Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
والسنة إذا كانت الجماعة ثلاثة أن يتقدم الإمام، هذا هو الذي ثبتت به السنة أخيرًا، وكان بالأول كانت السُّنة إذا كانوا ثلاثة أن يكون الإمام بينهم واحد على اليمين وواحد على اليسار، لكنها نسخت، وكان ابن مسعود لم يعلم بنسخها؛ فصلَّى مرة بالأسود وعلقمة فجعل أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره. لكن السُّنة لا شك أنها ثبتت بأن الأمر منسوخ، يقول: "فقمت أنا ويتيم"، اليتيم عند أهل العلم هو: الذي مات أبوه ولم يبلغ، ولو كانت أمّه باقية. العامة عندنا يون أن اليتيم من ماتت أنه، لكن الصواب: أن اليتيم هو الذي مات أبوه، وقوله: : وأم سليم خلفنا" هذه يعربها ابن آجروم، بأنها: ظرف مكان منصوبة على الظرفية بالفتحة الظاهرة، أين خبر المبتدأ متعلق بالظرف، الخبر إذن شبه جملة.
هذا الحديث فيه فوائد: ونأخذ من الفوائد حتى من اللفظ الذي لم يذكره المؤلف، وهي: قوة محبة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم ذكورًا وإناثًا.
ومنها: جواز دعوة المرأة للرجل إذا أمنت الفتنة، مثل: لو أن امرأة كبيرة في السن دعت جيرانها فلا حرج إذا أمنت الفتنة.
ومنها أيضًا: سهولة خلق النبي -علية الصلاة والسلام- وإجابته لدعوة المراة.
ومنها: جواز الصلاة على الحصير، ففيه رد على من قالوا: إنه لا يجوز السجود إلا على الأرض، أو ما كان على الأرض؛ لأن الرسول سجد على حصير، وثبت عنه أنه كان يسجد على الخمرة.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز صلاة النافلة جماعة أحيانًأ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام صلَّى بهم جماعة.
ومنها: أن موقف الاثنين فأكثر يكون خلف الإمام.
ومنها: جواز مصافة الصبي، وهذه أيضًأ من المسائل الكبار التي اختلف فيها العلماء، فمن العلماء من يقول: إن مصافة الصبي لا تصح إلا في النفل، ولا تصح في الفرض، ومنهم من قال: إنها تصح في النفل وفي الفرض، وهو الصواب؛ لأنه قد ثبت أن الصبي يكون إمامًا لا مصافّا، وصحة إمامته أبلغ من صحة مصافته، فقد مرّ علينا أن عمرو بن سلمة كان يؤم قومه وله ست أو سبع سنين، إذن فالقول الثاني في المسألة: أنه يصح أن يكون الصبي مصافًا للبالغ في النافلة بهذا الحديث، وفي الفريضة بأنه لا فرق، الدليل قياس الفرض على النفل لعدم وجود الفارق بينهما.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 281)

ومن فوائد هذا الحديث: أن المرأة تكون خلف الرجال ولا تصفُّ معهم، حتى ولو كانوا من محارمها.
ومنها: نظر الشارع إلى ابتعاد المرأة عن الاختلاط بالرجال، حيث إنه أذن لها أن تصلي وحدها، ولا تكون مع الرجل، فيكون في هذا ردُّ لأولئك الذين ينادون باجتماع الرجل والمرأة، واختلاط النساء بالرجال، وأن هؤلاء مضادون لحكم الله عز وجل إذا كان في العبادات التي هي من أجل ما يختلط فيه الرجال والنساء، وأبعد ما يكون عن الفتنة، فكيف بالأماكن التي تكون مدعاة للفتنة، ثم إنكم أيضًا تعرفون ما يكون من فتنة المرأة إذا جاءت للعمل واختلطت بالرجل، كيف تأتي؟ لا شك أنها تأتي متبرجة، متطيبة كل ما تملك من الجمال تأتي به.
397 - وعن أبي بكرة رضي الله عنه أنَّه انتهى إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصَّفِّ، ثمَّ مشى إلى الصَّفِّ، وذكر ذلك للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال له النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "زادك الله حرصًا ولا تعد". رواه البخاريُّ.
وزاد أبو داود فيه: "فركع دون الصَّفِّ، ثمَّ مشى إلى الصَّفِّ".
"أبي بكرة" هذا لقب، ويقولون: إنه سمي بذلك؛ لأنه نزل في حصار الطائف من السور ببكرة، يقول: "أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو"، الضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، والجملة: "وهو راكع" حالية في محل نصب من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: والحال أنه راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، من الذي ركع؟ أبو بكرة قبل أن يصل إلى الصف، وطبعًا مشى إلى الصف، ودخل فيه، وفي بعض ألفاظ الحديث: "أنه جاء مسرعًا يسعى قد حفزه النفس".
فهاهنا أربعة أشياء: الإسراع، والركوع قبل الوصول إلى الصف، والمشي حتى يدخل في الصف وموافقة الإمام في الركوع، أربعة أشياء، ننظر الآن ما هو المشروع منها، وما هو غير المشروع لأجل أن نطبق عليه قوله: "ولا تعد" يقول رضي الله عنه: "فركع قبل أن يصل إلى الصف" يعني: ثم دخل في الصف لا شك في هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "زادك الله حرصًا" متى قال له؟ بعد الصلاة، إذن الحديث فيه شيء محذوف، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته سأل: "من الذي جاء؟ "، فقيل له: أبو بكرة، أو هو قال: أنا يارسول الله، فقال له: "زادك الله حرصًا"، وقوله: "زادك الله حرصًا"، حرصًا هذه مفعول ثان لزادك؛ لأن زاد تنصيب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبرًا، فهي من باب كسا وأعطى تنصب مفعولين، "زادك الله حرصًا ولا تعد"، (لا) ناهية (تعد): فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة الجزم السكون، وهو من عاد يعود، مثل: قال يقول،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 282)

والنهي منه "لا تفعل" كما قال تعالى: {فلا تقل لَّهما أفٍ} (الإسراء: 23). إذن "لا تعد" من العود، يعني: لا تعد لمثل هذا العمل، وهذا متفٌق عليه في جميع الروايات أنه "لا تعد"، وزعم بعضهم أنه قال: "ولا تعد"، وهذا لا يصح لا رواية ولا دراية، وزعم بعضهم أنه قال: "ولا تعد" وهذا أيضًا لا يصح فالرواية الصحيحة الثابتة: "ولا تعد" من العوَّد، وهي متضمنة لعدم إعادته ومتضمنة لعدم عدوه أيضًا، ننظر الآن: "لا تعد"، إلى أي شيء؟ قلنا: إنه فعل أربعة أشياء: أسرع، وركع قبل أن يصل إلى الصف، ودخل في الصف، ووافق الرسول عليه الصلاة والسلام في الركوع، فلم ينتظر حتى يقرأ الفاتحة، هذه الأمور الأربعة ننظر ما الذي يتوجه إليه النهي، أولًا إسراعه هل يتوجه إليه النهي؟ نعم، من أين يؤخذ؟ من دليل آخر وهو: "إذا أقيمت الصلاة فامشوا ولا تسرعوا". إذن الإسراع دخل في قوله: "ولا تعد"، دخوله قبل أن يصل إلى الصف أيضًا منهي عنه أم لا؟ نعم منهي عنه؛ لأن الإنسان مأمور بالمصَّافة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يكبر حتى تستوي الصفوف، فمن باب أولى أن يقال: إن الإنسان لابد أن يدخل في الصف قبل أن يكبر، مشيه إلى الصف مأمور به لكي يدخل في الصف.
رابعًا: دخوله مع النبي عليه الصلاة والسلام بدون أن يقرأ الفاتحة، هل يتوجه إليه النهي؟ لا يتوجه لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "ما أدركتم فصلُّوا"، الآن هو أدرك الركوع فليصلِّ ولا ينتظر؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا ركع فاركعوا" فيكون النهي في قوله: "لا تعد" للإسراع أو للركوع قبل الدخول في الصف أمَّا "لا تعد" فيعني: لا تركع إذا أدركت الإمام راكعًا فهذا لا يتوجه إليه النهي؛ لأن الأحاديث الأخرى تدل على أن الإنسان إذا أتى والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام، هذه الأشياء هي التي يتوجه إليها النهي في قوله: "لا تعد"، فصار يتوجه إلى شيئين ولا يتوجه إلى شيئين آخرين، نعود إلى القصة فهي معروفة وذلك أن الصَّحابي رضي الله عنه جاء والنبي راكعًأ فأسرع وأدركه راكعًأ خوفًا من أن تفوته الركعة، وحرصًا على إدراك الركوع.
فيستفاد من هذا الحديث فوائد منها: أنه ينهى الإنسان أن يسرع ولو أدرك الإمام راكعًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "ولا تعد"، إلا أن أهل العلم رخَّصوا في الإسراع الذي لا يقبح، كما نَّص عليه الإمام أحمد رحمه الله، فقد قال: ما لم تكن عجلة تقبح، فقيَّدها بأن تكون قبيحة، أمَّا إذا كان إسراعًا مع هدوء وسكينة فلا حرج رخَّص فيه بعض أهل العلم، والأولى أن يبقى النص على ما هو عليه، والحمد لله هو في عافية، أمَّا ما يفعله بعض العامة الآن بأن يكون إذا جاء

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 283)

والإمام راكع يقول: اصبر إن الله مع الصابرين، وربما يتنحنح، فهذا خلاف المشروع، وقد حدثني بعض الناس أن أحد الأئمة إذا سمع الداخل رفع مباشرة وإن لم يتأخر كثيرًا إذا أتى بالطمأنينة رفع ويقول: إني أفعل ذلك لأني أخشى أن يأتي هذا عجلًا فيكبر تكبيرة الإحرام وهو راكع كما يفعله بعض العامة يكبر وهو يهوي، والواجب أن يكبِّر الإنسان تكبيرة الإحرام وهو قائم، لكن المشهور من المذهب: أنه يستحب انتظار الداخل ما لم يشق ذلك على المأموم، وليس في هذا سنة متبعة عن الرسول عليه الصلاة والسلام غاية ما هنالك أن يقال: إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعجل إذا سمع بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه، مع أن التعجيل فيه تفويت للمأمومين الذين خلفه، أعني: بعض ما يرون، فالانتظار بدون مشقة على المأمومين لأجل مصلحة دينية -وهو إدراك هذا القادم لما يدرك من الصلاة- يكون من باب أولى، فالمسألة مسألة قياس واجتهاد، فإذا رأى الإمام أن الناس عندهم غشم وعدم طمأنينة وأنهم إذا جاءوا وهو راكع كبَّروا للركوع ونسوا تكبيرة الإحرام أو كبَّر بنية الدخول في الصلاة، ولكنه وهو يهوي ورأى أنه من المصلحة ألَاّ ينتظ فهذا طيب له أن يفعله.
ومن فوائد هذا: أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، وفي هذه المسألة معترك بين أهل العلم، فمنهم ممن قال: إنه لا يدركها؛ لأن قراءة الفاتحة ركن في الصلاة في كل ركعة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام للمسئ في صلاته: "وافعل ذلك في صلاتك كلها"، وقال بعضهم: بل هو مدرك للركعة؛ لأن قراءة الفاتحة في حق المأموم سنة وليست بواجبة، وقال آخرون: بل إنه إذا أدرك الركوع أدرك الركعة؛ لا لأن قراءة الفاتحة غير واجبة على المأموم، لكن لأنها سقطت في هذه الحال حيث إنه لم يدرك القيام الذي هو محل القراءة، كل هذه تعليلات، لكن ما الذي يدل عليه ظاهر الحديث؟ يدل ظاهر الحديث على أنه أدرك الركعة؛ لأن أبا بكرة رضي الله عنه عجَّل من أجل إدراك الركعة كما في بعض الطُّرق أشار إليها الحافظ في الفتح: "قال: خشيت أن تفوتني الركعة"، وهذا دليل على أنه أسرع لهذا الغرض ولم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بقضاء هذه الركعة ولو أمره لنقل، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى أحدًا أخطأ نبَّه على خطئه مثل الرجل الذي صلَّى بدون طمأنينة قال له: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ"، فلو كان أبو بكرة لم يدرك الركعة لأمره بقضائها؛ لأنه ما أسرع إلا لإدراكها، وهذا هو القول الراجح، مع أني أرى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في كل ركعة في الجهرية والسرية، لكن الحديث واضح.
ومن فوائده أيضًا: معاملة النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه خير معاملة، هذا الرجل

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 284)

أخطأ بلا شك، والدليل على خطئه قوله له: "ولا تعد"، لكن مع ذلك لمَّا علم النبي عليه الصلاة والسلام أنه أراد الخير قال له: "زادك الله حرصًا"، لو أن أحدًا فعل مثل ما فعل أبو بكرة قال: من أجل ان تنالني دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم الآن يصلح؟ ما يصلح؛ لأن أبا بكرة رضي الله عنه ما كان عالمًأ بأن هذا مما ينهى عنه، وإلا لما فعل لكن لا شك أن من كان مجتهدًا حريصًا على الخير، وإن لم يصب فهو مأجور له أجر على اجتهاده وإن لم يصب الحكم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من ارتكب محظورًا جاهلًا فلا إثم عليه، من أين يؤخذ؟ لم يقل: إنك آثم، ولا وبخه عليه الصلاة والسلام، وهكذا كانت عادته عليه الصلاة والسلام ألَاّ يوبخ من فعل الشئ جاهلًا، لم يوبخ الرجل الذي بال في المسجد، ولم يوبخ الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، ولم يوبخ الرجل الذي تكلَّم في الصلاة؛ لأن كل هذا صار عن جهل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينهى عن الدخول في الصلاة قبل الوصول إلى الصف؛ لقوله: "ولا تعد".
ومن فوائده: أن الصلاة منفردًا خلف الصف جائزة، هذه الفائدة أخذها بعض العلماء وقالوا: إن فيه دليلًا على أن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة؛ لأن الرسول ما أمره بالإعادة وهو قد صلَّى قبل أن يصل إلى الصف، ولو كانت ممنوعة لأمره بالإعادة، وهذا الاستدلال قريب من استدلال من استدلَّ بقصة ابن عباس السابقة حينما أداره الرسول عليه الصلاة والسلام وراء ظهره دلَّ على جواز الصلاة منفردًا، ولكن الصحيح أنه ليس فيه دليل؛ لأن هذا الرجل ما استمر في جميع الصلاة منفردًا، لو أتمَّ صلاته منفردًا لكان فيه دليل على أنه لا تحرم الصلاة منفردًا، لكن الرجل تقدم إلى الصف ولهذا نقول: إذا صلى منفردًا خلف الصف ركعة فأكثر لا تصح صلاته، وغن خاف فوات الركعة فله أن يدخل في الصف بشرط ألَاّ يصلي ركعة فأكثر، فإن صلَّى ركعة فأكثر فالصحيح: أنه لا تصح صلاته.
ومن الفوائد: أن المجتهد معذور ولو أخطأ.
ومنها: إثبات الأسباب، وأن الدعاء منها، يؤخذ هذا نت قوله: "زادك الله حرصًا".
ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك لغيره نفعًا ولا ضرًا، وتؤخذ هذه الفائدة من دعائه، وفيه إيراد. لو قال قائل: إن كان الأمر مكتوبًأ فلا فائدة من السؤال، وغن كان لم يكتب فالسؤال لن يأتي به فما الجواب؟ يقولون: إن أحد الطلبة أو الحاضرين أورد هذا السؤال على الشيخ محمد عبده، فقال الشيخ: إن كان الله قد شاء أن أجيبك فلا فائدة من سؤالك لي، وإن كان الله لم يشأ أأجيبك فلن أجيبك على سؤالك، ألقمه الحجر من حجته، نحن نقول: في الجواب عن أصل المسألة: ما فائدة الدعاء إذا كان الله قد قدَّره، وإذا كان الله لم يقدره، فإن الدعاء لن يأتي به

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 285)

فما الجواب؟ نقول: إن قدَّره بهذا السبب، فأنت عليك بالأسباب، والله تعالى له بقدرته أن يأتي بالمسببات التي يربطها بها {وقال ربُّكم ادعوني أستجب لكم} (غافر: 60). التزم عز وجل أن يستجيب وإلا لقلنا أيضًا: إذا كان الله قد قدَّر أني من أهل الجنة فلا فائدة من العمل، وإن لم يقدِّر أني من أهل الجنة فإني وإن عملت فلن أدخلها، وكذلك يقول الثاني: إن كان الله قد قدَّر لي الولد فلا فائدة من الزواج، وإن لم يقدِّر لي ولد فلو تزوجت ما جاءني ولد، وهكذا فلا أحد ينكر الأسباب أبدًا إلا رجل ضالّ أو ضائع.
يستفاد من رواية أبي داود: جواز الحركة لإتمام الصلاة، وهذا يؤخذ من قوله: "ثم مشى إلى الصلاة".
ويستفاد منه: أن الانفراد ببعض ركعة لا يعد انفرادًا لأنه انفرد بتكبيرة الإحرام والركوع، "ثم مشى إلى الصف"؛ فالانفراد ببعض الركعة ليس كالانفراد في الصلاة كاملة، وبهذا نردُّ على من استدلَّ بهذا الحديث على: أن الإنسان يجوز أن يصلي منفردًا خلف الصف، فنقول: يمكن الجمع بين الأدلة، بماذا؟ بأن يقال: إن الانفراد ببعض الركعة لا يعد انفرادًا، وكذلك سبق أن قلنا ذلك في حديث ابن عباس.

‌‌حكم صلاة المنفرد خلف الصف:
398 - وعن وابصة بن معبٍد رضي الله عنه: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلِّي خلف الصَّفِّ وحده، فأمره أن يعيد الصَّلاة". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ وحسَّنة، وصحَّحه ابن حبَّان.
نتناول هذا الحديث أولًا بالكلام على إسناده، فنقول: العلماء مختلفون فيه، فمنهم من يقول: إن الإسناد مضطرب، ومعلوم أن الاضطراب يوجب ضعف الحديث، وإذا ضعف الحديث فلا حجة فيه؛ لأن من المعلوم أنه لا يحتج إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن، أمَّا الضعيف فإنه لا يحتج به ولا يعمل به، بل ولا يجوز ذكره إلَاّ لبيان ضعفه إلا إذا كان من فضائل الأعمال، فإن بعض أهل العلم أجاز ذكره بشروط ثلاثة وهي: ألا يكون الضعف شديدًا، وأن يكون لهذا العمل أصل صحيح -العمل المرغوب فيه-، والثالث: ألا يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله. فبعضهم أجازه بهذه الشروط الثلاثة، والبعض الآخر قالوا: لا يجوز العمل بالضعيف، ولا

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 286)

يصح ذكره مطلقًا، وفيما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام غنّى عما كان ضعيفًا، وبعض العلماء صحح هذا الإسناد أو حسَّنه، وعلى كلا الرأيين يكون الحديث حجة، وهذا ما ذهب إليه فقهاء الحنابلة فقد احتجوا بهذا الحديث، ورأوه إمَّا حسنًا وإمَّا صحيحًا لشواهده، وقالوا: إن الاضطراب الذي في سنده يمكن زواله بترجيح أحد الطُّرق أو إنه اضطراب لا يخل؛ لأنكم تعرفون أن الاضطراب أحيانًا لا يخل إذا كان لا يتعلق بأصل المعنى مثل حديث فضالة بن عبيد حين اشترى قلادة باثنى عشر دينارًا، ففصلها فوجد فيها أكثر فاختلفوا في قيمة هذه القلادة، ومثل ذلك اختلافهم في قيمة جمل جابر، لكن لما كان هذا الاختلاف لا يتعلق بأصل الحديث، قال العلماء: إنه لا يضر؛ لأن المحدثين لا يهتمون بالشئ الذي لا يتعلق بأصل الحديث فربما نسوه فحدّث بعضهم بكذا، وبعضهم بكذا.
على كل حال: هذا الحديث عند أصحاب الإمام أحمد حديث تقوم به الحجة، وينفذ به الحكم.
يقول: "رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده"، "وحده" حال من فاعل يصلي، "وخلف الصف" أيضًا ظرف وهو في موضع نصب على الحال: "يصلي حال كونه خلف الصف"، وحال كونه وحده، "فأمره أن يعيد الصلاة" الفاء هنا للسببية، يعني: أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعيد الصلاة التي صلاها خلف الصف.
الحديث واضح، ولكن هل الصف تام أم لم يتم؟ يحتمل أن يكون تامًّا، ويحتمل أن يكون غير تام، إن كان غير تام فإن بطلان صلاته واضح؛ لأنه صلى وحده بدون عذر، وإن كان تامًّا فإنه على رأي بعض أهل العلم أيضًا تبطل الصلاة ولو كان الصف تامًّا، وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال، فلا يمكن أن يستدل بهذا الحديث على أن من صلى خلف الصف ولو كان الصف تامًّا بطلت صلاته؛ وذلك لأن الحديث ما بين فيه، بل قد يتراءى للإنسان يصلي خلف الصف وحده، كلمة "وحده" قد يتراءى للإنسان أن الصف الذي سبقه لم يتم ولكن هذا ضعيف.
فالحاصل: أن عندنا الآن أن الصف تام احتمال، وأن الصف لم يتم احتمال آخر، الرسول عليه الصلاة والسلام أمر الرجل أن يعيد الصلاة لا لكونه صلى وحده، ولكن لسبب آخر؛ لأن القضية عين، وليست كلامًا عامًا، قضية أنه رأى رجلًا يصلي خلف الصف، "فأمره أن يعيد الصلاة" يحتمل أمره لأنه رآه أخل بشئ آخر فأمره أن يعيد لأجله، هذا الاحتمال وارد لكنه ضعيف يضعفه أن الفاء في قوله: "فأمره" تشي للسببية، ولو أحلنا سبب الأمر على أمر غير موجود لكنا ألغينا سببًا موجودًا وادعينا سببًا غير موجود، انتبهوا لهذه؛ لأننا سننتقل إلى حديث آخر أعظم منه خطورة، من ادعى أن قوله: "فأمره أن يعيد الصلاة" إنما هو لسبب آخر غير كونه

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 287)

صلى خلف الصف نقول: هذا ضعيف لا يصح، لماذا؟ لأنه ألقى السبب الموجود وادعى سببًا غير موجود مفقود، نظير هذا ما ثبت في الصحيحين: "أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها". هذا لفظ حديث، الحنابلة يقولون: في هذا دليل على أن جاحد العارية يقطع، من استعار شيئًا ثم جحده وثبتت عنده قطعت يده، حجتهم: أن السبب الذي جاء مرتبًا عليه الأمر بالقطع هو جحد العارية، ومن لا يرى ذلك وهم الأئمة الثلاثة يقولون: إنها قطعت بغير هذا كانت تستعير المتاع فتجحده فسرقت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، وهذا ضعيف؛ لأن فيه إلغاء للسبب الموجود المذكور، وادعاء لسبب مفقود غير موجود، ولو كانت العلة السرقة لما كان لقوله: "كانت تستعير المتاع فتجحده" فائدة إطلاقًا، هم يقولون: إن فائدته التعريف إنها المرأة المعروفة التي تستعير وتجحد، وأن هذا المقصود تعيينها، فيقال: فلانة بنت فلان، وهذا أبلغ في التعيين من قوله: "امرأة مخزومية تستعير المتاع فتجحده".
المهم: أنه لا شك أن عندنا في هذا الحديث أن سبب أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الرجل أن يعيد الصلاة أنه صلى وحده خلف الصف، يبقى النظر الآن فيما إذا كان هناك احتمال أن يكون الصف تامًّا أو غير تام، وهذا منشأ الخلاف بين شيخ الإسلام ابن تيمية والمشهور من المذهب، المشهور من المذهب أنهم يقولون: إنه تبطل صلاته مطلقًا اتم الصف أو ما تم ويلزمه الإعادة، وشيخ الإسلام يقول: إذا كان الصف تامًّا فإنه لا يلزمه الإعادة.
في هذا الدليل على وجوب تعليم الجاهل، أما على النبي صلي الله عليه وسلم فلا شك أنه واجب ولوو كان أمرًا مستحبًّا؛ لأنه لو لم يبلغ الناس بالأمر المستحب فلا يعرفونه، لكن الكلام هل نأخذ من هذا الحديث وجوب تعليم الجاهل بالنسبة لغير الرسول؟ نقول: إنه لا يؤخذ، لأن المعروف عن الأصوليين أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، لكننا نأخذ وجوب تعليم الجاهل من دليل آخر من قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الَّذين أوتوا الكتاب لتبيننَّه للنَّاس ولا تكتمونه} [آل عمان: 187].
ومن فوائد هذا الحديث: بطلان صلاة المنفرد خلف الصف؛ لقوله: "فأمره أن يعيد الصلاة"، وهذا هو الصحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى القول بصحة صلاة المنفرد وحملوا الأمر بالإعادة هنا على أنه ليس للوجوب ولكن للإستحباب، والصواب أنه للوجوب.
ويستفاد من هذا الحديث: وجوب المصافة؛ لأن الإلزام بإعادة الصلاة لتركها يدل على وجوبها وهو كذلك.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 288)

ومن فوائده أيضًا: الإشاة إلى الحكمة من إيجاب صلاة الجماعة وهي أن الناس يكونون متصافين بعضهم إلى جنب بعض حتى يشعروا بالوحدة والإلفة.
وممن فوائده: على المشهور من مذهب الإمام أحمد أن من صلى خلف الصف ولو كان الصف تامًّا وجبت عليه الإعادة، وهذا إن صحَّ أنه لم يجد مكانًا في الصف، أمَّا إذا لم يصح فالمسألة محتملة ولا دليل فيها، ولكن على تقدي صحة هذه اللفظة نقول: هو دليل على أن يعيد ولو كان الصف تامًّا؛ أمَّا شيخ الإسلام فيقول: إنه تجب المصافة، ولكن إذا لم يستطع أن يصف فإنه واجب غير مقدور عليه، والواجب غير المقدور عليه يسقط لقوله تعالى: {فاتَّقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. وقال: إنه مما يدل على ذلك أن المرأة أجازت الشريعةة أن تقف وحدها، لماذا؟ لتعذر وقوفها مع الرجال شرعًا فيقول بالقياس، إذن التعذر الحسي كالتعذر الشرعي، فلمَّا كان التعذر الشرعي مسقطًا لهذا الواجب فالتعذر الحسي من باب أولى، وما ذهب إليه الشيخ أصح؛ أي: أنه واجب، ولكن يسقط بالعجز.
339 - وله عن طلق بن عليٍّ رضي الله عنه: "لا صلاة لمنفرد خلف الصَّفِّ".
- وزاد الطَّبرانيُّ في حديث وابصة: "ألا دخلت معهم أو اجترررت رجلًا؟ ".
قوله: "وله" أي: ابن حبان؛ لأنه أقرب مذكور، "لا" نافية للجنس، و"صلاة" اسمها و"منفد" خبرها، و"خلف الصف" متعلق بمنفرد، قوله "لا صلاة" ذكنا فيما سبق أن ما نفاه الشع فيحمل أولا على نفي الوجود؛ لأنه هو الأصل، الأصل في النفي أن يكون نفيًا للحقيقة، فإن لم يكن فهو على الصحة، ويكون النفي هنا للوجود الشرعي لا الحسي، فإن لم يكن فعلى الكمال، ومن ادعى أن هذا النفي لنفي الكمال مع إمكان أن يكون لنفي الصحة لم يقبل، ومن ادّعى أنه لنفي الصحة مع إمكان نفي الوجود فلا يقبل؛ لأن المسألة مرتبة هنا "لا صلاة لمنفرد" ذهبت الأئمة إلى أن المراد بقوله: "لا صلاة": لا صلاة كاملة للمنفرد، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقالوا: إن النفي يأتي للكمال كما في قوله: "لا صلاة بحضرة طعام" فإن

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 289)

الإنسان لو صلى بحضرة طعام فصلاته صحيحة، فكذلك "لا صلاة لمنفرد" يعني: لا صلاة كاملة لمنفرد، وهذا مردود لوجهين:
الوجه الأولك أن خلاف الأصل كما قلنا.
الوجه الثاني: أمره بالإعادة يجل على أنه نفي للصة وليس نفيًا للكمال.
قال: وزاد الطبراني: "ألا دخلت معهم". "ألا" أداة عرض، أما "هلا" و"لولا" فهما أداة تحضيض، والفرق بين العرض والتحضيض: أن العرض طلب برفق، والتحضيض، طلب بإزعاج وشدة، فالعرض يعرض عليك شئت أو لم تشأ، وأما التحضيض فإنه يحثك، قال: "ألا دخلت معهم" ويجوز اان يكون المراد بها هنا: الأداة أداة عض، ولكن المراد بها التحضيض؛ لأن أدوات المعاني ينوب بعضها عن بعض، "ألا دخلت معهم" أي: مع الناس، وهذا يقتضي أن يكون هناك شيء يمكن أن يدخل فيه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقول: "ألا دخلت معهم" وليس فيه مكان، إذ إنَّ هذا أمر بما لا يمكن.
"أو اجتررت أحدًا" أي: ليجع معه، "اجتررته" يعني: جذبته إلى الصف الثاني ليتأخر، وهذه الزيادة ضعيفة، لكنه يستأنس بها في قوله: "ألا دخلت معهم" على أن الصف غير تام ..
ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة هل يجر أو لا يجر؟ فقال الشافي وجماعة: إنه يجره بناء على أن هذا الحديث صحيح، أما أصحاب الإمام أحمد فكرهوا ذلك، وقالوا: لا يجره، ولكن ينبهه بالقول، أما أن يجره أي: يجذبه فإن هذا مكروه، إنَّما تنبهه بالقول، والصحيح أنه لا يجذبه لا بالقول ولا بالفعل؛ وذلك لأن في جذبه -كما قررنا- مفاسد كثيرة:
الأولى: تأخيره من المكان الفاضل إلى المكان المفضول. والثانية: التشوي عليه.
والثالثة: فتح فرجة في الصف. والرابعة: حركة الصف بسبب هذه الفرجة، وما دام الأمر ليس في الشرع ما يدل على وجوبه فإن الأصل أن التصرف في الغير ممنوع إلا بدليل.

‌‌المشي إلى الصلاة بالسكينة والوقار:
400 - وعن أبي هريرة ضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصَّلاة وعليكم السَّكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكو فأتمُّوا". متَّفقٌ عليه، واللَّفظ للبخاريِّ.
"إذا سمعتم الإقامة"، المراد بها إقامة الصلاة، وقوله: "فامشوا" هذا جواب الشرط، وأين الشرط؟ هو قوله: "إذا سمعتم"، وقوله: "فامشوا إلى الصلاة" يعني: امشوا المشي الذي قيّده في هذا الحديث، وهذا لا ينافي قوله تعالى: {يا أيُّها الَّذين ءامنوا إذا نودي للصَّلاة من يوم الجمعة

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 290)

فاسّعوا إلى ذكّر الله} [الجمعة: 9]. حيث إن ظاهر الآية ينافى ظاهر الحديث، الآية أمرٌ بالسعي، والحديث أمر بالمشي، والمراد بالسعي في الآية: الإسراع والمبادرة، وليس المراد بذلك أنك تمشي مسرعًا.
وقوله: "فامشوا إلى الصلاى وعليكم السكينة" "السكينة" مبتدأ، و"الوقار" معطوف عليه، والخبر قوله: "عليكم"، والجملة في موضع نصب على الحال من الواو في قوله: "امشوا".
هل يجوز أن نقول: "وعليكم السكينة والوقار" ونجعل "عليكم" اسم فعل أمر أو لا يجوز؟ ييجوز إذا لم تمنع منه الرواية؛ ولهذا قال العلماء: يجوز فيها النصب على أن "عليكم" اسم فعل أمر، ولكن الحديث بالرفع، والمعنى: أن السكينة تكون عليكم.
السكينة والوقار هل هما لفظتان مترادفتان أو لفظتان متغايرتان؟ تقدم لنا مرارًا أن الأصل في العطف المغايرة، وعلى هذا فهما لفظتان متغايتان، فما وجه التغاير بينهما؟ السكينة في الجوارح، والوقار في القلب، السكينة في الجوارح يعني: يتحرك حركات غير مناسبة، والوقار بالقلب والهيئة يكون وقورًا كأنَّما ذهب إلى محل حياء وخجل وشرف هكذا ينبغي.
وقوله: "علكم السكينة والوقار ولا تسرعوا" "لا" نافية، ولهذا جزمت الفعل بحذف النون، والواو فاعل، " ولا تسرعوا في المشي" وليس لا تسرعوا في التجهيز للصلاة، بل "لا تسرعوا في المشي"؛ لأن الإسراع ينافي السكينة والوقار.
"فما أدركتم فصلوا" "ما" هذه شرطية، وفعل الشرط "أدركتتم"، وجوابه: "فصلوا" أي: فما أدركتم من الصلاة مع الإمام فصلوا، "وما فاتكم فأتموا" ما فاتكم يعني: من صلاة الإمام، "فأتموا" أي: فأتوا بإتمامها.
ففي هذا الحديث: يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أمته إذا سمعوا الإقامة للصلاة أن يذهبوا إليها بهذا الوصف بسكينة الجوارح، ووقار القلوب والهيئة، وألا يسرعوا؛ لأن ذلك ينافي الأدب، فأن إذا خرجت من بيتكفإنكك تخرج لتقف بين يدي الله عز وجل في بيت من بيوته، فينبغي أن تكون ملتزمًا بهذا الوصف الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنت حينما تخرج من بيتك متوضئًا ومتطهرًا فإنك لا تخطو خطوة إلا رفع الله لك بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة، إذن فأنت في عبادة، وعليه فلا ينبغي لمن كان في عبادة أن يكون غير وقور ولا ساكن.
ويقول لنا رسول الله صلة الله عليه وسلم: "لا تسرعوا"، لأن الإسراع أو العجلة خفة في المرء، وعدم أدب ووقار، فلا ينبغي أن يكون كذلك.
ثم يرشدنا عليه الصلاة والسلام إلى الدخول مع الإمام على أي حال وجدناه: "فما أدركتم

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 291)

فصلوا" ولا تنتظروا، تجده ساجدًا تقول: أنتظر حتى يقوم، لا، الذي تدرك صله، فإن كان الذي أدركت مما تدرك به الركعة مثل الركوع فقد أدركت، وإلا فلا.
"وما فاتكم فأتموه" هل "أتموه" أم أتموا الصلاة لتأتوا بالواجب؟ الثاني؛ لأن الذي فات فات، ولكن المعنى: أتموا الصلاة.
يستفاد من هذا الحديث فوائد كثيرة؛ منها: أن الإقامة تسمع من خارج المسجد لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للمقيم أن يرفع صوته بها، لا يقول: إن العدد الحاضر قليل يكفيهم أدنى صوت ليس الأمر كذلك بل يرفع صوته ليسمع من خارج المسجد.
ويستفاد من هذا: أنه لا بأس أن ترفع الإقامة من مكبر الصوت؛ لأنه إذا رفعت من مكبر الصوت سمعه الناس وحضروا، كما أن النداء ليوم الجمعة الذي أنيط به الحكم بالحضورية يسمع من خارج المسجد، ويكون بمكبر الصوت.
يقول بعض الناس: إنه يحصل بذلك مفسدة، والمفسدة هي أن الناس يتأخرون في بيوتهم إلى الإقامة.
والجواب على ذلك: أنه لا يلزمهم الحضور إلا إذا سمعوا الإقامة لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، ما قال: "إذا أذن".
ولكن هل نقول: إنه إذا كان محله بعيدًا بحيث يكون حضوره أو وصوله إلى المسجد بمنزلة حضور من سعى عند سماع الإقامة، فهل يلزمه أن يتقدم كما قال العلماء رحمهم الله فيمن كان منزله بعيدًا يوم الجمعة: إنه يجب عليه أن يسعى إلى الجمعة، وإن لم يسمع المؤذن إذا كان مكانه بعيدًا بحيث يدرك الخطبة والصلاة؟
يحتمل هذا، ويحتمل أن يبقى الحديث على عمومه، ويقال: لا يجب السعي إلى الصلاة إلا بسماع الإقامة.
ويستفاد من هذا الحديث: مشروعية الإقامة لقوله: "إذا سمعتم الإقامة"، وما حكم الإقامة؟ تقدم لنا أنها فرض كفاية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بها فقال: "فأذنوا وأقيموا".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي المشي إلى لاصلاة بدون إسراع لقوله: "فامشوا ولا تسرعوا"؟
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان الذي يسعى إلى الصلاة أن يكون عليه السكينة والوقار.
ومن فوائده: تعظيم شأن الصلاة، من أين تؤخذ؟ حيث أمر الماشي إليها أن يكون على هذه الهيئةمن السكينة والوقار، وهذا دليل على تعظيم شأنها.
ومن فوائد الحديث: أن الإنسان يدخل مع الإمام حيثما وجده لقوله: "فما أدركتم فصلوا".

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 292)

‌‌استحباب الكثرة في الجماعة:
401 - وعن أبيَّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرَّجل مع الرَّجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرَّجلين أزكى من صلاته مع الرَّجلن وما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل". رواه أبو داود، والنَّسائيُّن وصحَّحه ابن حبَّان.
قوله: "صلاة" مبتدأ، و"أزكى" خبر، والظرف "مع" حال أزكى، يعني أكثر أجرًا، مأخوذ من الزكاة وهو النمو فهو أكثر أجرًا.
وقوله: "وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل" يعني: أكثر أجرًا، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل إذن صلاته مع الثلاثة أزكى من رجلين، ومع الأربعة أزكى من الثلاثة وهكذا.
هذا الحديث يخبر الرسول عليه الصلاة والسلام فيه أن الجماعة أكثر من الانفراد، لماذا؟ حثًا للأمة على الجماعة، وعلى كثرة الجمع، فإذا كانوا مثلًا طائفة تتكون من عشرة رجالن وقالوا سنصلي خمسة وخمسة ماذا نقول؟ هذا خطأ؛ لأن الجماعة ربما تحصل بخمسة وخمسة، لكن ما كان عشرة فهو أحب إلى الله من خمسة، فاجتمعوا لأن الشرع يحب الاجتماع.
يستفاد من هذا الحديث فوائد: أولها: أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة، من أين تؤخذ؟ من قوله: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده"، وجد الدلالة: أن التفضيل يدل على أن الطرفالمفضل عليه فيه زكاة، ولو كان فاضلًا ما حصل فيه زكاة.
ويستفاد منه: أن صلاة الجماعة ليست بواجبة؛ لأن الرسول صلى الله عيله وسلم قال: "أزكى" لكن الحديث ليس فيه دليل على عدم الوجوب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يخبر هنا عن فضل الجماعة وفضلها لا أنه ينفي وجوبها؛ إذ إن الفضل يكون في الواجب ويكون في أوجب الواجبات، قال الله عز وجل: {يا أيُّها الَّذين ءامنوا هل أدلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليمٍ (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل اللع بأموالكم وأنفسكم} [الصف: 10 - 11]. ومع ذلك الإيمان من أوجب الواجبات، وكذلك قال تعالى في صلاة الجماعة: {يا أيُّها الَّذين ءامنوا إذا نودي للصَّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خيرٌ لكم} [الجمعة: 9 - 10].

فالمهم: أن ترتيب الفضل على العمل لا يدل على الوجوب، لكن لا يدل على عدم الوجوب أيضًا، وبينهما فق؛ لأننا إذا قلنا: يدل على عدم الوجوب، فمعناه أنه يعارض الأدلة

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 293)

الدالة على الوجوب، وإذا قلنا: لا يدل على الوجوب فمعناه: أنه بالنسبة للأدلة الدالة على الوجوب غير معارض؛ يعني: إثبات الفضل للشئ لا يدل على عدم وجوبه، بل يكون بالنسبة للوجوب أقرب.
ومن فوائد الحديث: أن الجماعة تنعقد باثنين، من أين تؤخذ؟ من قوله: "مع الرجل أزكى .. ".
ومن فوائده: أن الجماعة لا تنعقد بامرأة؛ أي: رجل وامرأة، من أين يؤخذ؟ من قوله: "صلاة الرجل مع الرجل"، مع أن المشهور من المذهب: أن الجماعة تنعقد بالأنثى، ويمكن الجواب عن هذا الحديث: بأنه مفهوم لقب وليس مفهوم صفة، ومفهوم اللقب ليس قيدًا، وليس بحجة، فالرجل ليس معناه دون المرأة لكن هذا علق بالرجل؛ لا لأنه رجل والمرأة ليست كذلك، بل لأنه لقِّب بهذا اللقب، ومفهوم اللقب عندهم لا حجة فيه.
ومن فوائد الحديث: أنه كلما كانت الجماعة أكثر فهي أفضل، وينبني على ذلك أن نبحث هل يجب أن نذهب إلى الأكثر وندع الأقل أم لا؟ يعني: لو كنا مائة فهل الأفضل أن نتفرق ونصلي جماعة والبعض الآخر جماعة، أو نصلي جميعًا؟ قلنا: أن يصلي الجميع.
ويستفاد منه: أنه لا ينبغي كثرة المساجد في الأحياء؛ لأن هذا يؤدي إلى توزيع الجماعة وتفرقهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "ما كان أكثر فهو أحب إلى الله".

‌‌حكم إمامة المرأة لأهل دارها:
402 - وعن أمِّ ورقة رضي الله عنها: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرها أن تؤمَّ أهل دارها". رواه أبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة.
قوله: "أمرها أن تؤم أهل داها" أي: تكون إمامة لهم، و "أهل دارها" الظاهر أن المراد به: أهل بيتها لا أهل الحي؛ لأن الدار تطلق على معنيين أحدهما: دار الإنسان الخاصة به، والثاني الدار بمعنى الحي، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: " أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظَّف وتطيّب" في الدور يعني: في الاحياء. ومنها قولهم: دار بني فلان، أي: حيُّهم.
وهذا الحديث اختلف العلماء رحمهم الله في صحته، وفي حكمه؛ فذهب بعض أهل العلم إلى تضعيفه؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن خلَاّد وهو مجهول، وذهب بعضهم إلى تصحيحه، وقالوا: إنه مجهول، لكنه قد بينت حاله وعرفت، ودعوى الجهالة ليست بقائمة لمن قال بصحة الحديث.
يستفاد من هذا الحديث: مشوعية الجماعة للنساء، وأنه ينبغي للنساء أن يصلين جماعة

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 294)

منفردات عن الرجال، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ حيث قالوا: إنه يسن إقامة الجماعة للنساء بشرط أن يكن منفردات عن الرجال، وقال بعض العلماء: إن هذا الحديث لا يصح، وأنه لا يشرع للنساء أن يصلين جماعة، نعم يباح لهن الخروج مع الرجال لكن لا يشرع. فالمسألة ليست بتلك القوة التي يجزم الإنسان فيها باستحباب صلاة النساء جماعة؛ لأن مثل هذه المسألة مما تتوفر الدواعي على نقله لو أنها ثبتت، وإنما الجماعة للرجال كما ثبت في الحديث الأول عن أبي هريرة: "أنطلق إلى رجال لا يشهدون الجماعة"، فالأصل في مشروعية الجماعة للرجال، فإن صلين جماعة فهذا خير، ولا ينكر عليهن، وإن لم يفعلن فلا يقال إنهن تركن مشوعًا، وأكثر ما ينتفع النساء في ذلك إذا كن في مدرسة كما يفعلن الآن، فإن النساء في المدارس يصلين جماعة، ويكون في هذا خير؛ لأنهن يتعلمن كيفية الصلاة المشروعة بالطمأنينة وعدم السرعة ويألف بعضهن بعضًا، وهذا الآن هو الموجود؛ يعني: أنهن يصلين جماعة.
حكم إمامة الأعمى:
403 - وعن أنس رضي الله عنه: "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أمِّ مكتوٍم، يؤمُّ النَّاس وهو أعمى". رواه أحمد، وأبو داّود.
"ابن أم مكتوم" اسمه: عبد الله، وقيل: عمر، وكان أحد المؤذنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "استخلفه يؤم الناس" أي: يصلي بهم إمامًا، استخلفه على أي شيء؟ على المدينة، استخلفه عليه الصلاة والسلام عدة مرات -إذا خرج في غزو- على المدينة في رعاية شئون الناس، وكذلك أيضًا في إمامتهم، وكذلك قوله: "وهو أعمى" هذه جملة حالية حال من المفعول به في قوله: "ابن أم مكتوم"، ويجوز أن تكون حالًا من فاعل "يؤم"، والحال أنه أعمى لكننا إذا جعلناها حالًا من المفعول صارت أعم، يعني: صاررت وصفًا له في الاستخلاف وفي الصلاة؛ أي: الإمامة.
فيستفاد من هذا الحديث: جواز استخلاف الأعمى في الحكم.
ويستفاد منه: ضعف من اشترط في القاضي أن يكون بصيرًا، وهذا هو المشهور من المذهب، أي: أنه يشترط أن يكون القاضي بصيرًا، وأن قضاء الأعمى لا يصح إلا إذا دعت إليه الضرورة، وهذه المسألة هل عليها عمل الآن أو لا؟ لا، ليس عليها عمل الآن؛ لأن المسلمين الآن يولون القضاء من هو أعمى، وإن كان يوجد غيره، وهذا هو الصحيح؛ بمعنى: أنه يجوز تولية القاضي وهو أعمى كما استخلف الرسول عليه الصلاة والسلام ابن أم مكتوم وهو أعمى.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 295)

ومن فوائد الحديث: جواز إمامة الأعمى، وهذا هو الشاهد من الحديث؛ فيجوز أن يؤم الناس وهو أعمى، لكن إذا كان نائبًا عن الإمام الراتب فإنه لا ينظر هل هو أقرأ الناس أو ليس أقرأهم؛ لأنه نائب مناب الأصل، أما إذا كنا نريد أن نصلي جماعة وليس لدينا إمام راتب فإنه كما سبق: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله"؛ فإنه إذا كان أقرأهم قدِّم ولو كان أعمى، لكن لو استويا في جميع الصفات إلا العمى والبصر يقدَّم البصيرفهو أولى كما قاله الفقهاء رحمهم الله.
ومن فوائد الحديث: منقبة ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وأنه لثقة الرسول عليه الصلاة والسلام به في دينه وقوته كان يخلفه، وهل نأخذ منه أنه لا يجب الجهاد على الأعمى؟ ليس بظاهر؛ لأنه قد يقال: لو فرض أنه واجب عليه، فإنه تخلف بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام كما تخلف عثمان رضي الله عنه في تمريض ابنة الرسول -علية الصلاة والسلام-.
ويستفاد منه: جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك، ولم يرغب عنه، ومنه: "عبد الله ابن بحينة"، فإن بحينة هي أمه، ومنه: "عبد الله بن أبي ابن سلول"، فإن سلولًا أمه، وأبيُّا أبوه.
404 - ونحوه لابن حبَّان: عن عائشة رضي الله عنها.
قوله: "ونحوه" أي: نحو هذا الحديث، والنحو عند العلماء يأتي بممعنى: المثل، ومنه علم النحو، فإنه سمي علم النحو، أي: علم المثل؛ لأنه يقال: إن أبا الأسود الدؤلي كتب قواعد أول ما بدأ في علم النحو حين اختلف اللسان، فكتب قواعد مبسطة وعرضها على علي بن أبي طالب ضي الله عنه فقال علي: "انح نحو هذا" يعني: اسلك مثله: فالنحو والمثل والشبه ووما أشبهه، كله بمعنى واحد.
405 - وعن ابن عمر رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلُّوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلُّوا خلف من قال: لا إله إلا الله". رواه الدَّارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ.
هذا الحديث -كما قال المؤلف- إسناده لا يصح، لكن ننظر إلى معناه: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله" متى؟ إذا مات، و"صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" أي: ليكن إمامًا لكم، فالأول: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله". أي من قالها بلسانه معتقدًا لها في قلبه، وأمَّ من قالها نفاقًا فإن الله قال: {ولا تصل على أحدٍ منهم مَّات أبدًا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84]. فإذا علمنا أنه قالها نفاقًا فإنه لا يصلى عليه، وكذلك "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله" من قالها بقلبه ولسانه لا من قالها مناففقًا فإنه لا يصلى خلفه؛ لأن الصلاة خلفه لا تصح.
ولما كان هذا الحديث صحيحًا -على الرغم من إسناده- فإننا نستفيد منه ما يلي: وجوب الصلاة على الميت المسلم لقوله: "صلوا" والأمر للوجوب هل هو فرض عين أو فرض

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 296)

كفاية؟ فرض كفاية؛ لأنه لا يجب على كل واحد أن يصلي إذن يسقط بواحد، لو صلى عليه واحد من الناس كفى، ولو امرأة؟ نعم كفى ولو امرأة، لأنها من المسلمين.
ويستفاد منه عن طريق المفهوم: أنه لا يصلى على الكافر، من أين يؤخذ؟ من قوله "على من قال: لا إله إلا الله"، فالكافر لا يصلَّى عليه، ويؤيده قوله تعالى: {ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مَّات أبدًا}.
ويستفاد من هذا الحديث: جواز الصلاة خلف الفساق لقوله: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله"، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فقال بعض العلماء: إنه لا تصح الصلاة خلف فاسق سواء كان فسقه بالاعتقاد، أو كان فسقه بالأقوال، أو كان فسقه بالأفعال، أما في الاعتقاد فأن يعتقد خلاف ما كان عليه السلف فيما يتعلق بالإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والنبيين، والقدر خيره وشره فإنه صدق، هذا إذا لم يفعله عن تأويل سائغ، فإن فعله عن تأويل سائغ لم يكن فاسقًا، الفاسق بالأقوال مثل القاذف، والفاسق بالأفعال مثل الغاش في بيعه، وما أشبه ذلك.

‌‌الدخول مع الإمام على أي حال أدركه:
406 - وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم الصَّلاة والإمام على حالٍ، فليصنع كما يصنع الإمام". رواه التَّرمذيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ.
"إذا أتى أحدكم الصلاة" يعني: التي يريد أن يصليها مع هذا الإمام، "والإمام على حال" الجملة هذه في محل نصب على الحال، يعني: والحال أن الإمام على حاله قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو قاعدًا، "فليصنع" هذا جواب الشرط؛ ولهذا قرن بالفاء، ومعلوم أن جواب الشرط هنا يجب اقترانه بالفاء؛ لأنه صا طلبيًّا وجب قرنه بالفاء، وعلى هذا قول الشاعر الذي نظم المواضع التي يجب فيها ارتباط الجواب بالفاء، يقول:
اسميَّةٌ طلبيَّةٌ وبجامد … وبما وقد وبلن والتَّنفيس
"فليصنع كما يصنع الإمام"، "كما" "الكاف" لا شك أنها حرف جر، لكن "ما" التي بعدها هل هي مصدرية أو اسم موصول؟ الجواب: أنها يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون اسمًا موصولًا ولكن لو ذكر العائد لتعين أن تكون اسمًا موصولًا، لو قال: كما يصنع الإمام لتعين أن تكون اسمًا موصولًا؛ لأن الضمير لا يعود إلا لى اسم، ولما لم يذكر العائد جاز أن

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 297)

تكون مصدرية، يعني: حرف مصدر؛ أي: "فليصنع كصنع الإمام"، وهذا الحديث معناه واضح وهو: أن المشروع في حق الإنسان الآتي إلى الصلاة أن يدخل مع الإمام على أي حال يجده ولكنه -كما ترونه- ضعيف السند لكنه صحيح المتن. فإنه سبق أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة ولا تسرعا، فما أدركتم فصلوا"، إذن معناه: أننا إذا أتينا والإمام على حال نصنع كما يصنع الإمام، لا نقول: إن هذا الجزء من الصلاة لا تدرك به الركعة فلا تدخل مع الإماام فيه كما يفعله بعض العامة: إذا جاء والإمام ساجد قال: هذا ليس ينفعني فلن أدخل مع الإمام، نقول: أنت الآن خالفتالسُّنة وحرمت نفسك الثواب؛ لأنك إذا سجدت لله قد تكون هذه السجدة سببًا في أن يرفعك الله بها درجات فلا تحرم نفسك هذه السجدة، وهو أيضًا فيه ذكر وفيه دعاء، والجلوس بين السجدتين فيه دعاء فكيف تحرم نفسك، لكن الشيطان بدخل على بني آدم فيجعله واقفًا والإمام ساجدًا يقف فقط ليحرم نفسه الخير، لا يدخل مع الإمام، وهذا خطأ مخالف للسُّنة وحرمان لنفسه من الأجر، فالدخول معه على أي حال هو السُّنة.
يستفاد هذا لاحديث على ما فيه من ضعف: أن الإنسان لا ينبغي له أن ينفرد عن الجماعة حتى فيما لا يدرك الجماعة فيه؛ لقوله: "فليصنع كما يصنع الإمام"، وهل يؤخذ منه أنك تدخل مع الإمام وإن لم تدرك الصلاة جملة، ولا تقل أذهب إلى مسجد آخر أو لا تدخل؟ يعني: جل عرف أنه الآن في التشهد الأخير وعرف أن هناك مسجدًا آخ يدرك الجماعة كاملة فهل نقول: ادخل معه أو لا تدخل معه؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: يدخل معه ويكون هذا الرجل اتقى الله ما استطاع، ويكون فعل ما أمر به وكونه يدرك أو لا يدرك هذا شيءٌ آخر، وإذا نظرنا إلى أن الجماعة واجبة، ولابد من إدراكها قلنا له: الآن لا يستفيد بها الدخول شيئًا من إدراك الجماعة فاذهب إلى المسجد الآخر، ولكن إذا قال: أنا لا أدري هل أدرك مسجدًا آخر أو لا؟ نقول له: ادخل مع الإمام ولو في التشهد الأخير، وكونك تدرك شيئًا من الصلاة خير لك من ألَّا تدرك شيئًا أبدًا.
*******

‌‌11 - باب صلاة المسافر والمريض
الإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ لأان المسافر له صلاة تخصه، والمريض له صلاة تخصه، لكنها بالنوع والكيفية لا في الأصل.

‌‌حقيقة السفر ومعناه:
وقوله: "صلاة المسافر" المسافر مطلق، والسف هو الخروج والبروز، ومنه إسفار الصبح؛

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 298)

لأنه يبرز ويخرج، ولهذا قال علماء اللغة: إن السفر: "مفارقة محل الإقامة" وسماه الله عز وجل في القرآن الكريم سفرًا، وسمَّاه ضربًا في الأرض، فقال تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم من الغآئط} [النساء: 43]. وقال: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ} [البقرة: 184]. وسمَّاه ضربًا في الأرض كما في قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض … } الآية [النساء: 101]. وقال تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض … } [المزمل: 20]. المهم من هو المسافر؟ من فارق محل إقامته، أمَّا من نوى أن يفارق ولم يخرج فليس بمسافر لا يكون إلا إذا ضرب وخرج.
وقوله: "والمريض" المريض ضد الصحيح، والمراد هنا: مريض البدن، والمرض -كما سبق- مرضان: مرض القلب، نسأل اله العافية، ومرض البدن.

‌‌قصر الصلاة في السفر وحكمه:
407 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أوَّل ما فرضت الصَّلاة ركعتين، فأقرَّت صلاة السَّفر وأتمَّت صلاة الحضر". متَّفق عليه.
قولها: "أول ما فرضت الصلاة" "أول" مبتدأ، ومقتضى الجملة أن يكون الخبر قولها: "ركعتان"، ولكن الخبر محذوف تقديره "أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين"، فالخبر إذن محذوف، و"ركعتين" حال من نائب الفاعل من قولها: "فرضت"، قولها: "فرضت" الفرض في اللغة: "القطع" وأمَّا في الشرع فإنه: ما أم به على سبيل الإلزام، فخرج بقولنا: "ما أمر" المباح والمكروه والحرام، ودخل المستحب، فلمَّا قلنا: "على سبيل الإلزام" خرج المستحب، إذن على هذا التعريف الفرض والواجب بمعنى واحد وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الإمام أحمد، وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق، فالفرض: ما كانت الأدلة فيه قطعية في الثبوت وفي الدلالةفهذا فرضٌ، وما كانت الأدلة فيه ظنية فهو واجب، والصواب ظانه لا فرق بينهما، لأن الكل يأثم بتركه ويؤجر لفعله.
وقولها: "الصلاة" المراد بها الفريضة وهي خمسن وقولها: "ركعتين" إلى متى؟ إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم يعني: ثلاث سنوات أو سنة حسب اختلاف أهل العلم في النعراج بقى المسلمون يصلون ركعتين ركعتين غلا المغرب، فلما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام زيد في صلاة الحضر، "فأقرت صلاة السفر" يعني: بقيت ركعتين، وهنا يشكل الأمر؛ لأن منَّا من يسمي صلاة السفر قصرًا وهي الآن على مقتضى هذا الحديث ليست بقصر، وإنَّما صلاة الحضر زيادة، فنقول: تسميتها قصرًا أمر نسبي ليس على سبيل الحقيقة، وإلا الحقيقة: أنها لم تقصر بل بقيت

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 299)

على الفريضة الأولى، لكن بالنسبة إلى صلاة الحضر التي زيد فيا إلى الأربع صارت قصرًا، والله عز وجل يقول: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة} [النساء: 101].
وقولها: "أقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر" في بعض الألفاظ: "وزيد في صلاة الحضر" وهو أوضح من قولها: "وأتمَّت"، لكن قولها: "وأتمت" أيضًا على سبيل الأمر النسبي، "أتمت" باعتبار أن صلاة السفر ركعتان.
في هذا الحديث تذكر عائشة رضي الله عنها أن الصلاة لها مرحلتان:
المرحلة الأولى: تساوي صلاة الحضر والسفر بأن كانت الصلاة كلها ركعتين ركعتين.
والمرحللة الثانية: الزيادة في صلاة الحضر، وبقاء صلاة السفر على الفرض الأول.
يستفاد من هذا الحديث، أولًا: مشروعية القصر في السفر، وقد تدل عليه قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة}. وهذه المشروعية هل هي على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب المؤكد الذي يكره تركه أو على سبيل الاستحباب الذي لا يكره تركه؟ في هذا خلافٌ بين أهل العلم؛ فقد ذهبت جماعة منهم أهل الظاهر وأبو حنيفة إلى أن هذه المشروعية مشروعية وجوبن وأن المسافر يجب عليه القصر، واستدلوا بهذا الحديث قالوا: لأن حديث عائشة واضح في أن صلاة السفر بقيت على الفريضة الأولى، فكما أنك لا تصلي في الحضر خمسًا فلا تصلي في السفر أربعًا يعني: كل فريضة.
استدلوا أيضًا بأن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على عثمان إتمامه الصلاة في منّى، فإن عثمان رضيالله عنه بقى في خلافته ست أو ثمان سنوات يقصر الصلاة، ثم بعد أتم، وخلافته كانت اثنتي عشرة سنة، ولكن الصحابة أنكوا عليه ذلك واعتذروا له، حتى إن ابن مسعود قال لما بلِّغ بهذا الأمر: "إن لله وإنَّا إليه راجعون" فجعل هذا من المصائب التي يسترجع منها.
واستدلوا أيضًا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره ما أتم ولو يومًا واحدًا، بل كل أسفاه كان يقصر الصلاة، ولولا أن هذا على سبيل الوجوب ما حافظ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم لكان يفعل سواه يومًا من الأيام ليبيِّن للناس أنه ليس بواجب، أو يقول للناس: إنه ليس بواجب.
أما الذين قالوا: إنه مشروع على سبيل التأكيد بحيث يكره تركه فاستدلوا بهذا الحديث قالوا: إن المقصود لا يجوز تركه لكن نظرًا للخلاف في هذه المسألة نجعل الإتمام من باب المكروه وليس من باب المحرم، واستدلوا بأن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصَّلاة إن خفتم أن يفتنكم الَّذين كفروا} [النساء: 101]. فشرط الله تعالى لجواز القصر الخوف، فقالوا: إن عمر سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن هذا الشرط كيف نقصر ونحن آمنون، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 300)