبها لأنه لم ينوها له فيطالبه صاحبها بها يوم القيامة، إذا كانت المظلمة غير مال، مثلاً إنسان اغتاب شخصاً فكيف يتخلص؟
قال العلماء: يذهب إلى هذا الرجل الذي اغتابه ويقول: سامحني حللني، وإذا قال سامحني حللني هل من المستحسن أن يقول: ما الذي قلت فيَّ؟ لا.
إذن يسامحه عن حق مجهول ولا يضر ولا يسأل لأنه ربما لو سأله وأخبره كان ذلك عظيماً في نفسه ثم لا يسامحه، لكن إذا قال: أنت مسامح فهذا طيب ولو كان مجهولاً.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 347)

وقيد بعض العلماء ذلك بأن كان صاحبه الذي اغتابه قد علم بالغيبة فليتحلل منه وإن لم يعلم ووثق أنها لم تبلغه فالأولى الا يتحلل منه؛ لأنه ربما لو تحلل منه لأبى ولكن يستغفر الله كما جاء في الحديث كفارة من اغتبته "فاستغفر له" ويثني عليه بالخير في المجالس التي كان يغتابه فيها، لكن لا شك أن الذي تطمئن إليه النفس هو أن يذهب ويصارحه فإن هداه الله فهذا المطلوب وإن لم يسمح له فإذا علم الله من نية هذا التائب صدق فإن الله جل وعلا يتحمل عنه.
الرابع: وأن يعزم على ألا يعود أو الشرط ألا يعود؟
أن يعزم على ألا يعود؛ لأنك لو قلت: شرط ألا يعود ثم عاد مرة ثانية بطلت نوبته الأولى لكن إذا قلت: العزم على ألا يعود صحت التوبة، ثم إن عاد مرة ثانية احتاج إلى تجديد توبة للذنب الثاني، إذن إذا عزم على ألا يعود صحت التوبة وإن كان متردداً هل تقبل توبته؟
لا، لأنه لم يعزم على ألا يعود ولا بد أن يعزم على ألا يعود.
الخامس: وهو أمهما بعد الإخلاص أن تكون التوبة في وقت لا ترد فيه التوبة، والوقت الذي ترد فيه التوبة نوعان: خاص وعام، فالخاص حضور أجل كل إنسان كل من حضر أجله وتاب بعد حضور الأجل لم يقبل منه لقوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} [النساء: 18] وانظر إلى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب قال: "قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"، قد تنفع وقد لا تنفع ولقد غرق فرعون وأحسن بالهلاك ماذا قال لما أدركه الغرق قال: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90]. فقيل له: {ءآلآن} يعني: الآن تسلم {وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} [يونس: 91، 92]. يعني: بدنك يظهر ويبرز لأن فرعون قد أرعب بني إسرائيل، وربما إذا لم يروه ويشاهدوه ربما يكون في نفوسهم أنه لعله نجا، أو لعله ينجو لكن إذا راوه ميتاً طابت نفوسهم؛ ولهذا قال: لتكون لمن خلفك آية، أما النوع الثاني من الوقت الذي ترد فيه التوبة فهو العام وذلك عند طلوع الشمس من مغربها هذه الشمس العظيمة تشرق من المشرق فتغرب من المغرب فإذا أذن الله تعالى في انقطاع التوبة خرجت من المغرب وحينئذٍ يؤمن كل إنسان ويتوب كل إنسان لكن يقول الله عز وجل: {يوم يأتي بعض آيات ربك} وهو طلوع الشمس من مغربها {لا ينفع نفساً إيماناً لم تكن آمن من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} [الأنعام: 158]. إذن خير الخطائين التوابون أي: كثيروا الخطأ كثيروا التوبة، والتوبة عرفتم شروطها.

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 348)

‌‌فضل الصمت وقلة الكلام:
1419 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصمت حكمةٌ، وقليلٌ فاعله". أخرجه البيهقي في الشعب بسندٍ ضعيفٍ، وصحح أنه موقوفٌ من قول لقمان الحكيم.
"الصمت" يعني: السكوت، "حكمة" يعني: وضع للشيء في موضعه، "وقليل فاعله" قليل خير مقدم، و"وفاعله" مبتدأ مؤخر يعز أن قليل، ولا شك أن الصمت أسلم من الكلام المتكلم به أمرين إما مفيد وإما باطل، وهذا هو الغالب، لكن الصامت سالم فالصمت حكمة ولكن هذا كما قال المؤلف ليس من قول الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي من قول لقمان الحكيم أو غيره ما ندري هل تصح عن لقمان أو لا؛ لأن لقمان الحكيم ذكر الله عنه أشياء من سورة لقمان.
واعلم ان كل ما ينقل عن الأمم السابقة إذا لم يكن في القرآن أو في صحيح السنة فإنه لا يقبل لأن الله تبارك وتعالى قال: {ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعده لا يعلمهم إلا الله} [إبراهيم: 9]. إذن علم الأمور السابقة لابد أن يكون في القرآن أوفي السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن لننظر في هذا الكلام هل الصمت حكمة في كل حال؟
لا، قد يكون الصمت سفهاً إذا رأى الإنسان منكراً هل نقول: اسكت؟
لا، نقول: السكوت هنا سفه وحرام أيضاً؛ لأن من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار وعلى هذا فليس هذا القول على إطلاقه بل فيه تفصيل أما قليل فاعله يعني: قليل من يسلك هذا السبيل وهو السكوت هذا صحيح أكثر الناس يحبون الكلام ويتكلمون حتى إنك تجد المسألة توضع أو تطرح ويتكلم عنها من ليس من أهل الكلام فيها ربما يأتي الإنسان بقول ماذا نقول في رجل صلى وهو آكل لحم إبل جاهلاً ويوجد طلبة علم ويوجد عوام قال لك العامي: ما يضر هذا ما يخالف، الله يقول في محكم كتابه: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286]. هذا نقول: الصمت في حقه حكمة والكلام سفه، لكن قليل من يفعل هذا أي: أن كثيراً من الناس يتكلمون في موضع لا ينبغي أن يتكلموا فيه.
* * *

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 349)

‌‌4 - باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
لما كانت الأمور لا تتم إلا بإثبات ونفي جعل العلماء رحمهم الله باباً للترغيب وباباً للترهيب ليكمل سير الإنسان وأخلاق الإنسان؛ لأن الأخلاق قسمان: أخلاق مطلوبة يرغب فيها، وأخلاق غير مطلوبة يرهب منها، ولهذا قال: باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، والأخلاق جمع خلق وهي الصورة الباطنة أي: ما يتخلق به الإنسان، لأننا نقول: خَلق وخُلُق، الخَلق الصورة الظاهرة والخُلُق الصورة الباطنة أي: ما يتخلق به الإنسان، الأخلاق منها سيئ ومنها حسن ومنها ما لا يوصف بسوء ولا حسن.

‌‌النهي عن الحسد:
1420 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل الناء الحطب". أخرجه أبو داود.
- ولابن ماجه: من حديث أنسٍ نحوه.
قوله: "إياكم والحسد" الجملة هذه جملة تحذيرية أي: أحذركم الحسد، لكن قدم الضمير اهتماماً بالأمر.

‌‌تعريف الحسد وأقسامه:
والحسد هو: تمني زوار نعمة الله من غيرك، بأن يتمنى الإنسان أن يزل الله النعمة عن غيره سواء تمنى أن تزول النعمة إليه أو أن تزول النعمة عن غيره لا إليه، أو ان تزول النعمة عن غيره إلى غيره بالأقسام ثلاثة، كل هذا من الحسد هذا هو المعروف عند جمهور العلماء في تعريف الحسد، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحسد كراهة نعمة الله على الغير أن يكره أن ينعم الله على غيره وهذا أعم، فإذا رأيت نفسك تكره أن ينعم الله على غيرك بعلم أو مال أو خُلُق أو صحة أو ما أشبه ذلك فاعلم أن فيك شيئاً من الحسد حاول أن تقضي عليه؛ ولهذا قال الله عز وجل: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله} [النساء: 32]. لكن لا تتمن أن نعمة الله على فلان تأتي إليك بل اسال الله من فضله فالذي أعطاه قادر على أن يعطيك، وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أي: الحسد يأكل حسنات الحاسد كما تأكل النار الحطب، والنار وإذا أوقدت على الحطب أكلته، وهذا تعليل بالحكم فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الحسد ذهاب الحسنات كيف تذهب الحسنات؟

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 350)

نعم، للمفاسد العظيمة التي تحصل بالحسد فمنها اعتراض الحاسد على حكمة الله عز وجل لأنك إذا كرهت ما أنعم الله به على غيرك فهذا اعتراض، كأنك تقول: هذا الرجل لا يستحق هذه النعمة، ففيه اعتراض على القدر، كذلك أيضاً الحسد لا يخلو غالباً من البغي على المحسود فنجد الحاسد يبغي على المحسود إما بلسانه أو بفعاله من أجل أن تزول هذه النعمة ومنها أيضاً أن الحاسد دائماً يكون قلياً ضيق الصدر حتى إنه ربما لا يطيب له الأكل ولا النوم وكلما ازدادت نعمة الله على المحسود ازداد نكداً وهمًّا وغمًّا، ومعلوم أن النكد والهم والغم يوجب انقباض النفس وعدم انشراح الصدر بالطاعات وغيرها، حتى إنه ربما يكون يصلي وقلبه يفكر فيما أنعم الله به على المحسود فيقل ثواب الحسنات.
ومنها: أن الحاسد ينحسر أن يسبق المحسود بما أنعم الله به عليه فمثلاً إذا رأى طالب علم قد فضله في العلم تجده يقول: ليس لي حاجة أن أتعب لأنني لن أصل إلى درجة فلان فيتوقف عن الخير بسبب الحسد، وأول من حسد فيما نعلم إبليس، فيكون الحسد إذن من اتباع خطوات الشيطان والتأسي بالشيطان وهذا من مفاسده، وله مفاسد كثيرة لكن هذا الذي يحضرني منها الآن، فالحسد فيه شر كثير.
فإذا قال قائل: الحسد في الواقع غريزة كل إنسان يعرف نعمة الله على أحد يتمنى أن يكون له مثلها.
قلنا: هذا ليس الحسد المذموم هذا الحسد يسمى حسد غبطة ولا بأس به، ولكن احمل نفسك على أن تصل إلى ما وصل إليه هذا الإنسان إن كنت تحسده على علم فاحمل نفسك على طلب العلم حتى تصل إلى ما وصل إليه، إن كنت تحسده على جاه فاحمل نفسك على أن تكون حسن الأخلاق سليم الصدر محسناً إلى الناس باذلاً نفسك لهم وحينئذٍ يكون لك عندهم جاه وهلم جرا، وهذا ليس الحسد المذموم هذا يسمى حسد الغبطة، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا حسد إلا في اثنتين".

‌‌ذم الغضب:
1421 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفقٌ عليه.
"ليس الشديد" يعني: ليس القوي بالذي يصرع الناس، والصرعة في صيغ المبالغة أي كثير الصرع قوي الصرع، مثل: همزة لمزة يعني: كثير الهمز واللمز فالصرعة هو كثير الصرع قوي

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 351)

الصرع، والمصارعة المغالبة أيهما يصرع صاحبه ويضرب به على الأرض، وهذه المصارعة لها أساليب ليست مبنية على قوة الشخص، قد يكون الشخص قوياً فيصرعه من هو دونه، فلها أساليب معينة وهي عند الناس الآن فن من فنون الرياضة ولها عشاق لكنهم في الواقع يضيعون أوقاتهم في غير فائدة، فهل الشديد القوي هو الذي يغلب الناس إذا صرعهم؟
لا، ويذكر أن ركانة بن يزيد كان قوياً شديداً لا يصرعه أحد حتى إنه من قوته قالوا: إنهم يضعون جلد الثور تحت قدميه ويأتي أقوى الرجال ويجر الجلد من تحت قدمه فيعجز ويتقطع الجلد دون أن تزول قدماه، وهذا يدل على أنه قويٌّ جداً، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسم وطلب من الرسول أن يصارعه قال: إن صرعتني يا محمد عرفت أنك نبي وأسلمت فصارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم فلما صرعه آمن، وهذا لا شك انه من فوائد قوة الجسم وحنكته، وقوله: "وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، القوي الذي يملك نفسه عند الغضب، والغضب هو جمرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان" ولهذا تجده يحتمي ويظهر دمه على جسمه يحمر وجهه وعيناه وترتعد أطرافه وينتفش شعره من قوة ما يجري، "الشديد هو الذي يملك نفسه إذا غضب" ولا ينفذ مقتضى غضبه.
ولهذا جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال أوصني قال: "لا تغضب" قال أوصني، قال: "لا تغضب" قال أوصني، قال: "لا تغضب".
* والغضب ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مبتدأ الغضب وهذا يعتري كل إنسان ولا يمنع تصرف الإنسان في نفسه.
والثاني: منتهى الغضب وهذا هو الذي يستولي على الإنسان حتى لا يدري ماذا يقول ولا ماذا يفعل ولا هل هو في الأرض أو في السماء وهذا يقع.
والثالث: وسط بين هذا وهذا وهذا الغضب شديد لكنه يحس بنفسه ولكن الغضب يضغط عليه، فأما الأول وهو الغضب في ابتدائه فحكم تصرف من اتصف به النفوذ، تصرفه نافذ في كل شيء إن حكم بين الناس فحكمه نافذ إن طلق زوجته فطلاقه نافذ إن أعتق عبده فعتقه نافذ كل تصرفاته نافذة هذا متى؟
مبتدأ الغضب، وهذا بإجماع العلماء ولم يختلف فيه أحد وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم القضاء وهو غضبان في قصة الزبير وصاحبه الأنصاري.
الثاني: الغضب الذي يصل بصاحبه إلى حد لا يشعر بنفسه فهذا لا عبرة بتصرفه باتفاق العلماء لأنه ذهب عن وعيه ولذلك تجده ربما يضرب أولاده بعضهم ببعض يأخذ الولد الصغير يجعله عصاً يضرب به الكبير، أشياء عجيبة تذكر عن بعض الغاضبين أشد من المجنون هذا

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 352)

حكمه لا ينفذ، إن قال قولاً لم يعتبر وإن فعل فعلاً لم يعتبر إلا فيما لا يشترط فيه العقل كالجناية على الآدمي، هذا لو جنى لابد أن يؤخذ منه حق الآدمي.
الثالث: الوسط وسط بينهما فهذا اختلف العلماء فيه رحمهم الله هل يعتبر بقوله أو لا؟ والصحيح أن قوله غير معتبر؛ لأنه يقول القول وهو غير مريد له، ومن ذلك إذا طلق زوجته وهو غضبان بهذا الغضب فإن الصحيح أن طلاقه لا يقع، وكذلك لاو أعتق عبده فإن العتق لا يقع ولو أوقف أملاكه فإنه لا ينفذ ولو باع شيئاً لم ينفذ، المهم القاعدة أن من كان هذا غضبه فإنه لا ينفذ تصرفه، هذه أقسام الغصب وقد تبين هذه الأقسام ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان -غير الكتاب الكبير المعروف- في عدم وقوع طلاق السكران.
من فوائد الحديث: الثناء على من يملك نفسه عند الغضب لقوله: "إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
ومن فوائده: الحث على ضبط النفس عند وجوب ما يثيرها لأن الإنسان عندما يحصل له ما يثير نفسه ربما يتكلم بكلام لا يجوز، أو يفعل أفعالاً غير جائزة.
ومن فوائد الحديث: أن من يملك نفسه عند الغضب أشد ممن يصارع فيصرع لقوله صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بهذا ولكن كذا وكذا مع أن المصارع الذي يصرع الناس شديد قوي لكن حقيقة الأمر أن الذي يضبط نفسه عند الغضب هو أشد منه وأقوى.
ومن فوائد الحديث: حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث بين للناس الحكم أو الحال بأشياء محسوسة لأن كل واحد من الناس يعرف أن الذي يصارع الناس فيصرعهم يعرف أنه قوي شديد فبين الرسول صلى الله عليه وسلم من هو أحق منه بأن يوصف بالشدة، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب.

‌‌النهي عن الظلم والشح:
1422 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظلم ظلماتٌ يوم القيامة". متفقٌ عليه.
1423 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم". أخرجه مسلمٌ.
في هذين الحديثين: التحذير من الظلم فما الظلم؟

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 353)

‌‌تعريف الظلم لغة وشرعاً:
الظلم: في الأصل هو النقص، ومنه قوله تعالى: {كلتا الجنتين آتت أُكلها ولم تظلم منه شيئاً} [الكهف: 33]. أي: لم تنقص منه شيئاً بل أتت به كاملاً، أما في الشرع فهو العدوان على الغير وعلى النفس أيضاً إما بالتفريط فيما يجب، وإما بالتعدي فيما يحرم عليه يدور الظلم ويكون في المال والنفس والعرض لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرم كحرمة يومكم هذا" الحديث، فمثال الظلم في المال أن يدعي الإنسان على شخص ما ليس له أو أن ينكر ما كان واجباً عليه، الأول ادعى على شخص أنه يطلبه كذا وكذا ثم اقام بينة زور وأخذه هذا تعدٍّ في أخذ ما ليس له، والثاني الذي أنكر ما يجب عليه تعدي فيما عليه وكلاهما ظلم، كذلك أيضاً لو أن إنساناً أخذ مال شخص سرقةً أو غصباً فهذا ظلم؛ لأنه عدوان على الغير، الظلم في النفس أن يعتدي على نفسه إما بقطع عضو أو جرح أو إهانة كرامة بزنا أو لواط أو ما أشبه ذل، وأما العرض فأن ينتهك عرضه فيغتابه أو يقذفه أو غير ذلك، المهم أن الظلم له ثلاثة أشياء المال، والنفس، والعرض، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ظلمات يوم القيامة"، يكون عقوبة الظالم أن يسلب منه النور فلا يكون له نور، فيكون بمنزلة الكفار والمنافقين؛ لأن المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم وأيمانهم أما الكافر فليس له نور وأما المنافق فيعطى نوراً ثم ينزع منه هذا الذي يظلم يكون ظلمه ظلمات عليه يوم القيامة.
في الحديث: التحذير من الظلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر الوعيد على عمل فإنه يكون أشد مما لو نهى عنه فقط؛ لأن النهي عن الشيء بدون ذكر الوعيد يجعله من صغائر الذنوب، وذكر الوعيد يجعله من كبائر الذنوب.
وعلى هذا فنقول في هذا الحديث: تحريم الظلم.
وفيه أيضاً: أن الجزاء من جنس العمل لما ظلم الناس في الدنيا أظلم الله عليه يوم القيامة.
وفي الحديث أيضاً: إثبات يوم القيامة وهو اليوم الذي يبعث فيه الناس لله عز وجل وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة: الأول أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله عز وجل دليل قوله تعالى: {ليومٍ عظيمٍ * يوم يقوم الناس لرب العالمين} [المنافقون: 5 - 6].
الثاني: أنه تقام فيه الأشهاد كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51].
الثالث: انه يقام فيه العدل: لقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً} [الأنبياء: 47].

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 354)

ويستفاد من حديث جابر: وجوب اتقاء الظلم؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب لا سيما وأنه علله بقوله: "فإن الظلم ظلمات يوم القيامة". فيكون حينئذ من الكبائر.
ومن فوائد حديث جابر: أن التقوى ليست خاصة بالله عز وجل بل تكون لله وللمخلوقات فهنا اتقوا الظلم وجهت إلى الظلم، وهو عمل من أعمال الإنسان وفي قوله: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281]. أضيفت إلى زمن، وفي قوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131]. أضيفت إلى مكان، وفي قوله تعالى: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [الممتحنة: 11]. أضيفت إلى الله عز وجل لماذا؟
لأن أصل التقوى اتخاذ وقاية والإنسان يتخذ وقاية من الرب عز وجل ومن عقوباته وعذابه.
ومن فوائد الحديث: أن الظلم من كبائر الذنوب كما سبق وقوله: "واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم" الشح: الطمع فيما عند الغير، فهو محاولة اخذ ما ليس له، والبخل منع ما يجب عليه بذله وتارة نسمع الشح والبخل فنقول: الشح الطمع فيما عند الغير والبخل منع ما يجب بذلك من علم أو مال أو عمل.
وفي الحديث: "البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصل عليّ" فهذا بخل بعمل، وإذا قلت: سألت فلاناً من العلماء ولم يجبني، فهذا بخل بالعلم وإذا قلت: سألت فلاناً مالاً ولم يعطني فهذا بخل بالمال، أما الشح فهو الطمع فيما عند الغير وأيهما أشد؟
الشح، لأن منع ما عندك أهون من طلب ما ليس عندك، قال: "فإنه أهلك من كان قبلكم" أهلكهم إهلاكاً حسياً لأنهم بذلك سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.
ففي هذا الحديث أيضاً: تحريم الشح لقوله: "اتقوا الشح".
فإن قال قائل: إن الله -تعالى- جعل الشح في كتابه من طبائع النفوس فقال تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128]. فكيف ندفع ما كان من طبيعة النفوس؟
قلنا: هو كسبيٌ، الشح أمر كسبي والأمر الكسبي يمكن للإنسان أن يحترز منه ويتخلى عنه وإن كانت النفوذ مجبولة على محبة المال لكن الإنسان يغلبه دينه حتى يطفئ عنه حرارة الشح.
ومن فوائد الحديث: الاعتبار بمن خلال من الأمم لقوله: "فإنه أهلك من كان قبلكم".
ومن فوائده: أن ما كان سبباً للعقوبة في الأمم الماضية فإنه يكون سبباً للعقوبة في هذه الأمة، بل لو قال قائل: إنه يكون في هذه الأمة أعظم لأنها أكرم الأمم عند الله، وإذا كانت أكرم

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 355)

وجب عليها من الشكر لله ما لا يجب على غيرها، وانظر إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم: {من يأت منكن بفاحشة مبينةٍ يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30]. {* ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صلحاً نؤتها أجرها مرتين} فلكرمهن عند الله ضوعف لهن في الثواب وضوعف عليهن في العقاب وهذا هو الموافق للفطرة؛ لأننا لو فرضنا أن رجلاً صديقاً لك يظهر المودة في قلبه ولسانه فأساء إليك أدنى إساءة تجد أن هذه الإساءة في حقه عظيمة جداً، لكن لو أساء إليك بها أو بما هو أعظم منها شخص آخر لكان ذلك عندك أهون؛ فلهذا نقول: إذا كان الشح سبباً لإهلاك من قبلنا فإنه سيكون سبباً لإهلاكنا والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: فإنه أهلك من كان قبلكم عبر الخاطر، بل قال ذلك تحذيراً.
إذن يستفاد منه: أن ما جرى على من سبقنا بعمل فإنه يوشك أن يجري علينا بعمل آخر، إلا أنه يستثنى من ذلك مسألة واحدة وهي أن الله -تعالى- أجاب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل الله ألا يهلك أمته بسنة عامة، فهذه الأمة لن تهلك على سبيل العموم كما هلك من هلك من الأمم السابقة.

‌‌الرياء:
1424 - وعن محمود بن لبيدٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر: الرياء". أخرجه أحمد بسندٍ حسنٍ.
لماذا لم يقل: الشرك؟ لأن الشرك خبر إن، وأما قوله: "ما أخاف" هذه صلة الموصول يقول صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم من الأعمال الباطنة هو الشرك الأصغر" المؤلف رحمه الله اختصره فقال: الرياء والحديث بطوله فسئل عنه فقال: الرياء، قال الرياء: هو أخوف ما يخاف علينا من الشرك الأصغر".

‌‌تعريف الرياء لغة وشرعاً:
والرياء: مصدر راءى يرائي يرياءً كجاهد يجاهد جهاداً، هل هناك مصدر آخر لراءى؟
نعم مراءاة كما أن جاهد له مصدر آخر وهو مجاهدة فما هو الرياء؟
الرياء: أن يحسن الإنسان عبادته ليراه الناس فيتقرب إليهم بذلك، وإن شئت فقل: أن يظهر الإنسان عبادته ليراه الناس فيمدحوه بذلك سواء أظهرها على وجه حسن أو على وجه عادي وسمي رياء؛ لأن الإنسان يراعي فيه رؤية الناس، وهل إذا كان يقول قولاً فيظهره للناس من أجل أن يمدحوه عليه هل يدخل في هذا؟ نعم يدخل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به".

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 356)

في هذا الحديث: شفة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته لقوله: "أخوف ما أخاف عليكم".
وفي أيضاً: أن السيئات تختلف بعضها أشد خطراً من بعض لقوله: "أخوف ما أخاف" لأن أخوف اسم تفضيل واسم التفضيل لابد فيه من مفضل ومفضل عليه فالرسول صلى الله عليه وسلم يخاف منا أن نعمل عملاً سيئاً لكن يختلف خوفه بعضه أشد من بعض.
ومن فوائد الحديث: انقسام الشرك إلى قسمين أصغر وأكبر فهل هناك ضابط؟
نقول: الضابط إن أردت ضابطاً حكمياً فهناك ضابط وإن أردت ضابطاً ذاتياً يعني حداً فهناك أيضاً ضابط، أما الضابط الحكمي فيقال: الشرك الأكبر ما يخرج به الإنسان من الملة وهذا يسمى تعريفاً بالحكم، والتعريف بالحكم عند أهل الكلام معيب ومردود كما قال الناظم:
(وعندهم من جملة المردود … أن تدخل الأحكام في الحدود)
وأما التعريف بالحد الذاتي فيقال: الشرك الأصغر ما كان وسيلة لأكبر غالباً، الرياء وسيلة للشرك الأكبر؛ لأنه يتدرج بالإنسان حتى يصل إلى عبادة الناس، هو الآن يعبد الله لكن يزين العبادة ليمدحه الناس عليها فيتقرب بالعبادة إلى الناس، لكنه يجره الأمر إلى أن يعبد الناس، فلهذا نقول: هو شرك أصغر، ورأيت ابن القيم رحمه الله يعبر عن الشرك الأصغر بما يتعلق بالرياء فيقول: يسير الرياء؛ لأن الرياء الكثير الأكبر هذا يحبط العمل، فإذا كان الإنسان يرائي في كل عبادة لم يبق عنده عبادة.
إذن نأخذ من هذا الحديث: انقسام الشرك إلى أكبر وأصغر، والضابط في الحكم أن الشرك الأصغر ما لا يخرج به من الملة، والأكبر ما يخرج به من الملة، في الحد الذاتي نقول: الشرك الأصغر ما كان وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر، من الشرك الأصغر تعليق التمائم لماذا؟
لأنه وسيلة إلى الإشراك في الربوبية حيث يعتقد أن التمائم سبب لمنع الضر أو الشفاء من المرض فيتعلق قلبه بها وربما يتدرج حتى يعتقد أن السبب نفسه هو الذي يكشف الضر فيكون شركاً أكبر.
ومن فوائد الحديث: تحريم الرياء؛ لأنه من الشرك الأصغر، ولكن هل يدخل في الذنوب التي هي تحت المشيئة أو نقول لابد من المجازاة عليه ما لم يتب منه؟
فيه خلاف فمن العلماء من يقول: إن قول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]. يراد به الشرك الأكبر لقوله تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} [المائدة: 72]. وأما الشرك الأصغر فإنه داخل

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 357)

في المشيئة، فتكون كل الذنوب وإن عظمت ما عدا الكفر والشرك داخلة تحت المشيئة، ومنهم من يقول: الشرك أعظم من الكبائر قال ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً، مع أن الحلف بالله كاذباً من كبائر الذنوب فتكون سيئة الشرك سيئة قبيحة لا يمكن أن تدخل تحت المشيئة، ويؤيد هؤلاء قولهم بنفس الآية {إن الله لا يغفر أن يشرك به} قالوا: إن "أن" هنا مصدرية يؤول ما بعدها بالمصدر فيصير تقدير الآية إن الله لا يغفر شركاً به، ويكون شركاً هنا نكرة في سياق النفي فتعم، وعلى كل حال الشرك ولو كان أصغر صاحبه في خطر يجب عليه أن يتوب منه ومن جميع الذنوب، لكنه يتأكد في حقه لأنه ليس داخلاً تحت المشيئة على رأي بعض العلماء، هذا بالنسبة لحكم الرياء لكن ما حكم العبادة إذا اقترن بها الرياء وهذا مهم جداً؟
نقول: إن اقترن الرياء بالعبادة من أصلها فهي باطلة لا تقبل من الإنسان لا فريضة ولا نافلة لقول الله -تعالى- في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" حتى لو كانت صدقة، إنسان رأى الناس يتصدقون فقام يتصدق مراءاة نقول: هذا غير مقبول، أو صلاة رأى الناس ينظرون إليه فقام يصلي هذا لا تقبل صلاته فإن رآءي في وسط العبادة بأن زين صلاته ولكن أصل العبادة لله فهل تبطل العبادة أو يبطل الثواب الحاصل بتحسينها؟
الثاني هذا مقتضى عدل الله أن يحفظ العمل الذي حل فيه الرياء، وأما الأصل فلا يحبط عمله لأنه فعله لله، الآن إذا كان الرياء مشاركاً للعبادة من أصلها فهي باطلة، إذا طرأ عليها يعني أن الرجل قام يصلي لله لكن لما رأى الناس حوله شعر بأنه طرأ عليه الرياء في أثناء العبادة فهل تبطل العبادة؟
نقول: في ذلك تفصيل إن كانت العبادة يتعلق آخرها بأولها بطلت، وإن كان لا يتعلق آخرها بأولها لم تبطل، مثال الأول: الصلاة طرأ الرياء عليه في أثناء الصلاة يبطلها كما لو أحدث في أثناء الصلاة فإنه يبطلها، فهنا وجد المبطل في أثناء الصلاة والصلاة آخرها يتبع أولها فنقول: إن الصلاة كلها باطلة، أما إذا كان لا ينبني آخرها على أولها فإنه يبطل ما حصل

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 358)

فيه الرياء فقط كرجل أعد ألف ريال للصدقة وتصدق بخمسمائة بنية خالصة ثم طرأ عليه الرياء حين الصدقة فيما بقي فما الذي يبطل؟ الثاني الأخير أما الأول فلا يبطل لأنه وقع بإخلاص.

‌‌خصال النفاق:
1425 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذبن وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". متفق عليه.
"آية" أي: علامة، لكن الآية لا تطلق إلا على العلامة الدالة دلالة لا إشكال فيها؛ وذلك لأن الدليل قد يكون دالاً على المدلول دلالة ظنية، لكن الآية تكون دلالتها قطعية لا يتخلف مدلولها، "أية المنافق" المنافق: هو الذي يبطن الشر ويظهر الخير.
من أين أخذ؟ قالوا: إنه مأخوذ من نافقاء اليربوع، اليربوع دويبة أكبر من الفأر قليلاً، ولكن أرجلها طويلة وأيديها قصيرة هذه الدويبة أعطاها الله -تعالى- ذكاء تحفر لها بيتاً في الأرض جحراً وتجعل له باباً ثم إذا انتهت إلى ما تريد حفرته صاعدة إلى ظهر الأرض حتى إذا لم يبق إلا قشرة رقيقة توقفت لفائدة وهي أنه إذا هاجمها أحد من باب الجحر خرجت من عند هذه القشرة الرقيقة هكذا المنافق {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} [البقرة: 14]. فلهم بابان لهم وجه مع المؤمنين ووجه مع الكافرين، إذن المنافق بالمعنى العام: كل من أبطن شراً وأظهر خيراً، أما بالمعنى الخاص: الذي هو النفاق الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار فهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، ولم يكن معروفاً إلا بعد أن ظهر الإسلام واعتز المسلمون في بدر وصار الغلبة، بزغ نجم النفاق فصار الواحد إذا لقي المؤمنين يقول: آمنا وصدقنا بأن محمداً رسول الله، ويأتون للرسول ويقولون: نشهد إنك لرسول الله ويذكرون الله لكن لا يذكرون الله إلا قليلاً.
"آية المنافق" أي: علامته، "ثلاث إذا حدث كذب" حدث أي: أخبر عن أمر واقع أو أمر سيقع كذب أي: أخبر بالشيء على خلاف وجهه، هذا هو الكذب الإخبار بالشيء على خلاف وجهه، "وإذا وعد أخلف" يعني: إذا وعد إنساناً بشيء أو على شيء أخلف ولم يف، "وإذا ائتمن خان" سواء ائتمن على النفس أو على المال أو العرض فإنه يخون، والخيانة هي أن يتوصل إلى الشيء على وجه خفي فإن كان بحق فهو مكر وليس بخيانة، وإن كان بغير حق فهو

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 359)

خيانة ولهذا المكر ليس مذموماً ولا ممدوحاً، والخيانة مذمومة على كل حال، المكر إذا كان في موضعه فهو مدح، ولهذا أثبته الله لنفسه ولم يثبت الخيانة فقال: {ويمكرون ويمكر الله} [الأنفال: 30]، وقال: {فقد خانوا الله من قبل فأمكن منه} [الأنفال: 71]. ولم يقل: فخانهم لأن الله لا يوصف بالخيانة، إذ إن الخيانة هي الخديعة في موضع الائتمان، والمكر هو الخديعة في غير موضع الائتمان.
ولهذا صار المكر في محله كمالاً، هذه علامات المنافق فيه علامة رابعة لم تذكر في هذا الحديث وهي: "إذا خاصم فجر" في هذا الحديث التحذير من هذه الخصال الثلاث الكذب في الحديث، وجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك من علامات النفاق محذراً أمته من ذلك، وظاهر الحديث أن الكذب محرم على أي صورة كانت فهو كذب، وقسم بعض العلماء الكذب إلى قسمين: كذب أبيض وكذب أسود ولا شك أن هذا التقسيم باطل، والصواب أن الكذب كله أسود، لكن ما يظن أنه كذب وليس بكذب هذا لا يكون كذباً كالتورية مثلاً التي حصلت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فإن هذا ليس بكذب في الواقع لكنه كذب صورة فيما يظنه السامع، وهو حقيقة ليس كذباً، يشمل الكذب هنا الكذب في الخصومة بأن يدعي الإنسان ما ليس له أو ينفي ما عليه، فإن هذا كذب، يشمل الكذب ليضحك به الناس، وما أكثر هذا بين الناس يأتي بقصة كذب ما لها أصل لكن من أجل أن يضحك الناس وقد جاء في الحديث "ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له"، واعلم أن الكذب يطلق في اللغة العربية على الخطأ، وإن لم يتعمده الإنسان، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب أبو السنابل"، أبو السنابل ابن بعكك مر على سبيعة الأسلمية وقد مات زوجها ونفست بعد موت زوجها بليال قصيرة، يعني: وضعت حملها فجعلت تتجمل للخطاب فمر بها أبو السنابل فنهاها عن ذلك

(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 360)