قال- عليه الصلاة والسلام: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
ومن فوائد الحديث: استحباب التسمية بإبراهيم؛ لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام سمي به لأجل أن يكون موافقًا لأسماء الأنبياء.
وفي الحديث أيضًا من الفوائد: أن الناس في عهد الرسول- عليه الصلاة والسلام عندهم من الصراحة ما يقتضي بيان الأمر على حقيقته حين قالوا: "انكسفت الشمس لموت إبراهيم"، مع أن هذا الأمر في السنة العاشرة من الهجرة، يعني: بعد أن رسخ الإيمان والتوحيد في قلوبهم، ومع ذلك قالوا هذا القول، ولكن لحكمة؛ أي: لأجل أن يبطله النبي- عليه الصلاة والسلام.
ويستفاد من الحديث: وجوب رد الباطل، وإن أجمع الناس عليه؛ لأن النبي- عليه الصلاة والسلام رد هذا الباطل وإن كان الناس كلهم يقولون ذلك.
ومن فوائد الحديث: بيان أن الشمس والقمر من آيات الله عز وجل لقوله: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله".
ومن فوائده: أن آيات الله تعالى لا تنحصر في الشمس والقمر، لأنه قال: {من آيات الله}، وآيات الله كثيرة، لكن أين المتأمل والمتدبر؟ ولهذا قال الله تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37]. والغريب أن بعض أهل العلم استنبط من هذه الآية مشروعية صلاة الكسوف لا كيفيتها، وجه ذلك: يقولون: لأن العابدين لهما إذا كسفا فإنهم يرغبون عن عبادتها؛ لأنهما تغيروا وفسدا فلا يصحان إلها، وبعضهم عكس قال: "إنهما إذا كسفتا" فهو دليل على غضبهما على العابدين لهما، وحينئذ لا يسجدون لهما، فقال الله: لا تسجدوا لهما حين يسجد لهما هؤلاء، واسجدوا لله.
وعلى كل حال: فنحن في غنى عن هذا اللغط البعيد لكن ذكرته على سبيل الاستطراد.
ومن فوائد الحديث: أن الحوادث الأرضية لا تؤثر في الأحوال الفلكية، من أين تؤخذ؟ من قوله: "لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته"، فالموت والحياة وغيره لا تؤثر في الشمس ولا القمر ولا النجو، نعم قد تكون سببًا لأشياء أخرى- الحوداث- مثل المعاصي ممكن أن تكون سببًا لعدم نزول المطر أو سببًا للرياح المدمرة أو الصواعق المهلكة وما أشبه ذلك.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يعمل بالحساب في صلاة الكسوف "فإذا رأيتموهما"، وعلى هذا فلو أن الحساب أطبق على أن الليلة سيكون كسوفًا وصارت السماء غيمًا ولم يتبين هل نصلي أو لا؟ لا نصلي؛ لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام علق ذلك بالرؤية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 421)
ومن فوائد الحديث: أنه لابد أن يظهر ذلك الأثر أو يتبين لقوله: "إذا رأيتموهما"، فعلى هذا لو كانت بالشمس كسوف جزئي ما يرى إلا بطلبه فإن الظاهر أنه لا تشرع الصلاة؛ لأن هذا ليس فيه تخويف إذا كان لم يتبين ولم يظهر إلا بطلبه، فإننا نقول: الحمد لله الذي جعله لم يتبين، ولا نصلي حتى لو كنا نتوقع ذلك بسبب قول أهل الهيئة فإننا لا نصلي.
ومن فوائد الحديث: أنه لو حدثت آيات أخر أفقية أو أرضية لكنها خلاف العادة، فإننا هل نصلي أو لا نصلي؟ هذا موضع خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه يصلي لكل آية خرجت عن المألوف فلو حدثت صواعق عظيمة متتابعة فخاف الناس منها فإنهم يصلون، ولو حدث زلزال في الأرض فإنهم يصلون، ولو حصل رياح مزعجة غير مألوفة فإنهم يصلون، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يصلي إلا لكسوف الشمس والقمر فقط؛ لأنه في عهد الرسول- عليه الصلاة والسلام وجدت الرياح، والعواصف، والرعد، والبرق، ولم يكن يصلي- عليه الصلاة والسلام.
وقال بعض العلماء: يصلى للزلازل فقط دون غيرها من الحوادث، واستدلوا بما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى للزلزلة، فمن نظر إلى التخصيص- الشمس والقمر- قال: لا يصلي، ومن نظر إلى العلة- وهي: التخويف والخروج عن العادة والمألوف- قال: إنه يصلى صلاة الكسوف لكل آية الزلازل وغيرها، ومنه لو فرض أنه حصل في الليل ضياء خارج عن العادة بدون قمر كأن الشمس قريبة الطلوع فإنه يصلى؛ لأن هذا يرعب ويوحش، وكذلك لو حصل ظلمة في النهار غير مألوفة يعني: ما سبقها أسباب- من غيم أو قطر، ظلمة هكذا- فإنهم يقولون: هذه من الآيات المروعة، وهي أشد ترويعًا من كسوف الشمس؛ لأنها أقل وقوعًا فيصلي لها.
فأنا أقول- والله أعلم-: إن الاقتصار على ما جاء به النص أولى؛ لأن الذي جاء به النص يختلف عن الآيات التي ذكروها لأنه عام، فالقمر يشاهده كل من على وجه الأرض من ناحيته والشمس كذلك، لكن الزلازل نجدها في مناطق معينة، وكذلك العواصف والفيضانات وما أشبهها، والأصل في العبادات التوقيف حتى يتبين لنا أنها مشروعة.
ومن فوائد الحديث: مشروعية الصلاة والدعاء لقوله: "فادعوا الله وصلوا" والمشروعية ثابتة بالاتفاق لم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم، ولكن هل ذلك واجب أو سنة؟ وإذا قلنا بالوجوب فهل هو فرض كفاية أو فرض عين، فها هنا ثلاثة احتمالات؛ نقول: أما الدعاء فإنه لا يجب بالاتفاق، وأما الصلاة ففيها خلاف، فمن أهل العلم من قال بوجوبها، وأنها فرض عين لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، والأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم دليل على أنه لغير الوجوب،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 422)
وأيضًا فإنها صلاة لتهديد وإنذار، فلو تركت لكان ذلك عنوانًا على عدم المبالاة بإنذار الله وتخويفه، وهذا أمر ليس بالهين أن الله ينذرنا ونقول: ما يهم، وذهب كل واحد إلى عمله ولا يهتم، فهذا مظهر غير لائق أن الرب العظيم يخوفك ونبيه يأمرك، ثم تدع هذا كأنك غير مبالٍ لا بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بتخويف الله.
وأما القائلون بأنها فرض كفاية فقالوا: إنه لا يظهر أن الرسول- عليه الصلاة والسلام أمر كل أحد، وأن الناس كلهم حضروا إلى الرسول- عليه الصلاة والسلام، وأننا نلزم جميع المسلمين بأن يصلوا بل إذا حصل المظهر العام للمسلمين وأنهم قاموا بما ينبغي أن يقوموا به من الإنابة إلى الله عز وجل، والرجوع إليه فإن هذا كافٍ، وأنا متردد بين كونها فرض كفاية، أو فرض عين، أما الاقتصار على أنها سنة فقط فهذا ضعيف وإن كان جمهور أهل العلم على ذلك، لكن كيف تدفع أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام وقوله: "صلوا حتى ينكشف ما بكم وينجلي"، وقوله: "يخوف الله بهما عباده" وأمثال ذلك هذه أمور عظيمة ولا مدفع للجمهور لذلك إلا بحديث الأعرابي، وهو: "هل علي غيرها. قال: لا، إلا أن تطوع"، وقد سبق لنا غير مرة أن هذا لا يمكن أن يستدل به على عدم وجوب الصلاة المقرونة بسبب؛ لأن المراد بالحديث: الصلوات الخمس اليومية المتكررة، بدليل أن الإنسان لو نذر أن يصلي ركعتين لكانت الصلاة واجبة بالنص والإجماع مع أنها غير الصلوات الخمس، فكذلك الصلوات الشرعية التي لم تجب بنذر لكن لها أسباب أخر علقها الشارع بها.
ومن فوائد الحديث: استمرار الصلاة والدعاء حتى ينكشف لقوله: "حتى تنكشف"، "حتى تنجلي"، ونحن في الشرح قلنا: "حتى" هنا للغاية أو للتعليل؟ قلنا: إذا كان للغاية فإنها تدل على استمرار ذلك للانجلاء، وإذا كانت للتعليل فإنه يكفي أن يصلي ويقول: عن الرسول- عليه الصلاة والسلام قال: "صلوا لأجل أن تنجلي"، فإذا صلينا فعلنا السبب، والانجلاء عند الله عز وجل، وعلى هذا فإذا صلينا ورأينا الكسوف بدأن ينجلي نقف لأن العلة انتهت، ولكن المشهور عند أهل العلم أنها للغاية، يعني: "صلوا وادعوا إلى كذا" إلا أنهم قالوا: إنها لا تعاد مرة أخرى على صفتها، ولكن لا حرج إذا انقضت الصلاة من أن تصلى تطوعًا على صفة التطوع المعهود.
ومن فوائد الحديث: أن الكسوف غمة على العباد؛ ولهذا قال: "حتى تنجلي" وفي لفظ آخر: "وحتى ينكشف ما بكم" فهو غمة؛ لأنه ما دام تخويفًا من الله عز وجل فإنه يخشى أن يقع العذاب، وهذا لا نأمنه إلا إذا انجلى.
* * *
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 423)
القراءة في صلاة الكسوف جهرًا:
479 - وعن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجداتٍ". متفق عليه، وهذا لفظ مسلمٍ.
- وفي رواية له: "فبعث مناديًا ينادي: الصلاة جامعة".
نقول: إن الرسول جهر في صلاة الكسوف بقراءته مع أن الكسوف كان بالنهار فيما ارتفعت الشمس قدر رمح ظهر كسوفها ففزع الناس وصلوا فجهر بالقراءة- عليه الصلاة والسلام، وهكذا كل الصلوات النهارية التي يجتمع الناس عليها فإنه يجهر فيها بالقراءة تحقيقًا للاتفاق والإلفة؛ لأن الناس إذا اجتمعوا على قراءة الإمام صار تيقظهم أبين وأظهر من كون كل واحد يقرأ لنفسه، تأمل ذلك في صلاة الجمعة؛ لأن الناس يجتمعون فيها، وفي صلاة العيدين؛ لأن الناس يجتمعون فيها، كذلك في صلاة الكسوف؛ لأن الناس اجتمعوا فيها، والمشهور في صلاة الكسوف أن تصلى في مكان واحد كالجمعة هذا هو المشهور، وهو الأفضل، وأما فعل الناس اليوم وكونهم يصلون في كل مسجد فعلى سبيل التيسير، وإلا فالمشهور أن يحضروا للمساجد الجوامع كما فعل النبي- عليه الصلاة والسلام فإنه جمع الناس في مسجد واحد؛ ولهذا قال أهل العلم: إنه يستحب أن تصلى الكسوف في المسجد الجامع؛ يعني: دون غيره من المساجد.
وأقول الآن إذا قال قائل: ما السبب في أن الرسول- عليه الصلاة والسلام يجهر فيها وهي نهارية؟ قلنا: لأنها صلاة ذات جمع، وكل صلاة نهارية ذات جمع فإنه يجهر فيها بالقراءة. لماذا نعتبر ذلك؟ لصلاة الجمعة والعيدين، الاستسقاء تابع للعيدين، أما الجهر في صلاة الليل فله سبب آخر غير الاجتماع؛ لأن الناس يصلون في مساجدهم، سببه- والله أعلم- أن ذلك أقرب إلى الخشوع؛ لأن الإمام يجهر، ولاسيما إذا كان حسن الصوت والأداء اجتمع الناس عليه وصار خشوعهم أكثر؛ ولأن في الجهر ضربًا لما عسى أن يكون من النعاس والنوم.
قالت: "جهر في صلاة الكسوف ثم صلى أربع ركعات في ركعتين" قد يقال: هذا شبه تنافر، كيف هذا؟ لأن أربع ركعات لا يمكن أن تحسب ركعتين؛ لكن يتبين في هذا الحديث وبما يأتي من الأحاديث أن المراد بالركعة هنا: الركوع وليس الركعة الكاملة، فيفرق بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". فإن قوله: "من أدرك ركعة" ليس المراد به من أدرك ركوعًا، بل المراد: من أدرك ركعة كاملة بسجدتيها فقد أدرك الصلاة، قد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 424)
تقولون: من أدرك الركوع لزم أن يدرك ما بعده ولا عكس، ولكن نقول: إن ذلك ليس بلازم قد يدرك الركوع ولا يدرك ما بعده، افرض أنه يصلي الجمعة فركع الإمام وانقطع الصوت هل يمكن الائتمام الآن؟ لا يمكن، وعلى هذا فيكون قد أدرك الركوع ولم يدرك الركعة، ومثل هذا يلزمه أن يصلي أربعًا إلا إذا كان يمكنه أن يذهب إلى مكان يدرك فيه صلاة الإمام، المهم: أن المراد بالركعة هنا أربع ركوعات صلى أربع ركوعات في ركعتين، وبهذا يتبين أنه لا تناقض بين أربع ركعات وركعتين.
وقوله: "وأربع سجدات"، السجود بقي على ما هو عليه؛ لأنها ما قالت: ثمان سجدات، إنما التكرار في الركوع، والحكمة- والله أعلم- من أجل كثرة القراءة حتى يفصل بين القراءتين فيكون أريح للناس؛ ولهذا تكرر الركوع دون السجود.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد:
الأولى: أن المشروع في صلاة الكسوف الجهر، ولو في كسوف الشمس والدليل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة الثانية: أن المشروع أن يصلي في كل ركعة ركوعين لقولها: "فصلى أربع ركعات في ركعتين".
والفائدة الثالثة: أن السجود لا يتكرر أو لا يتغير على الأصح، بل في كل ركعة سجودان فقط لقولها: "وأربع سجدات".
الفائدة الرابعة: الحكمة في التشريع، وأنه مناسب للعلة والسبب، فإنه لما كان الكسوف آية حسية لما تجر به العادة صارت الصلة له آية شرعية ليس لها نظير في الصلوات، فالشرع مناسب للقدر لا تناقضان ولا تنافيان، وهذا من عظيم حكمة الرب عز وجل، وفي رواية: ثم قالت: "فبعث مناديًا ينادي الصلاة جامعة"، "الصلاة جامعة" كلمتان ذكر الشراح أنه يجوز فيهما وجهان "الصلاة جامعة"، بالرفع على أنها مبتدأ أو خبر، "والصلاة جامعة" بالنصب على أن الأول مفعول لفعل محذوفط، و"جامعة" حال من الصلاة، والتقدير: احضروا الصلاة جامعة، ونحن في وقتنا الحاضر إذا علمنا أن فيها وجهين فإننا تنشرح صدورنا لهذين الوجهين؛ لأن الذين ينادون في الغالب لا يعرفون النحو تارة يقولون: "الصلاة جامعة"، وتارة يقولون بالرفع، وتارة يسكنون أيضًا يقولون: "الصلاة جامعة" فيجرون الوصل مجرى الوقف، والأمر في هذا واسع لا يتغير الحكم، ثم هي ليست أذانًا، ولهذا- مما استدل به من يقول: إن صلاة الكسوف ليست واجبة- استدلوا بهذا: بـ "الصلاة جامعة"، فالرسول ما قال: "حي على الصلاة" الجماعة في الصلوات الخمس واجبة، يقول: "حي على الصلاة" أما هذه فأخبرهم بأن "الصلاة جامعة" يعني: فمن شاء حضر ومن شاء لم يحضر، وهذا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 425)
وإن كان فيه شيء من الشبهة، لكن ما سبق من تغير الرسول- عليه الصلاة والسلام تغير حاله وفزعه، وأمره بالصلاة والدعاء والاستغفار، والتكبير كل هذا يدل على الوجوب.
إذ قال قائل: الآن عندنا أربع ركوعات فبأيها تدرك الركعة هل بالأول أو بالثاني؟ يعني: حضر بعد الرفع من الركوع الأول، هذا فيه خلاف: من العلماء من يقول: إنه يكون مدركا للركعة؛ لأنه أدرك ركوعًا ويجوز أن تجعل صلاة الكسوف كالنافلة العادية، وعلى ذلك فيكون هذا الرجل أدرك الركعة. ومنهم من قال: لا بد من أن يدرك الركوع الأول؛ لأنه هو الركن وهذا سنة؛ ولأن الرسول- عليه الصلاة والسلام قال: "ما فاتكم فأتموا"، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا يكون مدركا للركعة إلا بإدراك الركوع الأول، ولو قضى الركعة يقضيها بركوعين.
ويستفاد من الرواية الثانية: مشروعية النداء إلى صلاة الكسوف بهذا اللفظ لقوله: "فبعث مناديًا".
ويستفاد منه: أنه يكرر بحسب الحاجة؛ لأن المنادي الذي ينادي جرت العادة أنه لا يقول: "الصلاة جامعة" مرة واحدة، فيتجول وينادي وهذا لا بد فيه من التكرار، فهل يكرره ثلاثًا، أو أربعًا، أو خمسًا؟ نقول: بحسب الحال والقدر الذي يحصل به الإسماع، فمثلًا إذا قلنا في مكان فيه رجة وكثر أصوات ومحركات نزيد التكرار، وإذا كنا في محل ليس هكذا فإننا لا حاجة إلى التكرار، هل نقول: نزيد على ذلك ونقول: صلوا يرحمكم الله كما يفعله بعض الناس؟ لا، الأولى اتباع ما ورد وإن كان هذا لا يظهر فيه قصد التعبد، لكن الأولى ألا نزيد، وهل نؤذن كالصلوات الخمس؟ لا؛ ولهذا بعض الناس في كسوف مضى قالوا لي: إنه أذن، فالظاهر أنه جاهل لا يدري.
صفة صلاة الكسوف:
480 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "انخسفت الشمس على عهد رسول الله فصلى، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه، ثم سجد، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس". متفق عليه، واللفظ للبخاري.
- وفي رواية لمسلم: "فصلى حين كسفت الشمس ثماني ركعاتٍ في أربع سجداتٍ".
متى كان خسوفها؟ يوم مات إبراهيم في شوال في السنة العاشرة في يوم الثلاثاء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 426)
يقول: "فصلى فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة"، "سورة البقرة" كم جزءًا؟ جزآن ونصف تقريبًا، وقراءة الرسول- عليه الصلاة والسلام المعروف أنه يرتلها، كم تستوعب من ساعة؟ ممكن أن تستغرق ساعتين ونصفًا تقريبًا هذا في القيام الأول فقط، يقول: "ثم ركع ركوعًا طويلًا" قريبًا من قيامه إلى قوله: "دون القيام الأول" وهذا من الحكمة؛ لأن الناس بعد القيام الأول الطويل حصل لهم شيء من التعب فخفف القيام الثاني، يقول: "ثم ركع ركوعًا طويلًا دون الركوع الأول" والعلة فيه ما ذكرنا، "ثم سد ثم قام قيامًا طويلًا" هنا لم يذكر إلا سجودًا واحدًا ولم يذكر أنه طويل، لكن قد جاء في الأحاديث الأخر بأنه سجد سجودًا طويلًا نحوًا من ركوعه، وهذا هو المعروف من صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكر البراء من عازب أن قيامه بعد الركوع، وركوعه، وسجوده، وجلسته بين السجدتين، أنه قريب من السواء.
يقول: "ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول" أي الأول: الأول من الركعة الأولى، أو الأول الذي قبله؟ الظاهر أنه الأول الذي قبله؛ لأنك لو قلت: دون القيام الأول الذي في الركعة الأولى؛ صار القيام الأول في الركعة الثانية مساويًا للقيام الثاني في الركعة الأولى، فالظاهر خلافه.
يقول: "ثم رفع … إلخ"، كيف استوعبت هذه الصلاة؟ تقريبًا أربع ساعات أو أكثر؛ لأن كسوف الشمس كان كليًا كما ذكره الصحابة- رضي الله عنهم أنها صارت كقطعة نحاس أحمر، ومثل هذا قد يستوعب أربع ساعات وهو يصلي صلى الله عليه وسلم والصحابة وهم قائمون، وقد ذكر جابر بن عبد الله أنه كان في يوم حار ولا يوجد مراوح ولا مكيفات، انظر الصبر العظيم على طاعة الله عز وجل، لكن بعضهم كان يسقط مغشيًا عليه، الضعفاء تعبوا من شدة الحر ومع ذلك الرسول- عليه الصلاة والسلام ما راعى هؤلاء؛ لأنه إذا كانت السنة التطويل فإن الفرد إذا تعب أو الفردان لا يؤثر كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله.
قال: وفي رواية لمسلم: "صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات" أي: ثماني ركوعات في أربع سجدات، هذا يبين قوله: "ثم سجد" أنه سجد سجودين في كل ركعة ليوافق الأحاديث الأخرى، لكن في مسألة الركوع إذا صلى ثماني ركعات كم كل ركعة من ركوع؟ أربع ركوعات، وهذا أمر لا يمكن؛ لأن حديث عائشة في الصحيحين يدل على أنه صلى أربع ركوعات في كل ركعة ركوعان، وحديث ابن عباس المتفق عليه كم من الركوع فيه؟ أربع ركوعات، ومعلوم أن ما اتفق الشيخان مرجح على ما انفرد به مسلم لا شك فيه، ومن المعلوم أن الكسوف في عهد الرسول- عليه الصلاة والسلام لم يقع إلا مرة واحدة بالاتفاق، وعلى هذا فيكون المقصود: أربع ركوعات وأربع سجدات، وما عدا ذلك فهو شاذ؛
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 427)
لأن الشذوذ ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه وأحسن منه وأوثق منه، إذن المعتمد الذي فعله الرسول- عليه الصلاة والسلام في صلاة الكسوف كم؟ أربع ركوعات وأربع سجدات فقط.
نرجع إلى فوائد حديث ابن عباس رضي الله عنهما، يستفاد منه: قوة النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة؛ لأنه قام هذا القيام الطويل.
ويستفاد منه: أنه- بأبي وأمي- أهل لأن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إذا كان هذا عبادته لربه هذه العبادة التي لا يلحقها لاحق؛ فهو أهل لأن يغفر الله له ما تقدم وما تأخر.
ويستفاد منه: تحقيق قول الرسول- عليه الصلاة والسلام: "إني لأعلمكم بالله وأخشاكم لله". يقول عن نفسه- عليه الصلاة والسلام وهو صادق إذا كان يقوم في الليل حتى تتفطر قدماه هذه الخشية وهذه العبادة وهذه التقوى.
ويستفاد منه: أن الناس كثيرون، من أين يؤخذ؟ لأن حديث عائشة صرح بالجهر، ولم يصرح ابن عباس بأي شيء قرأ، ففيه دليل على أنه لم يسمع بل كان في المؤخر، وهذا يدل على أن الجمع كثير، وبه نرد على من قال: إن صلاة الكسوف لا يجهر فيها بالقراءة، واستدل بهذه الجملة؛ لأن بعض أهل العلم يقولون ذلك ويستدلون بقوله: "نحو من قيامه"، قالوا: لو كان يجهر لكان ابن عباس يسمع ويدري ما قرأ، لكننا نقول: كيف نرد اللفظ الصريح في حديث عائشة جهر بشيء محتمل ونحمله على وجه صحيح، ولا يلزم منه أنه لا يجهر وهو كثرة الجمع.
ويستفاد من حديث ابن عباس: أنه ينبغي تطويل صلاة الكسوف ولو شق ذلك على بعض الناس، لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام أطال وهذا يشق على بعض الناس، وقد ثبت في الصحيح أن بعضهم سقط من الغشية.
ويستفاد منه: أن الإنسان ينبغي له اتباع السنة وتطبيق المشروع، ولو شق ذلك على أفراد الناس إلا الأمور العارضة، لو قال لنا بعض الناس: أنا أحب أن يكون مسجدنا مسجدًا جامعًا، فلا نوافقه؛ لأن هذا يخل بمقصد الشرع باجتماع الناس كل أسبوع في مسجد واحد، ولهذا ما صار تعدد الجمعة للمسلمين إلا في القرن الثالث، يعني: مضى قرنان على المسلمين ما تعددت الجمع في مكان واحد إلا في القرن الثالث في بغداد، كل هذا حماية لهذا الجمع العظيم أن يتفرق، وأما ما يفعله بعض الناس من التهاون- حتى إني أسمع أن في بعض البلاد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 428)
الإسلامية كل مسجد تقام فيه الجماعة فإنها تقام فيه الجمع- فهذا منكر، اللهم إلا إذا كان الناس كثيرين والمساجد تضيق بهم فإنه على حسب الحاجة.
ويستفاد من حديث ابن عباس: تفصيل صلاة الكسوف: قيام، ثم ركوع، ثم قيام، ثم ركوع، ثم سجود، لكن القيام الذي بعد الركوع الثاني ليس فيه قراءة، في القيام الذي بعد الركوع الأول يقرأ القرآن، لكن هل يقرأ الفاتحة أو لا؟ اختلف في هذا أهل العلم، فمهم من قال: إنه يقرأ الفاتحة، ومنهم من قال: إنه لا يقرؤها، الذين قالوا: إنه لا يقرأ الفاتحة، قالوا: إن هذه ركعة واحدة، وقد قرئت فيها الفاتحة ولا حاجة إلى إعادتها، والذين قالوا: يقرأ الفاتحة، قالوا: لما كانت هذه القراءة يعقبها ركوع صار لا بد فيها من قراءة الفاتحة كالركوع الأول، وأنا إلى الآن ما اطلعت على شيء في الأحاديث يبين أنه قرأ الفاتحة بعد الركوع الأول، ونريد منكم تحرير هذه المسألة: هل أنه يقرأ الفاتحة بعد الركوع الأول أو يقتصر على الفاتحة التي قبل الركوع الأول.
ويستفاد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: الخطبة بعد الصلاة لقوله: "فخطب الناس" هذه الخطبة هل هي خطبة راتبة أو خطبة عارضة؟ فيها خلاف، فقال بعض أهل العلم: إنها خطبة راتبة، وأنه يشرع لصلاة الكسوف خطبة، واستدلوا بأن الرسول- عليه الصلاة والسلام خطب وحمد الله وأثنى عليه ووعظ الناس وهذه خطبته، ولم يقع لكسوف مرة أخرى يتركها الرسول- عليه الصلاة والسلام حتى نعرف أنها خطبة عارضة، ففي الحقيقة لما لم يقع الكسوف مرة أخرى، ويدع الرسول- عليه الصلاة والسلام هذه الخطبة فإننا لا ندري، لا نستطيع أن نقول: إنها خطبة عارضة، ونجزم بذلك، فالذين قالوا: إنها خطبة لازمة مشروعة لهذه الصلاة لهم وجهة قوية وهو مذهب الشافعي، وأنه يشرع أن يخطب لها لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه حمد الله وأثنى عليه، وخطب الناس ووعظهم والمشهور من مذهب الحنابلة أن هذه الخطبة خطبة عارضة لا لازمة للصلاة، وأنه إن رأى ما يوجب الخطبة خطب، وإلا فلا واستدلوا لذلك بأن الرسول- عليه الصلاة والسلام أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والتكبير والعتق ولم يذكر الخطبة، وعندي أن في هذا الاستدلال نظرًا؛ لأن الخطبة إنما يخاطب بها الإمام بخلاف الأشياء الأخرى.
فالقول بأن الخطبة خطبة راتبة لا عارضة قول قوي، ولكن إذا كان الإمام لا يعرف الخطبة، فما الجواب؟ الجواب: أن هذا الإيراد غير وارد؛ لأننا قلنا: إن المشروع أن تكون في الجوامع، وأئمة الجوامع غالبًا يستطيعون الخطبة، لكن على حسب الواقع وهي أنها تقام في كل مسجد، فإن بعض أئمة المساجد لا يستطيع أن يخطب، نقول: يمكن أن ينوب عنه واحد
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 429)
من الحاضرين- إذا كان يعرف الخطبة- يقوم فيخطب ويذكر الناس، وعندي أنه في وقتنا الحاضر حتى لو قلنا: إن الخطبة عارضة لا راتبة، فإنه ينبغي أن يخطب؛ لأن الناس عندهم جهل عظيم وإعراض عن الآيات كبير، ولاسيما وأنه ينشر في الصحف وبين الناس الحديث عن الكسوف ووقته، فيأتي الكسوف وكأنهم متفتحون له منشرحو الصدور، ما كأنه أمر يخشى منه أو يفزع منه، وهذا لا شك أنه يقلل أهمية الكسوف في قلوب الناس، فإذا قام أحد بعد صلاة الكسوف ووعظ فيكون في هذا خير.
ويستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي في صلاة الكسوف أن تكون كل ركعة أقصر مما قبلها، كل قراءة وركوع تكون قصر مما قبله لهذا الحديث؛ ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي الحكمة في التشريع ومراعاة أحوال الناس، لكن بدون أن نهدر الأمر المشروع، وأنه فيما يظهر لنا أن تخفيف الرسول- عليه الصلاة والسلام كل ركعة عما قبلها من أجل مراعاة أحوال الناس.
ويستفاد منه أيضا: وجوب الرفع من الركوع ومن السجود، وأنه أمر لا بد منه، ووجوب الركوع والسجود، لكن الركوع الثاني من كل ركعة عند أكثر أهل العلم سنة وليس بواجب.
روايات في كيفية صلاة الكسوف:
481 - وعن علي رضي الله عنه مثل ذلك.
482 - وله عن جابرٍ رضي الله عنه: "صلى ست ركعاتٍ بأربع سجداتٍ".
483 - ولأبي داود: عن أبي كعب رضي الله عنه: "صلى، فركع خمس ركعاتٍ وسجد سجدتين، وفعل في الثانية مثل ذلك".
كم يكون الجميع إذا كان خمس في الأولى، وخمس في الثانية؟ عشرة، وذكر الفقهاء أنه يجوز إلى ست يكون ركوعين وثلاثًا، وأربعًا، وخمسًا وستًا؛ لأن هذه وردت عن الصحابة- رضي الله عنهم، ومثل هذا من المرفوع حكمًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه؛ ولهذا قال أهل العلم: إذا فعل الصحابي فعلًا يتعبد به لله فليس للرأي فيه مجال فيكون له حكم الرفع، ومثلوا بصلاة علي رضي الله عنه في الكسوف، ثلاث ركوعات في كل ركعة فيكون الجميع ستا.
المهم: هل هذا على سبيل التخيير والتشهي، يعني: كونه يزيد على ركوعين في كل ركعة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 430)
هل هو على سبيل التخيير والتشهي، أو أنه ينبغي أن ينظر الإنسان لمقتضى الحال؟ إذا كان الكسوف قد بدأ يضمحل فإنه يجعل ركوعين في كل ركعة، وإن كان الكسوف في أوله ولاسيما أننا في الوقت الحاضر نعلم أنه سيبقى ساعتين، أو ثلاثًا فإننا نزيد في الركوعات، نعم يمكن أن يقال بهذا، لكن الذي أختاره: أن نقتصر على المرفوع الصحيح وهو أربع ركوعات في ركعتين وأربع سجدات.
الدعاء عند هبوب الريح:
484 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما هبت الريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمةً، ولا تجعلها عذابًا". رواه الشافعي والطبراني.
قوله: "هبت" يعني: تحركت، وقوله: "قط" هذه- كما مضى- ظرف مبني على الضم في محل نصب، وقوله: "إلا جثا" بمعنى: برك، وقوله: "على ركبتيه" يعني: برك على ركبتيه، هكذا وهذه صفة الخائف من الشيء يبرك على ركبتيه، يكون كالمستلقي في الصلاة، لكن ينزل ظهره.
قوله: "اللهم اجعلها رحمة"؛ اجعلها أي: هذه الريح، وعلى هذا فهي مؤنثة كما جاءت في القرآن: {ريح فيها عذب أليم} [الأحقاف]. فهي لفظها مذكر لكن معناها مؤنث، "ولا تجعلها عذابًا"؛ لأن الرياح بعضها رحمة وبعضها عذاب.
واعلم أن الرياح من آيات الله عز وجل كما قال الله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار … } إلى قوله: {وتصريف الريح} [البقرة: 164]. فتصريف الرياح من آيات الله عز وجل يصرفها شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، تصريف في الجهة، يصرفها في الحركة والاندفاع، بعضها شديدة وبعضها خفيف، يصرفها في المصالح والمضار، يصرفها في الحر والبرد، يصرفها في الارتفاع والانخفاض … إلى غير ذلك مما لا نعلمه، تصريف هذه الرياح من آيات الله بلا شك، لو اجتمعت جميع ماكينات العالم على أن تجعل الرياح من جهة محدودة مثل تلك الرياح العاصفة لا يستطيعون، ولكن من له القدرة على كل شيء يفعل ذلك- سبحانه وتعالى، ففي هذه الرياح آيات عظيمة من آيات الله، وهي تأتي بالخير وتأتي بالشر، ولهذا ثبت في صحيح مسلم- وليت المؤلف جاء به- من حديث عائشة أن الرسول- عليه الصلاة والسلام كان
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 431)
يقول: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به"، فهنا تجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استعاذ من ثلاثة أمور: شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به، وهذه لها معان مختلفة: "شرها" هي بنفسها، لأنها قد تحدث شرًا على الإنسان، إما عامًا أو خاصًا، و"شر ما فيها" قد تحمل أشياء أوبئة تحملها معها فتأتي بها إلى الناس، "وشر ما أرسلت به"؛ لأنها قد ترسل عذابًا تدمر، وأما "أسألك خيرها … إلخ" فهو على ضد قوله" "أعوذ بك من شرها … إلخ".
وقد مر علينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن سب الريح. وأنه لا يجوز للإنسان أن يسب الريح؛ لأنها مرسلة مأمورة، فسبها سب لمن أرسلها- سبحانه وتعالى فلا يحل لأحد أن يسب الريح مثل: أن يلعنها أو يسبها بوصف عيب أو ما أشبه ذلك، ولكن إذا قال: ريح شديدة مدمرة فهذا صحيح؛ لأن الله وصف ريح عاد بأنها: {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25]. وأكثر ما جاء في القرآن الرياح بالجمع عندما تأتي بالخير كالمطر كقوله: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلدٍ ميتٍ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} [فاطر: 9]. قوله: {وهو الذي أرسل الرياح … } [الفرقان: 48]. وعندما تأتي ريح بلفظ مفرد غالبًا يكون ذلك عندما تأتي بالشر والعذاب كقوله تعالى: {ريح فيها عذاب أليم} [الأحقاف: 24]. {إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} [الذاريات: 41] لكن قد تأتي الريح مفردة لكنها توصف بما يدل على الخير مثل قوله: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ} [يونس: 22]. لأن الفلك لا يناسبها الرياح، الذي يناسبها الريح الواحدة؛ لأن الرياح تعرقل سيرها، وكانت الفلك شراعية تمشي على حسب الهواء، فلو تصرفت الرياح لكان ذلك عائقًا لها عن سيرها، فإذا جاءت ريح واحدة وكانت طيبة صار هذا أتم للنعمة.
وقوله هنا: "ما هبت الريح إلا جثا"- إن صح الحديث- المراد: الهبوب الشديد؛ ولهذا في صحيح البخاري. "أنه إذا عصفت الرياح عرف ذلك في وجهه"، وعلى هذا فيكون هنا "هبت" إذا صح الحديث، "ويجثو على ركبتيه" معلوم أنه لا يجثو إلا بأفعال في نفسه، فإذا كان لا يعرف في وجهه عن الريح شيئا إلا إذا عصفت دل على أن المراد بقوله هنا: "إذا هبت" يعني: هبوبًا عاصفًا، أما الهبوب المعتاد فإن الرسول- عليه الصلاة والسلام لا يفعل فيه هذا.
وفي هذا الحديث دليل على شدة مخافة الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه وعقابه، ولهذا كان إذا رأى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 432)
سحابًا أو غيمًا صار يقبل ويدبر ويدخل ويخرج، فتقول له عائشة: يا رسول الله، الناس إذا رأوا ذلك قد يستبشرون، فقال: "يا عائشة، وما يؤمنني أن يكون في ذلك عذاب"، قد عذب قوم عاد بالريح، لما رأوا الريح مقبلة ماذا قالوا؟ {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24]. ما ظنوا أنه ريح تدمرهم فقال الله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 24 - 25]. نسأل الله العافية.
فالحاصل: أن كل من بالله أعرف كان منه أخوف؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى ذنوبه وإلى تقصيره خاف من الله عز وجل، ولولا أن الإنسان يعتمد على خوف الله عز وجل وسعة رحمته وإحسانه لهلك، لكن يرجو ويخاف، إن نظر إلى عفو ربه وسعة فضله وإحسانه رجع، وإن رأى تقصيره قال: إني خائف، وفي الحقيقة لا تنظر إلى تقصيرك باعتبار زمانك؛ لأنك إن نظرت إلى تقصيرك باعتبار زمانك قد يؤدي بك ذلك إلى أن تعجب بنفسك؛ لأنك قد ترى كل من حولك أقل منك في عبادة الله، لكن انظر إلى تقصيرك بالنسبة إلى من سبقك، انظر إلى حال النبي- عليه الصلاة والسلام وحال الصحابة، عمر رضي الله عنه، لما سمع القارئ يقرأ} إن عذاب ربك لواقع (7) ما له دافع} [الطور 7 - 8]. مرض حتى صار يعاد من خوفه من الله عز وجل، ونحن تمر على قلوبنا هذه وكأنها قطعة ثلج، فأنت إذا أردت أن تعرف قصورك وتقصيرك فانظر إلى حال من سبقك، أما إذا نظرت إلى حال زمانك فقد يحملك ذلك أن تقول: أنا من أولياء الله، وهذا غلط؛ لأن الكل عباد الله الذين فيما سلف والذين في وقتنا هذا، كلهم عباد الله، يجب أن يتعبدوا لله عز وجل بما شرع، ونحن إذا ظرنا إلى حال الصحابة والتابعين وجدنا أن بيننا وبينهم كما بين الثرى والثريا، وعرفنا تقصيرنا تمامًا، المهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخاف وكان يفعل هكذا.
وقال: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا"، تكون الريح رحمة؟ نعم، ما الدليل؟ {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} [الأعراف: 57]. وتكون عذابًا: {وفي عادٍ إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم} [الذاريات: 41]، {وأما عاد فأهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ} [الحاقة: 6]. ريح لها صوت باردة والعياذ بالله عاتية قوية {سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيامٍ حسومًا} [الحاقة: 7]. متتابعة قاطعة والعياذ بالله، والعذاب يأتي صباحًا: {فأتبعوهم مشرقين} [الشعراء: 60]: آل فرعون، ولوط أهلكوا قومه صباحًا قال تعالى: {أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} [الحجر: 66]. {إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} [هود: 81]. لأن الإنسان إذا أصبح وأمن العقوبة بالليل قال: راح كل شيء، فيأتيه العذاب في الوقت الذي يكون فيه آمنا من الوقت الآخر الناس يخافون العذاب والسطو بالليل فإذا أصبحوا أمنوا فيأتيهم العذاب في الوقت الذي يكونون فيه آمن ما يكون، نسأل الله العافية.
والحاصل: أن الله عز وجل أرسل هذه الريح على عاد فدمرتهم، لأن عادًا ماذا كانوا يقولون:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 433)
{من أشد منا قوة} فقال الله عز وجل: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً} [فصلت: 15]. وتأمل قوله: {الذي خلقهم} يعني: أنهم مخلوقون مربوبون مغلوبون مقهورون، أهلكوا بألطف الأشياء وهي الريح التي صارت تأخذ الواحد منهم إلى السماء ثم ينقلب فيقع في الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية نعوذ بالله، وفرعون كان يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته، فبماذا أهلك؟ بنظيرها أي: بجنسها، أهلك بالغرق، فهذه سنة الله عز وجل نسأل الله أن يحمينا وإياكم من عذابه.
قال: {ولا تجعلها عذابًا"؛ لأن الله قد يجعلها عذابًا، ثم اعلم أن هذه الرياح وإن كان لها أسباب طبيعية لكن الذي خلق أسبابها الله عز وجل، فيكون الله تعالى يحدث أسبابًا قد يعلمها بعض الناس وقد لا يعلمها، تكون منها هذه الرياح شديدة لتدمر من شاء الله أن تدمره، ولقسوة قلوبنا وعتو نفوسنا في الوقت الحاضر إذا جاءت مثل هذه الأعاصير العظيمة ماذا نقول؟ نقول: تقلبات الطقس، ما يضيفون هذا الأمر إلى الرب عز وجل، ولا يخشون ولا يخافون، لكن القلوب قاسية، هذا الحجر لا ينفع إلا أن يضربه السندان حتى يكسره، أما إذا فعلت شيئا حوله فهو قاس لا يلين، نسأل الله أن يلين قلوبنا، وهذا من جهلنا في الحقيقة.
حكم الصلاة للزلازل:
485 - وعنه رضي الله عنه: "أنه صلى في زلزلة ست ركعات، وأربع سجدات، وقال: هكذا صلاة الآيات". رواه البيهقي. وذكر الشافعي عن عليٍ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه مثله دون آخره.
"عنه" من؟ ابن عباس، "صلى في زلزلة"، الزلزلة: رجة الأرض، والله تعالى قد يزلزل الأرض وتهلك وتدمر، هذه الزلزلة في لحظات تدمر آلاف الناس، وآلاف المساكن، ولو أن الإنسان تصور كيف يكون بهذه الزلزلة التي مثل الشرارة كأنها شرارة من سرعتها وتحدث هذا الأمر العظيم، أنا أذكر قبل سنوات حدث زلزال في إيران دمر خمسًا وعشرين مدينة، وأكثر من مائتين قرية، وأكثر من خمسة وعشرين ألفا ماتوا في لحظة، والذي حصل في اليمن قبل عدة سنوات قال الذين وصفوه: ما حسبنا إلا أن القيامة قامت حتى خرج الناس والأم ذاهلة عن طفلها فزعا مع أنها أقل من ثانية، هذا فعل الله عز وجل إذا شاء، هذه الزلزلة من آيات الله يخوف الله بها عباده، فهل يصلى لهذه الآية أو لا يصلى؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: لا يصلى لها؛ وإنما يصلى للكسوف خاصة؛ لأنه الذي ورد به النص، والنبي- عليه الصلاة والسلام قال: "آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده"، مع أننا نجد في عهد الرسول- عليه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 434)
الصلاة والسلام- هبت الرياح والرعود وغيرها ومع ذلك ما كان يصلي غير الكسوف، لدل هذا على أنه لا يصلى إلى للكسوف.
وقال بعض أهل العلم: يصلى للكسوف وللزلازل لورود ذلك عن الصحابة في الزلازل، والصحابي فعله حجة إذا لم يخالفه غيره.
وقال آخرون: بل يصلى لكل آية إلا ما ورد له سنة معينة فيقتصر فيه على ما ورد، فمثلا الريح ورد بها سنة معينة وهي الاستعاذة منها وسؤال خيرها فلا يصلى لها، ولكن غيرها من الأشياء التي تخوف العباد يصلى لها، مثل لو فرض أن الله عز وجل أرسل صواعق وصارت الصواعق متتالية دائمًا دائمًا دائمًا في زمن من الأزمان هذا يرعب أشد من إرعاب الكسوف، فمثل هذا يصلى له، قال الفقهاء: وكذلك لو وجد ضياء في الليل أكثر من العادة بدون قمر فإن هذا مرعب؛ لأنه على خلاف العادة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ قال: لأن العلة: "آيتان يخوف الله بهما عباده"، تدل على أن كل ما كان كذلك فإنه يصلى له، ولكن المشهور من المذهب أنه لا يصلى إلا للزلازل فقط لورودها عن الصحابة- رضي الله عنهم.
* * *
16 - باب الاستسقاء
"الاستسقاء": طلب السقيا، وهي من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي: باب الصلاة التي سببها طلب السقيا، وطلب السقيا لا يكون إلا من الله عز وجل، لأن الله تعالى هو وحده الذي ينزل الغيث، واعلم أنه كما ثبت في صحيح مسلم: "ليس السنة ألا يمطر الناس ولكن السنة أن يمطروا فلا تنبت الأرض". نسأل الله العافية؛ لأنه قد يأتي المطر وتنبت الأرض ببركة من الله عز وجل، وقد يأتي المطر ولكن لا تنبت الأرض، وهذا مشاهد أحيانًا، وعليه فإننا إذا طلبنا السقيا من الله عز وجل نطلب السقيا مع كونها غيثًا، والغيث هو: ما تزول به الشدة.
والاستسقاء له عدة أوجه؛ منها: دعاء الناس أفرادًا كلٍّ يدعو مثلًا في الصلاة، يدعو في أي مناسبة، ومنها: الاستسقاء في خطبة الجمعة كما في حديث أنس، ومنها: الاستسقاء في أي مكان، أن يطلب من أحد أن يدعو الله تعالى بالسقيا، وقد طلب الصحابة من الرسول- عليه الصلاة والسلام أن يستسقي لهم مرة من المرات فقال: "اللهم أغثنا، حتى يقوم أبو لبابة فيسد ثعلب مربده بردائه". فأمطرت السماء وكثر المطر وخاف الناس، فماذا قالوا؟ لا يمكن أن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 435)
يتوقف المطر حتى يذهب هذا الرجل ويسد ثعلب مربده بردائه، "ثعلب المربد": الشق الذي يدخل معه المطر، فذهب فسد ثعلب المربد بردائه، فما إن سده حتى توقف المطر هذا من بركات النبي- عليه الصلاة والسلام.
ومن آيات الله إذن الاستسقاء باب السقيا وهو على أوجه منها أن يدعو الناس أفرادًا، ومنها: أن يدعى في خطبة الجمعة، ومنها: أن يدعى في أي مكان مما يسأل فيه الإنسان أن يستسقي، ومنها- وهو الرابع- الصلاة وهو أن يخرج إلى المصلى ويستسقي للناس.
صفة صلاة الاستسقاء والخطبة لها:
486 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعًا، متبذلًا، متخشعًا، مترسلًا، متضرعًا، فصلى ركعتين، كما يصلي في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه". رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وأبو عوانة، وابن حبان.
"خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعًا" يعني: في ضعة، ما معه جمهور يمشون بين يديه، ولا عن خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن شماله، ولا لبس اللأمة ولا حمل السيف، إنما خرج متواضعًا- عليه الصلاة والسلام، وهل خرج متجملًا بثيابه؟ لا، ولهذا قال: "متبذلًا" يعني: ليس عليه إلا لباسًا عاديًّا؛ لأن هذا ليس يوم فرح كيوم العيد حتى يخرج متجملًا، إنما هو يوم تضرع واستكانة وطلب وحاجة وفقر، فخرج- عليه الصلاة والسلام متبذلًا، "متخشعًا" يعني: ظاهرًا عليه الخشوع على هيئته وحركته ومشيته وعلى قلبه من باب أولى، إذا خشع القلب خشعت الجوارح، "مترسلًا" يعني: في مشيه لا يسرع، وهذا ترسل أكثر مما كان يعتاد- عليه الصلاة والسلام، "متضرعًا" إلى من؟ إلى الله عز وجل، يعني: مظهرًا للحاجة والفاقة والفقر لله- سبحانه وتعالى، وهذا الأخير لا يعلم إلا بإخبار الرسول- عليه الصلاة والسلام لأن محله القلب، فالظاهر: أن ابن عباس رضي الله عنهما علم هذا من إخبار الرسول- عليه الصلاة والسلام له.
"فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه"، قوله: "فصلى ركعتين كما يصلي في العيد" يعني: يكون فيهما تكبير زائد؛ لأنه لم يقل: ركعتين وسكت، بل قال: "ركعتين كما يصلي" "الكاف" للتشبيه، و"ما" مصدرية، و"يصلي" فعل مضارع، والمضارع منسبك بـ "ما" المصدرية فيؤول مصدرًا والتقدير: كصلاته في العيد، وقوله: "لم يخطب خطبتكم هذه" يشير إلى خطبة لا نعلمها في الحقيقة ولا فسرها الشراح، وكأنهم بعد عهد الرسول- عليه الصلاة والسلام-
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 436)
صار الخطباء يأتون بخطب إما أنها مملة، وإما أن فيها أدعية مثلًا غير مناسبة ما نعرف، المهم: أنه لم ينف الخطبة مطلقًا، وإنما نفى الخطبة التي تشبه خطبة هؤلاء، وعلى هذا فلا يكون في هذا الحديث دليل على أن الرسول لم يخطب.
يستفاد من هذا الحديث: أولًا: مشروعية الخروج لصلاة الاستسقاء لقوله: "خرج".
الثاني: أنه ينبغي أن يكون على هذه الصفة متواضعًا متبذلًا متخشعًا مترسلًا متضرعًا، هيئة الفقير المسكين المستجدي، لا هيئة الفرح الذي يلبس الثياب الجميلة ويتطيب وما أشبه ذلك.
ومن فوائد الحديث: مشروعية صلاة الركعتين في الاستسقاء، وأن تكون على صفة صلاة العيد؛ لقوله: "فصلى ركعتين كما يصلي في العيد"، وهذا هو الذي تدل عليه الأدلى، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصلي ركعتين كالعادة، ولكن الصواب ما دل عليه الحديث، وأن بعض أهل العلم إلى أنه يصلي ركعتين كالعادة، ولكن الصواب ما دل عليه الحديث، وأن الألفاظ التي- تأتينا إن شاء الله- في الأحاديث مطلقة- مثل: "صلى ركعتين"- تحمل على هذا المقيد.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي أن تكون الخطبة مختصرة ملخصة مفيدة لقوله: "لم يخطب كخطبتكم هذه".
ومنها: مشروعية الخطبة، كيف ذلك مع أن ابن عباس نفى؟ لا، ابن عباس نفى الصفة، ونفي الأخص يستلزم وجود الأعم. هذه قاعدة مفيدة؛ ولهذا قلنا: إن قول الله تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103]. تدل على أن الله يرى؛ لأن نفي الأخص يقتضي ثبوت الأعم.
فعلى هذا نقول: هذا يدل على ثبوت الخطبة، لكن ليست كخطبة هؤلاء.
ومن فوائد الحديث: أن التغير- تغير الناس- قد ظهر منذ عهد الصحابة لقوله: "كخطبتكم هذه".
ومن فوائد الحديث: أنه يجب على أهل العلم أن يبينوا للناس ما خالفوا به السنة لقوله: "لم يخطب كخطبتكم هذه"؛ لأنه إذا لم يبين أهل العلم ما خالف فيه الناس السنة بقيت السنة مجهولة ثم يتوسع الأمر حتى تزول سنن كثيرة بسبب سكوت الناس، لكن هاهنا مسألة وهي أن بعض الناس يخذل أهل العلم في بيان الحق يقول: لماذا تبين والناس غير مستفيدين؟ هذا حرام، لا يجوز هذا الكلام؛ لأن هذا هو التخذيل عن الحق، والعلماء إذا بينوا الحق لو لم يكن من ذلك إلا أن الناس يعرفون أنهم على باطل سواء نفع أو لم ينفع لأن العلماء إذا سكتوا عما عليه الناس من مخالفة الحق ماذا يظن الناس؟ يظنون أن هذا صواب حق فيستمدون عليه ويستمرئونه لكن إذا رأوا الإنكار عرفوا أنهم ليسوا على حق، وهذا لو لم يكن من ذلك إلا هذه الفائدة لكان كافيا، فلا تستهن ببيان الحق أبدًا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 437)
الدعاء في صلاة الاستسقاء:
487 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبرٍ، فوضع له بالمصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوةً وبلاغًا إلى حينٍ، ثم رفع يديه، فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابةً، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت". رواه أبو داود وقال: غريب، وإسناده جيد.
"شكا" الشكاية معناها: رفع الشكوى، والشكوى هي: ذكر ما يتألم به الإنسان لمن يزيله مثل: الرجل يشكو إليك الفقر معناه يذكر لك هذا الفقر من أجل أن تزيله سواء أزلته بنفسك أو أزلته بوسيلة، الناس رفعوا إلى الرسول- عليه الصلاة والسلام ما حل بهم لأجل أن يزيل هذا ليس بنفسه، ولكن بواسطة دعائه، وقولها: "قحوط المطر" قحوط هو: فحط مصدر قحط يقحط أو يقحط بمعنى: انحبس وامتنع، والمعنى: أن المطر تأخر واحتبس فشكوا للنبي صلى الله عليه وسلم.
قالت: "فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى"، المنبر مأخوذ من النبر وهو الارتفاع، وكل شيء مرتفع بالمعنى العام منبر، لكن المراد به هنا: المنبر الذي يصنع، والظاهر أنه صنع من خشب، وقولها: "بالمصلى" المراد به: مصلى العيد.
"ووعد الناس يومًا يخرجون فيه"، ولم يعين أيوم الاثنين أو الخميس أو الأربعاء، لم يعين يومًا، لكن المهم: أن يعين ذلك اليوم للناس لأجل أن يستعدوا له ويخرجوا.
"فخرج حين بدا" أي: ظهر وبدأ بالهمزة بمعنى ارتفع وشرع في الشيء {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} [المائدة: 99]. يعني: ما تظهرون، إذن بدا بمعنى: ظهر. وقوله: "حاجب الشمس" قالوا: إنه ضوء الشمس، فسمي ضوؤها حاجبًا؛ لأنه يحجب قرصها عن النظر هكذا ذكره في القاموس، فيكون حاجب هنا بمعنى الضوء، وإن كان يتبادر إلى الذهن أن المراد بحاجب الشمس: قرصها، وأن الحاجب بمعنى محجوب، أي: بدا محجوبها بالأفق وظهر، ولكن الذي في القاموس: أن الحاجب هو الضوء وهذا يقتضي أن الشمس ارتفعت حتى صار لها شعاع يمنع من رؤية قرصها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 438)
تقول: "فقعد على المنبر .. إلخ"، إذن الخطبة قبل الصلاة، "فكبر وحمد الله"، يعني: قال: الله أكبر، "وحمد الله"، يعني: قال أحمد الله، أو الحمد لله، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم"، وتأمل أول الحديث تقول: "إنهم شكوا قحوط المطر"، وهنا قال النبي- عليه الصلاة والسلام: "إنكم شكوتم جدب دياركم"؛ لأن العبرة بجدب الديار لا بالمطر، فالمطر قد ينزل وتجدب الديار، وجدبها بمعنى: المحل وعدم خروج النبات؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "ليس السنة ألا تمطروا إنما السنة أن تمطروا فلا تنبت الأرض شيئا". ولهذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم الشيء الذي هو المقصود وهو جدب الديار.
قوله: "وقد أمركم الله أن تدعوه"؛ لقوله تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]. وقال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعواه الداع … } الآية [البقرة: 186]. وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعًا وخفيةً إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55]. والآيات كثيرة، وقوله: "أمركم الله أن تدعوه"، "ووعدكم أن يستجيب لكم" أين الوعد؟ {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}، {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب}، فالأولى أمر والثانية خبر، وكلاهما لا يتخلف ما دام الله قد وعد به؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد لتمام علمه وقدرته.
وقوله: "ووعدكم أن يستجيب لكم" هل هذا على إطلاقه؟ الجواب: نعم على إطلاقه، لكن لا بد له من شروط، ثم الاستجابة لا يلزم أن تكون عين المدعو به، فقد يستجيب الله له بأشياء أخرى فمثلًا قد يستجيب ما طلب وقد يرفع عنه من السوء مثله أو أعظم، وقد يدخر ذلك له إلى يوم القيامة حسب ما تقتضيه حكمته- سبحانه وتعالى إنما الأصل أنه يستجيب ما دعا به الإنسان، ثم قال النبي- عليه الصلاة والسلام بعد أن هيأ النفوس للدعاء، وهنا هيأها من وجهين:
الوجه الأول: من ذكر حالهم، وأن بلادهم قد أجدبت، وهذا يقتضي حرص الإنسان على الدعاء؛ لأنه يكون دعاء المضطر.
والوجه الثاني: من ذكر أن الله تعالى أمر بالدعاء والاستجابة، لما تهيأت النفوس شرع النبي- عليه الصلاة والسلام في الدعاء، ثم قال: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين" بدأ بهذه الآيات الثلاث؛ لأنها أبلغ ما يثني به الإنسان على ربه، "الحمد لله" يعني: الوصف بصفات الكمال على وجه الاستغراق والشمول والاستحقاق والاختصاص ثابت لله، و"رب العالمين" يعني: خالقهم ومالكهم ومدبرهم، و"العالمون" كل من سوى الله، وهنا ذكر الربوبية بعد الألوهية لتلازمهما؛ لأن كل من أقر بالربوبية لزمه أن يقر بالألوهية، ثم قال:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 439)
"الرحمن الرحيم" يعني: ذو الرحمة الواسعة الواصلة، الرحمة الواسعة من الرحمن، والواصلة من الرحيم، وكلاهما يدل على الرحمة، وفي ذكر هذين الاسمين الكريمين بعد قوله: "رب العالمين" إشارة إلى أن هذه الربوبية مبنية على الرحمة، ولهذا قال: "الرحمن الرحيم"، ثم قال: "مالك يوم الدين" مالك وملك قراءتان سبعيتان، فهو سبحانه ملك ومالك، وهاتان القراءتان- كما مر- كل واحدة منهما تفيد معنى لا تفيده القراءة الأخرى، فيتركب من مجموعهما معنى كامل وهو أنه- سبحانه وتعالى ملك ومالك، ذلك لأن المالك قد يكون مالكًا، وليس بملك، وهذا كثير الإنسان يملك بيته وسيادته ويملك ثوبه، وليس بملك، وقد يكون ملكًا وليس بمالك في الحقيقة هو ملك مدبر، يقوم بالتدبير لغيره، فيكون اسمه ملك ولكن حقيقته أنه ليس بمالك لأنه مدبر، أما الرب عز وجل فإنه ملك مالك، و"يوم الدين" هذا يوم الجزاء وهو يوم القيامة.
الرسول- عليه الصلاة والسلام بدأ بهذه الآيات الثلاث التي في سورة الفاتحة، ثم قال: "لا إله إلا الله يفعل ما يريد"، قوله: "لا إله إلا الله" مر علينا معناها وإعرابها في عدة جلسات، وقلنا: إن إعرابها أن: "لا" نافية للجنس، وأن نفي الجنس نص في العموم، لأنها تنفي كل جنس، فإذا قلت: "لا رجل في البيت" معناه: لا يوجد أي رجل ولا رجال، لأنها تنفي ذلك الجنس، فهي أعم ما يكون من النفي، ولهذا قالوا: "إن "لا" النافية للجنس نافية للعموم، وأما "إله" فهي اسمها مركب معها مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: "حق"، فيكون المعنى: لا إله حق إلا الله، وأما "إلا" فهي أداة استثناء "والله" بدل من الخبر المحذوف، وعلى هذا يكون إعرابها كما سمعتم، أما معناها فالمعنى أنه لا معبود حق إلا الله- سبحانه وتعالى، وأما المعبود على وجه باطل فكثير.
ثم قال: "يفعل ما يريد" هل شرعًا أو كونًا؟ إن أريد بالفعل ما فعله بنفسه فهو يفعل ما يريد شرعًا وكونًا؛ وإن أريد بالفعل فعل غيره فالمراد: الإرادة الكونية، وإن ما أرده شرعًا قد لا يفعله الغير.
ثم قال: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت" "اللهم" يعني: يا الله، حذفت منها ياء النداء، وعوض عنها الميم وأخرت الميم للبداءة باسم الله، وصارت الميم لأنه أدل على الجمع، كأن الإنسان جمع قلبه على ربه حينما ناداه بهذا: "اللهم أنت الله لا إله إلا أنت"، "أنت الله" جملة خبرية وهي مفيدة للحصر؛ لأن طرفيها معرفتان، وقوله: "لا إله إلا أنت" كل هذا من باب التأكيد.
"أنت الغني" أي: عن كل أحد، فهو- سبحانه وتعالى غني بذاته عن كل المخلوقات.
فإن قلت: أليس الله قد استوى على العرش، ومعنى هذا أنه محتاج أن يستوي على العرش.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 440)