هذه الأحاديث في بيان ما من الله به على هذه الأمة من ساعة الإجابة يوم الجمعة، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "إن فيه ساعة"، والمراد بالساعة: الزمن، وليس المراد بها الساعة الواحدة من أربعة وعشرين جزءًا من الليل والنهار، "لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم"، القيد الثالث: "وهو قائم يصلي" والجملة هذه حال، "يسأل الله" حال أيضًا، "يسأل الله عز وجل شيئًا إلا أعطاه إياه" أي: إلا أعطاه ذلك الشيء.
وقوله: "يسأل الله شيئًا" نكرة في سياق الإثبات فتكون مطلقة أي شيء يكون، ولكنها مقيدة بما إذا لم يعتد في دعائه، فإن اعتدى فإن الله لا يجيبه لقوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفيةً إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55]. فالمعتدي في الدعاء لا يجاب له حتى في وقت الإجابة؛ لأن الله تعالى لا يحب المعتدين فكيف يجيبهم، والاعتداء في الدعاء أن يدعو الإنسان بما لا يحل له إما أن يدعو بما لا يمكن شرعًا، أو بما لا يمكن قدرًا، أو بما هو محرم شرعًا، فهذا كله اعتداء في الدعاء، فلو دعا على شخص غير مستحق للدعاء عليه هل يستجاب له؟ لا؛ لأنه ظالم، والله لا يجيب دعوة الظالم، كذلك لو دعا با لا يمكن شرعًا مثل أن يقول: "اللهم اجعلني نبيا" فلا يجوز، أو دعا بما لا يمكن قدرًا، يعني مثلًا: بأن دعا أن يجعل الله له ملك السموات والأرض، فلا يصلح، لماذا؟ لا يمكن قدرًا وإن كان الله على كل شيء قديرًا لكن نعلم أن الذي له ملك السموات والأرض هو الله سبحانه وتعالى، فالمهم أن الاعتداء في الدعاء لا يقبل حتى في ساعة الإجابة.
وقوله: "إلا أعطاه إياه" "أعطاه" فعل مطلق؛ لأنه يدل على الفورية، فقد يعطيه الله تعالى إياه فورًا وقد يتأخر، لكن لا يستبطئ الإجابة إذا استبطأ الإجابة حرمها إذا دعا ثم قال: دعوت فلم يستجب لي فإنه يحرم، بل الواجب أن يحسن الإنسان ظنه بربه، والله تعالى له الحكمة البالغة في إجابته وعدم إجابته.
وقوله: "إلا إعطاه إياه" قد يقول قائل: هذا مطلق أفلا نقيده بالأحاديث الخرى الدالة على أن من دعا الله عز وجل فإن الله سبحانه وتعالى يجيبه، أو يدخر ذلك له إلى يوم القيامة، أو يدفع عنه من البلاء ما هو أعظم مما يدعو به، أو يترك، هل يصلح أن يقيد هذا الحديث بذلك؟ نقول: لا يصح؛ لماذا؟ ؟ لأننا لو قيدناه بذلك لم يكن لذكره في هذا الوصف فائدة؛ إذ إن هذا الحكم آنفًا: "أو يستجيب، أو يدخر، أو يدفع عنه" هذا الحكم عام في كل الدعوات.
لكن لو قال قائل: نحن نجد كثيرًا من الناس يدعون في ساعة هي أرجى ما تكون من الساعات ومع ذلك لا يستجاب لهم؟
فنقول: صدق الله ورسوله وكذبت، كما قال الرسول في قصة العسل: "كذب بطن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 361)
أخيك". نقول: كلام النبي عليه الصلاة والسلام حق وصدق، ولكن تخلف الإجابة قد يكون لوجود مانع إما أن يدعو وهو شاك في الإجابة غير موقن فهذا سبب مانع من الإجابة، وإما أن يكون ممن يأكل الحرام، وأكل الحرام مانع من إجابة الدعاء، فقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: "رجلًا أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، قال: فأنى يستجاب لذلك". والعياذ بالله مع أن الأوصاف الموجود كلها من أسباب إجابة الدعاء، كونه أشعث أغبر سبب من أسباب إجابة الدعاء، ولهذا يباهي الله الملائكة بالواقفين بعرفة، ويقول: "أتوني شعثًا غبرًا". كونه يمد يديه إلى السماء هذا من أسباب إجابة الدعاء، وكونه في سفر من أسباب إجابة الدعاء، وكونه ينادي يارب يا رب من أسباب إجابة الدعاء، ومع ذلك منع من إجابة الدعاء، أو استبعد النبي صلى الله عليه وسلم إجابته؛ لأنه كان يتغذى بالحرام والعياذ بالله.
ثم قال: "وأشار بيده يقللها"، كيف الإشارة بالتقليل؟ المهم: أنه أشار بيده بما يدل على أنها قريبة، وفي رواية لمسلم: "وهي ساعة خفيفة" يعني: يسيرة ليست بطويلة، هذه الساعة اختلف فيها أهل العلم، يقول ابن حجر رحمه الله على أكثر من أربعين قولًا، وهي ساعة واحدة، وكم عدد الساعات؟ أربع وعشرون ساعة، ومع ذلك وصل اختلافهم إلى أكثر من أربعين قولًا هذه الأقوال قيل فيها من جملة ما قيل فيها: إنها - أي: الساعة - قد رفعت مثل ما قيل في ليلة القدر، ولكن الصواب: أنها موجودة، وأن أرجى ساعتها ساعتان بعد العصر وإذا خرج الإمام حتى تنقضي الصلاة، ويدل لذلك قوله: "وعن أبي بردة عن أبيه" أبو بردة ابن أبي موسى، عن أبيه أبي موسى قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة". رواه مسلم، ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة. هذا الحديث بعض العلماء أعله بالوقف، وبعضهم أعله بأنه أخذ من صحيفة وما أشبه ذلك، ولكن هذا ليس بعلة؛ لأنه إذا تعارض رفع ووقف فمع الرافع زيادة علم إذا كان الرافع ثقة فإنه يؤخذ بقوله، وأيصًا أحيانًا يحدث الراوي عن النبي عليه الصلاة والسلام بالحديث معزورًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك فيما إذا أراد إسناده، وأحيانًا يقوله هو عن نفسه بناء على أن ذلك هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحدث به أحيانًا يرفعه وأحيانًا بقوله من عند نفسه، مثال ذلك أن أقول - وأنا الآن معكم - لو صلى الإنسان بلا نية فإنه لا صلاة له، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. أقول هذا فيظن الظان أن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 362)
هذا من عندي، ولكنه في مرة أخرى أسوق الحديث، أقول: حدثني فلان عن فلان، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالآن رفعته، فإذا صح الرفع فإنه لا يعارض بكونه قد روي موقوفًا على شخص؛ وذلك لأن الرافع ربما يحدث به قائلًا به لا راويًا له، قائلًا به لأنه صح عنه.
وهذا الوقت لا شك أنه من أرجى ما يكون من أوقات الإجابة لعدة أسباب:
أولًا: أنه وقت اجتماع الناس على صلاة مفروضة، والاجتماع له أثر في إجابة الدعاء؛ ولذلك كان يوم عرفة يومًا يجاب فيه الدعاء، ولذلك أيضًا أمر النبي عليه الصلاة والسلام الحيض وذوات الخدور أن يخرجن إلى العيد؛ قالت أم عطية: ليشهدن الخير ودعوى المسلمين. فاجتماع الناس على هذه الفريضة لا شك أنه من أسباب إجابة الدعاء.
ثانيًا: أن الحديث فيه: "وهو قائم يصلي"، ومن صعود الإمام إلى أن تقضى الصلاة إما أن يكون الإنسان في صلاة فعلًا كصلاة الجمعة مثلًا، وإما أن يكون منتظرًا للصلاة ومنتظر الصلاة إذا صلى ثم جلس ينتظر فهو في صلاة كما ثبت به الحديث.
ثالثًا: أن هذا الوقت الذي هو وقت صلاة الجمعة لا شك أنه أفضل الأوقات بالنسبة ليوم الجمعة؛ لأنه تؤدي فيه فريضة نص الله تعالى فيها على أن لها نداء وأن لها حضور، أما الساعة الثانية فهي ما بين صلاة العصر وغروب الشمس؛ يعني: أن الساعة في هذا الوقت ما بين صلاة العصر وغروب الشمس.
وقوله: "وهو قائم يصلي" يتحقق هنا؟ لا، لكن يتحقق فيما لو دخل الإنسان المسجد، لو دخل المسجد وصلى ركعتين تحية المسجد يستقيم، ثم إذا جلس بعد ذلك ينتظر الصلاة فهو في صلاة، وعلى هذا فآرجاها هذان الوقتان من خروج الإمام إلى أن تفرغ الصلاة، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، فينبغي لنا أن نحافظ على الدعاء في هذين الوقتين.
المعتبر في عدد الجمعة:
443 - وعن جابر رضي الله عنه قال: "مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدًا جمعةً". رواه الدارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ.
قال: "مضت السنة" إذا قال الصحابي: "السنة" فالمراد بها: سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال أهل العلم بمصطلح الحديث: ومثل هذا التعبير يكون له حكم الرفع، ثم أعلم أن السنة في لسان الصحابة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 363)
ليست هي السنة في اصطلاح الفقهاء، الفقهاء يريدون بالسنة: ما أمر به لا على سبيل الوجوب، وأما في لسان الصحابة فالمراد بها: طريقة النبي عليه الصلاة والسلام سواء كانت واجبة أو مستحبة، فمن الواجبة قول أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، ثم دار". هذا وجوب من السنة الواجبة، ويروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "من السنة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة". هذه من السنة المستحبة.
هنا قال: "مضت السنة" يعني: سنة الرسول عليه الصلاة والسلام "أن في كل أربعين فصاعدًا جمعة". "في كل" جار ومجرور خبر مقدم، و"جمعة" بالنصب اسمها مؤخر، وأما قوله: "فصاعدًا" فمنصوبة على الحال، وقد اختلف العلماء في هذا العدد على نحو عشرة أقوال، ولكن الأقوال المشهورة هذا الحديث، وهو حديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به، وأما اثنا عشر فمستنده ما رواه مسلم في قصة انتظار الصحابة رضي الله عنهم حي جاءت العير من الشام فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلًا، وهذا لا دليل فيه؛ لأنها قضية عين، فلا ندري لو بقي عشرة ماذا يكون الحكم، لو بقي أربعة عشر ماذا يكون، فما دام أن هذا العدد وقع اتفاقًا فإنه لا يمكن أن يؤخذ شرطًا من الشروط، وذكرنا قاعدة فيما سبق أن كل ما وقع اتفاقًا فإنه لا يعتبر حكمًا شرعيًا؛ لأنه لو الأمر اتفق على سوى ذلك ما تغير الحكم، والدليل على أنه لا يتغير الحكم أنه لو كان الحكم يتغير لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يبينه، وعلى هذا فإنه لا يكون فيه دليل على أنه - أي: العدد المشترط للجمعة - اثنا عشر.
لكن علىقول من يقول إن العدد أربعون ماذا يجيبون عن هذا الحديث - وهو في صحيح مسلم - قالوا: لعلهم رجعوا - أي: الأربعون - قبل أن تنقضي الصلاة؛ بل قبل أن يفوت ركن من أركان الخطبة، وهذا لا شك أنه بعيد جدًا، والقول الثالث في المسألة: أن الذي يشترط ثلاثة فقط، وهذا القول هو الراجح، وسبق لنا أنه به يتحقق الجمع، وبه يتضح معنى قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9]. فإنه منادٍ وإمام وساعٍ، وهذا أحسن الأقوال، ولكن هذا لابد أن يكونوا في قري مستوطنين، وأما إذا كانوا في البر فإنه لا جمعة عليهم، وهناك من قال: تنعقد باثنين، فيرد عليهم بما ورد في السنين: "ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الجمعة إلا استحوذ عليهم الشيطان". وإن الذي يتحقق به معنى الجمع ولاشك فيه هو الثلاثة فأكثر، ولأن الآية تشير إلى ذلك وإن كانت صريحة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 364)
استغفار الخطيب للمؤمنين:
444 - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعةٍ". رواه البزار بإسناد لينٍ.
قوله: "كان يستغفر" تقدم لنا مرارًا أن "كان" للاستمرار لا دائمًا، بل غالبًا، وإنما قلنا: لا دائمًا؛ لأنه تأتي أحاديث: كان يفعل كذا، ويأتي في المسألة نفسها: كان يفعل كذا خلاف الأول، وهذا يدل على أنها لا تفيد دائمًا.
وقوله: "يستغفر للمؤمنين" "يستغفر" أي: يطلب المغفرة، وقوله: "للمؤمنين" الإيمان في اللغة التصديق: لكنه إذا عدي باللام صار مضمنًا معنى الاستسلام، وإذا عدي بالباء صار مضمنًا معنى الاطمئنان والإقرار، ولهذا يقال: آمن بالله، ولا يقال: آمن لله، بل إنه يقال: أسلم لله، وآمن بالله {قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا … }. إلى أن قال: {ونحن له مسلمون} [البقرة: 136]. فقال في الإسلام: {ونحن له}، وقال في الإيمان: {ءامنا بالله} المؤمن أكمل من المسلم؛ لأن الإيمان في القلب، والإسلام في الظاهر، يعني: دلالته على الظاهر أقوى، ولكن مع ذلك إذا انفرد أحدهما عن الآخر شمل الثاني، وإذا اجتمعنا افترقا، انظر إلى حديث عمر بن الخطاب في سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان بلا شك، وتعلق الحكم بالإسلام الشامل للإيمان: {ورضيت لكم الإسلم دينًا} [المائدة: 3]. الإسلام يشمل الإيمان، أما إذا اقترنا فإنهما يفترقان، كما في حديث عمر في قصة جبريل، وكما في قوله تعالى: {قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمن في قلوبكم} [الحجرات: 14].
وأما في قوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين} [الذاريات: 35 - 36]. فإنها تدل على افتراق الإيمان والإسلام، ومن العجب أن بعض أهل العلم استدل بها على ترابط الإيمان والإسلام قال: هذا دليل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد؛ لأن الله يقول: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} أي: من المؤمنين، فظن أن الآية تدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وعند التأمل يتبين: أن الآية تدل على أن الإيمان ليس هو الإسلام، كيف ذلك؟ {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} ومن الذي خرج؟ لوط وأهله، إلا امرأته لم تخرج بل أمره الله أن تبقى، وهنا قال: {غير بيتٍ من المسلمين} البيت فيه امرأته لكنها غير مؤمنة، بل هي مسلمة يعني: مستسلمة ظاهرًا فهي لا تخالفه؛ ولهذا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 365)
جعلها الله تعالى في سورة التحريم خائنة لزوجها؛ لأنها تظهر الإسلام، وهي مبطنة للكفر، فعلى هذا نقول الآية: {غير بيتٍ من المسلمين} لأن البيت يشمل هذه المرأة وهي غير مؤمنة لكنها مسلمة.
وقوله: "للمؤمنين والمؤمنات" أي: الإناث، واعلم أنه إذا أطلق الجمع، جمع الذكور شمل الإناث وأكثر ما تكون الأحكام معلقة بمن؟ بالذكور، لكن يدخل النساء تبعًا، وربما تعلق بالإناث فيختص الحكم بهن، وربما تعلق بالإناث فيكون الحكم عامًا لهن ولغيرهن، فقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وإن كان القذف معلقًا بالنساء فهو شامل للرجال.
الحديث هنا مطلق ما بين أنه في الصلاة أم في الخطبة، لكن الظاهر أنه في الخطبة؛ لأنها هي التي تسمع ويؤمن عليها، فالظاهر أنها في الخطبة، ولكن يقول المؤلف: "رواه البزار بإسناد لين"، وما معنى لين؟ اللين ضد القوي، فهو في مرتبة بين الضعف والحسن، إلا أنه غالبًا للضعف أقرب، وهذا الحديث أخذ به الفقهاء رحمهم الله واستحبوا للإنسان أن يدعو للمسلمين في الخطبة وقالوا: إن هذا محل إجابة دعاء أو ترجي فيه الإجابة، وقال بعض أهل العلم: إن الدعاء في الخطبة واجب، وأنه يجب أن يدعو في الخطبة للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، واستدلوا بأن هذا الحديث: "كان يفعل" كذا يشعر بالدوام، وما داوم عليه النبي عليه الصلاة والسلام فإنه واجب ولكن الصحيح أنه ليس بواجب أولًا: لأن هذا الحديث - كما رأيتم - ضعيف.
الشيء الثاني: أنه تقدم لنا أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، غاية ما هنالك أنه يدل على المشروعية إن كان عبادة، وعلى الإباحة إن كان غير عبادة، وقوله: "يستغفر للمؤمنين في كل جمعة" إذا قلنا بالاستحباب، كما قال الفقهاء رحمهم الله فإنه لا ينبغي أن يداوم عليه مداومة تلحقه بالواجب؛ لأن العامة يظنون أنه واجب، حتى إن بعض العامة الآن يظنون أنه يجب أن تختم الخطبة الأولى بقوله: "أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم"، ولو ختمها أحد بسوى ذلك لاستنكروا، ويرون أنه يجب أن تختم الثانية بقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسن} [النحل: 90]. فمن أجل هذا ينبغي للخطيب ألا يلتزم بهذا الدعاء بل أن يدعه أحيانًا، بل إنه ليس بسنة بهذا الخصوص بأن يقرأ هذه الآية: {إن الله يأمر بالعدل والإحسن} أو أن يقول: "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"، ليس بلازم إنما ينبغي أن يدعو، وهل ينبغي أن يدعو لولاة الأمور في هذا المقام؟ نعم، من باب أولى، حتى إن الإمام أحمد رحمه الله قال: لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان؛ لأن بصلاحه صلاح الأمة، وهذا صحيح، ولكن ينبغي أن يستشعر الداعي إذا دعا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 366)
لولاة الأمور بأنه ينوي بذلك ولي الأمر الصغير والكبير لا ينوي شيئًا معيدًا؛ لأن ولاة الأمور كما تشمل أعلى مسئول في الدولة كذلك تكون فيمن دونه من وزرائه، وأمرائه، ورؤساء الأقسام ومدرائها، وغير ذلك؛ لأن هؤلاء في الحقيقة هم الذين يسيرون دفة الدولة ليس خاصًا بالرئيس الأعلى بالدولة فهو قد لا يعرض عليه إلا المسائل الكبار التي تحتاج إلى نظر، أما المسائل الأخرى التي قد تكون أشد ضررًا أو أشد نفعًا فقد تكون فيمن دونه؛ ولهذا ينبغي للخطيب إذا دعا لولاة الأمور أن يصرح بأن يقول مثلًا: صغيرهم وكبيرهم وما أشبه ذلك، أو أن يأتي بما يشعر أن المراد بالولاة العموم حتى لا يذهب ذهن المؤمن إلى أن المراد بولاة الأمور هم السلطة العليا في الدولة.
حكم قراءة آيات من القرآن في الخطبة:
445 - وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الخطبة يقرأ الآيات من القرآن، يذكر الناس". رواه أبو داود، وأصله في مسلم.
قوله: "كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن" الكلام على "كان" تقدم، وقوله: "يقرأ آيات من القرآن" "آيات" مكسورة لأنه جمع مؤنث سالم فينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة، يقول: "يقرأ آيات من القرآن يذكر الناس"، وقال: "أصله في مسلم" سبق أن أم هشام قالت: "ما حفظت ق والقرآن المجيد إلا من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بها يوم الجمعة". ولعل المؤلف يشير إلى ذلك.
وهذا الحديث الذي نحن بصدده يدل على أن الرسول صلى الله عليه سولم يخطب ويجعل في الخطبة الآيات وليس يقتصر على الآيات فقط، بل كان يخطب ويقرأ آيات، هذه الآيات ينبغي أن تكون مناسبة لموضوع الخطبة؛ لأن وحدة الموضوع في الكلام لها شأن كبير في انضباط الفهم، إذا إننا لو شتتنا الموضوع تشتت ذهن السامع، وكانت استفادته أقل، فإذا كانت الآيات مناسبة لموضوع الخطبة كان أحسن وأولى لأجل ألا تتشتت الأذهان، وأما قول بعض المتأخرين إنه ينبغي أن تكون الآيات التي تقرأ في الصلاة مناسبة لموضوع الخطبة، فإن هذا لا أصل له، وذلك لأن القراءة في الصلاة معينة من قبل النبي عليه الصلاة والسلام فتارة يقرأ الجمعة والمنافقون، وتارة يقرأ سبح والغاشية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 367)
الذين تسقط عنهم الجمعة:
446 - وعن طارق بن شهابٍ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعةٍ إلا أربعًة: مملوك، وامرأة، وصبي، ومريض". رواه أبو داود، وقال: "لم يسمع طارق من النبي صلى الله عليه وسلم". وأخرجه الحاكم من رواية طارقٍ المذكور عن أبي موسى.
على رواية الحاكم يكون الحديث متصلًا قوله: "الجمعة حق واجب"، ما المراد بالجمعة؟ يعني: صلاة الجمعة، وقوله: "حق واجب" كلمة "واجب" صفة لحق، وهي في المعنى توكيد له، إذ إن الحق هو الشيء الواجب الثابت.
وقوله: "على كل مسلم إلا أربعة" كلمة مسلم تخرج الكافر؛ لأن الكافر لا يخاطب بالجمعة، ولا غيرها من الصلوات، يخاطب أولًا بالإسلام.
وقوله: "في جماعة" هذا بيان لكونها لا تصح على انفراد بل لابد أن تكون في جماعة، فإذا أضفت "واجب على كل مسلم في جماعة" فربما تشعر بأنه لابد من ثلاثة رجال فأكثر، يعني: عندنا هذا الذي أوجبناها عليه في جماعة قبله، وأقل جماعة في الصلاة اثنان في الجمعة ثلاثة. "إلا أربعة" أربعة معينون بالشخص أو بالوصف؟ بالوصف.
أولًا: "مملوك" المملوك العبد ليس عليه جمعة؛ لماذا؟ لأنه مشغول بخدمة سيده، فإن كان مبعضًا بعضه حر وبعضه عبد هل تجب؟ ينظر إن كان بينه وبين سيده مهايأة بحيث يصادف يوم الجمعة الوقت الذي هو فيه مالك لمنفعته فإن الجمعة تجب عليه، ومعنى مهايأة أن يقول: "لك يا سيدي يوم ولي يوم"، فإذا كان كذلك وصادف الجمعة فإنه تلزمه؛ لأنه حينئذٍ مالك لنفسه في ذلك اليوم.
ثانيًا: "وامرأة" لا تجب عليها الجمعة؛ لأنها ليست من أهل الجماعة والاجتماع مع الرجال.
ثالثًا: "وصبي" لماذا؟ لأنه ليس من أهل التكليف، فقد رفع القلم عن ثلاثة منهم: "الصبي حتى يبلغ".
رابعًا: "ومريض"، لماذا؟ لأنه لا يستطيع.
الأربعة الآن من وجهة نظر ثانية "المملوك" الآن هل هو تخلف شرط أو وجود مانع؟ وجود مانع، "والمرأة" تخلف شرط، "والمريض" وجود مانع.
فالمملوك لا تجب عليه الجمعة لوجود المانع، والمعروف من المذهب أنه لفوات الشرط؛
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 368)
ولذلك لا يرون أن المملوك أهل لإمامة الجمعة ولا تكميل العدد - عدد الجمعة - على القول بأنها لها عددًا وهو المعروف بأن أقله ثلاثة، ويرون أيضًا أن المملوك لا تجب عليه الجمعة، ولو أذن له سيده وذلك لفوات الشرط، وقال بعض أهل العلم إن المملوك تجب عليه الجمعة مطلقًا، وأن حق الله مقدم على حق السيد، وأن هذا الحديث ضعيف ضعفه أهل الحديث وقالوا أن المملوك كغيره من المكلفين تجب عليه الجمعة، وحق الله مقدم على حق الآدمي وهذا مذهب الظاهرية، واستدلوا بالعموم - عموم الآية-: } يايها الذين امنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله {[الجمعة: 9]. وهو من المؤمنين فيجب عليه الحضور، وقال بعض العلماء: إن المملوك لا تجب عليه الجمعة لوجود مانع وهو اشتغاله بخدمة سيده، وبناء على ذلك إذا أذن له سيده وجبت عليه الجمعة؛ لأن المانع زال، وهذا القول أعدل الأقوال وأوسطها؛ لأن المملوك لا يملك نفسه في الحقيقة، فإذا كان هناك مانع يعني: كما إذا لم يأذن له سيده بالجمعة فإنه لا يستطيع أن يتخلص منه، فيكون معذورًا، وإذا أذن له زال العذر.
فالصواب: أن عدم وجوب الجمعة على المملوك لا لاختلاف الشرط، ولكن لوجود المانع، هل نقول: إن مثله الأجير الحر؟ فيقال مثلًا: أنا مستأجر واحد يعمل عندي يوم الجمعة، فزمنه مملوك لي، لكنهم يقولون: إن هذا - أي: حضور الجمعة - مستثنى شرعًا ما شمله عقد الإجارة بخلاف المملوك، المملوك مملوك عينه ومنفعته لسيده، وأما المستأجر فلا، وبناء على ذلك يكون الجواب ما ذكر على أن الأجراء لا يجوز أن يدعوا الجمعة من أجل أن يقوموا بما استؤجروا عليه، نعم إذا كان هناك شيء يحتاج إلى حراسة ولم يمكن أن يقوم به سوى هذا الرجل، فإن الفقهاء رحمهم الله يرون أن ذلك عذر في ترك الجمعة والجماعة.
وقوله: "وامرأة" المرأة لا تجب عليها الجمعة لفوات الشرط؛ لأنها ليست من أهل الجمعات والجماعة؛ ولهذا لا يصح أن تكون إمامة الجمعة، ولا تحسب من العدد المشترط في الجمعة لفوات الشرط.
"وصبي" لفوات الشرط أيضًا؛ لأنه ليس أهلًا للتكليف فلا تلزمه الجمعة، بل ولا الجماعة، ولا غيرها من العبادات، لكنه يؤمر بالصلاة لسبع ويضرب عليها لعشر تأديبًا له وترويضًا له على العبادة، وليس لأنها واجبة عليه.
"ومريض" المريض لا تجب عليه الجمعة لوجود المانع، وهو المرض الذي يمنعه من الصلاة، ولهذا لو حضرها المريض أجزأته وانعقدت به وصح أن يكون إمامًا فيها، وظاهر الحديث الإطلاق: "مريض" ولكنه علق بوصف وهو المرض لسبب وهو المشقة، فإذا كان المرض يسيرًا لا يشق معه حضور الجمعة، فإنه يجب عليه حضور الجمعة، فهنا المرض ليس
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 369)
هو العلة لكن هو سبب العلة، والعلة الحقيقية هي المشقة، ولذلك لو كان هناك مشقة في غير مرض - كما لو كان هناك مطر ووحل - فإنه يجوز ترك الجمعة كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام لأنه فعل يجوز لأجل المشقة، فالمرض هنا ليس العلة ولكنه سبب العلة وهي المشقة، ولكنه إذا حضر أجزأته.
447 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على مسافرٍ جمعة". رواه الطبراني بإسنادٍ ضعيفٍ.
يقول المؤلف: سنده ضعيف، وعلى هذا فلا يعتمد عليه من جهة إسناده، ولكن لننظر في معناه هل هو موافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم أو مخالف؟ نقول: أما إذا كان الإنسان في سفر، يعني: جماعة مسافرون، فإنه لا جمعة عليهم، ولا تشرع لهم الجمعة، ولا تصح منهم الجمعة؛ لأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في أسفاره أنه لا يصلي الجمعة، ولو كانت واجبة لصلاها أو مشروعة لصلاها، فلما لم يفعل علم أنها ليست مشروعة وليست من هديه عليه الصلاة والسلام، وهاهو في أعدل مجتمع تجتمع الأمة فيه يوم عرفة كان يوم جمعة كما هو معروف في حجة الوداع وهل صلى الجمعة أو لا؟ لا، قال جابر: "فأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا". هذا في المجمع الكبير الذي سينفض الناس وهم يعرفون أنه ليس في السفر جمعة وهذا واضح في أن المسافر لا تجب عليه الجمعة في نفسه ولا تشرع له ولا تصح منه.
أما إذا كان مسافرًا في بلد وسمع النداء فهل تلزمه الجمعة حينئذٍ إذا كان لا يتضرر بانتظارها، أو نقول: إنها لا تلزمه؟ المشهور من المذهب: أنه إن كان يلزمه الإتمام لزمته الجمعة في غيرها، وإن كان لا يلزمه الإتمام لم تلزمه لا بنفسه ولا بغيره؛ لأن الجمعة على المذهب لا تلزم الإنسان لا بنفسه ولا بغيره، وتلزمه بغيره لا بنفسه، وتلزمه في نفسه، ومعلوم الذي تلزمه بنفسه تلزمه بغيره من باب أولى.
[زيادة توضيح]: المرأة مثلًا: لا تلزمها الجمعة لا بنفسها ولا بغيرها، حتى لو سمعت النداء لا يجب عليها أن تحضر، لا بنفسها ولا بغيرها، حتى لو أقيمت الجمعة لا يلزمها، المسافر الذي أقام في البلد مدة تقطع السفر على المذهب فوق أربعة أيام هذا يقولون: تلزمه الجمعة بغيره لا بنفسه، ما معنى ذلك؟ يعني: إن أقيمت الجمعة يلزمه حضورها، وإن لم تقم لم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 370)
تلزمه، وأيضًا هو نفسه لا يصح أن يكون إمامًا فيها ولا خطيبًا، ولا يحسب من العدد؛ لأنه ليس ممن تلزمه بنفسه، إذا كان هذا المسافر لا يلزمه الإتمام كما لو كانت نيته أن يقيم أقل من أربعة أيام وهذا التفريع على المذهب، أو كان مقيمًا لحاجة ولا يدري متى تنقضي فقد يبقى عدة سنوات فهذا الرجل يقولون: لا تلزمه الجمعة لا بنفسه ولا بغيره؛ يعني: أنه لو أقيمت ما يلزمه، عند عتبة المسجد ويسمع النداء لا نقول: ادخل صل لماذا؟ لأنه مسافر فلا تلزمه الجمعة لا بنفسه ولا بغيره، ولو دخل لا يكمل به العدد، ولا يصح خطيبًا، ولا يصح إمامًا، وبناء على كلامهم رحمهم الله المسافرون الآن الذين يسافرون للدراسة ويبقون أربع سنين، أو خمس، أو عشر سنين وهم يعلمون ذلك، هل يحسبون من العدد؟ لا، ولا تنعقد بهم الجمعة، ولا تلزمهم وإذا فعلوا لم تصح، وعلى هذا لو وجدنا ولاية من الولايات في أمريكا أو غيرها كل الذين فيها من المسلمين كلهم جاءوا للدراسة ليسوا مستوطنين ثم أقاموا الجمعة فإن الجمعة على المذهب لا تصح منهم ويلزمهم أن يعيدوها ظهرًا، فإذا قدموا إلينا مثلًا وهم قد أقاموا هناك خمس سنين، وقالوا المدة هذه كنا نقيم الجمعة نقول: لا تصح الجمعة منكم، كم يقضون؟ يقضون الجمعة ظهرًا خمس سنين، وهل يقضونها ظهرًا تامًا أو مقصورًا؟ تامًا على المذهب؛ لأنهم يقولون: إن من وجب عليه صلاة السفر ثم ذكرها في الحضر وجب عليه الإتمام أربعًا، هذا هو معنى قولنا: "تلزم بغيره أو بنفسه، أو لا تلزم لا بغيره ولا بنفسه".
ولكن ظاهر الأدلة الصحيحة عندنا أن المسافر تلزمه الجمعة ولو كان لا يريد البقاء إلا يومًا أو يومين أو أكثر، ما دام سمع النداء يجب عليه الحضور لعموم قوله تعالى: } يأيها الذين أمنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع {[الجمعة: 9]. هذا نداء عام، نقول: من أخرج المسافر الذي أقام ينتظر حاجته ثم يرجع من أخرجه من هذا العموم فعليه الدليل، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى وهو الصحيح؛ لأنه ينبغي لنا إذا جاءنا عموم أن نحكم بهذا العموم على جميع الأفراد ما لم يرد تخصيص، هذه القاعدة الشرعية التي مشى عليها النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي عليه الصلاة والسلام لما علمنا أن نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - قال: "إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض"؛ إذن صار العموم يعم جميع الأفراد، مع أني في ظني أن المصلي ما كان يقصد بذلك وهو يسلم على الملائكة أنه يسلم على الأموات السابقين أو الأموات الذين سيأتون من الصلحاء، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه يسلم على كل عبد صالح في السموات والأرض، إذن} يأيها الذين أمنوا إذا نودى للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع {الآية [الجمعة: 9]. نحن قد عرفنا أن اسم الموصول يفيد العموم، وهذا المسافر من الذين آمنوا فيجب عليه السير إلى الجمعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 371)
448 - وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا". رواه الترمذي بإسنادٍ ضعيفٍ، قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء.
هذا الحديث يقول: "إذا استوى"، معنى "استوى": علا عليه واستقر، "استقبلناه بوجوهنا" يعني: صرفنا وجوهنا إليه لأجل أن يطابق الوجه القلب، ولا شك أن كون الإنسان ينظر إلى الخطيب ببصره يقوي نظره إليه بقلبه، فلهذا يعطي النظر إلى الخطيب، يعطيه قوة في وعي الخطبة.
وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند ولكنه من حيث المعنى قوي، إلا أنه كما قال بعض أهل العلم: خاص بمن كان قريبًا؛ بحيث إذا صرف وجهه عن الخطيب لا ينحرف عن القبلة، أما البعيد الذي لا يمكن إلا بانحرافه عن القبلة، فإن استقبال القبلة أهم ثم هو يعالج نفسه في إحضار قلبه، وبه نعرف أن الخطيب نفسه لا يلتفت، خلافًا لمن استحسنه من بعض الخطباء أن الخطيب يلتفت يمينًا ويسارًا، فنقول: الخطيب مقصود وليس بقاصد، الناس يتجهون إليه ولا يتجه إليهم هذا هو المعروف من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، أما الإنسان المعلم فلا بأس به، وأيضًا إن التفات المعلم فيه فائدة لأجل تذكير الغافل وإيقاظ الذي ينعس حتى لا يحصل غفلة، المهم أن الخطيب يستقر على المنبر ويقصد - كما قال الفقهاء رحمهم الله تلقاء وجهه، أما الذين حوله فيلتفتون إليه؛ لأنه أبلغ في حضور القلب فيتطابق الوجه والقلب في الاتجاه إلى الخطيب.
- وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة.
أحيانًا نسمع في كلام المحدثين "شاهد"، "متابع"، أو ما أشبه ذلك ما الفرق بين الشاهد والمتابع؟ الشاهد في المتن معناه: أن هذا المتن له شاهد من حديث صحابي آخر، وأما المتابعة فهي بأن يوافق الراوي لفظًا آخر، ثم إنها تكون تامة إذا كان الأخذ عن الشيخ، وتكون قاصرة إذا كان الأخذ عمن فوقه؛ أي: فوق شيخه.
حكم الاعتماد على عصًا أو قوس للخطيب:
449 - وعن الحكم بن حزنٍ رضي الله عنه قال: "شهدنا الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام متوكئًا على عصًا أو قوسٍ". رواه أبو داود.
قوله: "شهدنا" يدل على أن معه جماعة، وهو كذلك، عندي في الحاشية يقول: "قدمت إلى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 372)
النبي صلى الله عليه وسلم سابع سبعة، أو تاسع تسعة" فيكون معه جماعة، وهؤلاء - فيما يظهر - قدموا وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان الناس يقدمون إليه وفودًا، كما أنه كان يبعث إلى الناس من يدعوهم إلى الله، وبهذا انتشرت الدعوة الإسلامية من المدين جميعًا مد من مكان الدعوة إلى مكان المدعوين، والمد الآخر بالعكس يأتي المدعوون إلى مكان الدعوة فينتفعون، نظير ذلك الآن أننا من هنا - من هذه المملكة - نعطي منحًا لأناس بعيدين يدرسون في الجامعة، ونبعث أناسًا يدعون إلى جهات بعيدة يدعون بعد أن يدرسوا فتكون الدعوة الإسلامية من الناحيتين تعطي فتتبع الناس وتفتح المجال لمن أراد أن يحضر ويتفقه في الدين.
وقوله: "فقام متوكئًا على عصًا أو قوس" "أو" هنا للشك من الراوي، هل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم عصًا أو قوس، هذا إذا كان الشك من الحكم نفسه، أما إذا كان الشك ممن بعده فيكون الشك هل قال: الحكم قوس أو عصًا؟ وقوله: "فقام متوكئًا" ما معنى التوكأ، أي: الاعتماد، وإنما يعتمد من أجل أن يكون أثبت له وأنشط وأقل تكلفًا، الاعتماد يعطي الإنسان قوة ونشاطًا وثباتًا كما أنه أيضًا يعفيه من الضعف أو يمنعه من الضعف.
وقوله: "متوكئا على عصًا أو على قوس" أخذ أهل العلم من ذلك أنه يستحب للخطيب أن يعتمد على قوس أو عصًا، وزاد بعضهم: "أو سيف"، لكن السيف لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، إنما ورد القوس أو العصا، على أن ابن القيم رحمه الله يقول: إن اعتماده على القوس أو العصا إنما كان قبل أن يبنى له المنبر، أما بعد أن بني له المنبر فإنه لم يكن يعتمد على شيء، وربما يقال: إن مسألة الاعتماد ليست من المسائل التعبدية، وإنما هي مسألة ترجع إلى الحال التي تقتضيها، فإذا كان الخطيب يحتاج إلى الاعتماد لكونه ضعيف البدن، أو كبير السن، أو ليس عنده ما يعتمد عليه في الخطبة فإنه يأخذ العصا أو القوس من أجل أن يعتمد عليها، وأما إذا لم يكن كذلك فإننا لا نطلب منه أن يستصحب العصا أو القوس، وأما السيف فإننا لا نستحبه مطلقًا خلافًا لمن قال به من الفقهاء؛ وذلك لأنه لم يرد؛ ولأن فيه إرهابًا للناس، والمقام ليس مقام إرهاب؛ لأن الذي أمامه أعداء أو أولياء؟ أولياء فلا حاجة إلى أن نرعبهم بالسيف.
وأما ملاحظة بعض العلماء بأنه إشارة إلى أن هذا الدين فتح بالسيف ففيه أيضًا نظر؛ لأن السيف إنما يستعمل عند الحاجة إليه، أما إذا لم يحتج إليه فإن الدعوة تكون بالبيان والعلم، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا الناس بالبيان والعلم، وفتح صدور العالم بما جاء به من
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 373)
الحق والهدى، وكثير من الناس أسلموا بدون سيف وبدون قتال، لكن لما رأوا محاسن الإسلام، وأنه الدين الموافق للفطرة والدين الذي يتكفل بقيام الإنسان بحق ربه، وحق عباده دخلوه، ولا يعرف قدر الإسلام إلا من عرف الجاهلية وعرف الأديان التي سواه، فحينئذٍ يعرف قدر الإسلام، ولا يعرف الإسلام أيضًا إلا كان أهله متمسكين به غاية التمسك؛ ولهذا كثير من غير المسلمين اليوم لا يجدون للإسلام الطعم الذي يجده الناس في سلف الأمة؛ لماذا؟ لأن الناس لم يتمسكوا به فيظن الناس الذين لم يدخلوا في الإسلام الآن أن هذه مناهج من وضع البشر؛ لأنهم لو عاملوا المسلمين وجدوا من بعضهم معاملة سيئة لا تدعوهم إلى الإسلام.
والحاصل: أن هذا الحديث يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوكأ، ولكن هل هذا من هديه الدائم المستمر، أو إنما اتخذه لحاجة قبل بناء المنبر؟ يرى ابن القيم رحمه الله أنه اتخذه لحاجة قبل بناء المنبر، وأما ما اطلعت عليه من كلام الفقهاء الآخرين فإنهم يرون أنه سنة مطلقًا والذي يترجح عندي أنه ليس من باب التعبد، وإنما هو من باب الحاجات، فمتى احتاج إليه الخطيب فإنه يعتمد على ذلك، ويكون مقصودًا لغيره، وإذا لم يحتج إليه فلا حاجة إليه.
* * *
13 - باب صلاة الخوف
صلاة الخوف أشار الله تعالى إليها بقوله: } فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا {[البقرة: 239]. وبقوله: } وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك ..... {إلخ [النساء: 102].
وقوله: "صلاة الخوف" هو من باب إضافة الشيء إلى سببه باعتبار صفته لا باعتبار أصل مشروعيته؛ لأن إضافة الشيء إلى سببه قد تكون باعتبار أصله، وقد تكون باعتبار صفته، فمثلًا إذا قلنا: "صلاة الكسوف" فهو باعتبار الأصل والصفة؛ لأن أصلها الكسوف لولا الكسوف ما استحبت هذه، ثم لها صفة خاصة تتميز بها عن بقية الصلوات فهذا باعتبار الأصل والصفة، وإذا قلنا: "تحية المسجد" فهي باعتبار السبب، لكن باعتبار الأصل لا الصفة، لكن أصل مشروعية الركعتين هو دخول المسجد، وهنا صلاة الخوف باعتبار الصفة، أما الأصل فهي مشروعة ولو بدون، خوف الصلوات الخمس مشروعة ولو بدون خوف، فتبين أن إضافة الشيء إلى سببه إما أن يكون باعتبار أصله أو وصفه، أو أصله ووصفه، يعني: أن هذا السبب سبب لكونها على هذه الصفة، هذا السبب لمشروعيته أو عدم مشروعيته؟ هذا السبب لمشروعيته، وكونه على هذه الصفة كل من باب إضافة الشيء إلى سببه، فصلاة الخوف كونها على هذا الوصف المعين سببه الخوف، لكن أصل مشروعية الصلاة ليس هو من أجل الخوف، نأتي إلى صلاة الكسوف ما هو السبب في مشروعية الكسوف؟ الكسوف في أصلها وفي وصفها لأنها مشروعة وعلى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 374)
هذا الوصف المعين تحية المسجد ما سببها؟ دخول المسجد سبب لأصلها أو لوصفها؟ لأصلها؛ لماذا؟ لأن الوصف لم تتميز عن غيرها، الركعتان هما الركعتان لا تتميز.
إذن صلاة الخوف لو قال لنا قائل: هل هي من باب إضافة الشيء إلى سببه؟ نقول: نعم، فإذا رد علينا وقال: إن الصلوات التي تصلى مع الخوف مشروعة من قبل الخوف، قلنا: باعتبار الصفة، لا باعتبار الأصل، يعني: الصلاة التي يكون سببها الخوف بحيث تقوم على هذه الصفة المعينة لا على أنها مشروعة لأجل الخوف، لكن كونها على هذا الوصف المعين سببه الخوف.
شروط صلاة الخوف:
واعلم أن من شروط صلاة الخوف أن يكون القتال مباحًا، فإن كان القتال محرمًا فإنه لا تصح فيه صلاة الخوف؛ لماذا؟ لأن صلاة الخوف شرعت على هذا الوجه تخفيفًا على المقاتلين، وإذا كان القتال محرمًا فإنه لا يناسب التخفيف عنهم؛ لهذا نقول له: اترك القتال وصل صلاة آمن.
وهذه المسألة يمكن أن يقال فيها ما يقال في حل أكل الميتة للمسافر سفرًا محرمًا، فإن العلماء اختلفوا فيمن سافر سفرًا محرمًا هل يجوز له أكل الميتة عند الضرورة أو لا؟ فالمشهور من المذهب: أنه لا يحل له أكل الميتة عند الضرورة حتى لو مات لا يأكلها، لماذا؟ لأن السفر محرم، وأكل الميتة رخصة، وإن كان رخصته واجبة فماذا نقول له؟ نقول له: تب وكل وارجع إلى بلدك، ويمكن أن يفرق بينها وبين السفر المحرم، أو بين جواز أكل الميتة في السفر المحرم، فالمهم: أنه يشترط عندنا أن يكون القتال مباحًا، فإن كان محرمًا فإنه لا يصلي صلاة الخوف، ولكن يجب أن نعرف الفرق بين رجل مدافع ورجل مهاجم فيما إذا كان القتال محرمًا كالقتال بين المسلمين فإنه يجب أن نفرق بين رجل مهاجم ورجل مدافع، أيهم الذي يحرم عليه؟ المهاجم، أما المدافع فإنه معذور، بل مأمور بان يدافع عن نفسه؛ ولهذا في قتال الخوارج وقتال أهل البغي الجانب الذي فيه الإمام معذور ويصلي صلاة الخوف، والجانب الآخر غير معذور فلا يصلي صلاة الخوف بناء على اشتراط أن يكون القتال مباحًا.
الصفة الأولى لصلاة الخوف:
450 - عن صالح بن خواتٍ رضي الله عنه، عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفًة من أصحابه صلى الله عليه وسلم صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعًة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 375)
فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
- ووقع في المعرفة لابن منده، عن صالح بن خواتٍ، عن أبيه.
قوله: "عمن صلى" مبهم، وإبهام الصحابي لا يضر؛ لأن أهل العلم بالحديث يقولون: إن جهالة الصحابي لا تقدح في صحة الحديث؛ وذلك لأن الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة إلا من ثبت في حقه ما ينافي ذلك، وهذا في المبهم لا يتحقق، ثم إن الصحابة رضي الله عنهم كما قال شيخ الإسلام إذا كان صدر عن أحد منهم ما صدر من الذنوب فإن لديه مكفرات تكفر هذه الذنوب، منها مثلًا فضل سابقته في الإسلام وفي بدر كما في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حيث تجسس على المسلمين في مكاتبته قريشًا لما استأذن عمر رضي الله عنه أن يقتله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". المهم أن جهالة الصحابي لا تضر، هذا هو المعروف عند أهل العلم بالحديث.
وقوله: "يوم ذات الرقاع" الرقاع جمع رقعة، وهي من الجلود أو نحوها، وسميت بذلك لأنهم كانوا مشاة كثير منهم ونقبت أقدامهم من الأرض، فصاروا يلبسون أو يلفون على أرجلهم رقاعًا للوقاية فسميت بهذا الاسم.
وقوله: "صلاة الخوف" هل ترونها مصدرًا أو مفعولًا به؟ إذا قلت: "صليت صلاة الظهر" مفعول به؛ لأن الفعل وقع عليها، هذا هو الفرق بين المفعول به والمفعول المطلق، المفعول به يكون الفعل وقع عليه، والمفعول المطلق يكون دالًا على أحد مدلولي الفعل الذي هو المعنى.
قال: "أن طائفة من أصحابه صلى الله عليه وسلم صفت معه" وطائفة بالرفع أو بالضم؟ جائز الأمرين، قال ابن مالك:
وجائز رفعك معطوفًا على … منصوب إن بعد أن تستكملا
"وطائفة وجاه العدو" وجاه؛ أي: مقابل، قبل وجهه، و"العدو" المراد به: الكافر، فالكافر عدو للمؤمن بلا شك: } يأيها الذين امنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء {[الممتحنة: 1]. فأعدى الأعداء هو من عداك من أجل الدين؛ لأن عداوته - والعياذ بالله - أصيلة في قلبه.
يقول: "وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 376)
وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم". هذا الحديث صورته: قسمهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى قسمين، ولابد أنه أعلمهم بذلك قبل أن يصلي وإلا ما عرفوا كيف يتصرفون، طائفة وجاه العدو تحجزه أن يهجم عليهم وطائفة أخرى تصلي معه صلت معه ركعة كاملة، ولما قام بقي قائمًا عليه الصلاة والسلام والذين معه أتموا لأنفسهم، يعني: ركعوا وسجدوا وتشهدوا وسلموا، وانصرفوا، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وحده في هذه الحال هل هو إمام أو لا؟ الآن ما معه أحد ثبت قائمًا ولابد أنه يقرأ؛ لأن الصلاة ليست فيها سكوت فلابد أن يقرا، لكن ما نعرف ماذا قرأ، فجاءت الطائفة الأخرى التي كانت وجاه العدو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم فكبروا ودخلوا معه وركعوا معه وسجدوا معه حتى جلس للتشهد وهم قاموا وهو باق على جلوسه، ثم قرءوا وركعوا وسجدوا وجلسوا للتشهد مع الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك سلم بهم.
انظر العدل في الإسلام الطائفة الأولى أدركت معه تكبيرة الإحرام، والطائفة الثانية أدركت معه التسليم، فكان ذلك من تمام العدل، والنبي عليه الصلاة والسلام أراد منهم أن يكونوا جماعة واحدة وإلا فإمكانه أن يقول: أنتم في هذا الوقت احرسوا وأنتم صلوا معي، ويقول للحارسين في الوقت الثاني: صلوا معي، وأولئك يحرسون، لكن من أجل أن يشعروا بأنهم أمة واحدة وطائفة واحدة جعلهم النبي عليه الصلاة والسلام ينقسمون هذا الانقسام وإن حصل فيه شيء من المخالفات لكنها تغتفر من أجل المصلحة والاجتماع.
شروط هذه الصفة:
هذه صفة هذه الصلاة، فإذا قال قائل: ما شرط هذه الصلاة؟ قلنا: شرطها ألا يكون العدو في جهة القبلة، فإن كان العدو في جهة القبلة ما نصلي هذه الصلاة، نصلي بصفة أخرى ستأتينا - إن شاء الله تعالى - قريبًا، وأما إذا كان العدو يمينًا أو يسارًا، أو خلفًا في هذه الجهات الثلاث فنصلي هذه الصلاة، هذه الصفة توافق ظاهر القرآن؛ ولهذا قال الإمام أحمد في صلاة الخوف، أنها جائزة على جميع الوجوه التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "وأما حديث سهل - يعني: ابن أبي حثمة - فأنا أختاره"، إنما اختاره رحمه الله من أجل موافقته لظاهر القرآن: } وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم {[النساء: 102].
يقول: "ووقع في المعرفة لابن منده، عن صالح بن خوات، عن أبيه"، الآن تعارض عندنا تعيين مسلم وتعيين ابن منده، فأيهما يقدم؟ الجمع الآن ممكن فنقول: رواه عن صالح، وعن أبيه، فحينئذٍ يكون الجمع غير متعذر، وكلما أمكن الجمع فهو أولى؛ لأننا إذا رجحنا فمعناه: إلغاء
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 377)
إحدى الروايتين، هذه الصورة كما قلنا هي الموافقة لظاهر القرآن في قوله: } فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم {[النساء: 102]. ومن قوله في الطائفة الثانية: } ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك {[النساء: 102]. أما الطائفة الأولى فما أدركت الصلاة كلها حقيقة وحكمًا؛ لأنه قال: } فلنقم طائفة {، والثانية أدركتها حقيقة وحكمًا؛ لأنه قال: } فليصلوا معك {، ولأن الطائفة الثانية كبرت مع الإمام وسلت مع الإمام، والطائفة الأولى كبرت مع الإمام وسلمت قبل الإمام.
حكم حمل السلاح في صلاة الخوف:
في القرآن ذكر الله عز وجل: } وليأخذوا أسلحتهم {، فيجب أخذ السلاح لهذه الصلاة، لا نصلي ونجعل أسلحتنا بالأرض، يجب أن نأخذ الأسلحة، وحمل السلاح هنا واجب أو سنة؟ وإذا قلنا بالوجوب فهل تصح الصلاة بدونه أو لا تصح؟ الصحيح: أنه يجب أو يستحب حسب الحاجة، وعند الشك نقول: الأصل في الأمر الوجوب فيجب الحمل، ثم هل تصح الصلاة بدونه أو لا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الصلاة لا تصح بدونه، والصواب: أن الصلاة تصح بدونه، لأن هذا ما يعود إلى الصلاة وإنما يعود إلى الحذر، فليس له تعلق بالصلاة، ثم إن الله عز وجل قال في الطائفة الثانية: } فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم {، وفي الأولى قال: } وليأخذوا أسلحتهم {، وهنا أوجب أمرين: أخذ الحذر والأسلحة؛ لماذا؟ لأن في الطائفة الثانية قد يكون العدو عرف أنهم يصلون فتأهب للهجوم بخلاف الطائفة الأولى، فالعدو قد يكون غافلًا وهذا من براعة القرآن، ومن حكمة الله عز وجل في إرشاد عباده إلى ما فيه مصلحتهم وإلى الحذر من أعدائهم قال: } وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم {، ثم إن أهل العلم قالوا في هذا الباب يجوز أن يحمل السلاح ولو كان نجسًا للضرورة حتى لو فرض أن فيه نجاسة من دماء لم تغسل على القول بنجاسة دم الآدمي، أو لو كانت من جلود نجسة أو ما أشبه ذلك، لقد اختلفت الأسلحة الآن، ولكن على كل حال الذي يحمل منها يحمل، والذي لا يحمل لابد أن يكون عنده أحد حارس له وحارس للمقاتلين.
يستفاد من هذا الحديث: وجوب صلاة الجماعة، من أين تؤخذ؟ يعني: إذا كان أمر بها حال القتال فدونه من باب أولى.
ويستفاد من الحديث: حسن تدبير الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قسم أصحابه إلى قسمين على الوجه المذكور.
ومن فوائده أيضًا: أن صلاة الخوف الركعة الثانية أطول من الأولى بخلاف سائر الصلوات فإن الركعة الأولى أطول من الثانية.
ومن فوائد الحديث: جواز الانفراد للحاجة، من أين تؤخذ؟ من أن الطائفة الأولى انفردت،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 378)
قال أهل العلم: وكذلك لو أن الإنسان احتاج في أثناء الصلاة إلى الخروج من الصلاة مثل أن يفاجئه بول أو غائط أو ريح شديدة ما يستطيع معها البقاء فله أن ينفرد بشرط أن يستفيد من انفراده، ما معنى يستفيد؟ بأن تكون صلاته إذا انفرد أخف من صلاته مع الإمام، فإن كان الإمام يخفف ولا يمكن أن تكون صلاته إذا انفرد أخف منه، فإنه لا ينفرد، لماذا؟ لأنه لا يستفيد من الانفراد شيئًا، قال العلماء: فإن زال العذر فله أن يرجع مع إمامه وله أن يستمر في انفراده؛ يعني: مثلًا: افترض أنه هاجت معدته؛ يعني: احتاج أن يتقيأ وخاف فعجل لكن هبطت المعدة فله أن يرجع مع إمامه.
ومن فوائد الحديث: العدل بين الرعية، وجه ذلك: أن النبي جعل كل طائفة تصلي ركعة معه: طائفة تدرك تكبيرة الإحرام وطائفة تدرك التسليم.
الآية الكريمة هل تدل على أن الطائفتين مؤتمتين بالإمام أو لا؟ ظاهر الآية أن الذين مع الإمام هم الذين معه حقيقة وحكمًا، والأولى حكمًا لإدراكهم ركعة، ودليله من الآية قال الله تعالى: } فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا {فأثبت انفرادًا: } ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا {قال: } فليصلوا {ولم يقل: فليقوموا؛ ولهذا قال العلماء: إن الثانية مؤتمة به حقيقة وحكمًا والأولى مؤتمة به حكمًا.
ومن فوائد الحديث: وجوب الحزم أو اتخاذ الحزم في الأمور، من أين يؤخذ؟ التقسيم في الطائفتين هذا من الحزم.
الصفة الثانية لصلاة الخوف:
451 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجدٍ، فوازينا العدو، فصاففناهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه ركعة، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا، فركع بهم ركعًة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحدٍ منهم، فركع لنفسه ركعًة، وسجد سجدتين" متفق عليه، واللفظ للبخاري.
قوله: "غزوت" الغزو معناه: الخروج إلى الجهاد، وقوله: "قبل نجد" أي: جهة نجد، وعلى هذا فهي ظرف مكان منصوبة على الظرفية، وقوله: "نجد" قال العلماء: هي ما ارتفع من الحجاز، وحدودها: حدود الحجاز من الغرب والعراق وما والاه، والشام وما والاه، واليمن من الجهات الأخرى وقوله: "قبل نجد" لم يبين هذه الغزوة أي غزوة هي، والمهم هو الحكم، أما تعيين الغزوة أو أحيانًا يحرص الإنسان على تعيين الرجل الذي حصل منه القصة وما أشبه ذلك فهذا ليس بذات أهمية؛ لأن المهم الحكم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 379)
قال: "فوازينا" أي: قابلنا، "العدو"، وهم: الكفار المحاربون، "فصاففناهم" يعني: كنا صفا تجاههم.
"فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا فركع بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين"، هؤلاء من؟ هنا اختلف الحديث الثاني والأول، هذا الحديث لما صلى بالطائفة الأولى ركعة انصرفت الطائفة الأولى وهي على صلاتها، وقامت وجاه العدو وهي على صلاتها، ثم جاءت الطائفة الثانية فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم الركعة التي بقيت وسلم، ثم قاموا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو ورجعت الطائفة الأولى فأتمت لنفسها، فاختلف عن الأول اختلافًا عظيمًا، وفيه عن الأول أن الطائفة الأولى ذهبت تقاتل وهي على صلاتها مع أنها ستستدير القبلة وسيحصل منها أفعال كثيرة، ولكنه يرخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة، وفي هذا الحديث: دليل على أن الحركات الكثيرة في الصلاة لا تؤثر إذا كانت للضرورة، وقد سبق لنا تقسيم حركات الصلاة إلى خمسة أقسام منها: الجائز وهو الكثير للضرورة، ويدل لذلك قوله تعالى: } فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا {[البقرة: 239].
ومن فوائد هذا الحديث الزائدة على ما سبق: أنه يجوز عدم استقبال القبلة أيضًا للضرورة؛ لأن هؤلاء استدبروا القبلة للضرورة، وكذلك يسقط استقبال القبلة إذا كان الإنسان عاجزًا عنها، وكذلك يسقط استقبال القبلة في التنفل في السفر على الراحلة أو راجلًا.
ويستفاد من هذا الحديث: أن الطائفة الثانية أتموا بعد سلام الإمام، والحديث الأول سلموا مع الإمام فأتموا قبل أن يسلم الإمام، ولا نظير لها في الحديث الأول، أما هذا فهو على القواعد: "ما فاتكم فأتموا"، الآن عندنا صفتان أيهما أرجح لو أراد الإنسان أن يرجح؟ الأولى أرجح؛ لأن لها ميزات؛ ولأن فيها سلامة من الأعمال الكثيرة التي في أثناء الصلاة؛ ولهذا قال الإمام أحمد: أما حديث سهل فأنا اختاره، إذن عندنا صفتان.
الصفة الثالثة لصلاة الخوف:
452 - وعن جابر رضي الله عنه قال: "شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوف، فصففنا صفين: صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى السجود، قام الصف الذي يليه … ". فذكر الحديث.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 380)