وإنصاتًا أعلاها الإنصات {وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}. ففرق الله بين الاستماع والإنصات، ومعلوم أيضًا أن هناك فرقًا بين الاستماع والسكوت، قد يسكت الإنسان ولا يستمع للكلام، لكن الذي يقول "أنصت" يعني: أصغ إلى الإمام، وتلقَّ ما يقول ليست له جمعة.
قوله: "ليست له جمعة" تقدم لنا في النفي أن النفي يحمل أولًا على نفي الوجود، فإن لم يمكن فعلى نفي الصحة، فإن لم يمكن فعلى نفي الكمال، هنا الآن نسلط هذه القاعدة على هذا النفي، "ليست له جمعة" أي: لا يوجد له جمعة هل يصح؟ لا، لماذا؟ لأنه قد حضر وسيصلي، لا يصح له الجمعة؟ الجواب: فيه احتمال لكنه تصح خطبته، وأظن المسألة إجماعية في أنها تصح، إذن لا بد أن تحمل على شيء آخر وهو: لا تكمل له جمعة فلا ينال ثوابها؛ لأن الخلل هنا ليس في نفس الصلاة حتى نقول: إنه نفي للصحة هذا شيء خارج الصلاة لكنه نفي للكمال، لأن صلاة الجمعة- كما تعلمون- تشمل خطبة قبلها، وتشمل أيضًا نفس الصلاة التي تكون الخطبة من مقدماتها {يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9]. فليس النهي عائدًا إلى ذات العبادة، وعليه فنقول: إن النفي هنا نفي للكمال.
قال المؤلف: "رواه أحمد بإسناد لا بأس به"، كلمة "لا بأس به" يعني: قليلة ما تمر علينا، لأننا عرفنا الصحيح، والحسن، والضعيف، لكن هذا ما قال: لا حسن، ولا ضعيف، ولا صحيح، قال: بإسناد لا بأس به، فهل مثل هذا التعبير أقرب إلى التصحيح، أو أنه أقرب إلى التضعيف؟ هو للتضعيف أقرب، لكنه يقول: لا بأس به، لأنه معضود بالحديث الذي يعده، يقول:
- وهو يُفسِّر حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين مرفوعًا: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت".
إذن معنى "لغوت": بطلت جمعتك، أي: بطل ثوابها؛ لأن الشيء الملغي هو الذي لا يُعتد به ولا يعتبر، ولكن المراد باللغو هنا: أنه لا ثواب له، لا يثاب ثواب الجمعة، وثواب الجمعة أفضل من غيرها بكثير، لكن يحرم هذا الثواب بسبب هذا العمل؛ لأنه قال: أنصت.
يُستفاد من هذا الحديث: التحذير من الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة، من أين يؤخذ؟ من تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم المتكلم بالحمار الذي يحمل أسفارًا، ولا ريب أن هذا التشبيه يقصد به التقبيح والتنفير، وبالمناسبة قال بعض العلماء: إن الرجل إذا عاد في هبته فعوده في الهبة جائز؛ لأن النبي- عليه الصلاة والسلام "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"، قالوا: والكلب
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 341)
لا تكليف عليه، فإذا كان لا تكليف عليه فمعنى ذلك أنه يجوز أن يعود في الهبة! ذكرته من أجل أن تعرفوا كيف يتصور بعض العلماء هذا التصور مع أن كل أحد- حتى العامي في السوق- يعرف أن الغرض من هذا: التنفير والتقبيح، وليس في بعض الألفاظ "ليس لنا مثل السوء". العائد في هبته كالكلب.
هل تقول قوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} [الأعراف: 176]. إن هذا على سبيل الإباحة؟ لا أحد يقول بهذا، هذا أيضًا لو ادعى مدعٍ في هذا الحديث مثل ما ادعى في حديث الهبة، وقال: الحمار ليس عليه تكليف لو حمل الحمار أسفارًا وهو لا يفهمها ليس عليه شيء، يأثم الحمار أم لا يأثم؟ لا يأثم هل أحد يمكن أن يقول في هذا الحديث هذا؟ لا أظن أحدًا يقوله، فإذا كان هذا لا يمكن فكذلك قوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب} لا يمكن، فكذلك في حديث الهبة ولا فرق.
يُستفاد من هذا الحديث: جواز تشبيه الإنسان بالحيوان على سبيل التنفير والتحذير؛ لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام شبهه به، ولكن هل نقول ذلك في كل مناسبة مثل لو فرضنا أننا نعلم تلاميذ ولكن ما فهموا، هل يصح أن نقول لهم ذلك؟ لا، بعض المدرسين أبلغني أنه يقول لبعض التلاميذ هكذا: أنتم كمثل الحمير تحمل أسفارًا هذا لا يجوز، لأنها إنما قليت فيمن لا ينتفع بها- بطاعة الله عز وجل لا في صبي يتعلم، ولكن ما فهم من أول مرة فهي تقال في محلها.
ويستفاد من هذا الحديث: حسن تشبيه الرسول- عليه الصلاة والسلام؛ لأن الربط بين هذا والحمار في وجه الشبه ظاهر المناسبة.
ويُستفاد من الحديث أيضًا: تحريم إسكات هذا الرجل بالقول، من أين يؤخذ؟ من كونه حرم الأجر؛ لأن الدلالة على التحريم تارة تكون بإثبات الوزر على الفاعل، وتارة تكون بحرمانه الأجر، وهل هناك مثال لتحريم الشيء من أجل حرمان الأجر؟ ذكرناه سابقًا وهو اقتناء الكلب كالماشية ينقص به كل يوم من أجره قيراط أو قيراطان، هذا يدل على تحريم اقتناء الكلب؛ لأن فوات الأجر كحصول الإثم، فإذا كان هذا الفعل يهدم أجر الإنسان ويزيله فهو كالذي يوجب له العقوبة، فهنا لما قال: "ليست له جمعة" علمنا بأن قول الإيمان لصاحبه: "أنصت" حرام.
لو أشار إليه إشارة هل يدخل في الوعيد؟ لا؛ لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام يقول: "والذي يقول له: أنصت"، والقول إذا أطلق فالمراد به اللفظ باللسان، فالكلام بالإشارة لا يدخل في الوعيد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 342)
يستفاد من هذا الحديث: أنه لا يجوز الكلام حال الخطبة ولو بتغيير المنكر، من أين يؤخذ؟ من قوله: "والذي يقول له: أنصت"؛ لأن المتكلم الأول فاعل محرمًا، والقول له: أنصت هذا نهي عن منكر ومع ذلك جعله النبي- عليه الصلاة والسلام محرمًا.
مسألة: هل يُستفاد من الحديث تحريم رد السلام إذا سلم عليك أحد؟ نعم، يستفاد منه؛ لأنه إذا كان لا يجوز تسكيت هذا الرجل المتكلم فمن باب أولى ألا تجيب المُسلِّم؛ لأن الأصل أنه لا يجوز أن يُسلِّم في هذه الحال، ولكن هل تمد يدك إليه مصافحة لا سلامًا؟ نعم، إن لم تنشرح له، ولكن في هذه الحال أيضًا ينبغي أن تنتبه إذا انتهى الإمام من الخطبة بأن هذا حرام لا يجوز أن تسلم في تلك الحال، ومثل ذلك أيضًا تشميت العاطس، فلو أن أحد عطس وحمد الله ما تشمته.
ومن ذلك أيضًا إذا ذكر النبي- عليه الصلاة والسلام في أثناء الخطبة هل تصلي عليه أو لا؟ نعن، الفقهاء يقولون: تُصلي إذا ذكر؛ لأن هذا الشيء يتعلق بالخطبة، ولا يتعلق بأمر خارج فهو قد يكون من أسباب اتجاه الإنسان إلى الخطبة أن يتابع الإنسان الخطيب، وإذا دعا أمّن، وإذا مر بذكر الرسول- عليه الصلاة والسلام صلّى عليه، لكن بشرط ألا يكون مشغلًا لغيره وألا ينصرف به أيضًا هو عن الاستماع فإن كان مشغلًا لغيره أو مشتغلًا به عن الاستماع فإنه لا يجوز.
ويُستفاد من الحديث: جواز الكلام بين الخطبتين؛ لأنه قيد ذلك بقوله: "والإمام يخطب"، فدل هذا على جواز الكلام بين الخطبتين.
ويُستفاد منه: أنه لا يجوز الكلام ما دام الإمام يخطب، ولو كان قد انتهى من أركان الخطبة من أين تؤخذ؟ من قوله": "والإمام يخطب"، فأما قول بعض أهل العلم إن الإمام إذا شرع في الدعاء أو انتهى من أركان الخطبة جاز لك أن تتكلم فهذا ليس بصحيح، حجتهم في ذلك أنهم يقولون: إن الواجب من الخطبة الأركان وما زاد فليس بواجب، وما ليس بواجب فالاستماع إليه ليس بواجب، ولكن هذا قياس في مقابلة النص؛ لأن النص- كما ترون- شامل للخطبة كلها، فلا يجوز للإنسان أن يتكلم حتى ولو شرع الإمام في الدعاء، حتى لو شرع في قراءة آية أخرى؛ لأن الركن تم بقراءة الآية الأولى مثلًا: فالصواب أنه لا يجوز ما دام الإمام يخطب، وأما إذا سكت فلا حرج.
ويستفاد من هذا الحديث: أن خطبة غير الجمعة لا يحرم فيها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب"، فلو فرض أن خطيبًا قام يخطب الناس في غير الجمعة بعد إحدى الصلوات الخمس، أو في أي مناسبة فهل يجب الاستماع له؟ لا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 343)
يجب الاستماع، لكن ينبغي تأدبًا وتحسبًا للفائدة أن ينصت، أما كونه تأدبًا فلأن بعض الناس إذا كان يتكلم ورأى أن أحدًا يتكلم تجده ينفعل في نفسه ويضيع منه ما كان يريد أن يتكلم به، وهذا أمرٌ كما أن لا ترضاه أنت لنفسك لو كنت أنت الخطيب فلا ينبغي أن ترضاه لغيرك، ثانيًا: تحسبًا للفائدة ربما يأتي هذا المتكلم بفائدة ما كانت تجول في ذهنك ولا كنت على علم بها فلا تحقرن شيئًا من العلم، ربما كما قال الرسول- عليه الصلاة والسلام: "رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وهذا أمر يقع كثيرًا.
بقي لنا في خطبة الاستسقاء وفي خطبة العيدين، وفي خطبة الكسوف، هل حكمها حكم الجمعة؟ أما خطبة العدين فإن الفقهاء يقولون: إنها مثل خطبة الجمعة، لكنهم مع ذلك يقولون حضورها ليس بواجب، إلا أن من حضر فلينصت، ومر علينا أن ظاهر الأحاديث أنه لا يجب الإنصات إلا في خطبة الجمعة، وبيّنا الفر بينها وبين خطبة الجمعة، خطبة الجمعة أمر بالحضور إليها، وقُدمت على الصلاة لأهميتها، وخطبة العيد ما أمر بالحضور إليها، ولم تُقدم أيضًا بل كانت مؤخرة، حتى إن الناس إذا انتهوا من الصلاة وأرادوا الانصراف ينصرفون، والقول بأنه لا يجب حضورها مع القول بوجوب الاستماع فيه شيء من الإشكال، لأن ما لا يجب حضوره لا ينبغي أن يجب استماعه ما دام لي أن أقوم وأنصرف، نعم لو قيل بأنه إذا تكلم في أثناء خطبة العيد على وجه يشوش فهذا لا يجوز ولا سيما في وقتنا الآن لو تحدث رجلان فسينصرف الناس إليهم وينسون الخطيب، مثل هذا قد يقال: إنه ممنوع، لأنه يشوش، ويوجب أن ينصرف الناس إليه.
حكم تحية المسجد والإمام يخطب:
432 - وعن جابر رضي الله عنه قال: "دخل رجلٌ يوم الجمعة والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: صلَّيت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين". متفق عليه.
هنا "رجل" نكرة مبهم، ولكن ورد تسميته في صحيح مسلم أن اسمه: "سليك الغطفاني" من غطفان، ولكن إبهام الراوي له أثر، لكن إبهام من وقعت عليه القصة الغالب أنه لا أثر له؛ لأن المقصود المعنى؛ يعني: معنى القضية وما حصل فيها، أما أن يكون الرجل المبهم فلانًا، أو فلانًا فهذا ليس بذات أهمية.
وقوله: "والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب" هذه الجملة في محل نصب حال، وقوله: "يخطب" يعني: في الجمعة، كما جاء ذلك مفسرًا في أحاديث أخر، فقال: "صليت" هذه الجملة ظاهرها الخبر،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 344)
لكنها جملة إنشائية استفهامية؛ لأن المعنى: "أصليت؟ " وإذا حذف حرف الاستفهام فالذي يقدر الهمزة لأنها الأصل، فهنا لا ندري هل التقدير "هل صليت؟ " أو نقول: التقدير "أصليت؟ ".
وقوله: "قال: لا" يعني: لم أصل، و "لا" هذه جواب أو من أحرف الجواب يجاب بها المثبت، لماذا؟ لنفيه تقول: هل قام زيد؟ فيكون الجواب: "لا" إذا أجيب ب"نعم" فهو يراد به إثبات المثبت، لكن لو تسأل عن منفي فتقول: ألم يقم زيد؟ فلا تقول: "لا" ولا تقل: "نعم"، بل إنما تقول: "بلى".
قال: "قم فصل ركعتين"، "قم" فعل أمر من القيام، و "فصل ركعتين" أيضًا فعل أمر، وقوله: "ركعتين" لم يبين هل ركعتين ثقيلتان أو خفيفتان، لكنه ثبت في صحيح مسلم أنه أمره بأن يتجوز فيهما، يعني: يخففهما من أجل أن يتفرغ لاستماع الخطبة.
فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: أنه لا يؤنب من دخل والإمام يخطب، الدليل لذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنبه، فإن قلت: ما الجواب عما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل عثمان وهو يخطب فلامه على تأخره فقال: ما زدت على أن توضأت ثم أتيت، فقال: والوضوء أيضًا وقد قال النبي- عليه الصلاة والسلام: "إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل" فما هو الجواب؟ أن يقال: لكل مقام مقال، ولكل رجل مرتبة، فتأخر عثمان رضي الله عنه ليس كتأخر هذا الرجل الذي قد يكون من المسافرين، قد يكون من الأعراب، أو من عامة الناس، لكن هذا عثمان رضي الله عنه هو الذي كان بعد عمر هو ثالث رجل في هذه الأمة.
جواب آخر: أيضًا أن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلام لا شك أنه أكثر حلمًا من عمر، وعمر معروف بالشدة، فلا يبعد أن يقال إن هذا من شدة عمر رضي الله عنه، ولكن الجواب الأول أسد وأولى.
ويستفاد من هذا الحديث: جواز تكلم الخطيب مع غيره، من أين تؤخذ؟ من كلام الرسول صلى الله عليه وسلام مع هذا الرجل قال: "صليت؟ "، فلو قال قائل: هذا من خصائص الرسول- عليه الصلاة والسلام؛ فالجواب: أن القول بأن هذا من الخصائص في هذه المسألة، وفي غيرها من المسائل لا يجوز إلا بدليل، وإلا فالأصل التأسي به، ويدلكم على هذا قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الاحزاب: 21]. وقوله: {فلما قضى زيد منها وطرًا زوجنكها} [الاحزاب: 37]. التعليل: {لكى لا يكون على المؤمنين حرج في أزوج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الاحزاب: 37]. فالحكم خاص والتعليل هنا عام، فقوله: {لكى لا يكون على المؤمنين} عامة، فدل هذا على أن الحكم في حق الرسول- عليه الصلاة والسلام حكم في حق الأمة ويدلكم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 345)
لذلك أيضًا أن الله عز وجل لما أراد أن يخص نبيه بالحكم قال: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الاحزاب: 50]. وبهذا نعرف أن أي شخص يدعي دعوى الخصوصية في أي شيء مما جاءت به السنة، فإن قوله مردود عليه إلا بدليل؛ لأن الآيتين في سورة الأحزاب واضحتان؛ لأن الحكم الوارد في حق الرسول- عليه الصلاة والسلام حكم له وللأمة إلا بدليل على الخصوصية.
فإذا قال قائل: من حيث المعنى والتعليل ما الفرق بين الخطيب وغيره؟
لأن الخطيب إذا تكلم قطع خطبته ولم يبق على خطبته بخلاف غيره فإن الخطيب سوف يستمر ويواصل وحينئذٍ يفوت المتكلم ما يفوته من الخطبة بحسب كلامه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي أن ينكر على فاعل المنكر ما دام المقام يقتضي التفضيل؛ وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صليت؟ " ما أنكر عليه الجلوس، بل سأله هل صلى أم لا، فمن هذا الحديث نأخذ قاعدة مهمة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي ألا نتسرع ولا نتعجل في الأمور المحتملة حتى نستفصل؛ لأنك إذا أنكرت شيئًا وهو ليس بمنكر تنسب إلى التسرع ثم تخجل، ثم هذا الرجل الذي أنت تعينه يوبخك ويخجلك، فلو رأيت مع شخص امرأة تمشي معه هل تنكر عليه بأن تقول: يا رجل كيف تمشي مع امرأة، هذا حرام … أتقول ذلك، أو تستفصل؟ تستفصل.
ويُستفاد من هذا الحديث: أنه يجوز أن يخاطب المعظم بقول: "لا" وأن هذا ليس من سوء الأدب؛ لأن الرجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم أمام الناس: "لا" لو أنك قلت: "لا" للمعظم عندنا الآن قالوا: هذا سوء أدب الذي ينبغي لك أن تقول: "سلامًا" هذا هو الواقع الآن، لو تقول مثلًا لأبيك: "لا"، أو لأمك: "لا"، فهذا عاق، ويجب أن يقول: "سلامًا"، ولكن هذا يرد عليه؛ لأن هذا الجواب من صحابي للرسول صلى الله عليه وسلم أمام الناس، ولو كان هناك أي شيء في عدم الأدب لكان هذا الصحابي يتحرز منه، أو لكان الرسول يبينه، أو لانتقده الصحابة.
ويستفاد من هذا الحديث أيضًا: أن من دخل والإمام يخطب فإنه لا يجلس حتى يُصلي ركعتين، من أين يؤخذ؟ من قوله: "قم فصلِّ ركعتين".
ويُستفاد من هذا الحديث: وجوب القيام في صلاة النفل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "قُم"، والأصل في الأمر الوجوب، فإن قال قائل: هذا صحيح، لكن هناك ما يدل على أن هذا الأمر ليس للوجوب لا في هذه القضية بعينها، ولكن لأن هناك نصوصًا أخرى تدل على عدم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 346)
وجوب القيام في النفل مثل ثبوت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي النافلة على راحلته بدون ضرورة، ولو كان القيام ركنًا أو واجبًا لنزل كما ينزل للفريضة، كذلك أيضًا ما ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: "صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم". فهذا أيضًا يدل على عدم الوجوب، وأن المسألة على سبيل الاستحباب، وكذلك ما ثبت من كون الرسول عليه الصلاة والسلام في آخر حياته يصلي صلاة الليل قاعدًا مع أنه يستطيع أن يقوم لكنه كان يصلى قاعدًا؛ لأنه يشق عليه بعض الشيء، إذن نقول كلمة: "قم" لا يستفاد منها الوجوب، لا لذاتها ولكن بأدلة أخرى تدل على أن الأمر ليس للوجوب.
ويستفاد من هذا الحديث: وجوب صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، من أين تؤخذ؟ من قوله: "فصل ركعتين"، فهو أمر والأصل في الأمر الوجوب، ولاسيما أن هذا الوجوب قد عرف بكون استماع الخطبة واجبًا، ولا يتشاغل عن الواجب إلا بواجب، يدل هذا على أن تحية المسجد واجبة إذا كان الرجل لو تشاغل عن الواجب إلا بواجب، يدل هذا على أن تحية المسجد واجبة إذا كان الرجل لو تشاغل عن الخطبة لكلامه إذا أنكر كلامًا على غيره فإنه تلغى جمعنه، فهذا دليل على أنه يجب الاستماع وعدم التشاغل في الخطبة، فلما أمر بأن يصلي ركعتين دل ذلك على الوجوب، وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم، ولكن بعض أهل العلم يقولون: إن الأمر ليس للوجوب؛ لأن هناك ما يصرفه، فما هو الصارف؟ أكثر ما يتعلق به من يرى أن تحية المسجد ليست واجبة، وأن صلاة الكسوف ليست بواجبة أكثر ما يتعلقون به حديث الأعرابي: "هل علي غيرها؟ " قال: "لا، إلا أن تطوع". فنقول: الصلوات الخمس متعلقة بأسبابها؛ ولهذا لو نذر أن يصلي وجب عليه الوفاء بالنذر بالإجماع مع أنها ليست من الصلوات الخمس، وهي صلاة، ولكن إن وجد صارف يصرف عن الوجوب غير هذا فنعم، وإلا هذا فلا يسقط الأمر عن الوجوب في مثل هذا الحديث، وفي حديث صلاة الكسوف، ثم إننا نقول: كثير من الذين يقولون بعدم الوجوب في صلاة الكسوف، وفي مثل هذا يقولون بوجوب صلاة العيد إما عينًا، وإما كفاية، فمع ذلك فهي لم تذكر في الحديث، وكثير منهم يقولون بوجوب ركعتي الطواف خلف المقام، ومع ذلك ليست مذكورة في الحديث لكن لها سبب.
وعلى هذا فنقول: هذا الحديث يدل على الوجوب فإن وجد صارف غير هذا الحديث الذي أشرنا إليه أخذنا به، وإلا فالأصل الوجوب، لاسيما وأنه معضود بكون هذا الرجل يؤمر بأن يصلي مع تشاغله عن الخطبة، قال بعض أهل العلم: إن الصارف له عن الوجوب هو قصة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 347)
الثلاثة الذين دخلوا المسجد فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه في حلقة، فدخل رجل الحلقة، وجلس واحد خلفها، وانصرف واحد، فقال النبي عليه الصلاة والسلام حدثهم عن هؤلاء النفر الثلاثة: "أما أحدها فآوى فآواه الله"، من هو؟ الذي جلس في الحلقة، "وأمَّا الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه"، قالوا: فهذان رجلان جاءا فجلسا ولم يأمرهما النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة. وقالوا أيضًا في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه حينما جاء بعد أن تاب الله عليه، والنبي عليه الصلاة والسلام جالس مع أصحابه حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بأن يصلي ركعتين، فدل هذا على عدم وجوبهما، وأظنكم إذا تأملتم هذين الدليلين وجدتم أنهما قد يعجزان عن مقاومة القول بالوجوب، كيف ذلك؟
أما قصة الثلاثة فهي قضية عين يجوز أن هؤلاء صلوا والرسول لم يقل لهم؛ لأنهم صلوا وقد يكونون على غير وضوء، ولكن فيه بعض الشيء، وقصة الرجل الذي جعل يتخطى الصفوف فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "اجلس فقد آيت". هل تصلح صارفًا؟ لا؛ لماذا؟ قد يكون صلى وجاء يتخطى الرقاب، إذن معنى ذلك أننا نصل إلى أن القول بوجوب تحية المسجد قول قوي جدًا، وأن الذي يدعها مخاطر ومعرض نفسه للإثم؛ لن جميع الأدلة التي قيل إنها صارفة عن الوجوب فيها شيء من النظر والمرء يحتاط لنفسه.
وقوله: "فصل ركعتين" هل يؤخذ منه أنه لو صلى ركعة واحدة كما لو دخل الرجل فأوتر بواحدة ثم جلس هل يكون آثما؟ أما من كان ظاهريًا فسيقول: هو آثم، يعني إذا قلنا بالوجوب فسيقول: إنه لم يأت بتحية المسجد؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "ركعتين"، وهذه ركعة، وأما من قال: إن هذا بناء على الأغلب، وأن القيد الأغلبي لا يعتبر له مفهوم؛ فسيقول: إن من صلى صلاة شرعية فإنه يحصل بها المقصود، فإذا دخلت فأوترت حصل بذلك المقصود، وهذا عندي هو الأقرب، فيكون الحديث - حديث أبي قتادة -: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" مبني على الأغلب، وما كان مبنيًا على الأغلب فإنه عند أهل العلم لا مفهوم له، وقد دل على ذلك القرآن أن ما كان مبنيًا على الأغلب فلا مفهوم له، دل عليه في آيتين مرتا علينا، قال الله تعالى في جملة المحرمات في النكاح: {وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن} [النساء: 22]، فعندنا قيدان: قيد في الربائب، وقيد في النساء أمهات الربائب، الربائب بماذا قيدهن الله؟ بـ {التي في حجوركم}،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 348)
وأما أمهاتهن فقال: {التي دخلتم بهن}، ننظر هل القيدان معتبران صرح الله تعالى بهم القيد الثاني دون الأول فقال: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23]. ولم يقلك فإن لم يكن في حجوركم فلا جناح عليكم، فدل هذا على أنه غير معتبر؛ لأن هذا الغالب أن ربيبته التي جاءت بها امرأته قبله الغالب أن تكون في حجر تتبع أمها، أما الثاني: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا} [النور: 33]. فقال بعض العلماء: إن هذا القيد أغلبي؛ لأن الغالب أنها لا تمتنع من البغاء إلا وتريد تحصين نفسها، وأنها لو امتنعت من البغاء بغير هذه العلة فإنه لا يجوز إكراهها، معنى ذلك: لو أن الرجل أكره أمته على أن تزني بهذا الرجل، وقالت: لا، هذا الرجل قبيح أحضر رجلاً جميلاً هذه امتنعت تريد تحصنًا أو لا؟ لا، هل تكره أو لا؟ إن أخذنا بقيد {إن أردن تحصنًا} نكرهها، ولكننا نقول: هذا القيد أغلبي بناء على الأغلب أنها تريد التحصن على هذا فلا مفهوم له على أن بعضهم قال: إن قوله: {إن أردن تحصنًا} بين العلة، وفيها الإشارة إلى توبيخ هؤلاء الأسياد، كيف هذه الأمة وليست حرة تريد التحصن وأنت تريد أن تكرهها على البغاء.
ما يقرأ في الجمعة والعيدين:
433 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين". رواه مسلم.
تقدم لنا عدة مرات أن "كان" تفيد الاستمرار غالبًا لا دائمًا، وقد يراد به مجرد اتصاف الصفة بقطع النظر عن الدوام وعدمه، وقد يراد بها أيضًا مجرد اتصاف الصفة مع وجود قرينة تدل على الاستمرار مثل: {وكان الله غفورًا رحيمًا}. هذا ما يمكن، نقول: غالبًا، ولا يمكن أن نقول مجرد الصفة التي تزول، بل هو الاستمرار الدائم الأزلي الأبدي.
قال: "كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة"، وهي التي ذكر فيها قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} [الجمعة: 9]، ووجه قراءته بها عليه الصلاة والسلام: لما فيها من تقرير التوحيد، وبيان نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد، وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم وتحذير مخالفته بضرب المثل القبيح للذين حملوا التوراة؛ ولأنها تشتمل على الدليل الصريح في وجوب صلاة الجمعة والحضور إليها، وعلى الترهيب من التشاغل عنها، ولو بما كان مباحًا كالتجارة، فالمهم أن فيها مناسبات متعددة لأن تقرأ في هذا الجمع الكثير، فتكون كأنها قراءة صلاة وفي نفس الوقت خطبة وموعظة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 349)
وأما "المنافقون"، هنا عندي "والمنافقين" على الحكاية أو على إعمال العامل؟ على الإعمال، والمنافقين يعني: سورة المنافقين التي قال الله فيها: {إذا جاءك المنفقون … } الخ [المنافقون: 1]. ومناسبة هذه للجمعة ظاهرة لما فيها من التحذير عن هذا الخلق الذميم - والعياذ بالله - خلق النفاق، سواء كان هذا النفاق اعتقاديًا أو علميًا، ولما فيها من بيان عزة الإسلام وأهل الإسلام: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8]. فيها من التحذير عن التشاغل بالأموال عن طاعة الله: {لا تلهكم أمولكم ولا أولدكم عن ذكر الله} [المنافقون: 9]. فتكون هذه أعم مما ذكر في سورة الجمعة؛ لأن الجمعة خصت بالبيع: {وإذا رأوا تجارة أو لهوًا} [الجمعة: 11]. أما هذه الآية فهي عامة في الأموال والأولاد بأي طريق، ولما فيها أيضًا من تذكير الإنسان بالحال التي لابد منها وهي حال الموت حيث يتمنى الإنسان أن يرد إلى الدنيا ليعمل ولكنه قد فات الأوان: {ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} [المنافقون: 11]. فالمهم: أن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لهاتين السورتين فيه مناسبات متعددة أكثر مما قلنا لمن تأمل ذلك.
فيستفاد من هذا الحديث: استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة، واستحباب قراءتهما كاملتين؛ يعني: لا يقرأ واحدة في الركعتين.
وفيه من الفوائد: مراعاة الأحوال واحتيار الأنسب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام اختار ما هو أنسب.
ويستفاد منه أيضًا: أن المنافقين بعد الجمعة، لكن هل يستفاد منه أنها موالية لها؟ لا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد يقرأ سورتين غير متواليتين كما في فجر يوم الجمعة يقرأ في الأولى سورة السجدة، ويقرأ بعدها سورة {هل أتى}. لكن يستفاد: أن المنافقين بعدها؛ لأن المعروف أن هذا الترتيب ترتيب منه ما هو سماعي، ومنه ما هو اجتهادي، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، وإن كان بعض أهل العلم يقول: إن ترتيب السور سماعي توقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الصواب أن منه ما هو توقيفي، ومنه ما هو اجتهادي، بخلاف ترتيب الآيات فإن ترتيب الآيات توقيفي؛ ولهذا قال أهل العلم: يكره تنكيس السور ويحرم تنكيس الآيات، فلو أن الإنسان قرأ الفاتحة من آخرها أو سورة الناس من آخرها قلنا: إن هذا محرم ولا يجوز.
434 - وله: عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: "كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ {سبح اسم ربك الأعلى}، و: {هل أتاك حديث الغاشية} ".
قوله: "وله" أي: لمسلم، بهذا الحديث يتبين أن "كان" ليست للدوام دائمًا، لو كانت كذلك
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 350)
للزم تعارض الحديثين؛ لأن الأول يقول: "كان يقرأ بالجمعة والمنافقين"، وهنا بسبح والغاشية.
وقوله: "كان يقرأ في العيدين" هما عيد الفطر وعيد الأضحى، وليس في الإسلام عيد سواهما إلا يوم الجمعة، وقد ذكر "وفي الجمعة" فتبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ هاتين السورتين في الأعياد الثلاثة: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع.
وقوله: بـ {سبح اسم ربك الأعلى} " إعرابها: "الباء": حرف جر "سبح اسم ربك الأعلى" كل هذه الجملة في تأويل اسم مفرد مجرور بالباء، وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية كأنه قال: "يقرأ بهذه السورة" فهي إذن في تأويل المفرد، وقوله: {سبح اسم ربك الأعلى}. {سبح} معناها: نزه، وقوله: {اسم ربك الأعلى} اختلف العلماء في قوله: {اسم ربك} فقال بعضهم: إن لفظ "اسم" زائد، لأن الذي يسبح هو الله، فأنت إذا قلت: "سبحان الله" لا تريد أن تسبح اللام والهاء، إنما تريد المسمى بهذا الاسم، وعلى هذا فتكون "اسم" زائدة، والتقدير: "سبح ربك الأعلى"، واستدلوا لقولهم بقوله تعالى: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه} [الفتح: 9]. وبقوله: {يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرةً وأصيلًا} [الأحزاب: 41 - 42].
ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك". فالتسبيح إذن لله عز وجل قالوا: فهذا الكتاب والسنة يدلان على أن التسبيح وارد ليس على الاسم، ولكن على المسمى، وعلى هذا فتكون "اسم" زائدة، وقال بعض أهل العلم: إن هذا دليل على أن فالاسم هو المسمى؛ لأنه قال: {سبح اسم ربك} فالمراد به: الله، الاسم هو المسمى، ولكن هذا لا دلالة في الآية عليه؛ لأنه قال: {اسم ربك}، والمضاف في الأصل غير المضاف إليه، كما أن الموصوف غير الصفة فقال: {اسم ربك}، فأنت إذا قلت: "غلام زيد" هل يكون الغلام هو زيدًا؟ لا، وكذلك لو قلت: "عمل زيد" لا يكون العمل هو زيدًا، فالمضاف لا شك أنه غير المضاف إليه، والصحيح أن الاسم للمسمى كما قال شيخ الإسلام، وقال بعض العلماء: بل إن المراد: تسبيح الله عز وجل لاشك فيه، ولكن فائدة ذكر الاسم أن يكون التسبيح باللسان؛ إذ لا يمكن تسبيح الله باللسان إلا بذكر اسمه، أما إذا لم تذكر اسم الله فإن التسبيح يكون بالقلب؛ ولهذا أنت تقول: "سبحان ربي العظيم"، "سبحان الله وبحمده"، "سبحان الله العظيم"، تذكر الاسم، فيكون فائدة ذكر الاسم هنا: الدلالة على أن المراد التسبيح باللسان وهذا لا يمكن إلا بذكر الاسم، ويدل لذلك الآية الأخرى التي أفضحت عن هذا، {فسبح باسم ربك العظيم}. أي:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 351)
سبح الله باسمه، فيكون هنا إذن فائدة ذكر الاسم عظيمة جدًا لئلا يقتصر الإنسان على التسبيح بقلبه الذي لا يظهر معه الاسم.
وقوله: {سبح اسم ربك الأعلى} الربوية هنا خاصة أو عامة؟ خاصة.
وقوله: {الأعلى} اسم تفضيل محلى بـ"أل" أي: الذي له العلو المطلق علو الذات وعلو الصفات، وهذا التقسيم - تقسيم العلو - إلى علو ذات وعلو صفات أخصر وأجمع وأعم من تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: علو ذات، وعلو قدر، وعلو قهر؛ لأن القدر والقهر من الصفات فيكون هذا أجمع علو القدر، وعلو القهر، وعلو الرحمة، وعلو العفو، فيكون قولنا: علو الذات وعلو الصفات أشمل وأجمع - الله تعالى عالي الصفات وعالي الذات أيضًا - بمعنى: أن ذاته سبحانه وتعالى فوق كل شيء، إذن أنت أثبت له مكانًا وهو العلو المطلق العلو الذي ليس فيه شيء معناه: أن هذا المكان الذي لله عز وجل مكان عدمي ليس فيه شيء يحيط بالله عز وجل، ولو كان هناك شيء يحيط به لزم من ذلك انتفاء العلو المطلق؛ لأن هذا المحيط به يكون مساويًا له فليس هناك علو، ويلزم أيضًا منه محظور وهو إحاطة الأشياء به، ولا يحيط بالله شيء، وهذا السبب الذي أوجب لمنكري العلو أن ينكروا علو الذات حتى إنهم - والعياذ بالله - يقولون: من أثبت أن الله عال بذاته فقد وصف الله بأعظم النقص فجعلوا الكمال نقصًا، قالوا: لأنك الآن إما حيزت أو جسمت أو حصرت، ولكن هل يلزم من هذا التجسيم أو الحصر أو التحييز؟ لا يلزم بالمعنى الذي قالوه، فالله عز وجل إن أرادو بالحيز الذي نفوه أنه منحاز عن الخلائق بائن منها منفصل عنها فهذا النفي باطل؛ لأن الله تعالى نثبت أنه منحاز عن الخلائق بائن منها، لم يحل في شيء منها ولا شيء منها حل فيه، إن أرادوا، أيضًا بالحصر أن الأماكن تحصره فهذا باطل ولا نقرهم، وعلى هذا فالحصر ممنوع مطلقًا إن أرادوا بالجسم الذي جعلوا يغنون عليه ويدندونون، إن أرادوا بالجسم: مناف للأجسام المخلوقة فهذا ممتنع وباطل، وإن أرادوا بالجسم الذات المتصفة بما يليق بها فهذا حق، والمهم: أن إثباتنا للعلو الذاتي ليس معناه أننا نقر بأن شيئًا يحيط به، أو أنه سبحانه وتعالى لو أزيل هذا الذي علا عليه الله لخر، هذا شيء لا أحد يقوله، فلذلك العلو الذاتي قد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، والعقل، والفطرة، وقد سبق لنا وجه دلالة الأشياء الخمسة عليه.
وأما الثاني: {هل أتاك حديث الغاشية}. الخطاب لمن؟ إما للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى خطابه، و {هل} استفهام قال بعض العلماء: إن {هل} هنا بمعنى "قد" فهي للتحقيق كما في قوله تعالى: {هل أتى على الإنسن حينٌ من الدهر} [الإنسان: 1]. معناها "قد أتى".
وقال بعضهم: بل هي للاستفهام، ولا نقول: إنها للتحقيق، لكنها متضمنة معنى التقرير
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 352)
والإثبات، وقوله: {حديث الغشية} المراد بالغاشية: القيامة؛ لأنها تغشى الناس وتحيط بهم، وقوله: {هل أتك} حديثها أو نبأها، وهذا يحتمل أن يكون بـ {هل} المراد بها التشويق مثل: {هل أدلكم على تجرة تنجيكم من عذاب أليمٍ} [الصف: 10]. وهنا قال: {هل أتك حديث الغشية} ثم قال: {وجوه يومئذ} [الغاشية: 2]. فهذا مبتدأ لحديث مناسبة هاتين السورتين لصلاة الجمعة ظاهرة لما فيه من مبدأ الخلق، وبيان حكمة الله عز وجل وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتذكير، وبيان من ينتفع بالذكرى ومن لا ينتفع، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام بما يجب عليه من التذكير فإنه لا يضره مخالفة من خالف: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر} [الغاشية: 21 - 26]. وفيها بيان نهاية الناس، وأنها ترجع إلى الله: {إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم} [الغاشية: 25 - 26]. فالمناسبة فيها ظاهرة جدًا، وهما سورتان لا تشقان على الناس، ولا تمنعان الناس من التلذذ بسماع القرآن، فقد جمعتا بين القصص والفائدة العظيمة.
إذن يستفاد من هذا الحديث: أنه يسن قراءة هاتين السورتين في صلاة العيد والجمعة.
مسألة: هل تسقط صلاة الجمعة بصلاة العيد؟
في آخر الحديث السابق في مسلم - وليت المؤلف جاء به - أنه قال: "وإذا كانت الجمعة يوم العيد قرأ بهما في الصلاتين جميعًا" هذا فيه فائدة عظيمة، وهي أن صلاة الجمعة لا تسقط بصلاة العيد، وأن ما ورد عن ابن الزبير من اقتصاره على الصلاة إنما أرد الجمعة ليجمع بين فعله ووصف ابن عباس له بأنه السنة، وبين ما ثبت في صحيح مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة والعيد جميعًا في يوم واحد، وقد سبق لنا البحث في هذا وبينا أن القول الحق في هذه المسألة أن الجمعة لابد أن تقام، ولكن من حضر العيد فله الرخصة في ترك الجمعة، وعليه أن يصلي الظهر.
435 - وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم العيد، ثم رخص في الجمعة، ثم قال: "من شاء أن يصلي فليصل". رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة.
قوله: "صلى ثم رخص في الجمعة" "رخص" يعني: سهل، والرخصة في اللغة: السهولة. وقوله: "صلى ثم رخص" يعني: في نفس اليوم؛ لأن يوم العيد صادف يوم الجمعة.
ثم قال: "من شاء أن يصلي فليصل"، "من شاء أن يصلي" أي: الجمعة، "فليصل"، اللام هنا لام الأمر، والمراد به: الإباحة؛ لأنه جاء جوابًا للمشيئة، وما كان معلقًا بالمشيئة فإنه للإباحة وإن شاء لم يفعله، وإن كان أحيانًا يراد به التهديد كما في قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]. لأن هذا ليس باختيار الإنسان، لكن الغرض من ذلك التهديد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 353)
وقوله: "فليصل" فيها إشكال من جهة أنه فعل أمر وبني على الكسرة، لماذا؟ لأنه مجزوم بحذف حرف العلة.
هذا الحديث بين فيه زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد وكان ذلك يوم جمعة ثم رخص في الجمعة، وقال: من شاء أن يصليها فليصلها.
فيستفاد منه بيان أمور: الأول: أنه إذا اجتمع يوم العيد والجمعة فإن من حضر صلاة الإمام فله أن يحضر الجمعة، وله ألا يحضر، تؤخذ من قوله: "ثم رخص في الجمعة".
ثانيًا: أن هذا الحكم لا يشمل من لم يحضر؛ لأن قوله: "صلى ثم رخص" فقال: "من شاء أن يصلي فليصل" الخطاب لمن؟ للحاضرين المصلين، فمن لم يصل فلابد أن يحضر الجمعة.
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي، بل يجب على الإمام أن ينبه الناس على الأحكام التي تخفى عليهم حيث قال: "فمن"، "ثم رخص في الجمعة".
ومن فوائد الحديث: تيسير الله سبحانه وتعالى على العباد، حيث إنهم إذا اجتمعوا في هذا اليوم على إمام واحد رخص لهم أن يدعوا هذا الاجتماع، استدل به بعض العلماء على أن صلاة الظهر تسقط لقوله: "فمن شاء أن يصلي فليصل" يعني: ومن شاء ألا يصلي فلا يصل، لكنه قد وردت أحاديث تدل على أن صلاة الظهر لا تسقط؛ وذلك لأن صلاة الظهر فرض الوقت تغني عنها الجمعة عند الاجتماع، فإذا سقطت الجمعة عن الإنسان ما الذي يجب عليه؟ الظهر كالمريض إذا سقطت عنه الجمعة للعذر فإنه يجب عليه أن يصلي الظهر ولا يدعها، وهذا القول قول وسط بين ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها لا تسقط الجمعة، وأنه يجب على من حضر صلاة العيد أن يحضر الجمعة، ويرون ضعف هذا الحديث ويقولون: إن الأصل بقاء الفريضة، وأن ما كان على ما هو عليه، وأن صلاة العيد لا تسقط بها الجمعة؛ لأنها في غير وقتها، وهذا على رأي من يرى أن صلاة الجمعة لا يدخل وقتها إلا بالزوال كما هو قول جمهور أهل العلم.
القول الثاني في المسألة: أنها تسقط صلاة الجمعة والظهر عملاً بظاهر الحديث، وبظاهر ما روي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حيث صلى العيد ولم يصل بعدها إلا العصر.
والقول الثالث في المسألة: أنها تجب صلاة الجمعة، لكن يعفى عمن حضر صلاة العيد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 354)
فلا يصليها ولا يلزمه الحضور، ولكن يصليها ظهرًا كغيره من أهل الأعذار، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وهو الأقرب إلى الصواب.
صلاة النفل بعد الجمعة وأحكامها:
436 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا". رواه مسلم.
قوله: "إذا صلى أحدكم الجمعة" يعني: فرغ منها، "فليصل" الفاء رابطة لجواب، أين الجواب؟ الجواب: "يصلي"، والشرط: "إذا صلى"، وجواب الشرط يكون بعد فعل الشرط فورًا إلا بدليل، وعلى هذا فقوله: "فليصل بعدها أربعًا" يكون بعد الجمعة مباشرة، وقوله: "فليصل بعدها أربعًا" يعني: أربع ركعات، هذه الأربع ظاهرها أنها تصلى بتسليم واحد، وقيل: تصلى بتسليمين على ركعتين، فأما من قال بالأول فقال: هذا هو ظاهر الحديث، ومن قال بالثاني قال: إن الأحاديث المطلقة تحمل على الأحاديث المقيدة، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "وصلاة الليل والنهار مثنى مثنى". فإن هذه الكلمة: "والنهار" اختلف فيها الحفاظ، ولكن الراجح أنها ثابتة، وعلى هذا فتكون مقيدة لكل الأحاديث المطلقة، والغريب أن الذين قالوا: إنها تصلى أربعًا بسلام واحد أيدوا مناسبة ذلك، قالوا: لئلا يظن إذا سلم من ركعتين أنه أتم الجمعة ظهرًا، أن هاتين الركعتين إتمام للجمعة ولكننا نقول: هذه المناسبة تعكس عليكم إذا قيل: إنه يصلى أربعًا، فيقال: إن الرجل صلى الجمعة، ثم صلى ظهرًا ثانيًا، وهذا القول بأن يصلي ركعتين ركعتين أبعد عن إعادة الظهر، وأبعد عن ألحاقها؛ لأن الإلحاق هنا ممتنع بواسطة السلام.
وقوله: "فليصلى بعدها أربعًا" اللام هنا لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، ولكن عندنا قرينة تخرجه عن الوجوب للاستحباب ما هي؟ حديث معاذ: "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات". وحديث الأعرابي قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع".
حكم فصل الفريضة عن النافلة:
437 - وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه: أن معاوية رضي الله عنه قال له: "إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاةٍ، حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك: ألا نوصل صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرج". رواه مسلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 355)
هذا الكلام كلام معارض، لكنه استدل له بقوله: "فإن رسول الله"، وقوله: "فلا تصلها بصلاة" يعني: لا تأت بعدها بصلاة مباشرة حتى تتكلم، والكلام يطلق على كلام الآدميين، ويطلق على الكلام كلام الذكر، فهل المراد هنا العموم يعني: حتى تتكلم بذكر أو مع الآدميين، أو أن المراد الثاني؟ الظاهر: أن المراد العموم؛ لأن الكل كلام، ويؤيد هذا الظاهر أن الفصل بين الفرض والسنة يحصل بمثل هذه الأذكار؛ إذ إن هذه الأذكار لا يشرع جنسها في الصلاة، فلا يقال: إنها صلاة واحدة، وأن هذا الذكر بينهما من الصلاة، فما دام لا يوجد في الصلاة: "اللهم إنك أنت السلام"، ولا "أستغفر الله" ولا "سبحان الله" وما أشبهها فإن الفصل يحصل بذلك، وقال بعض العلماء: إنه لا يحصل إلا بكلام لا تبطل به الصلاة حتى تتبين المباينة، وأنه لا يمكن أن يبنى هذا النفل على الفرض؛ لأن التسبيح والذكر إذا قاله إنسان في الصلاة فلا تبطل، فلابد أن يتكلم بكلام يبطل الصلاة ليتحقق الفرق والفصل، ولكن إذا أخذنا بالظاهر وقلنا: إن جنس هذا التسبيح وإن كان لا يبطل الصلاة لكن لا يشرع مثله، فإنا نكتفي بالفصل بهذا التسبيح.
وقوله: "أو نخرج" أي: من المسجد، ثم استدل لذلك: "فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك" معلوم أن المشار إليه مبهم حتى يتبين الكلام سابق أو لاحق وهنا بينه بقوله: "ألا نوصل صلاة بصلاة"، "ألا نوصل" هذه عطف بيان بالنسبة لاسم الإشارة؛ أي: بألا نصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج، وقوله: "صلاة بصلاة" "صلاة" هذه نكرة في سياق النفي، فتكون عامة للفريضة والنافلة، وكذلك "بصلاة" عامة للفريضة والنافلة، "فالفريضة" نفصلها بذكر، وكذلك نفل بنفل كصلاة الليل، والوتر، وما أشبه ذلك، لا حاجة إلى أن نفصل بينهما إلا أنه روي عن ابن عمر في الوتر بثلاث أنه إذا سلم من ثنتين كان يأمر ببعض حاجته ليفصل بينهما، وكأنه رضي الله عنه أخذ هذا من العموم: "ألا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج".
فيستفاد من هذا الحديث: أولاً: بيان تبليغ الشرع؛ لأن معاوية رضي الله عنه أبلغ السائب مع أنه هو الخليفة، فلا ينبغي للإنسان أن يأنف ويقول: يبلغه غيري.
ومن فوائده أيضًا: الاستدلال بالأحاديث النبوية على المسائل العلمية؛ لأن معاوية استدل، وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستدل بالقرآن مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: {فأما من أعطى} [الليل: 5]، ومنه قوله: "الصدقة تطفئ الخطيئة،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 356)
وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} حتى بلغ {يعلمون} [السجدة: 16]. وأمثلة ذلك كثيرة، والصحابة رضي الله عنهم يستدلون بالقرآن وبالسنة أيضًا.
ومن فوائد الحديث: أن الأفضل ألا توصل صلاة بصلاة حتى يكون كلام أو خروج؛ لقوله: "أمرنا ألا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج".
ومن فوائده أيضًا: أن للشارع نظرًا في الفرق بين الفرض والسنة حتى لا يلتبس الأمر على العامل فلا يحاول أحد أن يزيد في فرائض الله، بل يكون أمره واضحًا متميزًا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه". لأجل أن يبقى رمضان متميزًا عن الفرض، إلا من كان له صوم ولا صام عن رمضان فهذا لا بأس.
ومنها: الإشارة إلى أن الأفضل أن يصلي الإنسان النوافل في غير المسجد، من أين تؤخذ؟ من قوله: "أو يخرج"، ولا شك أن الأفضل في النوافل البيت كل النوافل، فما يفعله الناس الآن من كونهم يتنفلون في المسجد فهذا خلاف الأصل، وإن كان جائزًا خصوصًا فيما بعد السلام، أما ما قبل السلام فقد يقول الرجل: أنا أحب أن أتقدم إلى المسجد لأنال الأجر والفريضة، فهذا جائز، لكن بعد السلام أكثر الناس الآن تجدهم يصلون الراتبة في المسجد وهذا خلاف الأفضل، وإن كان جائزًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، لكن الناس يتعللون بعلتين:
العلة الأولى: يقولون: إذا خرجنا إلى البيت غفلنا عنها، أو اشغلنا الأولاد.
والعلة الثانية: أننا نصليها في المسجد لأجل تنشيط بعضنا بعضًا؛ لأننا إذا انصرفنا فإن الجاهل ما يدري يحسب أنه ليس هناك نافلة فنحن نفعلها ليقتدي بعضنا ببعض.
أما العلة الأولى فهي علة عليلة؛ لأننا نقول في جوابها: إذا مرنت نفسك على أن تصلي الراتبة في البيت فلا تنساها لأنك منظم نفسك.
وأما العلة الثانية فقد تكون وجيهة لكن جوابها أن تقول: نفهم الناس ونعودهم على السنة حتى يعرفوا، فيقال: السنة للمغرب بعده ركعتين، والعشاء كذلك، والأفضل أن تكون في البيت ويلاحظون في هذه الأمور، لأن الناس قد ينسون وقد يغفلون فيجب التنبيه.
ومن فوائد الصلاة في البيت: البعد عن الرياء، ومنها: أن الأولاد الصغار يتعلمون، فالصغار إذا رأوا أباهم يصلي يقتدون به لاشك، المهم يتعلمون، وهذا هو الحكمة من قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا". يعني: لا تجعلوها بلا صلاة، بل صلوا فيها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 357)
فضل الاغتسال والتطيب يوم الجمعة:
438 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه؛ غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام". رواه مسلم.
"من" هذه شرطية، وجواب الشرط قوله: "غفر له"، فالشرط إذن اشتمل على عدة أمور:
أولًا: "من اغتسل"، والمراد: غسل الجنابة؛ لأنه إذا أطلق الكلمات بلسان الشارع فإنها تحمل على الحقيقة الشرعية، فإن لم يكن لها حقيقة شرعية حملت على الحقيقة اللغوية، وهنا لها حقيقة شرعية؛ لأن من اغتسل غسل الجنابة ثم أتى الجمعة، يعني: أتى مكان صلاة الجمعة، أم أتى صلاة الجمعة؟ إذا قلت: "أتى مكان صلاة الجمعة"، صار فيه شيئان محذوفان مكان وصلاة، وإذا قلت: "ثم أتى صلاة الجمعة" ففيه حذف واحد، وعلى كل حال فهما متلازمان، والمراد معروف؛ أي: "أتى الجمعة فصلى ما قدر له" هنا الفعل مبني للمجهول للعلم بالفاعل، من الفاعل؟ الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: {وخلق الإنسن ضعيفًا} [النساء: 28]. مبني للمجهول للعلم بالفاعل وهو "الله".
وقوله: "ما قدر له" القدر تقدم لنا أنه هو تقدير الله عز وجل الأمور وقضاؤه إياها، وقد قدر سبحانه وتعالى كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، نقول هذا، لكن ربما مر عليكم في قضية محاجة آدم موسى أن آدم قال له: "أتلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ ! ". وهذا فيه إشكال؛ لأن المصبية التي حصلت لآدم قد كتبت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فما هو الجواب؟ الجواب على هذا أن نقول: إن الكتابات متعددة، فالكتابة السابقة قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهذه الكتابة غير الكتابة الأولى وهذا هو طريق الراسخين في العلم إذا رأوا الأشياء المتشابهة أن يجمعوا بينها، وتعدد الكتابة ممكن أو غير ممكن؟ ممكن، لكن المعتزلة - أي: نفاة القدر - قالوا: هذا دليل على كذب هذا الحديث، وأن الرسول ما قاله؛ لأن المكتوبات كتبت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ولهذا هم يكذبون الحديث؛ لماذا؟ لأنه لا يتمشى على مذهبهم، مذهبهم أن الله لم يقدر أفعال بني آدم، وأن الإنسان مستقل بعمله، إذا جاء مثلًا هذا الحديث فهم يقابلونه بالرد هذه طريقة أهل البدع: إذا جاءهم ما يخالف بدعهم فطريقهم الرد إذا أمكنهم الرد، فإن لم يمكنهم - كما لو كان في القرآن مثلًا - يسلكون التأويل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 358)
يقول: "قدر له" أي: كتب وقدره الله عليه، وقال: "ثم أنصت" أنصت لماذا؟ حتى يفرغ الإمام من خطبته، قوله: "من خطبته" الظاهر أن هذا المفرد يراد به معناه، وليس يراد به العموم، يعني: أنصت حتى خطبته الأولى مثلًا ومن خطبته الثانية؛ لأن الكلام بين الخطبتين ليس بمحرم، ويحتمل أيضًا لفظ الحديث: "من خطبتيه"؛ لأن سكوت الإنسان حتى بين الخطبتين أفضل وأتم.
قال: "ثم يصلي معه - يعني: الجمعة - حتى ينصرف غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". غفر، والغافر من؟ الله وحذف للعلم به؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135]. لا أحد يستطيع أن يغفر الذنوب، والمغفرة تقدم مرارًا أنها هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد التجاوز بل والستر ولو مجرد الستر، من أين نعرف أنها ليست هي أحد أمرين من اشتقاقها؛ لأنها من المغفر، والمغفر: هو ما يستر به الرأس عند الحرب، ويحصل به الستر والوقاية.
وقوله: "ما بينه وبين الجمعة الأخرى" المقبلة، أما الماضية؟ فيها اختلاف؛ فمنهم من قال: الماضية؛ لأنها هي التي وقعت فيها الذنوب، أما المستقبل فلا.
وقوله: "وفضل ثلاثة أيام" كم يكون الفضل؟ عشرة أيام، قوله: "غفر له" تقدم، وقوله: "بينه وبين الجمعة الأخرى" الظاهر أن المراد بذلك: أنه لابد أن يصلي، فأما لو لم يصل الجمعة الأخرى بدون عذر فإنه لا يحصل له ذلك، ولكن لابد أن تحصل صلاة الجمعة في الأول وفي الآخر.
يستفاد من هذا الحديث إذن فوائد متعددة: أولًا: فضيلة الاغتسال.
فإن قال قائل: كيف تأخذون من هذا فضيلة الاغتسال، والثواب مرتب على عدة أفعال؟
فالجواب: أنه لولا أنه له أثر في حصول هذا الفضل لكان ذكره لغوًا من القول لا فائدة منه، وهذا هو المطلوب أن يكون له أثر بحصول الفضل، أرأيت قوله تعالى: {ما سلككم في سقر قالوا ألم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين} [المدثر: 42 - 46]. فاستدل العلماء بهذه الآية على أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة مع أن كونه يكذب بيوم الدين سبب موجب للخلود في النار، ولكن هذه الأفعال الأخرى التي لا يفعلها ذكرت؛ لأنه يعاقب عليها، فالعلماء رحمهم الله جعلوا ذكر هذه الأوصاف دليل على أن لها أثر في تعذيب هذا الرجل في النار.
يستفاد من هذا الحديث أيضًا: أنه ليس للجمعة سنة راتبة قبلها لقوله: "فصلى ما قدر له".
ويستفاد منه: أن أفعال العباد مقدرة الله لقوله: "ما قدر له"، فيكون في ذلك رد على القدرية
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 359)
الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لم يقدر أفعال العبد، وأن العبد مستقل بفعله إيجادًا ومشيئة، وهذا لا شك أنه باطل، وقد سبق الكلام عليه في الشرح.
ومن فوائد الحديث: فضيلة الإنصات حال خطبة الإمام لقوله: "ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته".
ومنها: أنه ينبغي أن يكون الخطيب هو الإمام لقوله: "الإمام من خطبته"، ولم يقل: الخطيب من خطبته، بل قال: الإمام، ولهذا قال العلماء: يسن أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة، ولو لم يتولهما من يتولى الصلاة فلا حرج، لكن هذا أفضل.
ويستفاد منه: جواز الكلام بين الخطبتين لقوله: "حتى يفرغ من خطبته".
ويستفاد منه أيضًا: عظم كرم الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل المحافظة على صلاة الجمعة على هذا الوصف بدلاً لمغفرة الذنوب، ولكن هل هذا يشمل الكبائر والصغائر، أو الصغائر فقط؟ الصحيح أنه لا يتناول الكبائر وأنه يختص بالصغائر؛ لأن الكبائر لابد لها من توبة خاصة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر".
ساعة الإجابة يوم الجمعة:
439 - وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله عز وجل شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها". متفق عليه.
- وفي رواية لمسلم: "وهي ساعة خفيفة".
440 - وعن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة". رواه مسلم، ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة.
441 - وفي حديث عبد الله بن سلام عند ابن ماجه.
442 - وعن جابر عند أبي داود والنسائي: "أنها ما بين صلاة العصر وغروب الشمس". وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولًا، أمليتها في شرح البخاري.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 360)