في بعض الروايات لهذا الحديث «فتؤذوا الأحياء»، يعني: إذا سببتم الميت آذيتم الحي وهم أهله وأقاربه يتأذون بذلك، فيكون تعليل هذا الحكم بأمرين: الأول أنه لا فائدة من ذمه وسبه لأنه أفضى إلى ما قدم، التعليل الثاني: مضرة يعني في التعليل الأول ثبتت عدم الفائدة وبالتعليل الثاني تثبت المضرة وهي إيذاء الأحياء. كأقاربه ونحوهم وقد يكون أقاربه من عباد الله الصالحين فيتأذون بذلك.
من فوائد الحديث: النهي عن سبَّ الأصوات والمراد سب أعمالهم الخاصة بهم مثل أن يقول: فلان قليل الصلاة بعدما مات، فلان يرتاد بيوت الدعارة، فلان يشرب الخمر ما الفائدة؟ لا فائدة، لكن إذا كان قال قولاً خطأ فالواجب بيانه لاسيما إذا كان ممن يعتبر بقوله وينتشر بين الناس فإن الواجب بيانه حتى لا يغتر به أحد
ومن فوائد الحديث: مراعاة خواطر الناس فيما يتأذون به وان كان ليس فيهم على وجه المباشرة بناء على الرواية الأخرى: «فتؤذوا الأحياء».
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يقول ما لا فائدة منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليقل خيراً أو ليصمت». لأنه لا فائدة من سب الأموات فيما يتعلق بالأمور الشخصية.
لو قال قائل: أيجوز لي أن أسب رئيساً من رؤساء الكفر قد مات كأبي لهب؟ فالجواب: لا، الحديث يدل على أنه لا يسبهم باعتبار عمله الشخصي أما باعتبار إيذائه للنبي صلى الله عليه وسلم فهذا نعم، يقال: هذا الرجل كان يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم لينتهي غيره عن أذية الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك يقال في كل كافر سبه العائد إليه شخصياً لعله: فنهاه عنه وأما ما كان يعود إلى المصلحة العامة كالنيل من أقواله. أو من أفعاله التي قد يُقتدى به فيها فإنه لا بأس لأن السب هنا ينصبُّ على القول أو الفعل لا على الميت.
النميمية:
1444 - وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة قتات». متفق عليه.
"القتات": النمام فقوله: «لا يدخل الجنة» أي الدخول المطلق الذي لم يسبق بعذاب وذلك أن دخول الجنة نوعان: دخول بلا حساب ولا عقاب، كما في الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن من أمتي سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب» ودخول مقيد يسبقه حساب
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 401)
وعذاب، والمراد في هذا الحديث هو المطلق يعني: لا يدخل الدخول المطلق الذي لم يسبق بعذاب وقوله: «قتات» أي: نمام.
- فما هي النميمة؟ النميمة: مأخوذة من نم الحديث فهي فعلية بمعنى مفعولة أي منمومة ومعنى نم الحديث أي: عزاه إلى قائله، والمراد بذلك النم الذي يقصد به التفريق بين الناس وإلقاء العداوة بينهم مثلاً: يقول فلان قال فيك كذا وكذا، وحينئذ نقول: النمام من ينقل الكلام للناس بعضهم لبعض على جهة الإفساد ينهم والتحريش والتباغض، هذا هو النمام، ووجه ذلك أن النميمة سب لإلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين، وهذا مما ينهي عنه الإسلام أشد النهي، حتى إنه حرم المعاملات التي تؤدي إل ذلك غالبا مثل: الغش والخداع والظلم والبيع على بيع المسلم والشراء على شرائه وما أشبه ذلك، والغالب أن النمام يكون كاذباً يزيد أو ينقل الحديث على غير وجهه، ولهذا قال الله تعالى: {ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم} [البقرة: 10، 11].
والإنسان الذي ينم إليك كلام الغير، سوف ينم عنك كلامك إلى الغير، ولذلك يجب الحذر من النمام.
وقولنا في التعريف (على وجه الإفساد) يخرج به نمَّ الحديث على وجه النصيحة لأنّ ذلك ليس داخلاً في هذا الوعيد، مثال ذلك أن ترى شخصاً قد اغترَّ بشخص واصطحبه وصار يُفضي إليه أسراره وهذا الشخص يفشي أسرار صاحبه وينشرها بين الناس ويتكلم فيه، فهنا لا نقول هذه نميمة بل يجب أن تبلغ هذا المغتر بما يفعله به صاحبه وهذا من باب النصيحة وليس من باب النميمة، حتى لو أفضى إلى التفريق بينهما فإنه لا بأس به لأنه مصلحة.
في هذا الحديث فوائد: أن هذه الشريعة مبنية على كل ما يكون فيه التآلف بين المسلمين، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد بهذا الوعيد الشديد على من نَم، والنميمة سببٌ للتفريق وإلقاء العداوة.
ومن فوائد الحديث: أن النميمة من كبائر الذنوب وجهه أن فيها هذا الوعيد الشديد وكل ذنب فيه وعيد في الآخرة أو حدٌ في الدنيا فإنه من كبائر الذنوب بل إن الكبيرة حدها أوسع من هذا وهي أن يقال: كل معصية رُتب عليها عقاب خاص فهي من كبائر الذنوب، أما المعاصي التي ليس فيها إلا: لا تفعل كذا، اجتنبوا كذا، حرم الله عليكم، كذا بدون ذكر عقوبة خاصة فإنها من الصغائر.
فإن قال قائل: أرأيت لو أن شخصاً سألك وقال: هل قال في فلان كذا فهل يلزمك أن تخبره إذا كان قد قال فيه قولاً يؤدي إلى التنافر؟ الجواب لا، لا يلزمك، ووجه ذلك أنك منهي
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 402)
عن النميمة، وان سؤاله إياك خطأ أن يسألك ماذا قال في فلان؟ لقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: «لا يحدثني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». فكيف يبحث هذا الرجل ويقول هل قال في فلان كذا؟ إذن لا يلزمك إلا إذا كان في كتمانك ضرر على هذا السائل، فهنا يتعين البيان كما لو كان هذا الرجل أسرّ إليك بأنه سوف يؤذي صاحبه أو يقتله أو يتهمه بشيء يقوم في عرضه فحينئذ لابد من البيان.
كفُّ الغضب:
1445 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كف غضبه؛ كف الله عنه عذابه» أخرجه الطبراني في الأوسط.
- وله شاهد: من حديث ابن عمر عند أبن أبي الدنيا.
«من كف غضبه» أي: منعه، والمراد: منع ما يترتب على الغضب، وذلك لأن الغضب غريزة في الإنسان، كل إنسان يغضب، لكن من الناس من يمن الله عليه فيملك نفسه عند الغضب، وقل سبق أن النبي صلى الله سمى هذا شديداً، ومن الناس. من ينساب وراء غضبه فيحصل له بذلك شر كثير.
فمن كفَّ غضبه، «كف الله عنه عذابه»، والمراد: من كفه غضبه امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا تغضب» أما من كف غضبه ترويضاً لنفسه على حسن الخلق وضبط النفس فهذا قد لا يثُاب هذا الثواب، لأن كفَّ الغضب إما أن يكون رجلٌ يريد أن يمرن نفسه علن التحمل وعدم الغضب فهذا لا شك انه خير وأنه أراد أن يمرن نفسه علن الخير، وإما أن يكف غضبه امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب» فهذا هو الذي له هذا الوعد الذي اخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
في هذا الحديث فوائد: أولاً: الحثَّ على كف الغضب فإن انساب الإنسان مع غضبه فهل ينفذ قوله أو فعله؟ نقول: أما الفعل فينفذ فلو غضب على إنسان وضربه حتى كسر عضواً من أعضائه مثلاً فإنه يضمنه، ولو غضب فأتلف مالاً لغيره فإنه يضمنه.
أما القول فإذا كان الغضب شديدا لا يملك الإنسان نفسه فيه فإنه لا يؤاخذ به ويكون قوله هذا كعدمه، وعليه فلو أن الإنسان غضب على زوجته غضباً شديداً فطلقها فإنها لا تطلق.
وقد قسم العلماء رحمهم الله الغضب إلى ثلاثة أقسام: الغاية والبداية والوسط. أما
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 403)
البداية فبالاتفاق أن قول الغاضب نافذ وأن الغضب لا يمنع نفوذ قوله، وأما الغاية فإنه لا ينفذ قوله بالاتفاق وغاية الغضب: ألا يحس الإنسان بنفسه ولا يدري أفي الأرض هو أم في السماء ولا يدري أهو ذكر الله تعالى أم سبه لا يدري.
هذا نقول: حكمه أنه لا يؤاخذ بقوله إطلاقاً لأن هذا يشبه حال السَّكر. وحال الجنون، أما الثالث وهو الوسط فهذا محل نزع بين العلماء فمنهم من ألغى قوله، ومنهم من اعتبره، والظاهر إلغاؤه، وأن الإنسان إذا غضب غضباً لا يملك نفسه لكنه يدري انه في الأرض ويدري أنه يتكلم لكن شيئاً عقره حتى قال: فهذا لا عبرة به.
ومن فوائد الحديث: وصف الله تعالى بالكفَّ؛ لقوله: {كف الله عنه} وهذه أعني: الصفة من صفات الأفعال، وصفات الأفعال لا حصر لها، لأن أفعال الله لا تنتهي فلك أن تصف الله تعالى بكل ما يمكن أن يقع منه - جل وعلا.
فمثلاً نقول: الله مدبر متكلم باطش وما أشبه ذلك من الأفعال التي يمكن أن يتصف الله بها، أما ما لا يمكن أن يتصف الله به فهذا لا يجوز، فلا يمكن أن نقول: إن الله يخون؛ لأن الله تعالى منزَّه عن الخيانة، لكن كل ما يمكن أن يتصف الله به من أفعاله فإنه يجوز أن نصف الله به، وإن لم يرد نصه في القرآن والسُّنة.
فمثلاً الكفُّ لو قال قائل: هل الله يكف؟ الجواب: نعم؛ لأنه يمنح والكف منع، وعلى هذا فقس لكن الضابط في هذا النوع أن يكون مما يمكن أن يتصف به أما ما لا يمكن فهذا لا يُوصف الله به ما لا يمكن عقلاً كالعزق مثلاً أو ما لا يمكن شرعاً كالظلم فإنه لا يمكن أن نقول: إن الله يظلم مع أنه قادر على ذلك لكنه حرمه على نفسه تبارك وتعالى.
وقوله: وله الشاهد، اعلم أن الأحاديث الضعيفة تحتاج إلى تقوية، والتقوية إما أن تكون للمتن وإما أن تكون للسند فإن، كانت للمتن سُمَّيت شاهداً بمعنى: أن يأتي هذا الحديث أو هذا المتن من طريق آخر يقوي الطريق الأول هذا يسمى شاهداً.
وأما أن، تكون، في السند فهذا يُسمى متابعة بمعني: أن راوياً ضعيفاً يروي عن شخص ثم وجدنا آخر ضعيفاً يروي عن هذا الشخص أيضاً نسمي هذا متابعاً ونسمي الموافقة متابعة، ثم إن كانت من أول السند فهي متابعة تامة يعني: أن هذا روي عن شيخه الضعيف مباشرة ثم ساق السند نُسمي هذه متابعة تامة؛ لأنه تابع الضعيف في كل الإسناد وإن كانت فيمن فوق شيخه فهي متابعة قاصرة، لكن على كل حال نحن لا نحتاج في قوة الحديث أو تصحيحه إل شاهد أو متاح إلا عند الضعف.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 404)
ذم الخداع والبخل:
1446 - وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة خب، ولا بخيل، ولا سياء الملكة». أخرجه الترمذي، وفرقه حديثين، وفي إسناده ضعف.
أبو بكر هو عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة رضى الله عنه وسُمَّي صديقاً لأنه صدّقّ النبي صلى الله عليه وسلم بدون أي تردد من حين ما دعاه إلى الحق لم يكن في قلبه أي تردد صدقّ وآمن وتابع رضي الله عنه.
وقيل إنه سُمي صديقاً لأنه صدّقّ النبي صلى الله عليه وسلم حين تحدث عن المعراج والإسراء فإن النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة المعراج صار يحدث الناس فاجتمعت قريش إليه وقالت: سبحان الله كيف يزعم محمد أنه وصل إلى يبت المقدس في ليلة واحدة ورجع مع أنه لا يُقطع إلا في شهرين! هذا كذب ثم زد على ذلك أنه ادَّعى أنه وصل إلى السماء السابعة، وصاروا يكذبونه وصارت هذه فرصة لهم وصارت فتنة فبلغ ذلك الصديق رضي الله عنه: فقال: إن كان قاله فقد صدق فسُمَّي صدَّيقاً من ذلك اليوم، ولكن المعنى الأول أبلغ أنه ما من إنسان دعاه الرسول إلا صار في قلبه شيء إلا أبا بكر رضي الله عنه.
وإذا كان أبو بكر أفضل هذه الأمة وكانت هذه الأمة أفضل الأمم صار أفضل الصَّدَّيقين منذ آدم إلى قيام الساعة. أبو بكر رضي عنه هو أفضل الصَّدَّيقين على الإطلاق، نقول في كلمة لا يدخل الجنة كما قلنا في قوله: «لا يدخل الجنة قتات» وقوله: «خب» أي: خداع، فالخدَّاع لا دخل الجنة، وقوله: «ولا بخيل» أي مانع ما يجب بذله من مال أو جاه أو علم أو عمل كما سبق، ولا سيئ الملكة أي: سير المعاملة والمراد: لا يدخل دخولاً مطلقاً فهو وعيد وقوله: «خب» قلنا: الخب هو الخداع؛ ولهذا قال: عمر لست بخبَّ ولا يخدعني الخب يعني: أنا لست خدَّاعاً ولكن عندي حزم وكياسة وفطنة لا يخدعني الخبٌ.
من فوائد الحديث: تحريم الخدع بل دليل على أنه من كبائر الذنوب، فهل الخداع كله مذموم يسحق هذا الوعيد؟ لا، الخداع في موضع الائتمان هذا هو الذي عليه الوعيد يأتمنك الإنسان فتخدعه يأتمنك على سر أفضاه إليك ثم تصبح وتنشره بين الناس، يعاملك فيخدعك في العاملة، يقول: إن السلعة بُذل فيها كذا وكذا وهو كاذب، يقول: إذ السلعة طيبة الأوصاف وهو كاذب.
أما الخداع في موضعه فهو محمود ويمدح الإنسان عليه، واستمع إلى قول الله تعالى: {إن
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 405)
المتفقين يخدعون الله وهو خدعهم} [النساء: 142]. والحرب خدعة. فالخدع في موطنه محمود، ودليل علن أن المخادع كان أعظم من مخادعه، ذكروا أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أراد أن يبارزه رجل يسمى: عمرو بن ودّ والمبارزة مشهورة عند القتال يعني: إذا التقى الصفان؛ صف المسلمين وصف الكفار قد تطلب المبارزة أحياناً، فيطلب كل من الصفين من الآخر أن ينتخب رجلاً يقاتل خصمه وفيه فائدة وهي: أنه إذا قُتل أحد الرجلين، صار في ذلك كسر لقلوب أصحابه وتقوية لقلوب الآخرين، فطلب المبارزة عمرو بن ودّ وكان رجلاً شجاعاً، فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما أقبل عمرو صرخ علي قائلاً: ما خرجت لأبارز رجلين! هذا ذكاء فالتفت عمرو بن ودّ ظن أنه تبعه أخد، ولما التفت قضى عليه عليٌ بضربه حتى أبان رأسه عن جسده، هذا خداع لكنه محمود. لأنه في محله. هذا الرجل الذي خرج، خرج ليقتل علياً لكن عليَّا قتله بهذه الخديعة، فالخديعة في موضعها صفة محمودة لكنها في موضع الائتمان مذمومة وفيها وعيد.
قال: «ولا بخيل» هذا أيضاً فيه هذا الوعيد وسبق لنا بيان البخل وأن البخل كله مذموم، «سيئ الملكة» كذلك سيئ المعاملة لا يدخل الجنة، ولكن هذا أيضاً ليس على إطلاقه لأن سوء المعاملة جائز إذا قابل به من أساء إليه؛ الدليل قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194]. {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126]. فالذي أساء معاملتك فلا حرج عليك أن تسيء معاملته.
تحريم التجسس:
1447 - وعن ابن عباس رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تسمع حديث قوم وهم له كارهون؛ صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، يعني: الرصاص». أخرجه البخاري.
هذا وعيد شديد - والعياذ بالله - على من قام بهذا العمل «تسمّع حديث قوم» «تسمّع» أي: صار يسارقهم السمع بمعنى: ينصت وهم يظنون أنه لا يسمع لكنه يتصيد ماذا يقولون، وقوله: «حديث قوم» المراد بقوم هنا الذين يتسارون فيما بينهم، أما الذين يجهرون فهؤلاء لم يحتاطوا لأنفسهم فلا حرج على من سمع كلامهم وهؤلاء الذين يجهرون لا يقال: لا تستمع كلامهم أو لا تستمع، ولكن يقال استمع.
لكن هؤلاء القوم يسرون فجعل ذلك يتصنت عليهم من أجل أن يأخذ ما عندهم، وقوله: {وهم له كارهون} الجملة في موضع نصب على الحال من قوم حديث قوم يعني: والحال أنهم
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 406)
له كارهون، ولولا الواو لقلنا: إن الجملة صفة لقوم لأنها نكرة "صب في أذنيه"، هذه جواب "من" من الصاب؟ الصاب من أمرهم الله تعالى أن يصبوا ذلك عليه، وقد قال الله تعالى. {خذوه فاتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} [الدخان: 47، 48] وقوله: {الآنك} يعني: الرصاص، ولا يكون صباً للرصاص إلا إذا كان مذاباً وعليه فالمراد: الرصاص المذاب.
في هذا الحديث فوائد: منها: تحريم التسمع إلى قوم يكرهون أن يسمعهم أحد سواء تصنت عن طريق مكبر الصوت - لأنه توجد أشياء تكبر الصوت ويسمع الصوت من بعيد - أو من طريق الباب كأن يجلس إلى الباب يتسمع، أو يجلس قريباً منهم يتظاهر انه يقرأ يأخذ مثلاً كتاباً أو القران الكريم ويحرك شفتيه علن أنه يقرأ، فإذا رأوه يقرا ربما يأمنون ويقولون: هذا لاه عنّا وليس له حاجة بنا.
ومن ذلك أيضاً أن يضع مسجلاً - بل قد يكون أبلغ لأن هناك مسجلات صغيرة علن قدر علبة الكبريت يضعها - في أماكن جلوسهم المعتاد وهم لا يعلمون، فيه أيضاً مسجلات غريبة تأتمر بأمرك إذا أمرتها، لها ذبذبات خاصة أن تكلم حولها أحد سجلت، وإن لم يكن كلام لم تسجل، فيجعل مثل هذا عندهم حتى يسترق السمع.
والمهم أن طرق التسمُّع كثيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم أطلق ولم يقل: من تسمع كذا، فيكون عاماً بكل سمع.
ومن فوائد الحديث: أن التسمّع بحديث قوم يكرهونه من كبائر الذنوب، وجهه الوعيد الشديد أنه يصب في أذنيه الآنك يوم القيامة، وهل يستثنى من ذلك شيء؟ ، نعم، يستثنى من ذلك التسمع إلى العدو، فإن التسمع إلى العدو جائز، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الجواسيس (العيون) ترى ماذا يصنع العدو، فيكون الحديث ليس على عمومه، بل هو مخصوص بما إذا تسمع إلى العدو بالتحرز من خداعه ومكره.
ومن فوائد الحديث: أنه لو تسمع إلى حديث قوم وهم يسرون بذلك فلا شيء عليه؛ لأنه زادهم سروراً، فلو فرضنا أن قوماً يتناجون بينهم في مسائل علمية دينية وإنسان يتسمع لهم ليستفيد ثم يخبرهم بعد ذلك انه استفاد منهم فهذا لا بأس به.
ومن فوائد الحديث: أن الجزاء من جنس العمل، وجهه أنه لما كان التسمع بالأذن كان العذاب علي الأذن، ولهذا نظائر، مر علينا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أصحابه لا يسبغون الوضوء وأنهم اخلوا به في بعض الأعضاء فنادى بأعلى صوته، "ويل للأعقاب من النار"، فجعل العذاب على الأعقاب لأنها هي التي حصل بها المخالفة، وكذلك قال: "ما أسفل من الكعبين ففي النار" فجعل
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 407)
العقوبة ما كانت فيه المخالفة، هنا العقوبة على ما كانت فيه المخالفة، هل يقاس على التسمع النظر؟ الظاهر نعم، فلو أن إنساناً كان بعيداً عن قوم وفي يده منظار فجعل يوجهه عليهم من أجل أن يراهم، وهم طبعاً يكرهون أن، يراهم أحد، قد يكون الإنسان مع زوجته لا يحب أن يطلع عليه أحل فهذا أيضا مثله، لكن لا أجزم أن عينيه تكحل بالرصاص يوم القيامة. لأن العذاب لا يمكن القياس فيه، أما الحكم فنعم لا شك أن هذا محرم وأنه من كبائر الذنوب.
وهل مثل ذلك أن يلتقط صورتهم وهم جلوس؟ نعم وهذا أيضا قد يكون من باب أولى. لأن الصورة تحفظ وتنشر فيكون البلاء والفتنة أعظم وأكبر، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن يلتقط صورة أحد إلا بإذنه، حتى لو كان يعرف أن هذا الرجل يقول بجواز التقاط للصور فإنه لا يجوز أن يلتقطه إلا بأذنه، لاسيما إذا كان يعلم أنه يكره أن تلتقط صورته.
ومن فوائد الحديث: كما عدل الله هز وجل وأنه - جل وعلا - يؤاخذ المذنب بحسب ذنبه، ظاهر الحديث أن مجرد التسمع تحصل به هذه العقوبة وان لم يكشف سره فهل هذا صحيح؟ نعم صحيح فان افشي السر كان أعظم وأشد.
1448 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» أخرجه البزار بإسناد حسن.
المؤلف رحمه الله وجزاه الله خيراً ينقب عن الأحاديث من أى كتاب، البزار ليس مسنده كمسند الأئمة المشهورين، لكن جاء بهذا الحديث «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» «طوبى» قيل: انه اسم لشجرة في الجنة، وقيل: أنه طوي فغلى من الطيب، أي: الخصلة الطوبي، أي الطيبة لمن فعل كذا وكذا، وهذا الأخير أعم من الأول، وهو أقرب.
والمعنى: أن من شغله عيبه عن عيوب الناس فهذا هو الذي نال الطيب، والمعنى صحيح هل أنت سالم من العيوب؟ لا الدليل: «كل بني أدم خطاء وخير الخطائين التوابون» لا أحد يسلم من العيوب، بل من ادعى أنه سالم من العيوب فهو معيب بدعواه هذه، فهل من العقل والحكمة أن، تشتغل بعيوب الناس وتقول: ماذا قال فلان أو غير ذلك مما نهي عنه؟ نهي عن قيل وقال - أو الأولى أن تشتغل بعيوب نفسك؟
الثاني أول، اشتغل بعيوب نفسك وستجد عيوباً كثيرة، ثم ان عيوب النفس أيضا هل تشتغل بها وتيأس من رحمة الله وتستحسر ولا تحاول أن تنزع عنها أم أن المراد بالاشتغال بعيوب النفس محاولة التخلي عنها؟ الثاني يعني: أنك إذا نظرت الى عيوبك لا تنظر إليها نظر
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 408)
إقرار أو نظر استيئاس من الإصلاح؟ لا، انظر إليها نظر مريد للإصلاح والحلي عنها، وإذا نظر الإنسان إلي عيوبه هذا المنظار فسوف يوقف، أما أن ينظر إليها ويسكت فهذا غلط، أو ينظر إليها ويقول: إصلاحها غير ممكن ويقول كلمات بها يأس هذا غلط، حاول الإصلاح ما استطعت، واعلم أنك لن تستطيع أن تصلح ما كان فاسداً بمجرد التفكير بل لابد من عمل وممارسة، وكون الإنسان أيضاً يصمد، لأن بعض الناس إذا عجز في أول مرة قال ليس هناك إصلاح ثم يستيأس ويبقي على عيوبه ولا يحاول أن يصلح، وهذا من الغلط.
العيوب كل ما يعاب عليه الإنسان من حلقة أو خلق أو عمل، والإنسان لا يخلو من عيب في خلقه من عيب في خلقته من عيب في عملة، فاشتغل بعيبك عن عيوب الناس ودع عيوب الناس للناس.
التحذير من الكبر:
1449 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعاظم فى نفسه، واختال في مشيته؛ لقي الله وهو عليه غضبان». أخرجه الحاكم، ورجاله ثقات.
«تعاظم» أي: نزل نفه منزلة العظيم، وهدا كبر ظاهر، «واختال في مشيته» أي: مشى مشية المختال المفتخر، وهذا كبر ظاهر، فقوله: «تعاظم» هذا الكبرياء في القلب «واختال في مشيته» هذا الكبرياء في العمل في الظاهر "لقي الله - تعالى - وهو عليه غضبان" لقي الله يعني: يوم القيامة وهو أي الله عز وجل عليه أي: على هذا المتعاظم المختال "غضبان" الجملة في قوله: "وهو عليه غضبان" حال من لفظ الجلالة، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم إن التعاظم في النفس والاختيال في المشية إذا اجتمعا استحق فاعلهما هذا الوعيد وهو غضب الله عز وجل.
ففيه فوائد منها: تحريم التعاظم في النفس، وليعلم أن الإنسان كلّما تعاظم في نفسه ازداد ضعفاً عند الله وعند الناس، وهذا من الجزاء الذي يكون من جنس العمل وكلّما ذل الإنسان في نفسه وتواضع ازداد رفعةً، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «من تواضع شه رفعه». وجاء في الحديث الصحيح: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". إذن فالواجب أن يذل الإنسان في نفسه، لكن هل يجوز أن يُذل نفسه أمام الناس؟ لا، يذل في نفسه ولا يذل نفسه بمعنى: لا يكون أمام الناس ذليلاً فيتعرض لما لا يمكنه دفعة، يعني: من أسباب الذل أن يتعرض الإنسان لشيء لا يمكنه دفعة، فليكن عزيزاً يبتعد عن أماكن الذل، أما ان يعلو في نفسه فلا.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 409)
من فوائد الحديث أيضاً: تحريم الاحتيال في المشية كأن يمشي مثلاً متعكساً مرة يكون علن رجل ومرة يكون على رجل ومرة يكون على رجل، وتجده ينظر في كتفيه في عطفيه، وما أشبه ذلك، ففيه: تحريم الاحتيال في المشية، والاحتيال في المشية واللباس والصوت والهيئة كله حرام {إن الله لا يُحب كل مختال فخور} [لقمان: 18]
من فوائد الحديث: إثبات لقاء الله عز وجل وهو لكل أحد لقوله تعالى: {يأيها الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحاً ملقيه} [الانشقاق: 6] ويقول عز وجل: {واتقوا الله واعلموا أنكم ملقوه} [البقرة: 223].
ومن فوائد الحديث: إثبات الغضب لله عز وجل لقوله: "وهو عليه غضبان"، والغضب: صفة تحمل الغاضب علن الانتقام من خصمه: فهي صفة قوة وليست صفة نقص.
واعلم أن أهل السنة والجماعة طريقتهم في هذه الصفة وأمثالها أن يثبتوها لله على وجه الحقيقة دون المماثلة، وأن أهل التعطيل كالأشعرية والمعتزلة والجهمية ينكرونها، لكن إنكار جحد بل إنكار تأويل؛ لأنهم لا يجحدون أن الله يغضب لو جحدوا ذلك لكفروا، لكنهم يثبتون الغضب إلا أنهم يؤولونه وحقيقة تأويلهم أنه تحريف للكلم عن مواضعه.
يقولون: الغضب هو الانتقام أو إرادة الانتقام، انظر التفسير العجيب! فعندنا غضب وإرادة وانتقام، هم ينكرون الأول يقولون: لا يوجد غضب، فيفسرون غضب الله إما بالانتقام وإما بإرادة الانتقام، أتدرون لماذا؟ لأن الانتقام فعل بائن من الله ينزل بالمنتقم منه، فهو كالخلق فلا ينكرونه، أو إرادة الانتقام، لأنهم كانوا يثبتون الإرادة كما قال السفاريني في عقيدته: يثبتون الكلام والحياة والبصر والسمع والإرادة، يثبتون الإرادة.
ونحن نقول: أخطأتم، بل الإرادة والانتقام من اثر الغضب، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: {فلما ءاسفونا انتقمنا منهم} فجعل الانتقام غير الغضب، والأسف لا يمكن أن يراد به الحزن بل هو الغضب؛ لأن الأسف يطلق على الغضب يقال: فلان آسف أي: غاضب.
إذن القول الحق: أن الله موصوف بالغضب، قالوا: لا يمكن أن يوصف بالغضب؛ لأن الغضب غليان دم القلب لإرادة الانتقام. وجوابنا على هذا أن نقول: هذا الغضب هو غضب المخلوق، أما الخالق فهو وصف يليق بجلاله وعظمته لا نعلم كيفيته.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 410)
ذم العجلة:
1450 - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العجلة من الشيطان» أخرجه الترمذي، وقال: حسن.
«العجلة»: الأقدام على الشيء من غير تفكير ولا تأمل، وسواء كانت عجلة في الاعتقاد أو في القول أو في الفعل، كل من يقدم على الشيء بدون تروّ فهو عجول، والعجلة من طبيعة الإنسان، لقوله تعالى: {خلق الإنسن من عجل} [الأنبياء: 37]. كأنه مكون من العجل، كما في قوله: {خلق من طين} مكون من الطين، ثم العجلة هي وصفه، {وكان الإنسن عجولاً} [الإسراء: 11]، فإذا اجتمع الأصل والوصف والشيطان - كما في الحديث - من الشيطان - صارت المسألة تحتاج الى موافقة قوية، وأن الإنسان لا يتعجل، والعجلة - كما قلنا من الشيطان: هي المبادرة بالإقدام بدون تفكير ولا تروّ، وكم من إنسان تعجل بدون تفكير ولا ترو فندم ولهذا من الأمثال المضروبة: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة ويقول الشاعر: [البسيط]
(قد يُدرك المتأني بعض حاجته .... وقد يكون مع المستعجل الذلل)
(وربما فات قوماً جل أمرهم ..... مع التأني وكان الرأي لو عجلوا)
إذن العجلة قد تكون محمودة، وقد تكون مذمومة، إذا كانت العجلة في موضعها فهي من المسابقة إلى الخير، وإذا كانت في غير موضعها فهي المذمومة، وهي التي تكون من الشيطان:
في هذا لحديث - إن صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: دليل على أنه ينبغي للإنسان التأني في الأمور وألا يتعجل وما أكثر المستعجلين الذين إذا قصصت عليهم الحديث قالوا: كذا وكذا وردوا عليك الجواب قبل أن تستكمل هذا غلط.
بل انه كان ابن عمر رضي الله عنه يحدث بحديث مع صاحب له وفي أثناء الحديث قال: ما معنى كذا وكذا: فقال له ابن عمر: انك لضخم يعني: كبير الجسم، - ولا نقول: إن كبير الجسم في العادة يكون عجلاً - قال: ما قصصت عليك إلا لأخبرك وهذا يقع كثيراً أن بعض الناس يتعجل، وعندنا من الأمثال المضروبة إذا تعجل قال له: كم بقيت في بطن أمك؟ الغالب تسعة أشهر فيقول: انتظرني تسع دقائق أو أقل.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 411)
الشؤم سوء الخلق:
1451 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشؤم سوء الخلق». أخرجه أحمد، وفي إسناده ضعف.
هنا لابد أن نعرف إعراب الجملة، «الشؤم»: خبر مقدم؛ لأن المعنى: أن سوء الخلق من الشؤم، وليس المعنى: أن الشؤم من سوء الخلق هذا هو الظاهر، لكن لو قال قائل بالعكس فله وجه، على كل حال، أن الشؤم يعني: كون الإنسان مشئوماً هو الذي يكون شيء الخلق، فسوء الخلق من الشؤم، وكم من إنسان حصل له من النكبات والبلاء بسبب اقترانه بسوء الخلق، وكم من إنسان حصل له البلاء والشر والفتنة بسبب سوء الخلق، وليس المراد بهذا: الحصر بل المراد: أن هذا من النوع، يعني: أن سوء الخلق من نوع الشؤم بدليل أن مثل هذه الصورة ترد، ولا يراد بها الحصر، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي يتردد على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان» المراد: المسكين الذي يطلق علية لفظ المسكنة وهو الذي يتعفف، قال الرسول: «إنما المسكين الذي يتعفف … » الحديث.
إذن في هذا الحديث: التحذير من سوء الخلق، وانه شؤم، ضد ذلك حسن الخلق وإذا كان شؤم الخلق محذراً منه كان حسن الخلق مأموراً به ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق»، قاله لوابصه بن معبد، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم كم من إنسان حسن الخلق واسع الصدر منشرحه، تجده يحصل له خير كثير في معاملة الناس ومعاملة الله عز وجل إن أصابه بلاء من الله صبر وصار حسن الخلق مع الله، وإن أصابه أذى من الناس صبر وصار حسن الخلق مع الناس، وكم من إنسان سيء الخلق يحصل عليه نكبات عظيمة سواء فيما يتعلق بمعاملة الله أو معاملة الخلق.
التحذير من كثرة اللعن:
1452 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «إن اللعانين لا يكونون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة» أخرجه مسلم.
اللعان: صيغة مبالغة، والمراد باللعانين: كثيرو اللعان، يعني: الذي يلعن دائماً، لسانه رطب من اللعان - والعياذ بالله - هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يكونون شفعاء» أي: لا يشفعون في أحد من الناس، «ولا شهداء» أي: لا تقبل شهادتهم يوم القيامة.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 412)
ففي هذا الحديث فوائد: منها: التحذير مز كثره اللعن، لأنه ورد فيه هذا العقاب.
وفيه أيضاً من الفوائد: أن كثره اللعن من كبائر الذنوب، وجه ذلك: انه استحق الوعيد بهذا الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الحديث: إثبات يوم القيامة لقوله: «يوم القيامة» وهو يوم البعث، وسمي يوم القيامة لرجوه ثلاثة:
الأول: ان الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين ودليله قوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} [المطففين: 6].
الثاني: أنه تقام فيه الأشهاد لقوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهد} [غافر: 51]. الثالث: أنه يقام فيه العدل لقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيمة} [الأنبياء: 47]
ومن فوائد الحديث: إثبات الشفاعة لغير النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لو لم تثبت الشفاعة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان اللعانون وغيرهم سواء، ولكن ليعلم أن الشفاعة العظمى خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وله شفاعات ثلاث خاصة به:
الأولى: الشفاعة العظمى وهى أعظمها وأعمها وأشملها؛ وذلك أن الناس يوم القيامة في الموقف من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيستشفعون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، إلى أن تصل إل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفع، هذه خاصة به، وهي داخلة في قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} [الإسراء: 79].
الثانية: الشفاعة فى أهل الجنة أن يدخلوها، وهذه لا ينالها أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثالثة: شفاعته في عمه أبي طالب، وهي الشفاعة لكافر، ولا تكون لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الكفار لا تنفع فيهم الشفاعة، لكن أبا طالب نفعت فيه الشفاعة لما حصل منه من تأييد النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته إياه والدفاع عنه، من أجل ذلك أذن الله لنبيه أن يشفع لعمه أبي طالب، ولكن هل خريج من النار؟ لا، لأن الله قال: {وما هم منا بمخرجين} [الحجرات: 48]. لكنة وضع في ضحضاح من نار علبة نعلان من نار يغلي منهما دماغه، دماغه أعلى ما في جسده ومع ذلك يغلي من نعال في أسفل جسده، وإذا كان الدماغ يغلي فما بالك بما دون الدماغ سيكون أشد غلياناً، ثم مع هذا العذاب العظيم الدائم المستمر يرى أنه أشد الناس عذاباً؛ لأنه لو رأى أنه أهون الناس عذاباً لاقتنع، لكن يري انه أشدهم عذاباً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنه لأهونهم عذاباً»
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 413)
ومن فوائد الحديث: إثبات الشهداء يوم القيامة، والشهداء يوم القيامة أربع أنواع الملائكة والنبيون والعلماء والجوارح:
الملائكة: قال الله تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما لدي عتيد} [ق: 17 - 23] هذا ما عندي حاضر.
النبيون: قال تعالي: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143].
العلماء: قال الله تعالي: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} [البقرة: 143]. هذه الأمة شاهدة على من قبلها؛ لأن عندها علماً ممن سبق.
الرابع: الجوارح تشهد أيضا: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} [النور: 24]
هل هولا، اللعانون يكونون شهداء يوم القيامة؟ لا، لا نقبل شهادتهم، وهل هذا الوعيد نافذ فيمن تابوا ومن لم يتب؟ لا، من تاب تاب الله علية، التوبة تهدم نهدم ما قبلها، وهكذا جميع أنواع الوعيد من آيات وأحاديث، إذا تاب الإنسان مما فيه الوعيد فإنه يرتفع عنه، الكفار لهم نار جهنم خالدين فيها أبداً وإذا تابوا فالله يتوب عليهم، والدليل قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 28]. وما دون الكفر كذلك، وعلى هذا فكل نص فيه وعيد فهو مقيد بما إذا لم يتب منه، فان تاب منه تاب الله علية، فهؤلاء اللعانون إذا تابوا عن كثره اللعن فأنهم يكونون كغيرهم يوم القيامة، من أذن له في الشفاعة شفع، ومن أذن له في الشهادة شهد.
النهي أن يغير المسلم أخاه:
1453 - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» أخرجه الترمذي وحسنه، وسنده منقطع.
"عير" بمعنى: عاب، والذنب: المعصية أو مت يكون به الإثم، وقد يقال: إنه أعم من ذلك فيكون من عيره بذنب أو خلقة أو خلق لم يمت حتى يعمله جزاء وفاقاً، أي: أن هذا الذنب يدرك هذا المعيب [فلا يموت حتى يعمله]، لكن الحديث يقول: إسناده منقطع، والذي إسناده
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 414)
منقطع يكون ضعيفاً؛ لأن من شرط صحة الحديث: أن يكون متصل السند، وكذلك من شرط كونه حسناً: أن يكون متصل السند، فإذا كان منقطعاً فإنه يكون ضعيفاً، لكن هل المعنى صحيح؟ قد يبتلى الإنسان يما عير به أخاه وقد لا يبتلى، والواقع ليس شاهدا لا لهذا ولا لهدا لآن الإنسان أحياناً يعير آخاه بذنب أو بذنوب ثم لا يكون عليها - أي- لا يأتيها، وأحياناً يبتلى بذنوب بدون تعيير، ومن أجل ذلك نقول: الحمد لله أن الحديث ضعيف لا في مرتبة الصحة ولا مرتبة الحسن، لكن لا شك أن تعيير أخيه بذنب عدوان عليه وإيذاء له، وقد توعد الله تعالى الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا بأنهم قد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.
التحذير من الكذب لإضحاك الناس:
1545 - وعن بهر بن حكيم، عن أبيه، عن جده: قال: قال رسول الله صلى الله «ويل للذي يحدث فيكذب؛ ليضحك به القوم؛ ويل له؛ ثم ويل له». أخرجه الثلاثة، وإسناده قوي.
"ويل": هذه كلمة دعاء ووعيه؛ ولهذا جاز الابتداء بها وهي نكرة، كقولك: سلام عليك، لما كانت دعاء صح الابتداء وهر نكرة، وكذلك "ويل" صح الابتداء بها وهي نكرة؛ لأنها كلمة وعيد ودعاء، وقيل: إنه واد في جهنم، ولكن هو يستعمل في هذا، وفي هذا قد يكون وادياً في جهنم إذا عوقب به شخص معين، وأما إذا كان على سبيل العموم فالظاهر أنها كلمة وعيد مطلقا.
وقوله: "الذي يحدث" أي: يحدث الناس، فالمفعول به محذوف، "فيكذب" الكذب: بالإخبار بخلاف الواقع، «ليضحك به القوم» يعني: ليس لحديثه أصل، ولكن من أجل أن يضحك به القوم، فيقول: «ويل له تم ويل له».
ففي هذا الحديث. دليل على أن الكذب لإضحاك القوم محرم، بل من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بالويل.
ومن فوائد الحديث: أن ما يقع قي التمثيليات من ذكر أشياء لا حقيقة لها وتُنسب الى شخص فإن هذا داخل في الحديث.
ومن فوائد الحديث: تكرار الكلام للتوكيد؛ لقوله: «ويل له ثم ويل له» وهذا التوكيد توكيد لفظي؛ لأنه إذا أعيد التوكيد بلفظ مؤكد فهو لفظي، وأن أعيد بمعناه أو بالأدوات المعروفة
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 415)
فهو معنوي، [والكذب منه ما هو خير] ومنة ما هو شر، من كذب ليصلح بين الناس فهو خير، ومن كذب في الحرب وموه على العدو بأن الجمع كثير والعدة قوية فهو خير، ومن كذب على امرأته بشيء لا يمكن أن تطلع فيما بعد أنه كذب من أجل الإلفة والقربة منها فهو خير، ولهذا أبيح الكذب في هذه الثلاث، ثم إن الكذب قد يكون أشد ذكر في هذا الحديث إذا تضمن أكل مال بالباطل فإنه يكون فيه مفسدتان: المفسدة الأولى: مفسدة الكذب، والمفسدة الثانية: مفسدة الأكل بالباطل؛ إذن العموم ليس له مفهوم.
كفارة الغيبة:
1455 - وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كفارة من اغتبته أن تستغفر له» رواه الحارث بن أبي أسامة بسندٍ ضعيف.
"كفارة" الكفارة بمعنى: الساترة، يعنى: ستر الذنب الذي ارتكبه من اغتاب صاحبه أن يستغفر له؛ أي: لمن اغتابه، فيقول: اللهم اغفر له.
وهذا الحديث - كما ذكره المؤلف - إسناده ضعيف، ولكن معناه له وجهة نظر إلا أنه لابد من التفصيل، فيقال: إذا اغتاب شخصاً فعلم فلابد أن يستحله؛ بأن يذهب إليه ويقول: إني اغتبتك وأطلب منك أن تُحللني؛ لأنه لما علم به صار متعلقاً به ولابد ان يستحله، وأما إذا لم يعلم به وليس مظنة أن يعلم به في فهنا يستغفر له، وجه ذلك: أن هذا الذي اغتاب ارتكب ذنباً فجزاؤه أن يستغفر لأخيه عن ذنوبه حتى يكافئه، ثم هناك أيضاً شيء آخر من الكفارة وهو: أن يذكره بالخير في المجالس التي اغتابه فيها أخذاً بقوله تعالى: {ن الحسنت يذهبن السيئات} [هود: 114].
1456 - وعن عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه: «أبغض الرجال إلي الله الألد الخصم» أخرجه مسلم.
"أبغض الرجال": هذه صيغة تفصيل من البغض وهو: الكراهة، وقوله: "الرجال" هذا من باب التغليب، وإلا فالمرأة مثله، لكن لما كانت المرأة ضعيفة في الخصومة كما قال الله تعالى
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 416)
عنها: {أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين} [الزخرف: 18] كان ذكر الخصومة في جانبها لا حاجة له، وقوله: "الألد" يعني: الصعب الذي كلما ذكرت له شيئاً حملة على محمل أخر، أو قال: نعم هذا صحيح لكن ربما، فهذا الألد مأخوذ من لدودة الوادي؛ أي: جانبية؛ لأنه كلما حملته على جانب حوله الى جانب آخر و "الخصم" يعني: الذي يخصم غيره لكن بالباطل، وأما الذي يخصم غيره بحق فهذا حق وليس مبغوضاً الى الله عز وجل، وهذا يقع كثيراً خصوصاً فيمن أعجبوا بأنفسهم ورأوا أنهم أصحاب الرأي والعقل والعلم، فتجدهم إذا حاجهم أحد في ذلك جعلوا يأتون بالأشياء البعيدة والاحتمالات البعيدة من أجل إقحام الخصم والانتصار لأنفسهم.
ففي هذا الحديث فوائد: أولاً: إثبات البغض لله عز وجل، وأن بغض الله تعالي يتفاوت لقوله: "أبغض"، وقد مر علينا أن البغضاء ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة، ومنه: {كبر مقتاعند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف: 3].
ومنها: أن الأعمال السيئة تتفاوت بالقبح لقوله: "أبغض" كما أن الأعمال الصالحة تتفاوت في الحسن والمحبة.
ومن فوائد الحديث: أن اللدود الخصم مكروه عند الله، وهذا يقتضي أن يكون الاتصاف بهذه الصفة حراماً.
فإن قال قائل: إذا كان هذا يحاج لإثبات الحق وإبطال الباطل؟
قلنا: هذا محبوب عند الله، وليس هذا ممن يتصف بهذه الصفة. لأنه ليس ألد خصم، ولكنة يريد الوصول الى الحق.
5 - باب الترغيب في مكارم الأخلاق
أردف هذا الباب بما قبلة؛ لأن الأولى تقديم التخلية على التحلية. بمعنى: أن ننظف المكان ثم نأتي بالصفات الطيبة، فليتخلى الإنسان أولاً عن مساوئ الأخلاق ثم بعد ذلك يتحلى بالمكارم حتى ترد المكارم على محل خالٍ من المساوئ.
الترغيب في الصدق:
1457 - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 417)
الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلي النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذاباً». متفق عليه.
قوله: «عليكم بالصدق»، يسميه أهل النحو بالإغراء، أي: الحث بشدة، الصدق في العقيدة، الصدق في القول، الصدق في العمل، فهو شامل لهذه الأقدم الثلاثة.
الصدق في العقيدة: هو إخلاص العبادة لله وحده، والبعد عن الشرك خفيه وجلية، وكذلك إتباع السلف بما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات.
الصدق في الفعل: أن يكون مطابقاً لما جاءت به الشريعة.
الصدق في القول: أن يكون مطابقا للواقع، إذا حدث عن شيء حدّث عن أمر واقع لا يتغير.
ثم قال: "فإن الصدق يهدي إلي البر" هذه الجملة تعليل لما قبلها؛ يعني: أنه حث على الصدق، لأنه يهدي الى هذه الغاية الحميدة، وهي البر، والبر جماع الخير كله، "وان البر يهدي إلي الجنة" وهذه المرحلة الثانية؛ يعني: أن الإنسان إذا كان من الأبرار كان مستحقاً لدخول الجنة، وكل إنسان مؤمن فان غايته الوصول إلي جنات النعيم -حقق الله لنا ولكم ذلك.
"وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق"، "ما يزال" هذه من أفعال الاستمرار؛ يعني: أنه إذا استمر يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وقوله: "يصدق" أي: يقول الصدق: اليقين، "يتحرى الصدق" أي: يلتمس الصدق فيما يغلب على ظنه؛ لأن التحري هو سلوك الطرق التي توصل إلى غاية الظن، "حتى يكتب عند الله صديقاً" أي: يكتب من الصديقين عند الله عز وجل، واعلم أن الصدوق يكون مقبولاً عند الناس معتبراً بينهم لا يحتاجون إلي تفكير في قوله، بل يقبلونه ولا يردون شيئاً منه؛ لأنه معروف بالصدق، وهذا من الجزاء العاجل.
"وإياكم والكذب" هذا تحذير من الكذب، "فإن الكذب يهدي إل الفجور" والفجور ضد البر، قال تعالى: {كلا إن كنت الفجار لفى سجين} [المطففين: 7]. وقال في مقابلة ذلك: {كلا إن كنت الأبرار لفى عليين} [المطففين: 7]
"فإن الكذب يهدي إل الفجور، وإن الفجور يهدي إلي النار" كما قال تعالى: {وإن الفجار لفى جحيم} [الانفطار: 14] فالفجور يوصل إلي النار، "وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" من الكذابين، والكذابون جزاؤهم النار.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 418)
في هذا الحديث: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على مكارم الأخلاق وعلى التحلي بمكارم الأخلاق والتخلي عن مساوي الأخلاق، فيستفاد الحكم الأول من قوله: "عليكم بالصدق"، ويستفاد الحكم الثاني من قوله: "إياكم والكذب"
ومن فوائد الحديث: فضيلة الصدق وأنة يهدي إلى البر وهو ظاهر من الحديث، والإنسان الصدوق معتبر عند الناس حتى إنه ليبقى ذكره بين الناس وان كان قد مات منذ أمد بعيد.
ومن فوائد الحديث: أن الأعمال الصالحة يقود بعضها إل بعض لقوله: "يهدي إلي البر" وهو كذلك، ووجهة: أن الإنسان إذا صبر على الطاعة تمرن عليها وصارت كالغريزة له وسهل عليه أن يسابق في الخيرات.
ومن فوائد الحديث: إثبات الجنة لقوله: "يهدي إلي الجنة".
ومن فوائد الحديث: أن للجنة أعمالاً توصل إليها، ويُعرف ذلك بالكتاب والسنة.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان كلما كان صدوقاً متحرياً للصدق كتبه الله تعالى صديقاً، وكما نعلم جميعاً أن الصديقية أعلى مراتب الخلق ما عدا النبوة؛ يعني: يكون في الطبقة الثانية من طبقات الذين أنعم الله عليهم.
ومن فوائد الحديث: التحذير من الكذب لقوله: "وإياكم والكذب".
ومن فوائده: أن عاقبه الكذب وخيمة وهو يؤدي إلي الفجور.
ومن فوائده أيضا: ان الفجور طريق إلى النار كما قال صلى الله عليه وسلم: "وإن الفجور يهدي إلي النار".
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا تعودّ الكذب وتحرى الكذب كتب عند الله من الكذابين
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان إذا تحرى الصدق فإنه لا يأثم وإن تبين أنه مخالف للصواب لقوله: "يتحرى"؛ وهذا عام في كل شيء حتى في الأيمان والطلاق وغير ذلك، إذا تبين أن كلامه على خلاف الواقع وهو يظن أنه خلاف الواقع فإنه لا يترتب عليه إثم ولا حكم شرعي، مثال ذلك: رجل طلّق زوجته بناء على أنها كلمت أجنبياً وتبين أنها لم تكلم أجنبياً فلا شيء عليه؛ يعني: لا طلاق عليه، رجل آخر قال: والله ليقدمنّ فلان غداً، يخبر عما في قلبه وعما في ظنه، ثم لم يقدم فلا حنث عليه ولا شيء عليه؛ لأنه بنى على غالب ظنه وظن أن هذا هو الصدق، ومن ذلك أيضا إذا قال لامرأته: إن كلمت فلاناً فأنت طالق، في فكلمت رجلاً يظنه إياه، فقال لها: كلمت من علقت طلاقك عليه أنت طالق، ثم تبين أنها كلمت غيره فإنه لا طلاق عليه.
الهم: ان كل من أخبر بشيء يظنه صدقاً فهو قد تحرى الصدق فلا إثم عليه ولا كفارة
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 419)
فيما إذا بان خلاف ظنه، في الكذب نفس الشيء نقول: الإنسان إذا حدث بكذب يعلم أنه كذب أو يغلب على ظنه أنه كذب فإنه واقع في الإثم.
1458 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». متفق عليه
هذا الحديث سبق في باب الترهيب من مساوئ الأخلاق، ولا أدري ما وجه سياقه له مرة أخرى، وهو أيضاً في باب الترغيب في مكارم الأخلاق، لكن لعل المؤلف رحمه الله ذهب وهمة حين ذكر: : «إياكم والكذب» وهذا من مساوئ الأخلاق ذكر بعده: «إياكم والطن»، وإلا فالعهد قريب، كونه رحمه الله يعيده مع قرب العهد فيه نظر. لكن الظاهر - والله أعلم، أن هذا واقع في هذا المكان على سبيل الوهم.
حقوق الطريق:
1459 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «إياكم والجلوس على الطرقات. قالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا نتحدث فيها. فال: فأما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». متفق عليه.
"وإياكم والجلوس" هذا من باب التحذير، وقوله: "على الطرقات" جمع طريق، وهو أخص من الأسواق. لأن الأسواق تشمل الطرق وغير الطرق، أما الطرق فهي للأسواق المسلوكة، وقوله: "الجلوس على الطرقات" يشمل ما إذا كان جالساً وحده أو جالستا مع غيره، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها"، "ما": نافية، و "لنا بد" مبتدأ وخبر، ولا نقول: إنه خبر "ما" أو اسم "ما"؛ لأن ما هنا لا تعمل، لماذا؟ لعدم الترتيب، و "ما" الحجازية لا تعمل إلا إذا تقدم اسمها على خبرها، ومعنى: "ما لا بد" أي: لا مناص لنا ولا مفر من الجلوس، وقالوا ذلك ليس اعتراضيا على تحريم النبي صلى الله عليه وسلم من الجلوس على الطرقات، ولكنة بيان للحاجة إلى الجلوس، لعل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر حالاً أخرى تهون ما أراد، فلما فهم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأنة لابد لهم منها قال: "فإما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه"، لم يقل: فأما إذا أبيتم فقد عصيتم، لأن الأمر الأول للإرشاد؛ يعني: التحذير الأول للإرشاد، "فإذا أبيتم" أي: امتنعتم "فأعطوا الطريق حقه"، وبهذا علم أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الجلوس على الطرقات خوفاً من عدم إعطاء الطريق حقه،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 420)